كتابة لا تحمل وقائع التاريخ ولا تعرّفها
عبد الله ابراهيم يفكك ثنائية الرواية والتاريخ ويدمجهما في هوية سردية جديدة
بيروت - جورج جحا: رأى الباحث الأدبي العراقي عبد الله ابراهيم أن الأوان آن كي يأخذ مصطلح "التخيل التاريخي" مكان المصطلح الآخر المعروف بتعبير "الرواية التاريخية".
وقال الدكتور ابراهيم "آن الأوان لكي يحل مصطلح "التخيل التاريخي" محل مصطلح "الرواية التاريخية" فهذا الإحلال سوف يدفع بالكتابة السردية إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية وحدودها ووظائفها.
"ثم انه يفكك ثنائية الرواية والتاريخ ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة فلا يرهن نفسه لأي منهما كما انه سوف يحيد أمر البحث في مقدار خضوع التخيلات السردية لمبدأ مطابقة المرجعيات التاريخية فينفتح على كتابة لا تحمل وقائع التاريخ ولا تعرّفها إنما تبحث في طياتها عن العبر المتناظرة بين الماضي والحاضر وبين وعن التماثلات الرمزية فيما بينهما فضلا عن استحياء التأملات والمصائر والتوترات والانهيارات القيمية والتطلعات الكبرى فتجعل منها أطرا ناظمة لأحداثها ودلالاتها..
"فكل تلك المسارات الكبرى التي يقترحها "التخيل التاريخي" تنقل الكتابة السردية من موقع جرى تقييد حدوده النوعية إلى تخوم رحبة للكتابة المفتوحة على الماضي والحاضر."
وكان ابراهيم يتحدث في مقدمة كتابه الصقيل "التخيل التاريخي .. السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية" الذي صدر في 325 صفحة كبيرة القطع عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان. والكتاب هو واحد من ثلاثة كتب عن موضوع السرد صدرت لابراهيم في الفترة الأخيرة عن الدار نفسها.
ولعل إلقاء نظرة على العناوين الرئيسية لمحتويات الكتاب كفيل باعطاء فكرة شمولية عن المادة التي انطوى عليها عمل المؤلف هذا. وتحت كل عنوان رئيسي هناك عناوين فرعية مفصلة عديدة.
عنوان الفصل الأول كان "الإمبراطورية والسرد والتاريخ" تبعه الفصل الثاني بعنوان "التهجين السردي وتمثيل الاحداث التاريخية" وجاء الفصل الثالث بعنوان "السرد والتاريخ واللاهوت".
أما عنوان الفصل الرابع فهو "كتابة مقدسة وكتابة مدنسة وانشقاقات دينية". خامس الفصول الثمانية حمل عنوان "التخيل التاريخي وتفكيك الهوية الطبيعية" وجاء بعده الفصل السادس بعنوان "التوثيق والتخيل التاريخي".
سابع الفصول حمل عنوان "التخيل السردي والتمثيل الاستعماري للعالم" وجاء بعده الفصل الثامن والأخير بعنوان "التجربة الاستعمارية والهوية المرتبكة".
ويعود ابراهيم ليقول إن فعل الحبك يتأدى عنه ما اصطلح "بول ريكور" على اعطائه اسم "الهوية السردية" وهي "البؤرة التي يقع فيها التبادل والتمازج والتقاطع والتشابك بين التاريخ والخيال بوساطة السرد فينتج عن ذلك تشكيل جديد يكون قادرا على التعبير عن حياة الإنسان بأفضل مما يعبر عنه التاريخ وحده آو السرد الأدبي بذاته."
ويمضي ناقلا عن ريكور قوله "فحياة البشر تدرك على نحو أسهل وأمتع حين يجري تمثيلها بالتخيلات التاريخية لان فهم الذات هو عملية تأويل وتأويل الذات بدوره يجد في السرد واسطة بامتياز مفضلا إياها على بقية الإشارات والعلامات والرموز. والسرد يقتبس من التاريخ بقدر ما يقتبس من القصص الخيالية جاعلا من تاريخ الحياة قصة خيالية او قصة تاريخية شابكا أسلوب العمل التاريخي الحقيقي بالأسلوب الروائي للسير الذاتية الخيالية."
وقال انه "كلما جرى الحديث عن "الرواية التاريخية" وقع التفريق بين التاريخ الذي هو خطاب نفعي يسعى إلى الكشف عن القوانين المتحكمة في تتابع الوقائع والرواية التي هي خطاب جمالي تقدم فيه الوظيفة الإنشائية على الوظيفة المرجعية."
وفي مجال الحديث عن التاريخ رأى انه "لا تفترض الكتابة عن التاريخ تمجيد الماضي ووضعه في علبة المقدس ولكن العمل عليه من اجل فهم المفاصل التاريخية المهمة التي يمكن للرواية الاستناد إليها فالتمحيص لمعرفة النواة الحاسمة في كل التغييرات اللاحقة ليس بالضرورة عملا مغرضا او معاديا للخطابات المتسيدة."
وعن مسارات الرواية الحيوية قال انه عندما تتم السيطرة على "كل الخيوط المتشابكة تصنع الرواية مساراتها الحيوية فهي تدرج الوقائع التاريخية ضمن متخيل يعطي الإيهام بالحقيقية الموضوعية التي ليست مهمة إلا من حيث هي تعبير عميق عن لحظة متحركة في التاريخ تستطيع الرواية إلقاء القبض عليها في كامل توهجها."
وفي مجال الحديث عن "التخيل السردي والتمثيل الاستعماري للعالم" قال ابراهيم "أفضت التجربة الاستعمارية الحديثة التي بدأت في مطلع القرن السادس عشر وشملت معظم أرجاء العالم إلى تدمير كثير من المأثورات الثقافية الأصلية وتخريب الذاكرة التاريخية للشعوب المستعمرة واستبعاد ما لا يمتثل لرؤية المستعمر."
وقال إنها وصمت "بالبدائية كل ممارسة اجتماعية أو ثقافية أو دينية مهما كانت وظيفتها فلم ينظر إليها بعين التقدير إنما بالغرابة إذ تتعالى منه رائحة الأسطورة ومجافاة الواقع والعجز عن تفسيره وأصبح أمر كبحها مشروعا فلا سيادة إلا لفعل المستعمر القائم على نفعية مخطط لها حيث تجرد ممارسات الشعوب المستعمرة من شرعيتها التاريخية فتوصف بأنها طقوس بدائية."
وفي باب "التجربة الاستعمارية والهوية المرتبكة" وتحت عنوان فرعي هو "الوشم الاستعماري وسياسات المحو" قال ابراهيم "استعادت الرواية العربية جانبا من التجربة الاستعمارية وأجرت عليها تحويرا يوافق حاجات الخطاب السردي فلم توثق للأحداث التاريخية كما وقعت إنما جعلت منها خلفية مانحة للمعاني العامة وإطارا تفسيريا لأفعال الشخصيات...
"وفي الإجمال فقد مر العالم العربي بمعظمه في هذه التجربة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وراح يستعيد زمام الأمر شكليا بعد عقود طويلة من السيطرة عليها فانتقل من حال الاستعمار المباشر إلى حال التبعية فلا عجب أن يكون حضور الأخر الغربي كبيرا في المدونة السردية العربية الحديثة."