« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: مكتبة التاريخ العثماني المصورة pdf (آخر رد :أبو سليمان العسيلي)       :: ثبات الإيمان (آخر رد :الذهبي)       :: صيانة العلم (آخر رد :الذهبي)       :: السلام عليكم لم ادخل المنتدى منذ سنه (آخر رد :ابنة صلاح الدين)       :: عناويننا على مواقع التواصل تحسبا (آخر رد :ابنة صلاح الدين)       :: مصر القديمة وبداية نشأة العمران عليها (آخر رد :الذهبي)       :: أبطال حول الرسول (آخر رد :اسد الرافدين)       :: مقاصد الشرع في زكاة الفطر (آخر رد :الذهبي)       :: بل نسب إبليس (آخر رد :الذهبي)       :: صور لها معنى (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية



مفهوم الأدب عند عند الجاحظ

المكتبة التاريخية


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 23-Jan-2012, 11:54 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي مفهوم الأدب عند عند الجاحظ

23-1-2012 9:48:41

"القول بوابة مشرعة على السحر"
مفهوم الأدب عند عند الجاحظ




هدى قزع*

إن المتمعن في كتاب "البيان والتبيين"، سرعان ما يدرك أن هناك فكرة مسيطرة على النفس الجاحظي يمكن تلخيصها بكلمة هي الفتنة، على اختلاف ضروبها "اجتماعية، سياسية، اقتصادية، ثقافية"، وليس من قبيل المصادفة أو براعة الاستهلال أن يقدم الجاحظ كتابه بالاستعاذة من فتنة القول وفتنة العمل، فهذا دليل على واقع لا بد من أخذه بعين الاعتبار .

من هنا كان للأدب دور في غاية الخطورة لسببين :
- أولهما: أن الأدب تأسيس ينبني على القول، لدى أمة تفتن بالكلمة وتحتفي بها على نحو جعلها توحد بين القول والفعل، بل إن القول كثيراً ما اعتبر أكثر وقعاً وأشد فاعلية من الفعل ذاته.

- ثانيهما: يرجع إلى ما يمتلكه الأدب من قدرة إجرائية، لذلك أكد الجاحظ على فتنة القول، واعتبر القول بوابة مشرعة على السحر، وهو يدعم وجهته من خلال الموروث فيورد قول رسول الله "إن من البيان لسحرا"، وكذلك قول عمر بن عبد العزيز "لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتى لها بكلام وجيز ومنطق حسن هذا والله السحر الحلال"، وقيل إن النبي قال لحسان بن ثابت: "واللَّه لشِعْرُك أشدُّ عليهم من وَقْع السِّهام، في غبَش الظَّلام".


إن الأدب يمتلك القدرة على تحلية مضمون الأدب "المعاني والدلالات" في عيون الناس وإخراجها مخرجاً يبرز معه حسنها من هنا شبه الجاحظ المعاني بالجواري والألفاظ بالمعارض، وبهذا الاعتبار يكون الأدب قائماً على الزينة التي نضيفها إلى المعنى لا على المعنى:" أُنذِرُكم حُسنَ الألفاظ، وحلاوةَ مخارج الكلام؛ فإنَّ المعنى إذا اكتسى لفظاً حسناً وأعاره البليغُ مَخرجاً سهلاً، ومنحه المتكلم دَلاًّ مُتَعشَّقاً، صارفي قلبك أحْلى، ولصدرك أمْلا، والمعاني إذا كُسِيت الألفاظَ الكريمة، وألبست الأوصافَ الرفيعة، وتحوَّلت في العيون عن مقادير صُوَرها، وأرْبَتُ على حقائق أقدارها، بقَدْرِ ما زُيِّنت، وحَسَبِ ما زُخرِفت، فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض وصارت المعاني في معنى الجواري والقلب ضعيفٌ، وسلطانُ الهوى قويٌّ، ومَدخل خُدَع الشيطان خفيّ".

وكما يمتلك الأدب القدرة على التحسين والتجميل، فإنه في نفس الوقت يمكن أن يكون أداة يوظفها الأديب في سبيل تزييف الواقع والحقائق ذلك أن من حدود الأدب أنه " تصوير الباطل في صورة الحقّ".

لكن ما كان يشغل فكر الجاحظ في المقام الأول، هو إصلاح العالم بواسطة الأدب، فالأدب وسيلة وضعها الإنسان لإعادة توحيد الطبائع بعد اختلافها وتأليف الأجناس بعد تفرقها وذلك بتلقيح عادات ترمي إلى إنماء طبائع جديدة في الإنسان لإصلاح القديمة أو لتغييرها تماماً ""قالوا: والمشاكلةُ من جهة الاتِّفاق في الطبيعة والعادة، ربَّما كان أبلغَ وأوغَلَ من المشاكلة من جهة الرَّحِم، نعم حتى تراه أغلَبَ عليه من أخيه لأمِّه وأبيه، وربَّما كان أشبَهَ به خَلْقاً وخُلُقاً، وأدَباً ومذهَباً"،علماً بأن هذه الطبائع إذا حولت إلى مقادير الكمال والتمام لا يتولد منها إلا الحسن ولا تلفظ إلا الحسن .

