93 و انت تري تجويد حروف الكتاب كيف يبلغ بها الكاتب بالرياضة و توقيف الاستاذ و لله در الحافظ ابو عمرو الداني رحمه الله حيث يقول
ليس بين التجويد و تركه الا رياضة لمن تدبره بفكه
فلقد صدق و بصر و اوجز فى القول و ما قصرَ فليس التجويد بتمضيغ اللسان و لا بتنغير الفم و لا بتعويج الفك و لا بترعيد الصوت و لا بتمطيط الشد و لا بتقطيع المد و لا بتطنين الغنات و لا بحصرمة الراءات قرآءة تنفر عنها الطباع و تمجها القلوب و الاسماع بل القراءة السهلة العذبة الحلوه اللطيفه التي لا مضغ فيها و لا لوك و لا تعسف و لا تكلف و لا تصنع و لا تنطع و لا تخرج عن طباع العرب و كلام الفصحا بوجه من وجوه القراءآت و الاداآنتهي و قد سيل عن هذه المسيلة العلامة ابن حجر الهيتمي فاجاب رحمه الله بقوله قد اختلف المتكلمون على كلام هذا الحبر يريد به ابن الجزري فقال بعضهم حمل الوجوب و نحوه من الالفاظ الواقعة في كلامه المذكور عنه في السوال على الوجوب الصناعي لا الشرعي و بعضهم اجرى كلامه على ظاهره و لم يؤوله بما ذكر و الحق في ذلك تفصيل و ان كان ممن جري على الاطلاق الاول شيخنا خاتمة المتاخرين ابو يحيى زكريا الانصاري سقى الله ثراه صبيب الرحمة و الرضوان و اعلي درجته في الجنان امين فقد دل كلام الاصحاب رضى الله عنهم و شكر سعيهم علي ذلك التفصيل فلم يسع العدول عنه و بيان ذلك ان النووى رحمه الله قال في شرح المهذب نقلا عن الشيخ الامام المجمع علي جلالته و صلاحه و امامته ابي محمد الجويني الذي قيل في ترجمته لو جاز ان يبعث الله
94 في هذه الأمة نبيا لكان ابا محمد الجويني اعلم ان من الناس من بالغ في الترتيل فجعل الكلمة كلمتين قاصدا بذلك اظهار الحروف كقوله نستعين و يقفون بين السين و التا وقفة لطيفة فيقطع الحرف عن الحرف و الكلمه عن الكلمه و هذا لا يجوز لأن الكلمه الواحده لا تحتمل القطع و الفصل و الوقف في اثنايها و انما القدر الجايز من الترتيل ان يخرج الحرف من مخرجه ثم ينتقل الي الذي بعده متصلا بلا وقفه و من الترتيل وصل الحروف و الكلمات على ضرب من التأَنّي و ليس منها فصلها و لا الوقوف في غير محله و من تمام التلاوة اشمام الحركة الواقعه على الموقوف عليه اختلاسا لا اشباعا انتهي و اقره النووى رحمه الله علي ذلك وبه ان تاملته يعلم انه لا بد من ذلك التفصيل و هو انه يجب وجوبا شرعيا علي القاري ان يراعي فى قراءته الفاتحة و غيرها مما اجمع القرا على وجوبه دون ما اختلفوا فيه و ذلك لان ما وقع الاتفاق عليه يعلم انه صلي الله عليه وسلم لم يقرا بغيره و مدار القراءة انما هو علي الاتباع اذ لا مجال للراي فيه بوجه فمن قرا بخلاف ما وقع الاجماع عليه يكون مبتدعا شيا في كلام الله تعالي و ابتداع ما لم يرد في القران لا يشك من له ادني مسكه انه محرم شديد التحريم بخلاف ما وقع الاختلاف فيه فانه ليس كذلك فمن ثم لم يكن على القاري به حرج الا تري ان البسملة لما وقع الاختلاف في اثباتها و لفظة من من تجرى تحتها الانهار في سورة برآءة و نظير ذلك لم يكن على مثبتها و لا مسقطها حرج لان كلا من الاثبات و النفى وارد ليس بمتنع فكذا ما وقع
