مثلت ثورات الربيع العربي نقطة مفصلية في تاريخ الحركات الإسلامية، ونقلتها من منطقة الاضطهاد والتهميش والإقصاء إلى منطقة المشاركة والوصول إلى سدة الحكم والفوز بثقة الشعوب العربية في الدول التي أجريت فيها الانتخابات حتى الآن، حدث ذلك في المغرب وتونس ومصر، إضافة إلى ليبيا التي يتوقع فوز التيار الإسلامي فيها بأغلبية كما حدث في باقي الدول المجاورة. ولكن هل يكون هذا الصعود إيذاناً ببدء مرحلة من الصراع الإسلامي – الإسلامي في ظل التهديدات التي يمثلها تنظيم القاعدة لهذه القوى الصاعدة؟ فقبل أيام كشف وزير الداخلية التونسي علي العريض (الوزير في حكومة النهضة الإسلامية) عن تفكيك خلية مسلحة كانت تخطط لإقامة إمارة وصفت بالسلفية في تونس، وذلك في منطقة بئر علي بن خليفة في محافظة صفاقس مطلع فبراير الجاري. وقال العريض في مؤتمر صحفي: إن نتائج التحقيقات كشفت أن تلك المجموعة تنتمي إلى شبكة مسلحة أوسع تم إلقاء القبض على 12 عنصراً منها والتعرف على تسعة عناصر أخرى، حال فرار ثمانية منهم في ليبيا، وواحد يعتقد أنه في الجزائر. وأشار إلى أن أفراد الشبكة أغلبهم من الشبان الذين لا يتجاوز سنهم 30 عاماً، ومعظمهم ما بين 20 و22 سنة، وحاصلون على شهادة التعليم الثانوي، وتلقوا تدريبات متنوعة في معسكرات للتدريب بليبيا، إثر انضمامهم لصفوف الثوار هناك في الانتفاضة العسكرية ضد نظام القذافي. هذا الكشف التونسي ربما يدق ناقوس الخطر فوق رؤوس التيارات الإسلامية التي تسعى لتوطيد دعائم حكمها في بلاد الربيع العربي، رغم أن الحلم الذي فنيت أجيال بأكملها من أجل تحقيقه بات قريب المنال، وأزيلت الحواجز الأمنية الغاشمة أمام انطلاق النهضة الإسلامية. فتطورات الأوضاع تكشف بروز تنظيم القاعدة في الشمال الأفريقي وعدم قناعته بالتطورات الأخيرة الإيجابية التي شهدها التيار الإسلامي، ولعل أهم ملامح هذا البروز تكمن في الآتي: 1. انضواء عدد كبير من مقاتلي تنظيم القاعدة تحت صفوف الثوار الليبيين تحت قيادة زعيمهم عبد الحكيم بلحاج، وقسم كبير من هؤلاء قاتل في أفغانستان وخرج من السجون الليبية إثر مراجعات الجماعة الإسلامية المقاتلة، ومن هنا فإن هناك مخاوف حقيقية من تحول الأراضي الليبية إلى مأوى للقاعدة في ظل غياب سلطة الدولة، مع ما يصاحب ذلك التأسيس من فكرة تصدير فكر وممارسات القاعدة إلى الجوار الليبي، وهو ما وضح في شأن الخلية التونسية التي تم كشفها. 2. الهجوم الكبير الذي شهدته سيناء في مصر أواخر العام الماضي والذي تمثل في محاولة فرض السيطرة على مدينة العريش والمناداة بتأسيس ما يسمى بالإمارة الإسلامية في سيناء، وقد اتضح من نوعية السيارات المستخدمة في الهجوم وتسليح المهاجمين حجم الدعم اللوجستى الذي تتمتع به هذه الجماعات، إضافة إلى وجود عمق جديد لها في غزة الفلسطينية، عبر الحضور الملحوظ للفكر القاعدي خاصة في رفح الفلسطينية. 3. بروز ما يسمى بالتيار السلفي الجهادي الذي أصبح له وجود ملحوظ في ميدان التحرير في قلب القاهرة، والذي يصر على تجاوز كل الأطروحات الإسلامية الموجودة في مصر من إخوان وسلفيين وجماعة إسلامية وغيرهم، والتأكيد على خطأ كل هذه التوجهات ومخالفتها للعقيدة الإسلامية على حد زعمهم، ودعوتهم إلى تأسيس دولة "إسلامية" خالصة، بعيدة عن التحالفات مع الأحزاب العلمانية، ففي بيان حمل الرقم " 1 " والذي صدر بتوقيع كل من د./ طارق عبد الحليم وهانى السباعي مدير مركز المقريزي في لندن والمرتبط بتنظيم القاعدة وحاول من خلاله أن يبشر الجماهير بتأسيس ما يعرف بـ "التيار السني لإنقاذ مصر"، والذي شرح فيه أسباب نشأة التيار، والذي جاء بعد أن "انقسم الفريقان الأكبر من هذه التيارات إلى قسمين؛ قسمٌ أخلص لأيديولوجيته السياسية، فسار عليها لا يحيد، وهم جماعة الإخوان؛ وهي الأيديولوجية التي تقوم على انتهاز الفرص للقفز في صدارة المواقف السياسية، وأحادية الهدف في الحصول على المقاعد البرلمانية، وعدم المُمانعة في التفاوض والتحالف مع الشيطان للوصول إلى هذه الأهداف، دون أي صدامٍ حقيقيّ مع العسكر، وهو ما رأيناه في "كامب سليمان" أول أيام الثورة، ثم في " كامب عنان". أما التيار الثاني، فهو تيار السلفية، بشكل عام، في القاهرة والإسكندرية، على تفاوت بينهما، وهم من فقد توازنه بالكامل من هذه الصدمة، فتخبط لا يدرى ما يفعل، ثم استقر على أن يسير على خطى الإخوان حذو القذة بالقذة! فلبسوا البزات وأربطة العنق، وأنشئوا حزباً، يتصارع على مقاعد البرلمان، ويتودّد إلى العسكر، بل ويدعو لنصرتهم والدخول تحت طاعتهم. هذا من باب السياسة التي ادعتها هذه "التيارات" الإسلامية"، وهو ما لم يأت من فراغ، بل نشأ من خَلفية عقدية لا تّنتجُ إلا هذا النَكَد!" ولم يكتف البيان بذلك بل شن هجوماً حاداً على الفريقين طعناً في عقيدتهم واختياراتهم الفقهية فقال : "إن الباحثين الجادين المخلصين في باب العقيدة والفرق، يعلمون أن الإخوان على مذهب الإرجاء المعروف، في أبواب الإيمان والعمل، ثم هم، في الغالب أشعرية صوفية، من قرأ منهم في أصول الدين، على جهل عميق في غالب كوادِرهم العليا والسفلى. أما السلفيون؛ فهم على توجّههم النظريّ التوحيديّ السليم، إلا إنهم زلّوا في مناط جزئية عقدية، وهي عجزهم، خوفاً وطمعاً، عن تطبيق مناط توحيد العبادة على الأمر الواقع، مما أدى إلى تخريب مواقفهم العملية، وتخبّطهم في رؤياهم وفتاواهم، ثم نصرتهم للعسكر دون مواربة، كما ناصروا المخلوع من قبل، فضلا عن نفاق من نافق من بعض المنتسبين لهم، طمعاً في المال والجاه، واعتمادا على جهل العامة في تقدير الأمور ووزن الشخصيات". كما أن البيان هاجم بضراوة الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها التيار الإسلامي بأغلبية كبيرة ولكن التيار اعتبرها بمثابة "تمويه على العامة، ومداعبة لأحاسيسهم أنّها وسيلة الحرية والعدل والمساواة والرخاء، بينما هي وسيلة لغالب تلك "التيارات الإسلامية" للوصول إلى سدة الحكم، بعد تقديم كافة التنازلات لبنى صهيون والصليبيين والقبط، والعلمانيين، وكل طائفة ضالة على الأرض، بل ومعاداة من ينطق بالحق". وأكد البيان على أن "الانتخابات، لم، ولن، تكون وسيلة للتغيير، بل هي آلية من آليات التنفيذ، واستخدامها بديلاً للوسائل التي نبّه الله سبحانه عليها، خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ما نراه اليوم رأي العين، من تَسليم العَسكر للبرلمان إلى "الإسلاميين" حسب وثيقة "كامب سليمان"، ثم إصدار ملاحق الوثيقة من طرفٍ واحدٍ، بتفريغ هذا المجلس من سُلطاته وتقليم أظفاره، التي يعلم الله أنها مُقلّمة من قبل". 4. الحضور الملحوظ للقاعدة في المغرب العربي، والذي يقدر أعضاؤه بما يقرب من 300 إلى 800 مقاتل أغلبهم من الجزائريين، فيما يتوزع الباقون على جنسيات مختلفة أبرزها موريتانيا وليبيا والمغرب وتونس ومالي ونيجيريا، وهذا التنظيم ينشط بصفة أساسية في الجزائر ويمتد نفوذه إلى موريتانيا وتونس والنيجر ومالي وجنوب الصحراء، كما يتولى التنظيم تدريب عناصر من دول الجوار التي تنفذ عمليات داخل أراضيها على غرار موريتانيا والمغرب وتونس، فهذا الوجود القاعدي الكبير سيحاول إنفاذ أيديولوجيته وأفكاره والتي يبدو منها أنها لم تعترف حتى الآن بهذا الصعود الإسلامي غير المسبوق في مصر وبلاد المغرب العربي. ومن المتوقع أن تمثل تهديدات القاعدة التحدي الأبرز الذي يواجه الصعود الإسلامي ضمن تحديات شتى، وهو ما يستلزم اتخاذ التدابير اللازمة قبل أن نشهد مواجهة إسلامية – إسلامية غير مطلوبة.
الإسلاميون لا يمتلكون العصا السحرية التي من شأنها أن تحل كافة قضايا وهموم المواطن العربي، حتى وإن امتلكوا من الأيدي الأمينة والكفاءات الكثير، لأن متاهات الحكم معقدة، ودهاليزه عميقة، وتحديات النجاح داخلياً وخارجياً كبيرة، وما يخشاه الناخب العربي أن يسقط الشتاء الإسلامي في تفاصيل الحكم الصغيرة، فالإسلاميون سلفيون كانوا أم إخوان يمثلّون أمل الأمة في بناء مشروع حضاري إسلامي يقودها نحو الوحدة، ويخلصها من التبعية والاستبداد، وصولاً إلى تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي.
إذن ما المطلوب من الإسلاميين في المرحلة المقبلة؟ وما هي أولوياتهم؟ عندما تولى السلطان محمد الفاتح مقاليد الحكم بعد وفاة والده السلطان مراد الثاني لم يتجاوز عمره حينها الثالثة والعشرين، فأثار هذا التعيين حفيظة ولاة المناطق، وبدأوا بصناعة الأزمات رغبة منهم بالاستقلال عن الدولة العثمانية، وبدأت المشاكل والأزمات تنتشر في جسد الدولة العثمانية، حتى جاء وزير السلطان وقدم مقترحاً بأن يتم ترتيب هذه المشاكل حسب أولويتها كي يشرع السلطان في معالجتها واحدة تلو الأخرى، هنا قال السلطان محمد الفاتح كلمة شديدة القوة والعجب: وهل سأقضي عمري كله في حل المشاكل، أعطوني خرائط القسطنطينية، الحصن الذي قهر كثير من الملوك والسلاطين، وبدأ بالفعل في تجهيز الأمة لهذه الغاية النبيلة، وتحقق الحلم، وفتحت القسطنطينية عام 1453م، وحينها تبخرت مشاكله الآنية، أمام هدف الأمة الأكبر.
ما أردت إيصاله من حدث فتح القسطنطينية، هو ذوبان المشاكل والأزمات الصغيرة أمام الأهداف الكبيرة، وهنا هدف الأمة الأكبر هو تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من نجس الصهاينة، وعندها ستغيب مشاكل وتفاصيل الحكم الصغيرة.