وفي هذا رد على التيار الفكري المنادي إلى توقيف مصير الإنسان في الحياة على أصل تركيب طبيعته الأولى وجعل الوراثة أمراً محتوماً لا يمكن التخلص منه أبداً.

والجاحظ يتوسم بأبيات لأبي تمام قاعدة تلخص الأدب شاهداً ومثلاً وهي:
كذَبْتُمُ ليس يُزهَى مَن له حسبُ
إنِّي لَذُو عجبٍ منكمْ أردِّدهُ
لَجَاجةٌ لِيَ فيكمْ ليس يشبهُها
ومَن له نسبٌ عمَّن له أدبُ
فيكم، وفي عجبي مِن زَهوكم عَجَبُ
إلاّ لجاجتُكمْ في أنَّكم عَرَبُ

فهذه الأبيات تلمح إلى ثلاثة مبادىء في الأدب هي:
- تفضيل الأدب على الحسب والنسب بمعنى تفضيل العادة على الطبيعة.
- التعجب والغرابة .
- التكرار والمجانسة.

هذه بعض الجوانب للسياق العام الذي يرد فيه مفهوم أدب عند الجاحظ، وما يهمنا الآن الانتقال إلى السياق الخاص لحد الأدب .

• ماهية الأدب عند الجاحظ

أ_ الأساس الفلسفي
استند الجاحظ على جملة من المبادىء الفلسفية في تحديده لمفهوم الأدب، هي:

1- العالم الصغير سليل العالم الكبير: يقترب هذا المبدأ من الفلسفة الميتافيزيقية والطبيعية معاً، فالثاني هو الأول لأنه ناتج عنه ومنحدر منه وسليله،أعني الشاهد الذي يمثله والصورة التي تلخصه، والثاني ليس الأول لأنه يختلف عنه حقيقة جوهراً، ويمكن القول أن المعاني في هذا النظام هي التي تمثل العالم الكبير أو العالم اللانهائي، بينما الألفاظ تمثل العالم الصغير أو العالم النهائي وقد صرح الجاحظ بذلك في قوله "اعلم – حفِظَكَ اللَّه – أنّ حُكْمَ المعاني خلافُ حُكمِ الألفاظ؛ لأنْ المعانِيَ مبسوطةٌ إلى غير غاية، وممتدّةٌ إلى غير نهاية، وأسماءَ المعاني مقصورةٌ معدودة، ومحصَّلةٌ محدودة".

ويقول: ""الإنسانَ إنما قيل له العالَمُ الصغيرُ سليلُ العالَم الكبير، لأنّه يصوِّر بيديه كلَّ صورة، ويحكى بفمه كل حكاية ولأنّه يأكلُ النَّباتَ كما تأكل البهائم، يأكل الحيوانَ كما تأكل السِّباع وأنّ فيه من أخلاق جميعِ أجناس الحيوان أشكالاً، وإنما تهيَّأ وأمكنَ الحاكيةَ لجميعِ مخارِجِ الأمم،لِمَا أعطى اللُّهُ الإنسانَ من الاستطاعة والتمكين، وحين فضَّله على جميع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة، فِبطُول استعمال التكلُّف ذلَّتْ جوارحُه لذلك، ومتى تَرَك شمائلَه على حالها، ولسانَه على سجيته،كان مقصوراً بعادة المنْشأ على الشكل الذي لم يزل فيه".

هل يمكن القول إن الجاحظ هنا بمفهومه للإنسان يجد شبهاً كبيراً بين اللفظ الذي ما انفك يحث على محدوديته ونهايته والإنسان نفسه ؛لأنه محدود الجسم، ومحدود القوى .

وبما أن العالم الصغير بخروجه وانحداره من العالم الكبير قد ضلّ طريقه وزاغ عن الصواب فإنه صار لا يعبر عن كنهه ولا يدل على حقيقته، ومن ثمّ فإن دور الأدب يتمثل بتقويم العالم الصغير وإرجاعه إلى نصابه بتثقيفه وإزالة اعوجاجه، وما رواه الجاحظ في هذا الشأن لعلي بن إسحاق بن يحيى،على سبيل التفكه بنوادر المجانين قد يدل على تصور لنظام الكون أو لنقل للحياة،حيث قال" أرى الخطأَ قد كثُر في الدُّنيا، والدُّنيا كلُّها في جوف الفلَك، وإنما نُؤتَى منه، وقد تخلخل وتخرّم وتزايل، فاعتراه ما يعتري الهَرْمَى، وإنما هو مجنونٌ فكم يصبِر؟ وسأحتال في الصعود إليه، فإني إن نجرَته ورَندجْتُه وسوّيته، انقلب هذا الخطاءُ كله إلى الصواب".

والأدب في أحد معانيه هو الاحتيال لتسوية الخطأ في الإنسان وفي غير الإنسان، وهذا ينطبق على الكثير من الأقوال التي أوردها الجاحظ لبعض المتكلمين، ومن ذلك قولهم: "الأدب دليل على المروءة"، أو قول يونس بن حبيب "ليس لعييّ مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولوحَكَّ بيافوخِهِ أَعْنَانَ السَّماء".

هذه الجمل يمكن أن تفسر تفسيرين: تفسيراً سطحياً يعول فيه على المعنى المستفاد من صريح اللفظ، وهو هنا في متناول الجميع وهذا التفسير السطحي لا طائل تحته .

