في نهاية عشر سنوات: عمرو موسى لا يملك عصا موسى!
محمد صالح مجيّد
|
"أرى أنّه كاَفٍ جداً أن يبقى الأمين العام لمدّة عشر سنوات". هكذا تكلّم الأمين العام للجامعة العربيّة السيّد "عمرو موسى" تاركا باب احتمال اختفائه مِنَ المشهد السياسيّ العربيّ الذي خبره، مفتوحا على مصراعيْه، مُشْرَعا للمجهول.
ورغم الهدوء الظاهر الذي أعلن به السيّد الأمين العام إمكانيّة انسحابه من مَنْصِب شغله على مدى عشر سنوات، فإنّ هذا التلميح مِنْ شأنه أن يُشعل نار التساؤل عَنِ الأسباب والدوافع التي جعلته يلمّح إلى هذه الفرضيّة في هذا الظرف الحسّاس!!.. هل هي انتفاضة رجل مُتْعب مكبّل بمهامّ غريبة وعجيبة، وبصلاحيات محدودة، أم هي قناعة ترسّخت -بعد طول تجربة- وأكّدت صعوبة الجمع بيْن أكثر مِنْ امرأة في فراش واحد!!؟؟ هل هي حكمة السياسيّ الذي يُريد أن يخرج من الباب الكبير خشية أن تدفع ظروف لا يُسْتَبْعَد حدوثها، إلى المطالبة بتنحيته؟؟ وهل حان الوقت فعلا كي يترك مكانه لغيْره، ويمهّد لإمكانيّة مغادرته كُرسيّ الأمانة العامّة الذي شغله خلفا لمُواطنِه "عصمت عبد المجيد منذ 2001"؟؟ وهل اختار "عمرو موسى" إذن -عَنْ قصد ووعي- أن تكون أيّامه في الجامعة العربيّة في عدد تلك التي قضّاها على رأس الخارجيّة المصريّة، وعرف فيها أزهى فترات صعوده السياسيّ مِنْ سنة 1991 إلى 2001؟.
ليس مِن الهيّن الحكم على أداء السيّد "عمرو موسى" سلبا أو إيجابا؛ وليس من اليسير الجَزْمُ إن كان الرجل المناسب في المكان الخطإ أو الخطأ في المكان الخاطئ! لكنّ المؤكّد هو أنّ الرجل ظلّ يمشي طيلة سنوات الجمر التي قضاها في أداء مهامه على "بَيْض" الخلافات العربيّة يحاذر أن تلطّخ، عند تقشيرها، مسيرته الدبلوماسية؛ على أنّ حرصه الشديد لن يمنع التاريخ الذي لا يرحم مِنْ أن يسجّل نقاطا مظلمة في فترة تولّيه الأمانة العامّة التي تميّزت باغتيال "ياسر عرفات"، وبدمار العراق، وبسقوط نظام "صدّام حسين"، وبرجم غزّة بالفوسفور الأبيض، وبالإصرار على مبادرة السلام رغم تعنّت إسرائيل.
وبالعودة إلى تاريخ وصول السيّد "عمرو موسى" إلى منصب الأمانة العامّة، يتبيّن أنّه جاءها بعد أن طبَع الخارجيّة المصريّة بمواقف مالت إلى التشدّد في التعامل مع إسرائيل. ولقدرة عجيبة اكتسبها مِنْ خبرته في العمل الدبلوماسيّ، أصبح شخصيّة سياسيّة مصريّة لافتة في العالم تتهافت وسائل الإعلام الغربيّة على محاورتها. فهل كان إخراجه مِن الخارجيّة بعد أن خبرها وخبرته، والزجّ به في ثلّاجة الجامعة العربيّة طريقة ذكيّة للحدّ مِنْ خطورة دوره الذي تعاظم حتّى كاد يغطّي على حضور الرئيس المصريّ في المحافل الدوليّة!!؟؟
وبعيدا عن نظريّة المؤامرة، تبيّن أنّ الدائرة المقرّبة مِنَ الرئيس المصريّ "حسني مبارك" لم تكن تنظر بعيْن الرضا إلى تنامي دور "عمرو موسى"، وحضوره القويّ في الساحة الإعلاميّة العربيّة والغربيّة؛ ويبدو أنّها استشعرت خطره على مؤسّسة الرئاسة التي يجب أن تبقى في دائرة الضوء دون تشويش من عناصر أخرى، حتّى وإن كانت مُوالية!! ألم يصل الأمر إلى حدّ أنّ مُطربا شعبيّا غنّى "أنا باكره إسرائيل وبأحب عمرو موسى"!!؟؟.