إذن، المطلوب من الإسلاميين في المرحلة المقبلة، التحضير للهدف الأكبر من خلال عدة مراحل تبدأ بمرحلة بناء الإنسان، وتوحيد الأقطار، وصولاً إلى تحقيق هدف الأمة عبر الفتح المبين.
1 - مرحلة بناء الإنسان: لا بد من التركيز في المرحلة المقبلة على بناء الإنسان العربي المسلم، والعمل على نقله من السلبية إلى الإيجابية من خلال العمل على استعادته الثقة بنظامه السياسي المبني على الفكر الإسلامي الساعي لوحدة الأمة واستعادة مجدها القديم، وهذا يتطلب العمل على جودة التعليم والتثقيف السياسي، وترتيب الأولويات الوطنية، وحمل الناس وإقناعهم بالهدف الأكبر الذي تذوب معها مطالبهم الصغيرة، فيؤثرون المستقبل على الواقع، ويقدمون الغالي من أجل امتلاك وسام العزة، وفي نفس الوقت لابد من نهج سياسة تقشفية تبدأ من رأس الهرم وصولاً إلى قاعدته، لأن إعداد الإنسان العربي إعداداً جيداً سيواجه بتحديات كبرى من النظام الدولي، وسيواجه بحصار شديد، وهنا يصبح التقشف ثقافة من أجل قضايا أكبر وأشمل.
2 - مرحلة توحيد الأقطار: جميعنا يعلم أن اتفاقية سايكس بيكو وسان ريمو قسمت الوطن العربي إلى مناطق نفوذ لبريطانيا وفرنسا، واليوم تبحث الولايات المتحدة عن تفتيت آخر ينسجم مع مصالحها ورؤيتها للمنطقة، وبين هذا وذاك لا بد من الإسلاميين أن ينتهجوا طريق وحدة الأقطار العربية، وقد يحمل الرئيس التونسي منصف المرزوقي مثل هكذا رؤية، ففي أول زيارة رسمية له للجزائر صرح بما يلي: "آمل أن تكون 2012 سنة اتحاد المغرب العربي"، ومن الممكن أن تنمو الفكرة القديمة الجديدة، وتكون جامعة لكل الدول العربية، ولكن ليس على طريقة جامعة الدول العربية، وإنما بصياغة اتحاد شامل يضم الدول التي تم تحريرها وتولى الإسلاميون قيادتها على غرار الاتحاد الأوروبي أو نحو ذلك، وهذا سيدفع إلى توحد شعوب وقلوب الأمة خلف الهدف الأكبر، وهو تحرير المنطقة من الاستبداد والاستعباد والتبعية والاحتلال.
3 - مرحلة الفتح المبين: في حال تم الإعداد الجيد للإنسان العربي، وبدأت التعبئة الوطنية تأخذ مساراً نحو الأهداف الكبرى، فإن مرحلة استعادة الدور العربي المفقود في المنطقة ستعود وبقوة، وستكون الحضارة الإسلامية في مقدمة الحضارات، وسيكون هدف تحرير القدس من أولويات الأمة، وخصوصاً بعد أن تحررت الشعوب العربية من أنظمتها الشمولية.
أما لو سارت حركات الإسلام السياسي في البحث في تفاصيل الحكم الصغيرة فإنها ستغرق في بحورها، ولم تقدم للمواطن سوى الفتات، وقد تقع في مغريات السلطة وجمالها، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
مما اُبتلينا به هذه الأيّام وجود جماعات وأشخاص مشوّهي الأفكار، ومعدومي الضّمير، استباحوا الدّماء واستحلّوا الحرمات. لا يتقنون سوى فنّ القتل وسفك الدّماء، ولا يجيدون سوى حمل الرّشاش وصناعة الألغام.. قتلوا الكثير من المسلمين باسم الدّين وباسم الانتصار للشّريعة تارة، وباسم جهاد الأعداء والكفّار تارة أخرى ... تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا.. حديثي هنا عن فريقين يخلتفون في العقائد، لكنّهم مشتركون في الوسائل والمقاصد، يختلفون في المظهر لكنّهم متشابهون في الجوهر، يختلفون في الرّايات لكنّهم متقاربون في الغايات.. ولعلّكم عرفتموهم. إذْ كيف يفكّر هؤلاء، وما الذي يريدون، وإلى أيّ غاية يرمون؟ ومن الذي يخطّط لهم؟ ومن يقدّم لهم الدّعم المادّي واللّوجستيّ؟ وما هي أهدافهم الحقيقيّة؟ أسئلة حائرة تبحث عن إجابة تامّة غير منقوصة. نحن بحاجة إلى دراسات متعمّقة تلامس الواقع المرّ الذي يُخرج لنا هذه النّبتات غير السويّة... من الذي يضلّل الشّباب المراهق، ويدفع بهم إلى ساحات القتل والتّرويع والدّمار؟. ومن يموّل مثل هذه المشاريع الضّارّة على مجتمعنا وأمّتنا؟ قطعًا هناك عقول متخصّصة في غسيل أدمغة بعض من الشّباب المتحمّس، تبدأ معهم بالتّرغيب والتّشجيع على جهاد اليهود والنّصارى، وتنتهي بتوجيههم نحو قتل إخوانهم من المسلمين الآمنين. فكيف يجرؤ من نطق بالشّهادتين، و رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلّى الله عليه وآله وسلّم- نبيًّا، على محاربة المسلمين، وترويع الآمنين والتّخطيط لدمار البلاد؟ ألا يُعدّ مثلُ هذا خرقًا فاضحًا لتعاليم الإسلام..؟ ومخالفة صريحة لمقتضيات كلمة التّوحيد؟ أين هؤلاء من قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، أيّ خزي ينتظر الذين يحاربون الله ورسوله، وهم يعيثون في الأرض مفسدين؟ إنّ الله -سبحانه وتعالى- ما أنزل الدّين إلاّ لإقامة العدل والقسط بين النّاس، يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). [الحديد:25] أي أنّ الهدف من إرسال الرّسل وإنزال الكتب السّماويّة هو إقامة القسط والعدل بين النّاس.. ولكنّها مصيبة أن ينتشر الظّلم بين النّاس، ومصيبة أعظم أن يتستّر الظّلم برداء الدّين ليصبح قتلاً باسم الدّين. وفي النّهاية يتحوّل دين الله الذي نزل لإقرار القسط إلى نوعيّات من التديّن فيها كلّ أنواع الظّلم .. وباسم الدّين.. أولئك الذين يحوّلون عدالة الدّين وسماحته إلى ظلم وتعصّب، لا يظلمون البشر فقط، ولكنّهم أيضًا يفترون على ربّ العزّة حين افتروا على دينه ما لم ينزّل به سلطانًا، ولذلك فإنّ القرآن العظيم يعدّ أفظع أنواع الظّلم الافتراء على الله تعالى بالكذب والتّكذيب بآياته، .. يقول تعالى في صيغة التّعجب والاستنكار: (فمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ). [يونس:17] أي ليس هناك أظلم من الذي يكذب على الله أو يكذّب بآيات الله.. أي يفتري على الله الكذب .. إنّ ما يفعله من يسمّون أنفسهم بأنصار الشّريعة في أبين وغيرها، وما يفعله من يسمّون أنفسهم بأنصار الله والسيد (الحوثيون) في حجة وغيرها، لهو ظلم وإفساد في الأرض؛ إذ كيف يُسوّغ لهولاء المدّعون سفك دماء النّاس وترويع الآمنين وخراب الدّور وإشاعة الفوضى..! أليس هذا سعيًا في الأرض بالإفساد...؟ حتى وإن افترضنا أنّ لهم مطالب عادلة، هل هذه هي الوسيلة الصّحيحة لأخذها ...؟! كلّ هؤلاء يدّعون التّديّن ولا يعرفون معناه، وصنف منهم يتشدّقون بالحقّ الإلهيّ وما أعطى الله الحقّ إلاّ للقيم والمُثل. يرفعون لافتة مكتوب عليها كلمات فضفاضة باسم الشريعة تارة وتارة باسم العداء للغرب وغيره، وهم في الحقيقة لا يعادون ولا يقتلون سوى إخوانهم من المسلمين، - والله المستعان- ومن خالفهم عمدوا إلى التّنكيل به أو تشريده من داره و أهله، ومن وقف في طريقهم اتّهموه بالعمالة والخيانة، فاستباحوا دمه.. أعتقد أنّ الواجب على هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم وضمائرهم، وأن يعلموا أنّ الجنّة التي يدعون إليها أتباعهم لا تُنال بهكذا أعمال، ولا يُتقرّب إلى الله بسفك دماء أناس هم إخوانهم ومن بني جلدتهم .... وعلى الأتباع أن يستخدموا العقول، وأن يميّزوا بين الحقّ والباطل، بين الصّواب والخطأ؛ فيوم القيامة لن ينفعهم هؤلاء أبدًا، ولا يكون حالهم، إلاّ كما قال ربّ العزة والجلال عن أقوام أطاعوا أسيادهم، فإذا بهم يتحسّرون يوم القيامة قال تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيل * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرا) . أعتقد أنّ دعوة هؤلاء إلى الحوار الهادئ مطلب أساسي، قبل البدء بأيّ عمل آخر، وأن نعرف ماذا يريدون بالضّبط، وأن يكون حوارهم مع متخصّصين، ومن المهتمّين بأفكارهم، ثم بعد ذلك يرى أهل الحلّ والعقد رأيهم في طلباتهم ومدى إمكانيّة تحقّقها على أرض الواقع، دون المساس بأمن وسلامة وثقافة المجتمع. أيضًا مسؤوليّة كلّ فرد منّا أن نحصّن أبناءنا وأسرنا وأقاربنا، ومن نعرف، من مثل هذه الأفكار وأن نبيّن خطرها، وأن نغرس في قلوب الأجيال من الأبناء والأقارب والطّلاب حبّ الوطن، والتديّن الصّحيح، والعمل من أجل الوطن وأنّه جزء من التديّن.. وأن نبيّن لهم حرمة الدّماء والأعراض... والجزء الأكبر تقع مسؤوليّته على علماء الأمّة، والمعلّمين، وخطباء وأئمّة المساجد، ومؤسّسات المجتمع المدنيّ بشتّى اهتماماتها؛ فهم مسؤولون أمام الله ثم أمام الشّعب في تحصين الشّباب ضدّ أفكار مثل هذه التّيارات الفكريّة الخطيرة، وحمايتهم من استغلال الإرهابيّين لهم، واستخدامهم كقنابل موقوتة، لتفجير مجتمعهم والإضرار ببلادهم المسلمة..
بعد سقوط تقليديين سياسيين جاءَ تقليدون دينيون، وهو ما يمثلُ لعبةَ كراسٍ طويلة بين هذين الشكلين من القوى التقليدية. لم يستطع التقليديون في أفضل نماذجهم من تغيير البناء الاجتماعي التقليدي الموروث تغييراً ديمقراطياً شاملاً.
الحداثةُ انصبتْ على بعضِ الجوانب الاقتصادية الاجتماعية وتكونت في مدنٍ رئيسية، قامت بتحديث بعض العلاقات الاجتماعية، وفي مقاربة أكبر للعلاقات التحديثية بين الرجال والنساء، وتغيير بعض القوانين، لكن مسائل الديمقراطية الأساسية لم تُحل.
سيطرت قطاعاتٌ عامة على أجزاء كبيرة من الثروات، وصُعدتْ مذاهب معينة، أو أشكالٌ ايديولوجية تتوغلُ بالباطن فيها مذاهب دينية معينة، وتنامت علاقاتٌ قرابيةٌ حول السلطات، ولم تحدث خططٌ اقتصادية شاملة تغير حياة الملايين.
هذه كلها وغيرها جعلتْ الأبنيةَ السياسية الاجتماعية تقليديةً، لم تَنشرْ الحداثةَ الحرة، وتجمدت حياةُ الطبقات الشعبية المتضررة من التنميات العرجاء في ذات الحياة التقليدية الماضوية.