وتفسيراً بعيداً خاصاً تعتبر فيه هذه الألفاظ كمصطلحات يمكن أن يدرك معناها إذا رجعنا إلى علم الكلام ومصطلحاته .

وحينئذ يظهر لنا أن المروءة ليست فقط كمال الرجولة وإنما يقصد بها الإشارة إلى دلالة النصبة في أصناف الدلالات على المعاني الخمس، حيث يطرد هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى كمعنى وجسم وحقائق وغيرها التي تدل على الكائنات قبل أن تنفخ فيها الروح أو تعطي لها صورة من الصور.

وتصبح جملة "الأدب دليل على المروءة "معناها أن الصورة الظاهرة للكائنات تعبر عن طبائعها الداخلية أو أن الشكل الخارجي لهذا العالم يحكي حقائقه العليا في العالم الآخر .. وهذا هو مبدأ العالم الصغير سليل العالم الكبير .

فالأدب الذي هو من نتاج العقل والتدبير الإنساني لا يتنافى مع المروءة، التي هي فطرة من الله وطبيعة من الطبائع الأولى.

ويصنف الجاحظ المروءة في منزلة المعاني، أي منزلة العالم الكبير، ودليل المروءة البيان، ونقيضها العي .

وهنا نلمس نقطة الصلة بين البلاغة والأدب، فالبلاغة بالنسبة للأدب هي بمنزلة العالم الصغير بالنسبة إلى العالم الكبير.

2- القول سليل العمل: يعد الجاحظ هذا المبدأ بمثابة قانون طبيعي يكون التساوي بين القول والعمل حتمياً فيه ذلك أن "المرء لا يضيع صواب القول حتى يضيع صواب العمل" ، فإذا ازداد صواب العمل ازداد صواب القول وإذا نقص الأول نقص الثاني،وهذا ما فصّله في باب سماه "باب أن يقول كل انسان على قدر خلقه وطبعه ".ومن ثم كان الأدب تنظيماً وتقويماً للقول والعمل معاً .

3- العلم أكثر من أن يحصى :يقرن الجاحظ ذكر الأدب بذكر الضياع، وهذا الاقتران هو الذي جعله يقرر قاعدة أساسية بنى عليها نظرته إلى الأدب، وهي :" العلم أكثرُ مِن أن يُحصَى، فخذوا من كلِّ شيء بأحسنه"، ذلك أن العلم إنما هو المعاني، أعني الكائنات غير المسماة والتي لا تزال مجهولة لدى الإنسان،والجاحظ يعبر عن هذا الضياع بمفاهيم مختلفة منها اللانهاية، والإهمال ، والتضييع.


وتتجلى لا نهائية المعاني في مواضع عديدة نذكر منها قوله والدلالات هي التي "تكشِف لك عن أعيان المعاني في الجملة… وعمّا يكون منها لَغْواً بَهْرَجاً، وساقطاً مُطَّرَحا".

إن إسقاط المعاني وطرحها يمكن حمله على معنى اللانهاية، لا على معنى الاحتقار وعدم المبالاة بالمعاني، لأن المعاني المطروحة هي جميع الكائنات التي تملأ الفضاء وتعمره والجاحظ يؤكد لنا ذلك في مكان آخر بقوله: "وليس في الأرض لفظٌ يسقط البتّة، ولا معنى يبور حتّى لا يصلحَ لمكانٍ من الأماكن". فالمعاني التي كنا نظنها ضائعة مهملة أصبحت الآن تصلح لشيء من الأشياء،بل ليس فيها ما يلغى أو يبور،وحالها في ذلك حال الألفاظ،لأن "سخيفَ الألفاظ مشاكلٌ لسخيف المعاني، وقد يُحتاج إلى السَّخيف في بعض المواضع،ورُبّما أمتَعَ بأكثَرَ من إمتاع الجزْلِ الفخم من الألفاظ، والشريفِ الكريم من المعاني".

فالجاحظ يقصد بالطرح هنا ما تكون عليه الألفاظ والمعاني قبل تركيبها وتنظيمها، بمعنى أن المعاني المطروحة لا تقابل الألفاظ لأنها هي الأخرى معنية بالطرح والسقوط وإنما يقابلها السبك والنسج والتصوير أي التركيب.

4- الطبيعة والعادة :يوهم الجاحظ القارىء أحياناً بأنه لا يفرق بين الطبيعة والعادة، إذ نجده يقول مثلاً "والمشاكلة من جهة الاتفاق في الطبيعة والعادة ربما كانت أبلغ وأوغل من المشاكلة من جهة الرحم "، مع أن المحقق هو أنه يفرق بينهما تفريقاً جوهرياً .

وفي الواقع هذا ما قام به الجاحظ، فقد فرق بين الطبيعة والعادة في حديثه عن المتكلمين الذين جمعوا بين خصلتي الطبع والصنعة يقول :"فأما أربابُ الكلامِ، ورؤساءُ أهل البيان، والمطبوعون المعاوِدون… فكيف يكون كلامُ هؤلاء يدعو إلى السَّلاطة والمِراء".

