يبدو أن الربيع العربي أثار لدى كثير من شعوب وشباب العالم شجونًا، وحفزهم على النهوض للمطالبة بحريتهم وحقوقهم؛ فبعد أن انتقلت الاحتجاجات من المنطقة العربية إلى أوروبا وأمريكا, كان من البديهي أن تزحف الاحتجاجات إلى الدول الأفريقية, الأكثر معاناة في العالم, ومن هؤلاء شباب أنجولا الذين حلموا بالإطاحة برئيس دولتهم.
فور وصوله إلى سدة الحكم بعد أحد أطول الحروب الأهلية في القارة الأفريقية وأكثرها عنفًا, كرّس "خوسيه ادواردو دوس سانتوس"، رئيس أنجولا، جُل جهوده لتعزيز نفوذه, التي توجهها في النهاية بدستور عام 2010، الذي يخوله رسميًّا بالهيمنة على الدولة, بسلطاته الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وينص على نموذج فريد من نوعه لانتخاب رئيس الجمهورية, حيث يصبح الاسم الأول على قائمة الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية رئيسًا بشكل تلقائي, وبالتالي يمنع الناس أو المجلس الوطني من اختيار الرئيس مباشرة.
حتى وقت قريب, ظل الأنجوليون صامتين تقريبًا في مواجهة استيلاء "دوس سانتوس" على السلطة, وفساد النظام الفاضح, وقد استسلموا لهذا الوضع خشية العودة إلى الحروب الأهلية الدامية في حالة الإطاحة بـ"دوس سانتوس".
كان هذا قبل أن تثبت الانتفاضات الشعبية في شمال إفريقيا، أن الرؤساء والقادة, الذين أمضوا فترات طويلة في سدة الحكم, يمكن الإطاحة بهم دون انجرار البلاد إلى حرب أهلية, حتى في عدم وجود قيادة بديلة واضحة, مما منح الأمل للأنجوليين, ولاسيما الشباب, الذين لجئوا إلى المواقع الاجتماعية والرسائل النصية لتنظيم مظاهراتهم واحتجاجاتهم المناهضة للحكومة.
وبعد فشل المحاولة الأولى في شهر مارس الماضي, تجمع حوالي 200 من الشباب في العاصمة لواندا, في شهر مايو احتجاجًا على حكم "دوس سانتوس الذي استمر طيلة 32 عامًا, وبعد أربعة أشهر, في شهر سبتمبر الماضي, عاد الشباب إلى الشوارع يرتدون قمصانًا مكتوب عليها "32 طويلة للغاية", احتجاجًا على نقص الكهرباء والمياه, وانتشار الفساد والفقر, وقد كان رد فعل الحكومة في جميع الاحتجاجات عنيف، حيث قامت بشن حملة اعتقالات ضد الشباب، بالإضافة إلى الاعتداء على المتظاهرين والصحفيين.
وأمام مبنى المحكمة، التي أصدرت أحكامًا بالسجن على 18 من قادة الاحتجاج البارزين, اندلعت مظاهرات أخرى دعمًا للمعتقلين, فقامت الشرطة بالتعامل معها بعنف أيضًا، وألقت القبض على 27 شخصًا, من بينهم زعيم حزب الشباب المعارض, مفوكا موزيمبا.
من جانبها, حاولت السلطات الأنجولية إجبار الدفعة الثانية من المعتقلين على توجيه أصابع الاتهام إما إلى الولايات المتحدة أو فرنسا بوصفها المحرض على المشاعر المناهضة للحكومة وتنظيم مثل هذه الاحتجاجات, وذلك نظرًا لأن قاضي النظام كان عليه تبرئة 27 شخصًا لعدم وجود أية أدلة على تورطهم وبسبب التصريحات المتضاربة من قبل الشرطة.
وبرغم عقود من التدمير والتهميش الشرس ماديًّا وسياسيًّا للخصوم والمعارضين, فقد حملت زمرة من الشباب -لا ينتمون لأي حزب سياسي ولا يملكون أي خلفية مدنية أو رؤية واضحة للسياسية- على عاتقهم زمام المبادرة، وطالبوا بإقالة الرئيس, وهذا ما بعث القلق في نفوس الجاثمين على السلطة في أنجولا.
ومن الواضح أن هذه الاحتجاجات لم تحقق هذا الزخم والتأثير بسبب الشجاعة التي أظهرها بعض الشباب فقط, لكنها ترجع إلى عجز النظام الواضح في بقائه هادئًا ومتماسكًا, في مواجهة مطالبة ثلة من الشباب بتنحي الرئيس, بل إن ردة فعل الحزب الحاكم كانت عنيفة وشرسة، مما منح الاحتجاجات اهتمامًا دوليًّا وحافزًا للتضامن مع المطالبين بالحقوق.
وفي محاولة لحشد التأييد الشعبي للرئيس وتشويه سمعة المتظاهرين والترويج لأنهم مجرد مجموعة غوغائية, قام الحزب الحاكم في أنجولا بحشد بضعة آلاف من المسلحين, ونظم عدة مسيرات في أواخر شهر سبتمبر, في أحياء مختلفة من العاصمة, مطلقًا التهديدات ضد أصحاب المحلات، ومحذرًا العاملين في القطاع العام, ولاسيما في المدارس, باتخاذ إجراءات ضدهم إذا ما رفضوا المشاركة في المسيرات المؤيدة للرئيس.
وهذا ما أثار حفيظة الشعب الأنجولي, حيث نظم في اليوم التالي أكثر من 100 شخص مسيرة في ساحة الاستقلال للمطالبة بإقالة الرئيس وإطلاق سراح الشباب 18 من المعتقلين, إلا أن المتظاهرين لم يتمكنوا من السير على أقدامهم سوى 10 دقائق قبل أن يفرض عليهم حصار شديد من قبل قوات الشرطة, والتي منعت الصحفيين من تغطية مطالب المتظاهرين, وهذا ما اعتبر نصرًا آخر للمحتجين في الكشف عن وجه النظام الأنجولي القبيح في الداخل والخارج.
ويبدو أن هذا الحدث كان تحولًا هامًّا للأحداث في تاريخ الحكم الاستبدادي في أنجولا منذ استقلالها عام 1975, حيث منعت الحكومة مؤخرًا أي مظاهرات في ميدان الاستقلال حتى نهاية مارس, والذي يعد ساحة وميدانًا شاهدًا على جميع الأحداث والاحتجاجات, حيث يخشى النظام الأنجولي في الوقت الراهن أن تتحول ساحة الاستقلال إلى ميدان التحرير بالقاهرة.
صار من المؤكد أن دوس سانتوس أصبح السبب الرئيسي لعدم استقرار أنجولا في الوقت الحالي, بعدما دأب على تقزيم دور المؤسسات في البلاد حتى يتسنى له الهيمنة عليها, ليس ذلك فحسب، بل إنه فشل أيضًا في تعيين خلفاء داخل المؤسسات التي أنشأها ويسيطر عليها, مما خلق مناخًا خصبًا للصراعات والنزاعات الفتاكة.
وبرغم أن التكهنات الأخيرة تشير إلى أن دوس سانتوس ربما يرشح الرئيس التنفيذي لشركة سونانجول للنفط خلفًا له, إلا أن هذا لم يتبين حتى الآن، ولا يوجد دليل واضح على أن دوس سانتوس ينوي ترشيحه فعليًّا, ويبدو أن الرئيس الأنجولي مصمم على البقاء في سدة الحكم حتى النهاية, حتى لو جاء من بعده الطوفان.