وعاشت الأبنيةُ الاجتماعية في أزمةٍ بسببِ تركز الفوائض في جماعاتٍ وتجمد السلطات في أشكال بيروقراطية لا تستطيع الوصولَ لمعاناة الناس وحل مشكلاتها.
ولهذا فإن السلطات العربية الجديدة في بعض البلدان سترثُ هذا الماضي والأجهزةَ السياسية والاجتماعية والثقافية للسابقين، وهي ذاتها محافظة تجمدُ الهياكلَ الاجتماعية والعلاقات الذكوريةَ النسوية المختلة وأوضاع الأرياف البائسة وحياة الفقراء الساكنة على ضعف الأجور.
مركزُ الشمولياتِ الدينية مختلفٌ عن مركزِ الشمولياتِ السياسية السابقة فهو يتحددُ بالشموليةِ الذكورية الحادة في العائلة، وفي الإرث والوعي، وبتغييبِ الانفتاح وعدم تغيير مذهبية الدول وتغييب القراءات العقلانية للنصوص الدينية.
تتضحُ اللغاتُ المحافظةُ في سرعةِ السيطرة على الكراسي السياسية، وإطلاق شعارات ودعوات حادة ضد الانفتاح وتعدد الحياة التجارية والسياحية والفكرية، وتتكونُ تحالفاتٌ بين دينيين مرنين ودينيين متشددين للسيطرة السياسية الكلية على الأجهزة.
وفيما كانت الأنظمةُ السابقةُ تعبرُ عن سيطرةِ قمم مدنية مفصولة عن الجمهور ومتعالية وباذخة، فإن الأنظمةَ الجديدةَ هي أنظمةٌ الفئات الوسطى في قمتها وسيطرتها ذات قواعد تمتد في الأرياف والبوادي.
والهيكلُ الاقتصادي يعتمدُ على رأسماليةِ الدولة مع انفتاحٍ أوسع على القطاعاتِ الخاصة. وبينها وبين الرأسمالية الحرة عملياتُ التداول في السلطة وفي رأس المال الوطني لإعادةِ التجديدِ الرأسمالي الموسع للبنيةِ الاجتماعية، وهذا هو المسار المطلوب ولكن هل يتحقق؟
فهذا مرهونٌ بدفع الأغلبية الشعبية للعمل وتحديثها، لكن الجذور الريفية والبدوية الواسعة للأحزاب المسيطرة تُصعبُ ذلك.
الأوساطُ القروية والبدويةُ المنتجةُ للفئاتِ السياسية المذهبية المختلفة لم تحسمْ خياراتها كلها في تقبلِ الحداثة الحرة، وتطرحُ شعاراتٍ دينيةً من الماضي المقدس للمسلمين من أجل هيمنة سياسية واجتماعية غير محددة الملامح وهو أمرٌ سيشكل ولايات فقهاء جددا مما يعني شموليات.
وثمة فارقٌ كبير بين التوجهات السياسية التركية التي قبلت الحداثة الحرة، بسبب التاريخ الوطني التركي في مواجهة الغرب وتقليده الديمقراطي معاً، وبين التيارات المذهبية المسيّسة العربية التي لم تقمْ على مثل هذه التجربة وصارعتْ الغربَ في تحديثيتهِ وليس في استعماره.
قامت التجربةُ التركيةُ على جماهيرية التصنيع وتحرر النساء، وتصاعد الحريات السياسية والاجتماعية، وتحرر العقول من القراءات النصوصية السطحية في الدين، وتوسع الرأسمالية في الأرياف التركية.
وأُستقبل أرودغان بحماسٍ هائل في مصر ولكن حين عارض المحافظة وغياب الديمقراطية والمدنية في البرامج الدينية لم يودعُهُ أحد!
بقيام تركيا إيجاد قوى عمل رجالية ونسائية واسعة أمكن لها أن تقوم بتوسيع الصناعات لدرجة كبيرة وتحدث قفزة اقتصادية أوجدت لدى الجمهور تعاطفاً مع هذه السياسة المنفتحة.
فيما أن المذهبيين العرب لا يمتلكون مثل هاتين السياسة والثقافة الديمقراطية المنفتحة، وجاءوا من الجمهور البسيط ومن تأثيرات الحياة في الجزيرة العربية في أقسامها المحافظة، ولكنها تمتلك زيتاً كثيفاً، في حين أن تلك الدول التي ثارتْ فقيرةً ولأنها لا تملك زيتاً. وإذا جاءت الحكومات الجديدة بفرص عمل واسعة، وتغييرات كبيرة في أحوال معيشة العاملين فإنها سوف تكسب الأصوات مجدداً، وليس بالتضييق على الأرزاق والحريات.
إن أخذهم الأشكالَ المحافظة من الجزيرة العربية تم عبر عقود والعلاقات قديمة بين الحجاز ومصر وتونس واليمن، والجماهير العمالية هي التي أزاحت في الواقع الأنظمةَ السابقة، ولكن نظراً لحصول الفئات الوسطى الدينية على فرص اقتصادية كبيرة بين الجزيرة العربية وتلك الدول، وضخامة الجمهور العادي الريفي غالباً فإنها قفزتْ للسلطات.
سوف تواجه الحكومات الدينية الجديدة الكثير من المشكلات، فالبيروقراطيات القديمة لن تسلم السلطات بسهولة، وسوف تخلقُ صراعات حادة بين القوى الجديدة الدينية والليبرالية واليسارية، مع محدودية برامج الدينيين وعدم معرفتهم بقضايا الثورة الاقتصادية التقنية الجماهيرية المطلوبة والحاسمة في تبديل الدخول والأوضاع العامة وقضايا الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والخوف من ضياع السلطات غالباً ما يؤدي للقبض عليها بقوة.
على وجه العموم، أجْتَنِب "فَتْح النار" على جماعة "الإخوان المسلمين"؛ حتى لا يُساء فَهْم موقفي، كأنْ يُفْهَم على أنَّه انضمام بسلاح "القَلَم" إلى أنظمة حكم عربية "تُصارِع من أجل البقاء" تقضي مصلحتها الآن باستعداء الشعب، أو بعضه، على هذه الجماعة التي خَدَمت زمناً طويلاً بعض أنظمة الحكم العربية تلك.
وأُضيف إلى هذا سبباً آخر هو أنَّ بعض الناس العاديين يمكن أنْ يَفْهَم، أو قد يَسْهُل إفهامه، أنَّ "التهجُّم" على "الإخوان المسلمين"، وسائر فروع ومشتقات ما يسمَّى "الإسلام السياسي"، هو تَهَجُّمٌ على "الإسلام" نفسه؛ وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على أهمية وضرورة أنْ يتوفَّر الديمقراطيون الثوريون في مجتمعنا على تقويض هذه الصلة المصطنعة الزائفة بين "الدِّين" نفسه وبين المتَّخِذين أحزابهم "لساناً سياسياً" للدين؛ ولقد أقامت تجارب المزاوجة بين "الدين" و"السياسة" الدليل على أنَّ هذه المزاوجة لا تفيد إلاَّ في شيء واحد، هو تشويه طرفيها معاً؛ فالدين لا يبقى ديناً، والسياسة لا تبقى سياسةً.
إنَّ الناس في مجتمعنا يميلون، ويشتد لديهم الميل، إلى أنْ يَزِنوا أقوالهم وأفعالهم وتصرُّفاتهم كافة بميزان "الحلال والحرام". حتى في "السياسة"، وفي "الانتخابات النيابية"، وغير النيابية، يَسْتَفْتون "قلوبهم الدينية"، فتأتي "النتائج" على هيئة ريح تجري بما تشتهي سفينة، أو سفن، "الإسلام السياسي"، وفي مقدَّمه جماعة "الإخوان المسلمين".
وهذا إنَّما يعني أنَّ الخيار السياسي "والانتخابي" الأسهل "والذي تَرْجَح فيه كفَّة "الحلال" على كفَّة "الحرام"" لدى كثير من الناس في مجتمعنا هو موالاة أحزاب "الإسلام السياسي"، والتصويت، في الانتخابات، لمصلحة مرشَّحيها؛ ولقد تأكَّدتُ ذلك بنفسي، غير مرَّة، وسمعتُ كثيراً من الناخبين يقولون، بعد إدلائهم بأصواتهم، وهمْ "مرتاحو الضمير "الديني""، "يكفي أنَّ هذا المرشَّح إسلامي"؛ وكفى الله المؤمنين شرور التفكير والتمحيص والتدقيق.. وكل جهد يمكنهم وينبغي لهم بذله توصُّلاً إلى تمييز "الغثِّ" من "السمين"، و"النقد المزوَّر" من "النقد الحقيقي"!
وهذا الالتباس والاختلاط لدى كثير من الناس هو ما غذَّى ظاهرة "الانتهازية السياسية" لدى جماعة "الإخوان المسلمين"، وسائر أحزاب "الإسلام السياسي"، فالأمر "والذي هو اكتساب النفوذ السياسي، ومزيد منه" لا يحتاج إلى حزب يجتهد في كسب مؤيِّدين له كَسْباً سياسياً صرفاً؛ ويكفي أنْ يكون شعاره "الإسلام هو الحل" حتى "يَسْمَن" سياسياً وشعبياً وبرلمانياً، ويزداد "سمنة"!
وطالما زاولوا "الإرهاب الفكري"؛ فهُم لم يتورَّعوا عن "تكفير" معارضيهم، مصوِّرين "الكفر السياسي" بهم، وبأحزابهم، وببرامجهم، وبخطابهم، على أنَّه "كُفْرٌ"، و"مروق من الدين"؛ وكأنَّ "الحزب الديني" هو "الدين" نفسه!
حتى "الديمقراطية" ناصبوها العداء زمناً طويلاً؛ ثمَّ تصالحوا معها وهادنوها إذ اكتشفوا أنَّها "الانتخابات" فحسب، وأنَّ هذه "الانتخابات" تَصْلُح، أو قد تَصْلُح، لاتِّخاذها طريقاً إلى السلطة؛ أمَّا "الاحتفاظ بالسلطة" فيمكن أنْ يَشُقُّوا له طريقاً أخرى، وإنْ ظلَّت مزدانة بـ"صناديق الاقتراع"، فيتكلَّل سعيهم، أخيراً، بولادة نظام حكم تَجْتَمِع فيه، شكلاً ومضموناً، "الثيوقراطية" و"الأوتوقراطية".
إنَّها "الديمقراطية" التي تُمْسَخ على أيديهم مسخاً تعجز عن الإتيان بمثله حتى ساحرات الإغريق؛ فـ"الدَّسم"، والذي هو كناية عن قِيَم ومبادئ الديمقراطية، يُنْزَع منها؛ وكأنَّ "الكفر" هو تلك "القِيَم والمبادئ"، و"الإيمان" هو "الانتخابات" فحسب، أيْ "الانتخابات" التي جعلوها جسداً خَرَجَت، أو أُخْرِجَت، منه الروح".
ولو كان لي أنْ أعرِّف "الديمقراطية" بما يقوِّض صلتهم المصطنعة والزائفة بالديمقراطية، لقُلْتُ إنَّها "الآخر"، المُخْتَلِف عنك، المُخالِف لك، تعترف بوجوده، وبحقه في الوجود، متَّخِذاً من كل أوجه الاختلاف والخلاف بينك وبينه سبباً للمساواة التَّامة بينك وبينه في كل الحقوق، وفي كل الواجبات؛ ففي "الدولة المدنية الديمقراطية" لا فَرْق بينك وبينه إلاَّ الفرق الذي لا يُحْدِث، ويجب ألاَّ يُحْدِث، فرقاً في "الحقوق" و"الواجبات".
إنَّ "الديمقراطية" تتلاشى فكراً ووجوداً إذا ما تُرْجِمت الفروق العرقية والقومية والقبلية والجنسية والدينية بفروق في الحقوق والواجبات بين المواطنين، أو بامتيازات سياسية "وغير سياسية" يتمتَّع بها بعضٌ من أبناء المجتمع الواحد.