ويوصي في مكان آخر طالب البلاغة بقوله "ولاتُهمِلْ طبيعتَك فيستولِيَ الإهمالُ على قُوّة القريحة، ويستبدُّ بها سوءُ العادة" .

وما نريد تبيانه هنا من هذا كله هو أن العادة في هذه النظرية غير الطبيعة، أو هي الطبيعة الثانية التي يكتسبها الإنسان بجهده الخاص وبالتمرين والممارسة :" حتى يَصير بالتمرين والتوطين إلى عادةٍ تُناسب الطبيعة" .

أما الطبيعة فهي الخلقة الأولى والفطرة التي يفطر عليها الإنسان، فهي موروثه وتنشأ مع صاحبها من يوم ولادته وليس له عليها حيلة ولا اختيار فهي كاختلاف صور الحيوان الذي يأتي على قدر اختلاف الأماكن .

ويصنف الجاحظ الطبائع في طبقات متعددة منحدرة من أعلى إلى أسفل، ومهما يكن فإنه كثيراً ما يعبر عن الطبيعة المزدوجة الوجهين والمتضمنة للخير والشر بالغريزة، وقد وصفها الجاحظ وصفاً دقيقاً فقال :"وإنّما يمتنع البالغ مِن المعارف مِن قِبَل أُمورٍ تَعرِض من الحوادث، وأُمورٍ في أصل تركيب الغريزة، فإذا كفَاهم اللّهُ تلك الآفاتِ، وحصّنَهم من تلك الموانع، ووفَّر عليهم الذّكاءَ،وجلَبَ إليهم جياد الخواطر، وصَرَف أوهامَهم إلى التعرُّف، وحبَّب إليهم التبيُّن، وقعت المعرفةُ وتمَّت النّعمة، والموانع قد تكون من قَبِل الأخلاط الأربعة على قدر القِلَّةِ والكثرة، والكثافة والرِّقّة، ومن ذلك ما يكون من جهة سُوء العادة، وإهمالِ النَّفْس… ومن ذلك ما يكون من الشَّواغل العارضة، …، ومن ذلك ما يكون من خُرْق المعلِّم، وقلَّة رفق المؤدِّب، وسُوء صَبر المثقِّف".

ب- التحديد النظري لمفهوم الأدب :

لقد تحدث الجاحظ عن خصائص الأدب وأحاط بمظاهره ومميزاته المختلفة، فالجاحظ ترك لنا من النصوص ما هو كاف لإعادة صياغة تعريف للأدب .

1- الأدب موقف من الحياة: يمكن اعتبار ما جاء في وصية عبد الملك بن صالح،هذا الأديب الذي حفظ لنا الجاحظ نماذج من بلاغته، محاولة لتعريف الأدب، فقد جاء في هذه الوصية بعد تعريف البلاغة بأنها "معرفة رتْقِ الكلام وفتقِه"، قوله: "جميع أركان الأدب التأتي للرفق".

وهو تعريف على فيه من الاختصار والغموض، يحدد ماهية الأدب وموضوعه، فالتأتي هو الطريقة التي يسلكها الأديب أو المؤدب لبلوغ غاياته وتحقيق أهدافه .

والرفق هو مفهوم يدل على الاهتمام الفني والجمالي الذي يجب أن يتوفر في كل عمل أو إجراء يقوم به الأديب، وهو يوازي مفاهيم أخرى تحدث حولها الجاحظ وهي اللطافة واللين والحسن وغيرها.

وهكذا يمكن القول أن الأدب عبارة عن الطريقة الحسنة والملائمة لتناول الأمور ومباشرتها، بمعنى انه يمكن إخضاعه لقواعد علمية وفنية .

وهناك نص آخر أكثر تفصيلاً من الأول، وهو وصية عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدب ولده قال: "ليكن أوَّلَ ما تبدأُ به من إصلاحك بَنِّي إصْلاحُك نَفسَك؛ فإنَّ أَعينهم معقودة بعينك، فالحسَنُ عِندهم ما استحسنت، والقبيحُ عندهم ما استقبحت، علِّمْهم كتابَ اللَّه، ولا تُكرِهْهم عليه فيَملُّوه،ولا تتركْهم منه فيهجُروه، ثم روِّهم من الشِّعر أَعَفَّه، ومن الحديث أَشْرَفه، ولا تُخْرِجْهم من عِلْمٍ إلى غيره حتّى يحْكموه، فإنَّ ازدحامَ الكلام في السَّمع مَضَلَّةٌ للفهم، وعلِّمْهم سِيَرَ الحكماء وأخلاقَ الأدباء، وجنِّبْهُم محادَثة النساء، وتهدَّدْهم بي وأدِّبْهم دُوني، وكنْ لهم كالطَّبيب الذي لا يَعجَل بالدَّواء حتى يعرف الداء، ولا تَتّكل على عُذري، فإني قد اتَّكلتُ على كفايتِك، وزد في تأديبهم أزدك في برّي إن شاء اللَّه".