وفي الجامعة العربيّة المكبّلة بالبروتوكول والتنميط، يبدو المُنجَزُ دائما أقلّ من التطلّعات دائما. ورغم اقتناع الجميع بأنّ العمل العربيّ المشترك مريض غير قابل للعلاج على المدى القصير والبعيد، فإنّ الأمين العام للجامعة العربيّة هو الذي يتحمّل وزر هذا التشرذم، وغياب الإرادة الصادقة في دفع التضامن العربيّ إلى مراتب أرقى تعمّ خيراتها على الجميع.
من الواضح، أنّ الشعوب التي يقودها الحماس والاندفاع، تُريد مِن السيّد الأمين العام للجامعة العربيّة، أن يضرب الأرض والبحر "بعصا موسى" فيقسمهما إلى طرقات سيّارة تربط بين الدول العربيّة، وإلى خيْرات عربية تُوزّع بعدالة، وإلى إرادة سياسيّة واحدة لاستعادة الأرض السليبة، وإلى نعيم سياسيّ تصل بركاته إلى الجميع.. لكنّها تُفَاجَأُ دائما بقمم ما أن تبدأ حتى تنتهي، وبقرارات هشّة لا ترقى إلى المستوى الأدنى مِنْ التطلّعات؛ ويظلّ الأمين العام، بيْن قمّة فاشلة وأخرى موعودة بالفشل، مجرّد "ساعي بريد" بيْن القادة غير قادر على تقليص فجوة الخلافات التي ازدادت مع الأيّام اتّساعا.
على أنّ متاعب الأمين العام ازدادت في الأيام الأخيرة، فالخلاف بينه وبين وزير الخارجيّة السعودي "سعود الفيصل" فاح، وخرج من دائرته الضيّقة إلى الإعلام. ويعود هذا الخلاف إلى رفض "عمرو موسى" تعيين سعودي رئيساً لبعثة الجامعة في نيويورك نتيجة غياب الكفاءة، وإصرار الوزير "سعود الفيصل" على ترشيحه. ويبدو أنّ "سعود الفيصل" دخل في حرب باردة مع "عمرو موسى" قد تُعجّل بمغادرته الجامعة العربيّة.
وممّا عمّق متاعب "عمرو موسى" أن تداول اسمه مرشّحا بارزا لخلافة "حسني مبارك" قد يحظى بتقدير المؤسّسة العسكريّة واحترامها. فهل فكّر السيّد "عمرو موسى" في أن يترك رئاسة القمم إلى رئاسة أكبر بلد عربيّ لم يكن بعيدا عن دوائر القرار فيه يوْما؟؟ وأنّى له أن يدخل سباق "قصر عابدين" ونجل الرئيس يعدّ العدّة لخلافة والده؟؟
خلاصة القول، إنّ "عمرو موسى" مُدرك، لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة، صعوبة مواصلة مهامه رغم استماتته في الدفاع عن أحقيّة الدولة المقرّ في تعيين الأمين العام، رافضا المقترح الجزائري بتدوير المنصب؛ ومَنْ يدري لعلّ السيّد الأمين العام أراد أن يعطي درسا أخيرا لبعض الساسة مَفَادُه أنّ أكبر تحدّ للسياسيّ هو ضمان تقاعد مريح، ومغادرة الساحة بأخفّ الأضرار!!.