وإذا كان زمن "الدولة القومية" قد ولَّى وانقضى، فكيف لهم أنْ يعلِّلوا أنفسهم بوهم أنَّ زمن "الدولة الدينية" لَمَّا ينقضي؟!
دَعْهُم يَنْزِلون إلى "الميدان"، ويهبطون إلى "عالَم السياسة الواقعي"، حيث "الحقائق" تُزْهِر، و"الأوهام" تذوي، وإلاَّ ظلَّ الناس ينظرون إليهم بعيون تغشاها الأوهام؛ ولقد نزلوا، وهبطوا؛ وكانت العاقبة هي ظهورهم على الملأ عُراةً من أوهام لبسوها زمناً طويلاً، وحَجَبوا بها أبصار وبصائر الناس عنهم، وعن الواقع.
المعركة الآن إنَّما هي معركة الدستور؛ الدستور الذي يؤسِّس للدولة المدنية الديمقراطية التي هي الآن "عالمية القَلْب"؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ الدستور الجديد لمصر، ولسائر بلاد "الربيع العربي"، هو الذي يَنْسَخ نسخاً كل القِيَم والمبادئ الكامنة في أساس دساتير الدول المدنية الديمقراطية في العالَم؛ فإنَّ "مهمَّة الساعة" عندنا ليست "اكتشاف المُكْتَشَف"، و"اختبار المُخْتَبَر"؛ فهذا هو "العَظْم"، وما علينا ألاَّ كسوه لحماً؛ وهذا "اللحم" هو كناية عن "الخصوصية"، فلا "خصوصية" مقبولة ومشروعة إلاَّ بهذا المعنى.
أوَّلاً، وقبل كل شيء، يُملأ "الفراغ الدستوري" بقِيَم ومبادئ "الدولة المدنية الديمقراطية"، المتواضَع عليها عالمياً وإنسانياً؛ ثمَّ يجتهد المجتهدون من أرباب صناعة الدساتير في كَسْو هذه العِظام لحماً.
كل شيء جائز في الدين الإسلامي لدى أعداد غفيرة ممن يصفون أنفسهم بالفقهاء والمفتين. اطلب ما تريد من الفتاوى، وستجد نصوصا تبرر لك ما تريد. هل طلب العلم حرام؟ نعم إنه حرام لأنه لا خير في أمة كثر قراؤها. هل مقاومة الظالم حرام؟ نعم حرام لأن مقاومة الظلم تؤدي إلى الفتنة. هل خروج المرأة إلى الشارع حرام؟ نعم حرام لأن المرأة الطاهرة تخرج من بيتها مرتين في العمر: مرة إلى بيت الزوجية، والأخرى إلى القبر. هل الخيط الذهبي على جلباب المرأة حرام؟ نعم حرام لأنه يلمع فيدل على المرأة. هل الضحك حرام؟ نعم لأنه يجلب الشياطين، والأصل فيك أن تكون مكشرا. وهل الزواج من أربع هو الأصل؟ نعم لأن 80 بالمئة من سكان الأرض إناث، و20 بالمئة ذكور..
هل دخول القوات الأمريكية الديار المقدسة حلال؟ نعم حلال لأن جنود أمريكا يدافعون عن الذين آمنوا. هل سعر الفائدة حلال؟ نعم لأنه يأخذ من أموال الأغنياء لتوزيعه على الفقراء. هل الزواج من ذكور حلال؟ نعم حلال لأن عليك بالكيس الكيس. هل طاعة الحاكم الخسيس حلال؟ نعم حلال، بل هي واجبة لأن خسته بإرادة الله. وهل يحق للحاكم عمل الفتن وتبذير الأموال؟ نعم لأن الله قد اختاره ليعاقب الناس الضالين.
هل الاستقواء بالأجنبي على مسلم حلال؟ نعم حلال لأن الله قد سخر الأجنبي لخدمة مصطفاه من الحكام. هل زيارة القدس تحت حراب الاحتلال حلال؟ نعم حلال، بل هي واجبة لكي تتذكر واجبك بشراء السجاد للمسجد الحرام. هل اتفاقية أوسلو حلال؟ نعم حلال لأن الرسول عليه الصلاة والسلام وقع صلح الحديبية، ولأن منظمة التحرير كانت ستنتصر على إسرائيل مثلما كان المسلمون سينتصرون على قريش لو وقعت حرب في الحديبية. وهل حلال أن ترضع من زميلتك في العمل؟ نعم حلال لكي تصبح أمك في الرضاعة فلا تشتهيها بعد ذلك. وهل السكر حلال؟ نعم حلال لأنه ينسيك هذه الفتاوى.
نحن مبتلون برجال دين لا يعرفون الله، وإن عرفوه لا يعرفون أركان دينه. إنهم جهلة وضيقوا الأفق ومنغلقون لا يرون أبعد من أنوفهم إن كانت لهم أنوف. هم جاهزون لمختلف أنواع الفتاوى، ومستعدون لإرسالك إلى الجنة وإلى النار، وأنت وحظك.
طبعا ليس كل المتدينين على هذه الشاكلة، فهناك متدينون محترمون واعون، ويتميزون بأفق واسع وسعة الاطلاع والمعرفة، ولديهم الاستعداد للنقاش والجدل المفتوح والتفهم والتفاهم. لكن ما يطفو على السطح هو ذلك النوع الجاهل الجهول الذي يتهاوى تحت أقدام السلطان، أو لا يرى في الدنيا إلا ممارسة الطقوس والانشغال بالغيبيات وتغييب العمل المثمر والتحصيل العلمي.
يأتي مفتي مصر على رأس قائمة أهل السلطان الذين لا يستطيعون رؤية الجهاد كفريضة ويفضل أن يأتي إلى القدس ذليلا تحت حراب العدو الغاصب. إنه لا يدرك أن الجهاد فريضة، وله أولوية على كل الفرائض عندما تقع ديار المسلمين تحت الغزو والاحتلال. وهو لا يدرك أن الجهاد فريضة عندما يتعرض مسلم أو مسلمة للخطر لأن الدم له أولوية على كل الأماكن المقدسة. هذا المفتي أتى إلى فلسطين بأدعية باهتة يأمل من خلالها أن يدحر دبابات العدو بسبب بركته العظيمة التي يظن أن ملائكة السماء تحرسها.
وقبله أتى الجفري الذي سار على السنة، حسب قوله، حيث إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد زار القدس وهي تحت حكم الروم. وواضح من أقواله أن الملائكة قد وقفت على حواجز الرومان تنتظر الإذن من جنود الروم للمرور، أو أنها ناشدت امبراطور القسطنطينية للسماح بمرور البراق!!
كثيرون هم الذين يلوون ذراع الدين، ويبحثون عن قول هنا، وآخر هناك من أجل تبرير أقوالهم وأفعالهم. ومن يبحث حقيقة عن فتاوى تبرر له أعماله سيجد الكثير من الأقوال الغابرة والتي تكتسب صدقية وقدسية بمجرد نسبها إلى أحد الأولياء الذين لا نعلم مدى صلاحهم.
وهذا شبيه بالتجربة المسيحية في أوروبا الظلامية التي تجبّر بها رجال دين كاذبون ودجالون ونصابون، والذين طالما بحثوا عن أقوال غير مقدسة لتصبح مقدسة لدى المستمعين. وقد أطاعهم الناس وصدقوا أقوالهم حتى باتوا يشترون مقاعد في الجنة. يود العديد من رجال الدين المتشنجين الجاهلين لو يتمكنون من توزيع الناس الآن على الجنة والنار، فلم الانتظار حتى يوم القيامة، ما دام الرب قد خولهم صلاحيات الحساب؟!
وقف جمهور الناس والقساوسة الأوروبيون ضد لوثر عندما دعا الناس إلى عدم الثقة بالقساوسة والرجوع إلى الإنجيل وقراءته. لقد رفضه الناس لأنه رفض أقوال القديسين القساوسة، وفضلوا متاهات القساوسة المضللة على قراءة الإنجيل الذي يؤمنون أنه يضم أقوال المسيح وبعض أفعاله. وواضح عندنا أن الكثير من الناس لا يرغبون بقراءة القرآن ويفضلون الاستناد إلى تعاليم خارج القرآن ومناقضة له في أحيان كثيرة. وهنا يحضرني رفض امراة تصديق آية القرآن التي تقول "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ". رفضت القرآن لأن رجل الدين قد أفهمها أن الجنة فقط للذين أسلموا وليس للذين آمنوا.
سيظهر عندنا لوثر ما دام بين ظهرانينا مثل هؤلاء الجهلة الذين لا يعرفون الله ولا يتقون. وحتى لا تدور بيننا حروب وفتن، من المهم أن يعود كل منا إلى القرآن الكريم، ويعتبره المرجع الأول الذي تقاس وفقه كل الفتاوى والأقوال. السنة مساندة للقرآن الكريم، لكنها ليست بديلا عنه، وهي المصدر الثاني للتشريع، أما أقوال السلف والأولياء فهي للاستفادة وليس للتشريع.
هجر القرآن يفتح المجال أمام فتاوى كثيرة لا علاقة لها بالدين، وهي تساهم في تدمير الأمة وخرابها. القرآن الكريم ليس للجنازات وافتتاح المهرجانات، وليس للتلاوة غير المتدبرة في رمضان، بل هو كتاب مقدس يقول الله فيه: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها".
"إن الصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد ذلك العالم الذي يمثل الدين أريجه الروحي، إن الشقاء الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن الشقاء الواقعي واحتجاج ضده".
لعل فرادة الماركسية في كونها فلسفة ثورة خصوصا عند تبنيها لأطروحة 11 عند فيورباخ التي تعلن الأمر القطعي بالتوجه نحو البراكسيس: "ما فتئ الفلاسفة يؤولون العالم في حين أنه يجب تغييره"؛ وتتوضح ضرورة الثورة في رغبة ماركس العارمة في قلب الأوضاع رأسا على عقب والشروع في صناعة الإنسان وفتح الآفاق أمام الكائن البشري من أجل إنجاز ذاته وإعادة تأصيل علاقته بنفسه وبالطبيعة على نحو إنتاجي؛ في هذا السياق يقول جورج لابيكا: "لا يمكن للعالم في حالته الحالية أن يستمر. إن العالم الحالي وأشكال وجوده وتفكيره وإحساسه أو فعله هو العالم الآخر، عالم الدين والفلسفة وما شابههما الذي احتل مكان العالم الأرضي. إن فعل التغيير هو العودة إليه ومحاولة العثور عليه...".
إن ماركس ينقد الدين كإيديولوجيا وكأداة محافظة تبرر سيطرة طبقة على أخرى وانعكاس للاغتراب وآلة لإنتاج الأوهام وتقديم العزاء وليس الدين في حد ذاته كتجربة روحية يقيم من خلالها الإنسان صلة بالمطلق ويوجد علاقة مع المجتمع ويعطي لحياته معنى. وفي نقده هذا يشير إلى الطابع المزدوج العملي والنظري للدين وعلاقة الوعي الديني بالصراع الاجتماعي والسياسي، ويقر بأن الأديان تلعب دورا تاريخا حاسما في الانتقال من حقبة معينة إلى أخرى.
إن الدين عند ماركس ليس مركبا غيبيا مثاليا وخرافة تقيد الناس بنمط طفولي من التفكير والسلوك ويعبر عن علاقات بدائية بين الإنسان ونفسه والآخر والطبيعة، بل هو احتجاج وتعبير عن اللحظة الفاعلة والرغبة الحثيثة في تخطي النظام القائم بصورة واقعية وفعلية، وهو محفز تاريخي وواقعي يتحول إلى نهج للسلوك الفاعل والإيجابي ودعامة أساسية للاحتجاج والرفض؛ وقد قامت العديد من الثورات والانتفاضات تحت راية الدين مثل التمردات الفلاحية في العصور الوسطى وحركات التحرر الوطني في الأزمنة الحديثة.