وهذه التعليمات يمكن استخلاص قواعد نظرية من خلالها تلخص ماهية الأدب: _فالأدب عبارة عن إصلاح بكل ما يقتضيه ذلك من تغيير للأوضاع القديمة الفاسدة وإبدالها بأوضاع جديدة، وهذا الإصلاح ذاتي وموجه إلى النفس بأسلوب جمالي يراعي فيه مبدعه تمييز مواطن الحسن والقبح وتقديرها حق قدرها،معتمداً التحبيب والإقناع،مختاراً بعض الأشعار العاطفية التي تتناول المواضيع العفيفة،وبعض الأحاديث التي تحث على الشرف وعلو الهمة، وشيئاً من سير الفلاسفة وأخلاق الأدباء .

والمؤدب بكل هذا لا يتدخل مباشرة لإصلاح مؤدبه،وهذا هو معنى التأتي والاحتيال.

وقد كنت ذكرت أن الجاحظ يهدف من خلال الأدب إلى إعادة إحياء الطبائع وتقويمها.

_والأدب تطبيب ومعالجة، فالمؤدب كالطبيب الذي يعالج المرضى فيجب عليه تشخيص الخلل عند المؤدبين ثم ضبط نوع العلاج الخاص بهم، وهذا عن تصور علمي ونفسي للأدب .

_والأدب تعبير عن كفاية الذات المبدعة،فالمؤدب يجب ألا يركن إلى الاتكال على الآخرين أو على ما يبدو له لأول وهلة من الأعذار القاهرة والأسباب الحتمية التي لاحول له عليها ولا قوة بل لا بدّ من محاولة التغلب عليها بنفسه،وقضية التوكل مرتبطة بقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا المبدأ يرتبط بتحديد الأدب،بل إن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مبدأ الأدب نفسه ؛لأن الأمر بالمعروف هو معنى التأتي أعني الاعتماد على الين واللطافة لتغيير الفساد،وهكذا يكون الأدب يستمد أصوله مباشرة من التعاليم الإسلامية،ثم إن هذا المبدأ هو أحد الأركان التي بني عليها مذهب الاعتزال،إذ أسس هذا المذهب كما هو معلوم على خمسة أصول هي التوحيد،والعدل،والوعد والوعيد،والمنزلة بين المنزلتين،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وهكذا تكون نشأة الأدب ذات علاقة مباشرة بقضية الاعتزال .

وقد أشار الجاحظ إلى هذا المبدأ في مكان آخر فقال على لسان محمد بن علي "أدَّب اللّه محمداً صلى الله عليه وسلم بأحسن الآداب، فقال: "خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ".

هذه هي المفاهيم التي تمكنت من استخراجها من هذا النص، ويمكن القول من خلالها أن الأدب موقف من الحياة، ويتسم هذا الموقف بالإيجابية والالتزام، إذ إن صاحبه يسعى إلى التغيير والتحسين من خلال ما يتلكه من رؤية قائمة على العلم والبصيرة.

ويبدو أن الجاحظ لم يكن يفرق بين الأدب التعليمي وبين وظيفته،فتثقيف النفس والفكر واللسان وتربيتها هي وظائف للأدب، وهذا لا لأنه فعلاً لم يكن يميز بينهما وإنما لأنه أراد أن يصف الداء والدواء والصحة معاً.

2- الأدب تهذيب في التصرف والقول :تطالعنا كلمة أدب حيناً بمعنى التهذيب في السلوك والتصرف،سواء بالنسبة لما تفرضه مقامات الناس من اللياقة والتهذيب في القول المستحب والمسلك المحمود،أم بالنسبة لمقام الشخص المتصف بالأدب ومركزه الثقافي والاجتماعي،وكشاهد على مدلول الأدب بمعنى الالتزام بسلوكية تتفق مع المقام الاجتماعي والثقافي للإنسان ذي المكانة والمرتبة ما رواه الجاحظ عن تصرف البطريق مع مرافقيه بصورة لا تليق بمحل البطريق من السلطة والجاه قال: "وسايَرَ البِطريقُ الذي خَرَج إلى المعتصم من سور عمُّوريَّةَ، محمَّدَ بنَ عبدالملك، والأفْشِينَ بنَ كاوُس، فساوم كلَّ واحد منهما ببرذونه، وذكر أنه يرغّبهما أو يُرْبحهما، فإن كان هذا أدبَ البِطريق، مع محلّه من المُلك والمملكة، فما ظنُّك بمن هو دونَه منهم"،وأما الشاهد على مدلول الأدب بمعنى التهذيب في التصرف والقول بإزاء أصحاب المكانة والنفوذ فنجده في هذا الخبر الذي يسوقه الجاحظ عن تصرف أبناء الشعب من الصنّاع أمام الخليفة الرشيد، قال:" أحبَّ الرشيد أن ينظر إلى أبي شُعيبٍ القَلاّل كيف يعمل القِلال، فأدخلوه القصرَ، وأتوه بكلّ ما يحتاج إليه من آلة العمل، فبينا هو يعمل إذا هو بالرشيد قائمٌ فوقَ رأسه، فلما رآه نهضَ قائماً، فقال له الرشيد: دُونَك ما دُعيتَ له ؛ فإنِّي لم آتِكَ لتقُوم إليّ، وإنما أتيتُك لتعمَلَ بين يديَّ، قال: وأنا لم آتكَ ليَسُوءَ أدبي، وإنما أتيتك لأزداد بك في كثرة صوابي".

3- الأدب دليل على المروءة وزيادة في العقل.