95 الاختلاف فيه من وجوه الادا اذ نافيه يقول انه امر لغوي لم يرد عنده اتباع حتم يخالفه و لذا لم يثبته حينيذ و لا مقتضى لايجاب مراعاته شرعا فبان و اتضح ما ذكرته من التفصيل و ظهر ما لكل من شقيه من التعليل فاشدد باعتماد ذلك يَدَيَك لتعود فايده ذلك عليك و مما يويد ذلك قول شرح المهذب من اخرج بعض الحروف من غير مخرجه ان امكنه التعلم بطلت صلاته و الا فلا انتهي و من لازم بطلان الصلاة حرمة القراه فكما حرمت مع تبديل المخرج كذلك تحرم مع تبديل وجوه الادا المجمع عليها و يويد ذلك ايضا اجماعهم كما قاله النووي رحمه الله خلافا لمن وهم فيه على حرمة القراءة بالقراءة الشاذة و ان لم يكن فيها تغيير يعني و لا زيادة و لا نقص في الصلاة و خارجها و ليس ملحظ ذلك الا انه لم تتواتر قراءة مثبتها لان القراءة سنة متبعة فلا تجوز مخالفتها و هذا كله موجود بتمامه في نزل ما اجمع عليه من وجوه الادا كما لا يخفى و يويده ايضا قول شرح المهذب عن التبصرة في تكبير التحريم لا يجوز المد الا علي الالف التي بين اللام و الها و لا يخرجها به عن حد الاقتصاد الي الافراط انتهي اذ ظاهره ان افراط المد هنا حرام فاذا حرم هنا ففي القران اولي فانه لا يقول به احد من القرا و من ثم ضبطت في شرح العباب و غيره الافراط هنا بان يطيله الي حد لا يراه احد من القرآء و بهذا الذي قررته و اوضحته و حررته تعلم ضعف ما في الخادم كالتوسط ما يقتضى ان الواجب ما تعلق بالمخارج الظاهره دون
96 نحو الاخفا و الاقلاب و الهمس و الاسترخا و الاستعلا و وجه ضعفه ما قدمته من ان المدار في القران و وجوه ادائه انما هو الاتباع فهو سنة متبعة و حيث لم يرد في السنة في نحو الاخفا مما ذكر اعماله تعين الاتيان به لم يجز تركه سوا كان من الامور الظاهرة او من الخفية و بهذا يتعين ايضا اعتماد ما ذكره اعني الزركشي و الاذرعي فعبر عن ذلك الامام بانه لو قيل ان القراة من غير تصحيح الادا و المخارج لا تجوز لم يكن بعيد انتهى و اما زعمه ان في ذلك حرج على الناس فمنوع و أي حرج في تعلم المجمع عليه اذ هو الذي يجب تعلمه كما مر و بفرض ان فيه حرجا لا ينظر اليه لان الاور المجمع عليها لا يراعي فيها حرج و لا غيره فان قلت ينافي ما تقدم عن المجموع عن الجويني ما فيه عنه ايضا ان المبالغة في التشديد لا تضر قلت لا منافاة ان اراد بلا تضر لا تبطل به الصلاة لانه قد يسي في الادا او تصح صلاته و كذا ان اراد لا تحرم لان القصد به المحافظه على الاتيان بالمتفق عليه لا الزيادة على الوارد فهو كتكرير الرآءات فان قلت ينافيه قول الماوردي و غيره لو شدد مخففا جاز و ان اسا و لا شك ان تشديد المخفف مخالف لما اجمعوا عليه و قد صرح هو بالجواز قلت اجبت عن ذلك في شرح العباب بقولي و واضح مما ياتي في اللحن الذي لا يغير انه مع التعمد حرام فليحمل الجواز علي الصحة لا الحل و لا ينافيه ما مر في المبالغة أي في التشديد لانها زيادة و صف و ما هنا زيادة حرف و به يندفع تنظير
97 القمولي انتهي فان قلت قد صرح جمع من الاصحاب و تبعهم ابن الرفعة بانه لو نطق بحرف بين حرفين كقاف العرب اجزاه و كره و هذا مناف لما قدمته لان هذا النطق بخلاف المجمع عليه و قد صرحوا فيه الكراهيه المتبادر اطلاقها الي الجواز قلت اجبت عنه ايضا بقولي بعد نقل ما ذكره من الاجزاء و الكراهيه لكن نظر فيه المجموع و جري علي مقتضاه المحب الطبري فما الي البطلان قال الاذرعي و هو الظاهر المنقول و قال ابن العماد لا يتجه غيره لان في الاتيان كذلك اسقاط حرف من لغة العرب اذ هي ليست من الثمانية و العشرين حرفا التي تركب منها كلام العرب و من لازم اسقاط حرف من الفاتحة بطلان الصلاة انتهي فعلم ان القول بالكراهية ضعيف ان اراد قايله القول بها و لو مع قدرته على اخراجها من مخرجها الحقيقى و قدر عن شرح المهذب ان تعمد اخراج الحرف من غير