لقد بين أنجلز أن المسيحية الأولى، كإيمان ديني صافي قبل أن تأخذ شكل عقيدة ومؤسسة محافظة في يد السلطة منذ عهد قسطنتين وقبل أن تنقلب إلى حلم وهروب من الواقع التعيس وانتظار للوفاء بالوعد، كانت احتجاجا وعنصرا ثوريا تعكس التوق العارم من قبل الطبقة الناشئة إلى التغيير وتأثيث عالم أفضل، ولعل الثائر الألماني توماس مونزر هو خير مثال على ذلك الالتقاء بين الإيمان والثورة حيث لبس الدين ثوب النضال ضد الإقطاع والنبلاء.
"تحتل المسألة الدينية مكانة متصاعدة في كتابات أنجلز وأشكال المرور بالدين هي بالأحرى توصيفات وملاحظات. وقد كان أنجلز حساسا بالتأثيرات الاجتماعية والسياسية للدين. لقد كان الدين بالنسبة إليه قبل كل شيء واقعا اجتماعيا وليس مسألة دينية. وقد بدأ باكرا تعاونه مع ماركس وأخرجا من عملهما المشترك ليس نقدا للدين بل علما بالتاريخ يأخذ بعين الاعتبار الظاهرة الدينية كانعكاس خيالي للعالم الخارجي أي كإيديولوجيا...".
في هذا السياق يصفه أنجلز في كتابه حرب الفلاحين في ألمانيا: "كانت تعاليم مونزر السياسية وثيقة الصلة بتصوراته الدينية الثورية، ومثلما كان لاهوته يتخطى التصورات الرئيسية في عصره كذلك كانت تعاليمه السياسية تمضي إلى أبعد من الشروط السياسية والاجتماعية السائدة مباشرة، وكانت فلسفته الدينية تتاخم الإلحاد مثلما كان برنامجه السياسي يقارب الشيوعية... كان هذا البرنامج يطالب بإقامة مملكة الرب مباشرة على هذه الأرض... لقد رأى مونزر في مملكة الرب مجتمعا بلا فوارق طبقية ولا ملكية خاصة ولا سلطة دولة مستقلة أجنبية تفرض نفسها على أعضائها...".
لقد كان الفلاحون يطالبون بالعدالة والاعتراف بظروف المساواة التي شهدتها المسيحية الأولى فتصبح قواعد سائدة في المجتمع الذي يوجدون فيه وقد اعتمدوا على تساوي البشر أمام الله كحجة مقنعة في مطالبتهم بالمساواة على الأرض في الثروات وأمام القانون، خاصة وأن شعار ثورتهم كان: "يا رب أيد عدالتك السماوية...".
إن ازدهار الأديان مرتبط على نحو وثيق بتحول في المجتمعات ذات الامتيازات والمؤسسات الناظمة إلى مجتمعات طبقية، وإن الوعي الديني لتلك الطبقة الناشئة المتجهة نحو التمرد والثورة ينطوي في ظروف تاريخية واجتماعية معينة على معارف ومطالب مستمدة من قوانين الحياة اليومية". وفق هذا المنظور لم تتشكل الأديان من أجل أن تلغى بل من أجل أن تأخذ بعين الاعتبار الجهد الأرضي".
من المعلوم أن ماركس ينقد الدين كإيديولوجيا وهمية مقيدة لسلوك الناس، ولكنه مقابل ذلك يعترف بالبعد الإنساني المكنوز في العامل الديني بقوله: "كلما عمد الأفراد الفاعلون إلى الاحتجاج على ظروف واقعهم قلت حاجتهم إلى الدين كوهم بديل عن الواقع يبرر تعاستهم وعجزهم وشرعوا باستدعاء القاع الإنساني العميق في الدين وتمثيله نظريا".
إن العامل الديني هو منعطف قوي يمكن أن يتحول إلى طاقة رئيسية للإيديولوجيا ويعمل على مخاطبة وحث الذوات الفاعلة تاريخيا من أجل حفز هممهم ودفعهم إلى البراكسيس ويلبي لديهم مستلزمات رغبتهم في الصراع والمقاومة وحاجتهم إلى الحماسة والإرادة.
على هذا النحو يقترح ماركس إخراج رجال الدين من دائرة الإيمان الخالص إلى دائرة الإيمان الفاعل وتحويلهم إلى قوة محركة للتاريخ. ومن هذا المنطلق اعتبر ميشيل هنري: "ماركس واحدا من المفكرين المسيحيين الأوائل"؛ و"إن الإيديولوجيا نفسها في حد ذاتها تفرض قوة جذب نوعية ويمكن أن تكون ناجعة بشكل فوري، إنها نصف دين ويمكن أن ترضي الحاجيات الدينية وأن تحدث تحولات في الإيمان وتحديدا من خلال المسيحية، وفي كل الأحوال نقلل من عدم القدرة على تجاوز اللاانطباق بين الإلحاد والإيمان "ربما هذا الأخير يصلح أيضا في الدول الإسلامية". يمكننا أن نعثر بمعنى ما في الإيديولوجيا والتطبيق الحسن للماركسيين بالكاد في غير موضعها على الإيمان والأمل والمحبة وحتى أبعاد الرؤية والأخروية والانتظارية".
كتب بيير بيجو حول ماركس: إن تعبيره يقترب في بعض الأحيان وبشكل غريب من التعبيرات الدينية. وعندما يهب إلى البروليتاري "عيب في ذاته" عندما يرى فيه "الفقدان التام للإنسان" وينتظر من خلاصه "الاسترجاع الكامل للإنسان" ألا يجعل منه بطريقة ما إنسانا إلهيا يكون في الآن نفسه ضحية ومخلصا؟.
المراجع:
Karl Marx, contribution à la critique de la philosophie du droit de Hegel, Editions Allia, 1998 –
Georges labica, Karl Marx, les Thèses sur Feuerbach, Ed PUF, 1987,p,12-
Nguyen Ngoc Vu, idéologie et religion, d’après Marx et Engels , édition Aubier Montaigne,1975 , p115
René de lacharrière ,la divagation de la pensée politique,Marx et la socialisation de dieu, PUF 1972,p191
Armand Guillaume, la séduction marxiste, un prêtre médite Marx, EMI, Bologne 1987, p219
دخل السّلفيّون معترك السّياسة، وأبلوا بلاء حسنًا، وأمسكوا حتى اللّحظة بكثير من خيوط العمل السّياسيّ، وحتى تكون الممارسة أقرب إلى الصّواب وأحرص على الجمع بين المحافظة على الهويّة و تحقيق المصلحة سأشير بإيجاز إلى بعض النّقاط التى يغلب على ظنّي أنّها ستدفع بهذا الاتّجاه: اولا- التّمييز بين الدّعوة والسّياسة (الفصل بين الحزب والجماعة): فجوهر السّياسة المحافظة على المصلحة العامّة والرّفق بالمخالف، والتّمحور حول المبدأ فى دائرة واسعة مع عدم المساومة عليه، ممّا يقتضي أحيانًا التّنازل والحلول الوسط والاعتراف بوجود الآخر، ومن هنا تختلف طبيعتها عن طبيعة العمل الدّعويّ الذى يقوم على الاستقامة والصّدق؛ فالداعية حامل علم وليس سياسيًّا مغامرًا، لا يقصد المغالبة أو انتزاع القيادة، يحرص على الجمع بين فتواه وتقواه، وتلتقي عنده أدقّ التّفاصيل فى مسائل الحلال والحرام و الولاء والبراء، ممّا يجعل النّاس يرتبطون به ويتفاعلون مع أخلاقه، والخلط بين الدّعوة والسّياسة له مخاطر منها: أنّه يشوّش على صورة الدّعاة، ويحمّل الدّعوة انتكاسات السّياسة، مع توجيه الطّعن مباشرة للدّين بدلاً من توجيهه للكيان السّياسيّ، واهتزاز مكانة النّص الشّرعيّ وقداسته طبقًا لتقلّبات المناخ السّياسيّ، والمطلوب الفصل بينهما، مع الاحتفاظ بجسر ضيّق يتّسع لموظّف يحمل الاستشارة والبشارة، والإنجازات، والمعوّقات من وإلى كلّ من الطّرفين ثانيًا: الانتقال من مرحلة الدّفاع إلى مرحلة البناء و شغل الآخرين بهموم الوطن: ولن يكون ذلك إلاّ بامتلاك ناصية الحوار فى موضوعيّة وأدب جَمّ، والإجابة المنطقيّة العقليّة على مشكلات المجتمع الأساسيّة، وهذا الأسلوب منهج قرآنيّ أصيل أسكت أهل قريش فى بداية العهد المكِّيّ و الدّعوة فى مهدها- حين كشف قصورهم فى علاج مشكلات المشترك الإنسانيّ، تجد مثالاً لذلك فى قوله تعالى: (كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) وقريب منها-فى ثوب معاصر- فضائيّات الفتنة ودكاكين حقوق الإنسان، فلم ينصفوا زوجة معتقل أو أرملة شهيد أو أم ثكلى اكتوت بنار المخلوع حسني ابن السّيد، وقد تسرّبت القضيّة من بين أيدينا بفعل فاعل، فهل أحسنّا استغلالها؟ ثالثًا: التّصوّر الشّامل والإدراك الصّحيح لقضيّة تطبيق الشّريعة ومعوّقاتها: فالشّريعة بمعناها العامّ تشمل كلّ ما جاء به الدّين من عقائد وأخلاق وعبادات ومعاملات، وهي بهذا المعنى ترادف كلمة الدّين، فيكون المقصود بتطبيقها حراسة الدّين وسياسة الدّنيا به، ومن هنا تأتي خطورة اختزالها فى الحدود فقط، وهى محاولة للتّشويش انجرّ إليها بحسن نيّة بعض الإسلاميّين واستبقوا الأحداث، وغاب عنهم أن السّياسة لا تستطيع جعل النّاس أكثر تديّنًا ولا تستطيع تغيير أفكارهم وعقائدهم، فالنّظم والقوانين تساعد على حماية المجتمع لكنّها لا تنشئه، مالم تكن أحكام الاسلام وآدابه جزءًا من ثقافة أفراده اليوميّة، وهذا لن يكون إلاّ إذا تغلغلت تعاليمه فى أعماق النّفوس، و انجذب إليها النّاس وأحبّوها. رابعًا: حصر دائرة العمل وتجنّب الدّخول فى مواجهات على عدّة محاور فى آنٍ واحد، والابتعاد عن المعارك المفتعلة التى تستنزف الطّاقات وتميط اللّثام عن مذخور الطّاقات والإمكانات، مع تغليب النَّفَس الدّعويّ على نفَس التّحذير والتّهييج والاستفزاز والإثارة التى تلهب العواطف، وقد تدفع إلى ردود أفعال غير محمودة العواقب، فإن مسّت الحاجة إلى تحديد موقف إسلاميّ من بعض الممارسات فليكن بالخطاب العلميّ الرّصين، وفى إطار من الحرص على إقناع الآخرين وهدايتهم بلا تشكيك أو طعن فى النّيّات؛ فليس من الصّواب أن يُفسّر كلّ موقف على أنّه عداء صريح للدّين أو حمَلَته، وعلى الإسلاميّين عامّة أن يسعوا سعيًا حثيثًا إلى تأليف كلّ من يمكن تأليفه من قبل خصومهم، مؤسّسة كان أو فردًا، تحييدًا لموقفه أو تقليلاً لعدائه؛ فالتّأليف والمداراة فى هذه المرحلة أولى من الهجر والمجافاة، وفى شريعتنا سهم للمؤلّفة قلوبهم، وإذا كان أبو سفيان رجلاً يحب الفخر فلماذا لا نعطيه ما يحبّ؟ خامسًا: التّدريب على أعلى مستوى لتحصيل التميّز والتّخصّص: الذّكاء والدّبلوماسيّة و تراثيّة المعرفة غير كافية لتحصيل الخبرة السّياسيّة؛ فالخبرة إنّما تُنال بالتّدريب المستمرّ الذي يساعد على رسم الأشياء في الذّهن أولاً، ثم تجسيدها في صور ملموسة، ويبني العقليّة المنهجيّة التي تمكِّن صاحبها من حسن التعامل مع ما يعرف وما لا يعرف، كما يمُكِّن ليس فقط من مسايرة المتغيّرات والمستجدّات بل قيادتها والتحكّم فيها، ويساعد على رسم الأهداف بعيدة المدى؛ فالأهداف غير الواضحة وغير المبرمجة تسلم قيادنا للآخرين كي يتحكّموا فينا، على أن يكون التّدريب فى مجال مهارات التّواصل وإدارة الأزَمَات والحوارات وطرق التّفكير والوعي السّياسيّ وكسب الجماهير، إضافة إلى التّدريب فى مجال التّخصّص داخل العمل السّياسيّ. سادسًا -علاج مرض الغلوّ في المتبوع والثّقة فى الأتباع: من أشدّ المحن التى نعانيها في حياتنا المعاصرة تمجيد الذّات وستر العيوب، وتمثّل المراجعة والنّقد الذّاتيّ والمفاتحة والمفاتشة الخطوة الأولى على طريق التّصحيح؛ فلابد من تنقية الصّف من شوائب الغلوّ وعقد الولاء والبراء على مفاهيم وقناعات اجتهاديّة؛ فليس شرطًا أن يكون الأكبر سنًّا هو الأكثر خبرة، أو أن يكون الأعلم شرعًا هو الأفقه للواقع السّياسيّ، كما يتطلّب الوقوف على الأخطاء و علاجها وحلّ الخلافات الداخليّة بعيدًا عن المنابر الإعلاميّة، مع العلم بأنّ كثيرًا من هذه الخلافات لا يعود إلى خفاء الدّليل أو سوء الفهم، بقدر ما يعود الى أسباب نفسيّة واجتماعيّة تراكمت على مدى سنوات طويلة. سابعًا: علاج أخطاء البدايات: بإعادة الهيكلة داخل مجموعات العمل على أساس الكفاءة وحسن السّير والسّلوك ووجود قدر مناسب من الاكتفاء الماديّ والاستغناء عن الآخرين، فأثر التّسرّع فى الانتقاء مازال ظاهرًا للعيان، غلب فيه جانب المظهر على الجوهر، والانتماء للجماعة على حساب الفكرة والهدف، وليس كلّ النّاس يصلح للعمل السّياسيّ، وقد سُئل الإمام مالك عن واحد من زهاد عصره فقال: أرجو دعاءه، ولا أطلب رأيه، مع ضرورة الاستعانة بهيئة استشاريّة دائمة من خبراء السّياسة والإعلام، وعرض التّّصريحات عليهم قبل الإدلاء بها؛ فالمخاطر المترتّبة على الارتجال كبيرة، والوقت محدود والتّصحيح صعب، وإذا كان الله يغفر لنا خطايانا فإنّ الإنترنت والفضائيّات لاتفعل ذلك.