4- الأدب معرفة: ترد لفظة أدب بمعنى المعرفة والثقافة خارج ميدان العلوم الدينية والفقهية، وهذا ما نستخلصه من قول الجاحظ :" ومعنا في المجلس إبراهيم النّظَّام، وأحمدُ بن يوسف،وقُطرُبٌ النحوي، في رجالٍ من أُدَباء الناس وعلمائهم"،ولربما جاءت بمعنى الثقافة العامة والمعرفة الموسوعية،كما في قول الجاحظ :"وكان خالد بن يزيد بن معاوية، خطيباً شاعراً، وفصيحاً جامعاً، وجيِّدَ الرَّأَي كثيرَ الأدب، وكان أول من ترجم كتب النُّجوم والطِّبّ والكيمياء".

وقد تأتي بمعنى الاكتناز الثقافي والاستيعاب الفكري في مقابل الموهبة والاستعداد الفطري،كما في قولُ بعض الحكماء حين قيل له: متى يكون الأدبُ شرّاً مِن عدمه؟ قال: إذا كثُر الأدب، ونَقَصَت القريحة".

5- الأدب بيان باللغة :يورد الجاحظ الأدب مرادفاً للبيان بمعنى توسّل اللغة سبيلاً إلى التعبير عن الذات والحقيقة،ويعرض الجاحظ في صدد الأدب بمعنى البيان بواسطة اللغة،مفهوماً جديراً بالتنويه،يعتبر أن امتلاك القدرة على صناعة الأدب هي إلى حد بعيد ثمرة التمرس بقراءة الآثار،والجهد الدائب على التعلم والتثقف،فضلاً عن اعتباره أن جميع طاقات الإنسان هي،كمبدأ عام،وليدة التعلم والدربة :" والإنسان بالتعلُّم والتكلُّف، وبطُول الاختلاف إلى العلماء، ومدارَسَةِ كُتُبِ الحكماء، يَجُودُ لفظُه ويحسُن أدبُه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثَرَ من ترك التعلُّم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخيُّر" .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجاحظ يفصم العروة بين الأدب والأسس الأخلاقية المنطقية في تقييمه كالصدق والكذب، ويستبدلها بمعايير مستمدة من اللغة ذاتها وقدرة الأديب على التصرف فيها وصوغها بطرائق تحقق الوظائف الفنية وإن كان ذلك على حساب مطابقة النص للواقع "قال: وقلت لِحُبَابِ: إنّكَ لتكْذِبُ في الحديث، قال: وما عليك إذا كان الذي أزيدُ فيه أحسنَ منه، فواللَّهِ ما ينفعُك صدقُه ولا يضرُّك كذبُه، وما يدور الأمرُ إلاّ على لفظٍ جيِّد ومعنىً حسن" .

ومن هذا المنظور يتحول اهتمام منشىء الأدب عن علاقة كلامه بما هو خارج عنه إلى الكلام ذاته،وطريقة نسجه، ولا شك أن عملاً من هذا القبيل يتطلب وعياً بقدرات اللغة يفضي بصاحبه إلى اختيار أشدها ملاءمة.

6- الأدب صناعة الكتابة ومهنة القلم :من بين معاني الأدب عند الجاحظ معنى يشير إلى مهنة القلم وصناعة الكتابة،وهو المعنى الذي استقرت عليه لفظة الأدب فيما بعد،وذلك واضح في قوله: " فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتُنسَب إلى هذا الأدب، فقرضتَ قصيدةً، أو حبَّرت خطبة، أو ألّفْتَ رسالة…".

ويتضح هذا المفهوم أكثر فيما أثبته الجاحظ عن نفسه وخادمه إذ قال :" وابتعت خادماً كان قد خدم أهل الثروة واليسار وأشباهَ الملوك، فمرَّ به خادم من معارفه ممن قد خدَمَ الملوك فقال له: إن الأديب وإن لم يكن ملكاً فقد يجب على الخادم أن يخدُمه خِدمةَ الملوك، فانظر أن تخدُمه خدِمَةً تامة، قلت له: وما الخدمة التّامة؟ قال: الخدمة التامة ؟… أن يكون إذا رأى مُتَّكَأً يحتاج إلى مخَدَّةٍ ألاَّ ينتظر أمرَك، ويتعاهدَ لِيقةَ الدَّواة قبل أن تأمرَ أن يصبَّ فيه ماءَ أوسواداً، وينفُضَ عنه الغُبارَ قَبْلَ أنْ يأتيَك به، وإنْ رأى بين يديك قرطاساً على طَيِّه قطع رأسَه ووضَعَه بين يديك على كَسْرهِ".

7- الأدب رواية الشاهد والمثل :نتساءل ما يقصد الجاحظ بالشاهد والمثل؟ إن بعض النصوص التي أورد فيها الجاحظ هذين المفهومين قد تترك القارىء يتوهم أنه لا يفرق بينهما ولا يجعل بينهما أي تمايز،ولكن في الحقيقة الجاحظ لا يخلط بينهما أبداً .

ولو أردنا أن نلخص في عبارة وجيزة هذا الفرق لقلنا أن المثل عند الجاحظ هو الصورة الأصلية التي تتضم في ربقتها كل الصور،أما الشاهد فهو تجسيد لصورة من الصور في حيز المكان والزمان،ولذلك كثيراً ما نجد الشاهد يرد بمعنى الحضور والوجود "وأبصر الشاهد عياناً" .
وبدل "مثل" كلفظ مزاوج له نجد الغائب كقوله " قد كَفيت الشَّاهد والغائب".

إن التمييز بين الشاهد والمثل مهم وقد يدلنا على بعض الاتجاهات الأدبية السائدة آنذاك،والتي كانت تشترط في الأدب أن يتوفر فيه بالإضافة إلى عنصر الخيال،عنصر الحقيقة والواقع يقول " ولم أرَ غايةَ رواةِ الأخبار إلاّ كلَّ شعرٍ فيه الشاهد والمثل"، لأن الشعر الذي يشتمل على الشاهد والمثل هو الذي يتناول الوقائع اليومية والحقائق الشاهدة .

ولهذا لم يشتهر حسب الجاحظ شعر كل من صالح عبد القدوس وسابق البربري، لأنه كان كله أمثالاً وليس فيه من الشواهد الواقعية ما يقربه من الناس ومن حياتهم اليومية، لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن في كلام الجاحظ ما يدل على أن الشواهد قد تصبح أمثالاً إذا كانت في نفس الوقت الذي تعبر فيه عن الواقع تلخص حقيقة من الحقائق العليا،كما نشاهد في كلام الرسول عندما قال لا "تنتطِح فيه عَنْزَان"وكلام عدي بن حاتم في قتل عثمان :" لا تَحْبِقُ فيه عناق "،"فلم يَصِرْ كلامهُ مَثَلاً، وصار كلامُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً ".

وفي مكان آخر يؤكد الجاحظ على مفهومه السابق للأدب مكرراً على لسان غيره أن قوام الأدب تقديم الشاهد والمثل:" وقال محمّد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس: كفَاكَ مِن عِلْمِ الدين أن تعرِف ما لا يسَعُ جَهلُه، وكفاك مِن علم الأدب أن تروِي الشّاهدَ والمثل".












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 05-Mar-2013, 12:23 PM   رقم المشاركة : 2
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: مفهوم الأدب عند عند الجاحظ

العناز: الصورة مشروع بلاغي
مفهوم الصورة عند الجاحظ من الوعي إلى التأصيل




صدر عن دار العين بمصر، دراسة نقدية تحمل عنوان "مفهوم الصورة عند الجاحظ في كتاب البيان والتبيين"، للباحث والشاعر المغربي محمد العناز، والكتاب يحفر عميقا في متن سردي تنوعت مداخله بين النقد واللغة والحكاية، ومحمد العناز يلتفت إلى مادة غير مطروقة من قبل ألا وهي الصورة، فمفهوم الصورة ظل لصيقا ببلاغة الشعر، وأفردت له الأبواب والدراسات، ولم تستطع الدراسات القديمة أو الحديثة تعميم المفهوم على حقول أدبية أخرى كالقصة والرواية.

عبد السلام دخان

عمل محمد العناز يدخل في باب تأسيس مفهوم الصورة من خارج السياق الشعري إلى سياقات جمالية مغايرة، والارتهان على مفهوم الصورة باعتباره مفهوما شموليا إنما هو الارتهان على مشروع بلاغي موسع ينصف الصورة السردية، ويعطيها بعدا متوازيا ومفهوم الصورة في الشعر.

لقد خاض الباحث محمد العناز في إشكال دقيق، جعله يحفر عميقا في النص التراثي قصد فهم الأسس التي تحرك المفهوم عند مفكر عربي كبير. حيث تعقب الباحث مصطلح "الصورة" وتأمل مواضيعها. ومن خلال هذا التأمل حاول الباحث معرفة إن كان عند الجاحظ وعي بمصطلح الصورة أم لا.

ثم النظر إلى كيفية استعمال مصطلح الصورة في ضوء اجتهادات الباحث محمد أنقار حول هذا المصطلح، والطريقة التي قرأ بها النصوص. ثم انتقل الباحث إلى تناول الفعل اللغوي البلاغي والتصوير الخطي. ويقصد بالفعل اللغوي البلاغي ما ينجزه الفرد حين يتكلم بلسان عربي أو غيره وما يرتبط بها من أشكال الفصاحة.

وما تفرضه على المتكلم من إخراج سليم للحروف يتماشى مع النطق السليم. وفي هذا المرقى تناول الباحث مسألة نظر الجاحظ إلى علاقة النطق بالتصوير الخطي للصوت. وما يتعلق بها من مشكلات ناجمة عن اللثغة أثناء عملية التصوير الخطي. كما ركز على علاقة تصوير الصوت بالمحاكاة، وكيف تكون هذه المحاكاة من حيث النوع.

وفي المحور الثاني الذي خصصه الباحث للوجه البياني للصورة والتصوير، حيث عالج مفهوم الصورة في علاقتها بالألفاظ التي تقوم مقامها، انطلاقا من مفهوم البيان؛ حيث تصير آلية تعبر عن المعنى وتسهم في فهمه وإفهامه. وميز في هذا الإطار بين الصورة الذهنية للمعنى، كما تحدث في الذهن، والوسائل التي يستخدمها الإنسان لتصويرها بطريقة مادية قصد التعبير عنها.

ومن هذه الوسائل ما هو صوتي لغوي، وما هو غير لفظي تام بواسطة وسائل غير صوتية. كما أن المعاني المتصورة لا تقبل الحياة إلا بكثرة استعمالها وتداولها. فعملية التواصل هي التي تجعل هذه المعاني ثابتة في أذهان الناس. ولا يناقش الجاحظ المعاني المتصورة إلا في ضوء ثنائية اللفظ والمعنى؛ حيث يجعل من اللفظ عاملا حاسما في تحول المعاني من صورها العادية، إلى صور أخرى ذات رِفْعَة.

وكما ربط الباحث في الجزء الأول بين تصوير الصوت وبين المحاكاة، فقد عمل في هذا الجزء الثاني على الربط بين التصوير البياني وبين التخييل، وما ينتج عن هذا الربط من خصائص على مستوى الصورة.

أما المحور الثالث فقد خصصه محمد العناز للتصوير وأدلته البيانية، حيث عالج أنماط الأدلة التي تستخدم في تصوير المعاني. وهي خمسة عند الجاحظ تظهر في: اللفظ والخط والإشارة والعقد والنصبة. فالأدلة الأربعة الأولى عند الجاحظ تعتبر وسائل تعبيرية من صنع الإنسان، يستعملها في الإشارة إلى أغراضه.

والدليل الأخير النِّصْبَة علامات موجودة فوق الأرض؛ أي إنها ليست من وضع الإنسان. ويشير الباحث إلى أن الصورة هنا لها تمثيلان: خارجية "المظهر الخارجي للإنسان مثلا" وداخلية "الأخلاق". وتختلف صور الأدلة البيانية وقيمتها من حيث استعمالها ومن حيث هيئتها.

ومن ثمة يستخدم الصورة في هذا المقام ليشير بها إلى مجرد الصياغة والتشكيل، وهنا يصير مصطلح "التصوير" مرادفا للصنع، ويصبح فعل "صوَّر" مرادفا للفعل "صنع" وتصبح كلمة "الصورة" مرادفة للشكل أو الهيئة أو الصفة.

لقد قدم الكتاب النقدي لمحمد العناز، الدكتور محمد أنقار، الذي سخر أبحاثه النقدية لمساءلة مفهوم الصورة، ومحاولة استنباته في المجال السردي بهدف خلق بلاغة رحبة، ولعل هذا الكتاب هو أحد الثمرات التي غرسها الدكتور محمد أنقار في طلبته، يقول عن الدراسة "هذه دراسة جديدة حول جانب من التراث العربي القديم" وجدة هذه الدراسة حسب الكاتب تكمن في قدرتها على مساءلة الماضي لجعله قادرا على تقديم إجابات آنية، لأن نثر الجاحظ يشبه "نثر ثرفنطيس ورابله الخالدين. نثر لكل العصور بالنظر إلى أصالته".

لهذا فإن الخوض في مفهوم الصورة هو خوض في "مفهوم يتجاوز الانفصام الوهمي بين الشكل والمضمون، وينظر إليها من حيث هي "كل" بلاغي فكري، قادر على حمل رؤية المبدع أو ناقد إبداعه.

ويفترض الباحث أن هذا المفهوم الشامل للصورة من شأنه أن يقترب من مفهوم "الإنسان" ذاته الذي لا يقبل بدوره التجزئة" ولعل هذا الولع بالصورة وتقديمها باعتبارها آلية قادرة على فهم الإنسان والانسلات عميقا في نفسيته، جعلت عمل محمد العناز يزاوج بين المتعة والمنفعة.

إن هذه الدراسة مهمة للغاية من حيث موضوعها والمجال الذي اختاره الباحث، باعتباره مجالا ليس من السهل الاشتغال عليه، فإشكال التراث السردي هو إشكال حي يحتاج إلى مقاربات عميقة وأدوات فعالة لتناوله ومعالجته، وما محاولة محمد العناز إلا محاولة منيرة تنضاف إلى محاولات عدد من الباحثين الذي تناولوا إشكال التراث السردي.

ومحمد العناز باحث مغربي وشاعر صدر له ديوان شعري هو "خطوط الفراشات"، ونشر له العديد من الدراسات في مجلات مغربية وعربية، وشارك في ندوات وملتقيات ذات صبغة دولية، ونال العديد من الجوائز الشعرية.












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مفهوم, الأدب, الجاحظ, عند

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الليث بن سعد ... عالم أهل مصر الأوحد أحمد11223344 صانعو التاريخ 3 04-Apr-2012 09:21 AM
الخلفية التاريخية لانحراف مفهوم الهوية العقاب التاريخ الحديث والمعاصر 1 08-Oct-2011 09:10 AM
''الأدب والقراءة في عصر الخواء'' النسر المكتبة التاريخية 1 26-Jul-2011 04:26 PM
مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن... الشيخ علاء الكشكول 1 05-Nov-2010 08:33 PM
الأدب السوداني.. بين التشكيك في المقدرة وتضخم الأنا النسر استراحة التاريخ 0 24-Apr-2010 09:44 AM


الساعة الآن 06:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
تصميم موقع