مخرجه حرام فان قلت ينافى ذلك ايضا اطلاق بعض اصحابنا ان تعمد اللحن المغير للمعنى مكروه قلت هذا اطلاق ضعيف ايضا و الصواب ما في شرح المهذب و التحقيق من حرمة تعمد ذلك حينيذ ففيه تاييد لما قدمته من التفصيل اذا الجامع انه في كل من المسئيلتين نطق بما ليس بقران فكما حرم تعمد هذا كذلك يحرم تعمد ذاك و لا يقال ان هذا اقبح لانه بفرض تسليمه لا ينافي القياس اذ قياس الدون الذي هو حجة يكتفي فيه بوجود اصل العلة فان قلت ينافى ذلك ايضا قولك في شرح العباب ما حاصله
98 جزم في الجواهر كابن رزين بان تشديد الرا من اكبر فى تحريم الصلاة مبطل لها و رده ابن العماد و غيره بان الذى تقتضيه اللغة خلافه لان الرا حرف تكرير فزيادته لا تغير المعني و هو متجه انتهي فقولك و هو متجه منافى لما في السوال عن الجزري في تكرير الرا من انه حرام قلت هذا لا ينافى ما قدمته لان الكلام هنا بين الايمه ليس في الحرمه و عدمها اذ لا قرأن و انما الخلاف بينهم ان هذا مغير للمعني و مع ذلك نقول في نظيره من القران بالحرمة و لا ننظر في حرمة مخالفة ما اجمعوا عليه من وجوه الادآ الي تغيير معني و الا الي عدمه الا الي كونه مخالفا للقراءة الواردة عنه صلي الله عليه وسلم يقينا و القراه سنة متبعه فان قلت ما مرادك بالاجماع الذي ذكرته هل هو اجماع القرا السبعه فقط او مع بقيه العشره او مع بقية الاربعة عشر قلت هذا ينبني على المراد بالشاذ الذي تحرم قراته فعند الشيخين انه ما وراء السبعه فعليه المراد اجماع السبعة فمن قراء بوجه مخالف لاجماعهم حرم و الا فلا فان قلت كيف ساغ لمثل شيخ الاسلام و القرآء الزين الانصارى حمل الوجوب في كلام ابن الجزري في المقدمة علي الصناعي كما مر مع تصريحه في غيرها بالشرعى كما في السوال بل و زاد ان تركه مفسق و ايضا كيف ساغ ذلك التفصيل الذي قدمته مع ان ظاهر عبارته المنقوله في السوال انه لا فرق في وجوب ذلك شرعا بين الخفى و الظاهر المجمع عليه و المختلف فيه قلت ابن الجزري و ان كان اماما ذا فنون عديدة الا ان الذي غلب عليه فن القراءة و من غلب عليه فن يرجع
99 اليه فيه دون غيره فهو رحمه الله و ان صرح بان الوجوب شرعى و ان تركه مفسق لا يرجع اليه في ذلك لان هذا من مبحث الفقها و هو لم يشتهر بالفقه اشتهاره بذلك فذلك منه انما هو بحسب ما ظهر له و وقر عنده من رعاية تلك الرسوم لعلمه الذي غلب عليه و كان ذلك منه بمنزلة الاختيارات التي لا يعمل بها في المذهب فوجب الرجوع لما دل عليه كلام اهل المذهب و هو اطلاق عدم الوجوب الشرعى كما دل عليه كلامهم فى مواضع قدمتها و ان قدمت الجواب عنها ايضا و تلك لعلها مستند اطلاق شيخنا و غيره ان الوجوب صناعي و اما التفصيل الذي قدمته عنه و استنبطته من كلامهم الظاهر او الصريح فيه كما مر واضحا مبسوطا و اما اطلاق ابن الجزرى السابق فلم نر في كلامهم ما يدل له فمن ثم ساغ له ان يجعل مخالفة الواجب فسقا و هذا ليس باطلاقه من اصطلاح الفقها و لا الاصوليين اذا الفسق انما يتحقق بارتكاب الكبيرة لا بمطلق مخالفة الواجب لان مخالفته تنقسم الي صغيرة و كبيرة قلت اما قصد بذلك التغليظ فحسب تحريضا للناس على التجويد و الاعتنا به لفرط تساهلهم فيه و يكون اخذ كون ذلك كبيرة له فيه ملحظ ما و ان كان بصدد المنع و قد اشار ابن الجزري الي ما ذكرته اخر كلامه في السوال ثم رايت الحافظ الجلال الاسيوطي نقل عن ابن الجزري نفسه ما يويد ذلك أي ما قاله شيخنا حيث قال في اتقانه قولهم لا يجوز الوقف على المضاف