رصد تقرير حديث أبرز الشخصيات العالمية في مجال معاداة الإسلام، والترويج لـ"الإسلاموفوبيا", وبدورنا سنلقي الضوء على أبرز 12فردًا منهم, ستة من أوربا، ومثلهم من الولايات المتحدة الأمريكية، والذين نعتقد أنهم الأكثر تأثيرا في الترويج لهذه الموجة الشرسة بين الأوساط الغربية.
*ستيفن لينون "تومي روبنسون" : هو المؤسس المشارك لشبكة "الإسلاموفوبيا"، وقائد "رابطة الدفاع الإنجليزي في بريطانيا,الحركة الأكثر عداءا للإسلام والمسلمين في العالم. ينظر إليه باعتباره ملهمًا للمتطرفين، ورائدًا للأحزاب اليمينية المتشددة. عُرف بالتطرف منذ وقت مبكر، حيث سجن 12 شهرا عام 2004 بعد الاعتداء على أحد ضباط الشرطة بالضرب, كما شارك عام 2010في "المؤتمر الدولي ضد أسلمة أوربا" والذي أقيم في باريس, كما ناهض فكرة"الجهاد" في العالم.
*أندرس جرافرس: أحد أهم قادة حركة "أوقفوا أسلمة أوربا"والمشارك في تأسيسها. وواحد من مؤسسي شبكة الإسلاموفوبيا في أوربا، كما يمكن اعتباره صاحب فكرة شبكة مناهضة الجهاد في أوربا, وهو منظم قمة "مناهضة الجهاد" في كوبنهاجن عام 2007, كما وجه حركة "أوقفوا أسلمة أوربا" لمنع بناء مسجد "النقطة صفر" في عام 2010, فضلا عن أنه صاحب كتاب "أسلمة أوربا".
*لارس هيدجارد: صحفي ومؤرخ, وبوصفه مؤسس "الجمعية الدولية للصحافة الحرة" كان أحد أهم اللاعبين الدوليين في ميدان الحركات المناهضة للإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى دفاعه عن قضية جيرت فيلدرز, النائب الهولندي المناهض للقرآن والإسلام, وقد كرس مجهود "الجمعية الدولية للصحافة الحرة" للدفاع عن فيلدرز؛ بزعم أن ما يقوم به حرية تعبير. شارك في مؤتمر مناهضة الجهاد في بروكسل عام2007, إلى جانب أنه المؤلف المشارك لـكتاب "استعمار الإسلام للغرب" عام2003.
* جيرت فيلدرز: مؤسس وقائد "حزب الحرية" في هولندا, ويعد أحد أكثر الشخصيات معاداة للإسلام والقرءان في العالم, وقد ساعده بروزه السياسي في هولندا بأن يكون رمزا رئيسيًا لمناهضة المسلمين في أوربا، كما احتفت به الجماعات المتطرفة في أمريكا وأمريكا الشمالية, وعرف بعدائه الشديد للإسلام, كما طالب بحظر القرآن في هولندا مشبها إياه بكتاب"كفاحي" لهتلر.
مُنع فيلدرز من دخول المملكة المتحدة عام 2009 بسبب آرائه المناهضة للإسلام, كما نظم وشارك في العديد من الفعاليات في الولايات المتحدة وكندا وإسرائيل وبرلين لمنهاضة الإسلام، ومعاداة المسلمين في الغرب, وبالإضافة إلى تأليفه كتاب "حرب الإسلام على الغرب" عام 2012, أثار فيلمه "فتنه" جلبة واسعة في الأوساط الغربية، وسخطا شديد في الأوساط الإسلامية.
* آن مارشيني "دومنيك ديفاكس": إحدى البريطانيات المعروفة بمناهضتها للمسلمين, حيث شاركت عام 2009في تأسيس "رابطة الدفاع الانجليزي", كما تعتبر حلقة الوصل بين الممولين لشبكة الإسلاموفوبيا والسياسيين في أمريكا الشمالية وأوربا, وشاركت في كثير من الفعاليات التي نظمت ضد الإسلام في أوربا والولايات المتحدة.
* بيدر ينسن "فجوردمان": أحد أبرز المدونين النرويجيين، ويعتبر أكثر المؤثرين على أندرس بريفيك, منفذ هجمات إرهابية في النرويج عام 2011. وهو مؤسس مدونة "فجوردمان" التي تهتم بمناهضة الإسلام في النرويج وكاتب منتظم في مجلة "أبواب فيينا" وجريدة بروكسل.
زعم ينسن أن المسلمين لديهم خطة سرية للاستيلاء على أوربا، ووضع وجهة نظره تلك في كتاب "هزيمة أوربا", والذي دعا فيه إلى ترحيل المسلمين لتدمير هذا المخطط.عُرف في النرويج بعدائه الشديد للمهاجرين حيث كتب ذات مرة "إنهم يغتصبون الأرض الأصلية ويدمرون البلاد", وبرغم أن بريفيك يعد من المتأثرين بكتابته فقد تبرأ منه عقب ارتكابه للهجمات الإرهابية واصفا إياه بالمختل عقليا.
* باميلا جيلر: مدونة وكاتبة أمريكية وناشطة سياسية, وتعد هي الزعيم الأساسي لحركة مكافحة الجهاد في العالم, وشاركت في تأسيس رابطة الدفاع عن الحرية وأوقفوا أسلمة أمريكا, وهي أحد المعارضين بقوة لبناء مركز إسلامي في مانهاتن بالقرب من منطقة "الصفر", وهي صاحبة مدونة"منصة العداء للإسلام", ومؤلفة كتاب "أوقفوا أسلمة أمريكا",كما استشهد بريفيك في مذكراته 12 مرة من مدونتها, وعرفت كذلك بمناداتها لحظر الشريعة الإسلامية في بعض الولايات الأمريكية.
*روبرت سبنسر: مدون وكاتب مسيحي أمريكي للعديد من المقالات التي تهاجم الإسلام والمسلمين بشدة, كما أنه يعتبر أحد أبرز المعادين للشريعة الإسلامية وتطبيقها خاصة في الغرب. أنشأ مدونة "جهاد ووتش", واستطاع أن يجذب أنظار الرأي العام بسبب مزاعمه عن وجود مخططات إسلامية لتدمير المجتمعات الغربية وضمها بالقوة للعالم الإسلامي أو فرض الشريعة الإسلامية عليهم بالقوة, كما وُجهت إليه مؤخرا بعض الاتهامات بالتأثير على أندرس بريفيك بسبب ما استلهمه بريفيك من منشورات مدونته العنصرية والمعادية للمسلمين.
كما ألف سبنسر العديد من الكتب المعادية للإسلام ومنها "كشف النقاب عن الإسلام" الدين الأكثر انتشارا في العالم عام 2002, "الجهاد يهدد أمريكا والغرب" عام 2003, "خرافة التسامح الإسلامي" عام 2005, وغيرها من الكتب التي تسئ للنبي محمد أو كتب تناول فيها العلاقة بين انتشار الإسلام وإدارة أوباما مثل "الإسلام وأوباما" عام 2010.
* ديفيد يروشالمي: محامي يهودي أمريكي محافظ, أسس جمعية "أمريكيون للوجود القومي", وله العديد من الرؤى المثيرة للجدل حول الهجرة, ويعد أبرز الأشخاص الذين قاموا بمجهود قوي لمعادة الإسلام على المستوى المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث أطلقت عليه نيويورك تايمز "رجل حركة مناهضة الشريعة", ويعتبر المستشار العام لـ "أوقفوا أسلمة أمريكا" و "المنظمة الشعبية لمناهضة المسلمين", وقام بتأليف كتاب "الشريعة: خطر يهدد أمريكا" عام 2010.
* كريستين بريم: تعتبر كريستين هي حلقة الوصل الدولية بين شبكة مناهضة الإسلام والمسلمين وحركة مناهضة الجهاد, حيث تقوم بالربط بين أعضاء هذه الشبكة خلال مؤتمرات "التحالف الدولي للحريات المدنية" والتي تديرها كريستين, كما ساعدت في تأسيس صندوق التحالف للنصر لدعم مبادرات المعاداة للإسلام, وشاركت في تأليف كتاب "الشريعة: خطر يهدد أمريكا" عام 2010.
* ديفيد هورويتز: ناشط أمريكي وكاتب محافظ متشدد ومؤسس "مركز ديفيد هورويتزللحرية" وهو المركز البحثي الذي يساعد في جمع الأموال وتمويل الأنشطة المعادية للإسلام ويعتبر هورويتز أبرز الممولين لمشروع نشر كراهية المسلمين في الولايات المتحدة والعالم بأسره, كما ألف كتاب "التحالف غير المقدس: الإسلام الراديكالي واليسار الأمريكي" وشارك في تأليف "الإسلاموفوبيا: الجريمة والمستقبل الشمولي"واتهم بتحريضه لبريفيك, كما نظم عشاء في أمريكا لجمع التبرعات لمصلحة جيرت فيلدرز.
* بريجيت جابريل"نور سمعان": لبنانية مسيحية تحمل الجنسية الأمريكية وتكتب في "فوكس نيوز" و"سي ان ان" وقامت بتأسيس منظمة "العمل من أجل أمريكا"، والتي ترتكز على "البروتستاتينية المحافظة، وغلاة المدافعين عن إسرائيل من اليهود والمسيحيين، وحركة "الشاي" اليمينية المتطرفة, كما لعبت دورا كبيرا في إفشال محاولات مسلمي أوكلاهوما لتعديل قانون الولاية ليتم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات الخاصة بين المسلمين.
في عباراتها التي تهاجم فيها الإسلام يظهر مدى عداوتها وحقدها حيث تقول "في العالم الإسلامي يصبح التطرف هو الأصل", و"هناك سرطان يصيب العالم اسمه الفاشية الإسلامية وتلك الفاشية تستمد أفكارها من مصدر واحد هو القرآن"!
منذ نجاحهم في الانتخابات في كل من تونس والمغرب ومصر، يثير الإسلاميون الكثير من الجدل لا في العالم العربي فحسب وإنما في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي حوار أجرته معه جريدة لوموند الفرنسية في عددها الصادر يوم الأحد 26 ديسمبر 2011 حاول الأستاذ برنارد هايكل، الذي يدرس في جامعة برنستون وفيها يشرف على قسم الدراسات الشرقية، الإجابة على السؤال التالي: هل يستطيع الإسلاميون إدارة شؤون الدولة؟ ويقول الأستاذ هايكل الذي أصدر العديد من الدراسات المهمة والعميقة عن الظواهر السياسية والاجتماعية في العالم العربي إن الإسلاميين سيواجهون العديد من المصاعب الداخلية والخارجية التي قد تفضي بهم إلى الفشل في إدارة شؤون الدولة.
وهو يرى أن الإخوان المسلمين في تونس ومصر يفتقرون إلى التجربة السياسية التي تسمح لهم بمواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة راهنا والمتصلة بالبطالة والفقر والصحة وغلاء المعيشة وضعف البنى التحتية وغيرها. والشعار الذي يرفعونه: "الإسلام هو الحل" هو في الحقيقة شعار مثالي- بحسب الأستاذ هايكل- وبالتالي لن يكون مفتاحا ولا وسيلة لحل المشاكل القائمة راهنا، بل قد يزيد في تعقيدها.
وأما الأمر الآخر الذي سيواجهه الإسلاميون فهو صعود التيار السلفي الذي سيثير نعرات وفتنًا داخل المجتمع من شأنها أن تعرقل وتعطل العملية التنموية وتغرق البلاد في صراعات قاتلة لا علاقة لها بالمشاكل والقضايا الحقيقية للبلاد.
ويرى الأستاذ هايكل أن المملكة العربية السعودية قد تتدخل لإقناع الإسلاميين بضرورة التوحد مع السلفيين لمواجهة الأحزاب المعارضة لهم.
وبخصوص الحالة المصرية يقول الأستاذ هايكل: في مصر تمكن السلفيون من التغلغل في الأحياء الفقيرة في المدن الكبيرة مثل القاهرة والإسكندرية. وسكان هذه الأحياء هم قاعدة انتخابية مهمة جدا بالنسبة للإخوان المسلمين؛ لذلك سيكون الصراع شديدا بينهم وبين السلفيين وعلى مستويات متعددة داخلية وخارجية، وعلى مستوى العلاقات مع العالم العربي والعالم الغربي ودول الخليج، وهما المصدران الأساسيان بالنسبة للاقتصاد المصري. ويمكن أن يتعارض برنامج التيارين على المستوى الاقتصادي بالخصوص.
فإذا ما عظمت سلطة السلفيين وأخذوا يلحون مثلا في مسألة تطبيق الشريعة، فإن السياح الأجانب سيهجرون مصر، عكس السياح القادمين من الخليج. أما الإخوان المسلمون فسيكونون بحاجة إلى السياح الغربيين الذين هم عنصر أساسي في التنمية الاقتصادية. ولست أدري كيف يمكن أن يحل مثل هذا التناقض بين التيارين!.
كيف يفسر تنامي الظاهرة السلفية؟ عن هذا السؤال يجيب الأستاذ هايكل قائلا: السلفيون لم يدفعوا الثمن مقابل معارضتهم للأنظمة، بل كانوا في الحقيقة معها، ليس في مصر وحدها وإنما في بلدان أخرى. أما الإسلاميون فقد دفعوا الثمن غاليا مقابل مواجهتهم للنظام. مع ذلك ارتبطوا أحيانا بعلاقات مع النظام خصوصا مع الجيش؛ وهم يتقنون التفاوض مع خصومهم. وفي هذا الجانب هم يتفوقون على السلفيين الذين يهاجمون الجميع معتقدين أنهم على حق وعلى صواب دائمين.
وعن الوضع في تونس يقول الأستاذ هايكل: أعتقد أن تونس هي أفضل حقل لمعرفة إن كانت هناك فرضية للإصلاح داخل حركة النهضة وتحول إيجابي في تفكير مناضليها وزعاماتها لكي يصبحوا ديمقراطيين فعليا وينسجموا مع مستوجبات السلطة لتسليمها إلى آخرين إذا ما اقتضى الأمر ذلك.
لذلك يمكن القول إن تونس استثناء في هذا المجال، فهي جمهورية بحركة إسلامية تعاضدها قطر وتركيا وينشط فيها أناس عاشوا طويلا في المنافي الأوروبية؛ ولعلهم ينجحون في نسج علاقات وثيقة مع أحزاب وتنظيمات أخرى للحفاظ على الأمن والاستقرار.
ظهرتْ حركةُ الإخوان المسلمين في زمنيةِ الاستعمار الغربي ومحاولته الهيمنة الشمولية على مصر والبلدان العربية، وقد رأتْ الحركةُ بشكل ردة فعل أن ما يقوم به الغرب من نشر لليبرالية والحداثة هو كارثةٌ على المسلمين و"مخطط" هدفه إلغاء الإسلام.
لم تميز الحركة بين الغرب كاستعمار والغرب كحداثة، وديمقراطية، وهي حصيلةُ نضال كل الأمم عبر التاريخ، ومنهم المسلمون بشكلٍ كبير معروف، فقاموا بالتعميم والإطلاق.
علينا أن نرى في هذا الوقت أي في النصف الأول ثم الثاني من القرن العشرين ثقافة النخب الإيرانية وهي تردد "إن الغرب ضربة شمس"، أي المقولات نفسها وقد رأينا مسار التجربة الإيرانية حين تقوم على هذه الرؤية.
وهو أمرٌ يعكس الجذور القروية والبدوية الشمولية نفسها داخل الحياة الأسرية والاجتماعية، وهيمنة الرجال المحافظين الذين يفسرون سيطرتهم الذكورية باعتبارها هي الجزء الأساسي من تعاليم الأسرة والأحوال الشخصية في الإسلام.
إن توجه الإخوان المسلمين إلى الشمولية الاجتماعية ثم السياسية كرد فعل للغرب المرئي كاستعمارٍ بإطلاق، جعلهم يعودون للآراء الدينية الفقهية غير المقروءة بشكل موضوعي، فهم يسقطون الذكورية الاستبدادية نفسها على الإسلام المؤسس، أي يركزون على مسائل تعدد الزوجات والحجاب والعقوبات يحيلون ما هو ثانوي وضروري في ذلك العصر إلى أحكام مطلقة وتغدو هذه الأحكام بؤرة رئيسية وخاصة في المراحل الأولى للدعوة ولم تزل عند الحركات السلفية من دون تغيير.
ولهذا ظنوا ثورة الجيش المصري هي توجه واسع للحداثة، لكن الجيش في محاولته الهيمنة الشمولية هو الآخر رفض تصورهم السياسي الديني الشمولي، وتقلقل بين حداثةٍ غربية جزئية وبين دكتاتورية شرقية.
فهناك التقاء بين رجال الثورة العسكرية الشمولية وبين الإخوان كقوى شمولية، فلهم علاقات مشتركة مع الإقطاع، أي هيمنة الذكور المحافظين على الحياة والأسر، وسيطرة الإقطاع الزراعي، ومنع العقلانية الفكرية في قراءة التراث والواقع.
كما أن الضباط الأحرار وقادة الاخوان هم من دفعة الريف، وهو يتمددُ بمحافظته على المدن ويفرض مقاييسه المضادة لليبرالية والديمقراطية والماركسية. لكن التمايز في الدفعة هو نتاجُ المواقع بين فئات البرجوازية الصغيرة القادمة من الجيش أو من الفئات المدنية، وكلٌ منها يقوم بفرض نفسه.
الضباط الأحرار هيمنوا على الملكيات العامة باسم الاشتراكية، والإخوان هيمنوا على العائلات والحياة الاجتماعية باسم الإسلام، وكلاهما يعبر عن وجهين من الإقطاع، الأول في القسم السياسي الحاكم، والثاني في القسم الاجتماعي الحاكم.
هي الثنائية نفسها بين الرشيد ورجال الدين، ثنائية الاختلاف بين من يهيمن على الدولة ومن يهيمن على الحياة الاجتماعية من خلال الدين.
بعد ذلك تغدو رأسمالية الدولة وما سُمي الاشتراكية هي توسع هيمنة الضباط على الاقتصاد والشؤون العامة، فهو توسع الشمولية، وضرب التوجهات الفردية المستقلة، وتحويل المجتمع إلى معسكر.
وهكذا فإن الاخوان في مصر واجهوا إعصار الغرب الاستعماري بالتمسك بالماضي الديني الاجتماعي، من دون قراءة عميقة مركبة، ثم واجهوا إعصار الشرق "الاشتراكي" الذي ظهر كعاصفة ضد التراث و"التخلف" من دون أن يحقق ما وعد به من إنجازات تحولية عميقة، لأنه قام على الشمولية ورفض جذور الأمم الإسلامية والتعددية والتنوع.
ولهذا مر الإخوان بمرحلتين في العقود الأخيرة: فقد تأسست أفكارُ سيد قطب على تأسيس دكتاتورية دينية مضادة للاشتراكية، من خلال تأزمه الشخصي، ومن خلال تصعيد بعض العناصر الشمولية في الإسلام وتحويلها إلى بناء كلي، ورفض لنضاليته الشعبية الديمقراطية. لقد تفاقم هنا الارتداد عن العناصر التحديثية الإنسانية التي مصدرها الغرب، وغدت لدى سيد قطب عدوةً، وقام بأدلجة الإسلام حسب ضيق زنزانته، لا حسب رحابة الإسلام.
ثم بعد تصدع منظومات رأسماليات الدول الشرقية، ذات الشكل الاشتراكي، ظهرت مراجعة مختلفة للغرب والديمقراطية والحداثة، وصارت هناك مقاربة لها في حركة الإخوان، فتم تأييد الديمقراطية بشروطٍ دينية!
حتى الآن لم تتم مراجعة القالب الشمولي للحركة باعتبارها حركة سياسية ودعوة دينية وجماعة رياضية وغير ذلك من مهمات شاملة وكأنها دولة، وانفصام الحركة بين حزب وجماعة، وانفصام الحركة بين مجددين وتقليديين، يجعل من توليهم زمام سلطة دولة عربية كبيرة كمصر مسألة محفوفة بالمخاطر، لأن هذه التناقضات الداخلية العميقة، بين بذور ديمقراطية ومبنى شمولي، ستنعكسُ على بناء الدولة ومؤسساتها، كما نرى في بواكير السلطة الزاحفة على الحكم، ولكن في الحكم تغدو الاختلافاتُ جاذبة للناس وللمؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية لحَومتها ومعاركها، وكان يُفترض أن تبقى الحركة كما أعلنت بألا تدخل المؤسسات التنفيذية وتبقى مشرعة ومراقبة، حتى تتطور وتعرف ما هو اتجاهها وهل قبلت بشروط الحداثة أم ستضع قدماً في العصر وقدماً أخرى في الماضي التقليدي.
منذ افتقر الإسلامُ إلى ألسنة علمية مجتهدة، في عصرنا الحديث، على شاكلة محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ومصطفى عبد الرازق، وعبد الحميد بن باديس، وعلال الفاسي، ومحمود شلتوت، خَلَتْ ساحةُ الإفتاء لمَن تَصَدر للفُتْيَا وهو ليس لها أهلاً. ثم أتى الحزبيون من "فقهاء" يضيفون أسباباً جديدة إلى محنة مجتمعاتنا مع الاستغلال السياسي للدين، وتسخيره لمصالح فئوية ودنيوية ضيقة، جاوزَ في فداحته أيّ استغلال سابق قامت به السلطة في بلاد العرب والمسلمين.
وما أغنانا عن القول إن صيرورة الرأي في شؤون الدين لغير المجتهدين، على مثال ما آل إليه الأمرُ اليوم، بل منذ أربعة عقود، إنما يؤرّخ لأسوأ منعطف يشهده الخطاب الديني منذ قرنين: أعني منذ بدأ هذا الخطاب يعرف أشكالاً جنينية من التجديد، في بدايات القرن التاسع عشر، مع حسن العطّار في مصر، قبل أن يتطوّر إلى إصلاحية إسلامية.
ما أَمْكَن أَنْصَافَ الفقهاء أن يتكاثروا ويَكْبر جَمْعُهم إلاّ لأن "العلوم الدينية" تراجعتْ وانْحَطت، بعد الخراب الذي أصاب مؤسساتها العلمية التقليدية "الأزهر، القرويين، الزيتونة، النجف..."، وجامعاتها وكلياتها "الحديثة"، بسبب تخلّف مناهجها وبرامجها التعليمية، واجترارها الأساليب العتيقة، وافتقارها الجادّ إلى الأطر العلمية والتربوية المؤهّلة، بعد انصرام جيل العلماء المجتهدين، وإقفالها في وجه الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية من غير التقليديين. لكن تراجع نفوذ المؤسّسة الدينية التقليدية، المرتبطة بالسلطة، لا يفسّر وحده ظاهرة الانحطاط المروع للخطاب الدينيّ في الوطن العربي، منذ خمسينات القرن الماضي، وإنما يفسّره أيضاً- وربما أساساً- ركوب هذا الخطاب صهوة المشروع السياسيّ الحزبيّ، وإعادة تصميم وظيفة الدينيّ ليخدم مطالب السياسة، وتحديداً مطلب حيازة السلطة؛ الذي سكن الوعي الإسلامي المعاصر منذ نهاية عشرينات القرن العشرين الماضي.
ما أغنانا عن بيان الثمن الفادح الذي دفعه الإسلام، ويدفعه، من برنامج التجنيد السياسيّ للدين وللرّمز الدينيّ في المعركة من أجل السلطة؛ فلقد أفقد ذلك التجنيد الوعي الإسلامي، وعاد بعقارب ساعته إلى الوراء، وأحل الأيديولوجيا محل المعرفة، والبيان السياسيّ محلّ البناء الفقهي، والتحريض والتجييش محلّ المناظرة والإقناع، والتعصب الحزبي محلّ التسامح الفكريّ، والمفاصلة بدلاً من الحوار، والعنفَ الماديّ والرمزي بدلاً من الدفع بالأحسن، والمذهبيةَ المنغلقة البغيضة محلّ فكرة الأمّة والجماعة. وها نحن نشهد فصولاً دراماتيكية متعاقبة من هذا الانقلاب الخطر في مفاهيم الدين منذ ابتُلِيَ بهذه الموجة التسيسية في العقود الأخيرة، يقترن بها، ويتساوق معها، وينجم منها، سَيْلٌ متصِل من الممارسات السياسية الآخذة مجتمعاتنا، باسم الدين، نحو المجهول؛ فهو الضغط على وحدة الشعب والأهل، من طريق تحريض فريق على آخر، ونحو مَحْو مكتسبات التقدم كافة بدعوى مجافاتها لأصول الدين! وهلمّ جرّا..
ومن أشد مظاهر تسييس الدين خطورةً، في السنوات الأخيرة، الزج بالفُتْيَا في معترك السياسة والصراع على السلطة. وإذا كانت الفتوى- في تاريخ الفقه الإسلامي- اجتهاداً فقهيّاً في تنزيل الأحكام على الواقعات، وإذا كان المجتهدون مختلفين في الرأي، ممّا لا تكون معه الفتوى مُلْزِمة لتعذر الإجماع على الرأي، ثم إذا كان الغرض منها الوقوف على حكم الدين في مسألةٍ ما، وتحقيق مصلحة الأمّة والجماعة...، فإن "الفتوى" باتت- بعد أن خضعت للتسييس- رأياً سياسيّاً يتوسّل مفردات الدين، وأصبحت تفرض نفسها، أو يفرضها أصحابُها، بما هي مُلْزِمة، وانتهت إلى التجنيد لخدمةِ مصلحة فئوية ضيقة. وهذا، اليوم، عينُ ما نقرأ معطياته في "الفتاوى" المنهمرة، من غير انقطاع، من شاشات الفضائيات "الدينية"، أو البرامج "الدينية" في القسم الأكثر من الفضائيات العربية، فضلاً عن الصحف والمجلات والخطب.
يُؤْذِنُ تحول الفتوى إلى موقفٍ سياسيّ بتحول خطر في دور المؤسسة الفقهية في الإسلام، وفي الوظائف التقليدية التي نهضت بها منذ القرن الهجري الثالث؛ أعني منذ بدأت الحدود بين السلطة السياسية والسلطة "العلمية" "الفقهية" تترسّم وتتبين.
ومع أن الفقهاء قدّموا، عبر التاريخ، ما لا يمكن إنكارُه من مساهمةٍ في تأييد السلطة وفي شرعنتها، إلاّ أن أكثرهم فَعَل ذلك مخافةَ الفتنة، ودفاعاً عن الدولة ووحدة الأمة والجماعة، لذلك لا يمكن حسبانُ موقفهم زجّاً بالدين في السياسة، إلاّ عند القليل منهم، ولا يمكن مقارنتُه- اليوم- مع ما يفعله "فقه الفتنة" الذاهب مذهب الإيقاع: لا بين السلطة والشعب، بل بين الشعب والشعب أو داخل الشعب نفسه.
وإذا كان هذا النوع من الاستغلال السياسيّ للدين يُفْسِد السياسة، ويؤسّس الصراع السياسي على مقتضى مذهبيّ ضيّق، فإنه يعتدي اعتداءً فاحشاً- في الوقتِ عينِه- على معنى الدين، وعلى دوره في توحيد الأمّةِ وإقامة عمرانها الاجتماعي على الإخاء، والتسامح، والسلام.
كان أحد الإخوة يحكي عن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، يقول: يحُكي أن ابنة عمر بن عبد العزيز، وهي طفلة صغيرة، دخلت عليه في يوم عيد تبكي، فـسألها ماذا يبكيك؟
ردت: كل الأطفال يرتدون حللا جديدة وأنا ابنة أمير المؤمنين أرتدي ثوباً قديماً.
تأثر عمر لبكائها وذهب إلى خازن بيت المال وقال له: أتأذن لي أن أصرف راتبي عن الشهر القادم؟
فقال له الخازن: ولمَ يا أمير المؤمنين؟
فحكى له عمر السبب، فقال الخازن: لا مانع، ولكن بشرط!!
فسأله عمر: وما هو هذا الشرط؟؟
فقال الخازن: أن تضمن لي أن تبقى حياً حتى الشهر القادم لتعمل بالأجر الذي تريد صرفه.
فتركة عمر وعاد، فسأله أبناؤه: ماذا فعلت يا أبانا؟
فرد عليهم: أتصبرون وندخل جميعاً الجنة، أم لا تصبرون ويدخل أباكم النار؟
قالوا: نصبر يا أبانا.
وأخذ صديقي يتحسر على زمان عمر بن عبد العزيز، فقلت له لا تتحسر، اذهب إلى أي دولة غربية، تنتهج الحرية وتهتم بكرامة الإنسان وحقوقه، فسترى أنهم يفعلون نفس ما تقول، رعاية صحية لكل شخص على أرضها، محاربة الفساد العام، كفالة الحد الأدنى من المعيشة، والكثير غيرها، لماذا تتجه أنظارنا إلى ما قبل ألف وأربعمائة سنة ولا نفتح كتابا عن بريطانيا أو السويد أو غيرها؟
بالله عليكم، افتحوا عيونكم، وافتحوا عقولكم، الآليات التي تسير بها الأمور في الغرب إسلامية، والآليات التي تسير بها الأمور لدينا بعيدة عن الإسلام!! فلماذا لا ننقل آلياتهم؟ لماذا نبقى معلقين بحبال التاريخ، وننسى حبال الواقع والحاضر؟
لماذا قال الشيخ محمد عبده، عندما ذهب لمؤتمر باريس عام 1881 بعد عودته قولته المشهورة "ذهبت للغرب، فوجدت إسلاما ولم أجد مسلمين، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاما"؟
منذ أكثر من قرن ونصف ونحن نحمل نفس الداء، ولكننا نرفض الدواء. نرفضه بحجة مخالفة الكفار، ويا لسخافتها من حجة!!
لا نقول استوردوا عقائدهم، ولا مذاهبهم الفكرية فكلنا يعلم أن عقائدهم خاطئة، وأخلاقهم اليومية لا تناسبنا وخاطئة، ولكن لماذا لا نستورد آلياتهم في العمل؟
نقول استوردوا آلياتهم في السياسة والتعليم والاقتصاد، كما تستوردون منهم الملابس والأجهزة والطعام والشراب، أليست كلها أدوات؟؟
ففي عصر سيدنا عمر بن عبد العزيز، كان ما يفعله عنوان العدالة، وهذا لا يختلف عليه أحد؛ إذ لم تكن هنالك آلية تمنعه إلا الخوف من رب العالمين. ولكن في عصرنا هذا هل تتخيل رئيس وزراء بريطانيا أو رئيس فرنسا أو ملكة بريطانيا أو غيرهم من المسؤولين في الغرب، يمكن أن يمد يده لميزانية الدولة، أو ما نسميه بيت المال؟ هل تستطيع أنجيلا ميركل أن تشتري كيلو بطاطس من ميزانية الدولة؟ هل يستطيع غولدن براون أن يشتري فستانا لابنته من مال الدولة؟!
كنا نعتبرها مكرمة لعمر بن عبد العزيز، ولكن فعلها اليوم يعتبر جريمة يدخل بسببها السجن، حتى في إسرائيل.
أحب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فهو من خيار التابعين، ولكن لي في عصري هذا آليات تصلح لزماني، فلماذا لا ندرسها وننقل الصالح منها لنا؟
أكرر أنا هنا لا أقارن أخلاق أو عقائد أو مذاهب، أنا هنا أقارن فقط آليات العمل السياسي، والعمل الإصلاحي، والعمل المدني، والعمل الاجتماعي، هذه الآليات التي تنقصنا في مجتمعاتنا العربية.
المطلوب أن تكون لدينا آلية تمنع الحاكم من أن يظلم، من أن يتحول إلى طاغية، من أن يسرق، آلية لا تجعل الحاكم هو الذي يختار أن يكون ظالما أو عادلا، برغبته وحسب ما يمليه عليه ضميره، وهذه الآلية موجودة في الغرب، فلماذا لا نستوردها؟ هل في ديننا ما يمنع من استيراد الآليات الناجعة والناجحة من الأمم الأخرى؟
أعلم أن البعض، سيعتبر أني قارنت بين عمر بن عبد العزيز وغولدن براون، ولهؤلاء أقول أخطأتم، فأنا لم أقارن بينهما ولم أقارن شخصية عمر بن عبد العزيز بغيره، بل قارنت بين آليات العمل السياسي والمدني في عصريهما، مقارنه الآليات واختيار الناجح والناجع منهما هو المطلوب وهو الهدف، وهذا مصداق لقوله تعالى "إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا" وكلمة من تقصد جميع ولا تخص مسلم دون غيره.
ألم يقل شيخ الإسلام ابن تيميه "وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق؛ وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام".
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي