« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: لبنان والوضع الشائك (آخر رد :النسر)       :: هواجس وأخبار خليجيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: الأب الحنون صلى الله عليه وسلم (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: هنا (الفايسبوك وتويتر) ... صوت الثورة الشعبية! (آخر رد :النسر)       :: اليمن: بداية جديدة ومهام عسيرة! (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 30-Nov-2010, 05:52 PM   رقم المشاركة : 16
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

خامسا : يتناسي هيكل أنه وبقية القوميين ـ بعد هذا الذى أورثوه للأمة ـ لا زالوا يخرجون من كهوفهم بنفس الأفكار العقيمة وبنفس الإصرار الغريب على تدمير العلاقة بين المسلمين والإسلام والوقوف بشكل عدائي في وجه أى محاولة يقظة تنبه الناس لجوهر دينهم الحقيقي بعيدا عمن يستغلون الدين للظهور .. وبعيدا عمن يريدون إبعاد الدين عن الصورة ,
فماذا يفعل مفكرو الإسلام إلا أن يُذكروا الأمة بمخازى عهد القومية وآثار تجربتها حتى ينتبه الناس في عالم لا يقرأ .. وحتى لا تتكرر المأساة فيجيئ الإصلاح على دبابة بانقلاب عسكري لتدخل مصر الدائرة الجهنمية مرة أخرى !
لا سبيل إلا تذاكر النكسة وأحداثها للرد على دعاوى القوميين التي أصبحت بحق تثير حيرة الحليم , وكأن بينهم وبين الإسلام ثأرا يفوق ثأر اليهود ,
ونحن نجدهم في كتاباتهم يعادون الإسلام الأصيل بالذات , فلا يقفون هذا الموقف من سائر الملل الزائغة مثلا , بل بالعكس يدافعون باستماتة عن الإتجاهات المنحرفة كالتشيع والصوفية الطرقية في نفس الوقت الذى يسنون الرماح على أى دعوة حقيقية للفكر الإسلامى الأصيل

سادسا : ومن الغريب والعجيب أن الأستاذ هيكل لم يطبق على نفسه هذا الأمر عندما أفرد كتابا من جزءين للحديث عن حرب 48 م ..
ولست أدرى ما الذى يميز حرب 67 لكى يحيطها بخصوصية التحذير من ذكرها ؟!
وربما كان حديث الأستاذ هيكل يبدو متدثرا بشيئ من المنطق لو كان عبد الناصر قد حارب بشرف وانهزم في معركته أمام تفوق العدو أو استعانته بالقوى العظمى ,
عندئذ ما كان لنا ولا لغيرنا أن يعيبه بهذه الهزيمة لأنه قاتل وبذل جهده ؟
فهل فعل عبد الناصر ذلك في عام النكسة ؟!
هل كان أمينا مع الشعب المصري والعربي وهو يطمئنهم إلى قوة جيشه بينما هو في الواقع جيش بلا عسكرية !
هل كان أمينا في سياسته وهو يضفي الحماية العنترية على أقطار الوطن العربي ثم يعجز عن حماية حدود بلاده ولو لساعات معدودة أو ينسحب بهزيمة مشرفة ؟!
هل كان أمينا مع أمته وهو يقامر بمستقبل أمة ويعلن الحرب ـ وهو يعلم يقينا أنه غير مستعد لها ـ في سبيل الحفاظ على صورته في الشارع العربي وحتى لا يتهمه الناس بالجبن ؟!
هل كان أمينا مع أمته وهو يتوغل بالجيش في الحرب تلو الحرب خارج الحدود وأمامه العدو الرئيسي بلا أى دفاع في مواجهته وبلا أى تخطيط لهذه المواجهة ؟!
هل كان أمينا مع أمته وهو يولى أهل الثقة مقاليد الأمور في الجيش والبلاد ويسكت عن كل ذلك فلا يتنحى عن سلطته ما دام غير قادر على الحكم ولا يقوم بتنحية العناصر الفاسدة لو كان قادرا عليها ؟!
ومن يتحمل مسئولية عشرين ألف شهيد لم يفتك بهم طيران العدو بل فتك بهم الانسحاب المزرى الذى صدرت به الأوامر تحت رحمة طيران العدو بلا أى دفاع جوى !
وكيف غامر عبد الناصر أصلا بالدخول في مواجهة مع عدو يعتمد على تفوقه الجوى بصفة أساسية بدون أن يمتلك حائطا للصواريخ ؟!!
وهل كان لزاما للنكسة أن تحدث حتى يفيق عبد الناصر فيبدأ ببناء حائط الصواريخ الذى دمرت إسرائيل مراحله الأولى عند الشروع في بنائه وتجاوزت الخسائر 1500 فرد من عمال البناء والعسكريين , وهم يعملون دون غطاء جوى تحت رحمة طيران العدو حتى تم البناء بتضحيات رهيبة
وأخيرا ..
كيف نحكم نحن بحكم التاريخ على قائدٍ .. هذا تاريخه .. وهذا فعله ؟!
وهل يمكن أن يقبل عاقل مبرر حسن النية أو الترصد الخارجى كصك براءة لعبد الناصر كما يفعل القوميون ؟!
وكم تبلغ نسبة الدور الخارجى في خروج سيناريو النكسة على النحو الذى خرجت به ؟!
وبالمقابل كم تبلغ نسبة سياسة عبد الناصر في هذا السيناريو ؟!
ويتباكى القوميون اليوم على القدس .. فمن أضاعها مع سيناء والجولان يا قوم ؟!
وكيف يعيبون على من فشل في استردادها ويغضون الطرف عمن فتح الطريق لاحتلالها من الأصل !
فعبد الناصر الذى تسبب في ضياع سيناء والقدس والجولان والضفة .. نبي من أنبياء القومية ,
بينما السادات الذى قاد على الأقل إحدى معارك النصر .. خائن لأنه اكتفي بإعادة سيناء وحدها ؟!
فالقوميون يشبهون مدمنى المخدرات في هذه الناحية , حيث أنهم يعشقون من يخدرهم ويغيبهم عن الوعى في نفس الوقت الذى يكرهون فيه من يجاهد لعلاجهم ويمنع عنهم المخدر !
ورحم الله الإمام علىّ زين العابدين بن الحسين الذى نجا من وقعة كربلاء بعد أن فتك الشيعة العراقيون بالبيت النبوى ثم جاءوا يتباكون على الحسين , فقال للناس ..
( إن هؤلاء يبكون علينا .. فمن قتلنا غيرهم؟! )[1]

فالخلاصة ..
أن الحكم على نظام يوليو إنما ينبع من خلال تتبع تحقيقها لأهدافها المعلنة التى التزمت بها , وتتبع النهايات والإلتزامات ومن خلال استقراء الإنجازات والأفعال نستطيع الحكم بجلاء ووضوح بعيدا عن الطبول الزاعقة ..
فقد أعلنت الثورة لنفسها أهدافا ستة تتمثل فى القضاء على الإستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم , وإقامة جيش وطنى قوى وإقامة حياة ديمقراطية سليمة وإقامة عدالة إجتماعية ,

وبالنظر إلى النتائج نجد ما يلي ,
أولا : تم إخراج الإنجليز ولكن فى مقابل صفقة خسرت مصر بسببها السودان لأول مرة فى تاريخها الحديث منذ عهد محمد على , ومصر وهى تحت الإحتلال الإنجليزى لم يتمكن الإنجليز من انتزاع السودان كدولة مستقلة وظل العرش يضم مصر والسودان فى مملكة واحدة ,
ليس هذا فقط , بل انتهت التجربة وثلث مساحة مصر تحت الإحتلال الإسرائيلي .. والطريق مفتوح أمام العدو إلى القاهرة مباشرة لا يمنعه شيئ إلا اكتفاؤه بما حقق !
ثانيا : تم القضاء على الإقطاع الظاهر وظهر الإقطاع الباطن حيث تم فرض المصادرة العشوائية وتجريف ثروات العائلات شريفها ووضيعها وتركيز هذا كله فى يد زمرة ضيقة من أهل الحكم ,
ثالثا : تم القضاء على السوق الحر وإنشاء المذهب الإشتراكى الذى أوصل مصر إلى مهاوى سحيقة من الفقر لكون الإشتراكية تقتل رغبة الربح ورغبة العمل الحر فصار القطاع العام أشبه بالتكية المجانية ويحتوى على عشرات الآلاف من الموظفين لا هم إلا قبض مرتباتهم بغض النظر عن الإنتاج وهو الطبع الذى عبرت عنه الدراسات الإقتصادية باسم ( البطالة المقنعة ) فضلا على انتشار الروتين الإدارى بشكل ساحق تسبب في معاناة المواهب ونزوحها من بلادها في بلاد لا تعترف بالتفوق العلمى إلا إذا كان مقرونا بالأقدمية !
وأصبح المثل الشائع ( اربط الحمار في المكان الذى يريده صاحبه ) هو التعبير الشعبي عن حال الروتين الحكومى في طلباته غير المنطقية واهتمام الدوائر الإدارية بالإجراءات الشكلية على حساب الجوهر ,
وقد عبر الشعب المصري بالنكات عن هذه الظاهرة فروى أحد الظرفاء أن ثلاثة موظفين في هيئة المواسير كانت وظيفة أحدهم حفر مكان الماسورة في الأرض والثانى مهمته وضع الماسورة والثالث مهمته ردم التراب على الماسورة ,
وذات يوم غاب العامل الذى يضع الماسورة في الحفرة فلم يلتفت زميلاه واستمر أحدهما يحفر والثانى يردم !!
رابعا : تكلفت مصر المليارات من ميزانيتها لإنشاء جيش حديث وذهبت هذه الأسلحة هباء مرتين متتاليتين ,
أولهما عام 56 ـ التي يعتبرها هيكل أكبر وأكمل انتصار في التاريخ الحديث !! ـ حيث تم تدمير الطيران المصري وانسحب الجيش من سيناء تاركا أسلحته الثقيلة وبضع مئات من الشهداء , والمرة الثانية صورة طبق الأصل من عام 56 , تدمير الطيران المصري كله وفقد الأسلحة بنسبة ثمانين في المائة ومعها عشرون ألف قتيل فى سيناء بخلاف عدد مماثل فى حرب اليمن فضلا على خسارة اقتصادية ركّعت الإقتصاد المصري فى يونيو 67
خامسا : باعتراف رجال الثورة ومفكريها دمرت الثورة فرصة الديمقراطية ومشاركة الشعب فى قرارات حكومته تدميرا تاما , وحتى لو سلمنا بوجهة نظر هيكل أن الديمقراطية قبل الثورة كانت صورية ومضغوطة بالإحتلال والملك , فعلى الأقل كانت هذه الصورة شيئا ملموسا أفضل من العدم الذى أفضت إليه أوتوقراطية الثورة
سادسا : أما العدالة الإجتماعية فقد كان هناك شبه تكافل اجتماعى فى مصر قبل الثورة , وكانت هناك طبقة متوسطة عريضة جدا تحمل أصحاب التجارات الصغيرة والحرف وهى الطبقة التى تم محوها من الوجود المصري بعد الثورة بفضل قرارات التأميم العشوائية التى لم تدع ملكية فردية إلا نهبتها , وبفضل سياسة الإشتراكية التى أغلقت الأسواق أمام أصحاب الحرف والتجارات فاندحرت عشرات العائلات من جراء ذلك لم يكن لها مصدر رزق إلا التجارة البسيطة


بهذه النتائج المبنية على نهايات التجربة الناصرية .. كيف يمكننا تقييمها يا ترى ؟!



الهوامش :
[1] ـ البداية والنهاية ـ بن كثير ـ دار الفجر للتراث












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 05:53 PM   رقم المشاركة : 17
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

علامات القيامة ..

إذا دهمت الساعة جماهير الخلق في آخر الزمان بغتة , فليس لهم إلا أن يلوموا أنفسهم إذ أن الله عز وجل أنزل مع الساعة أشراطها وعلاماتها الصغري والكبري وجاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مبشرة بذلك بشكل قطعى محدود ,
فلم تترك عذرا لمعتذر ,
وإذا جاز لنا أن نتساءل في حيرة عن سبب حدوث المفاجأة لجماهير الناس عند قيامها رغم أن العلامات الكبري مذكورة بالتحديد وفى عشرات الأحاديث النبوية ,
إذا جاز لنا ذلك ,
جاز لنا أن نتساءل أيضا عن سبب الاندفاع الذى شهدته بدايات الثورة من بعض المفكرين نتيجة لقيامها , رغم أن الثورة ومنذ أيامها الأولى أظهرت معدنها بعدة تصرفات لا شك أنها لا تغيب عن اللبيب ,
ولكن أين هو اللبيب ؟!
وإن وُجد .. فمن سيسمعه .. ومن سيعطيه الفرصة ليتكلم ؟!

إن جماهير آخر الزمان التي ستفاجئ بقيام يوم القيامة رغم وجود علاماتها في عشرات الآلاف من الكتب إنما هم فى الواقع آخر أحفاد القوميين ومن شاكلهم , من هؤلاء الذين اعتبروا القرآن والسنة من قبيل الموروثات التي ينبغي الثورة عليها بالتجديد كما تنبغي الثورة على الإستعمار والملكية !
فكيف يمكن الثقة بالخير في زمرة تعتمد هذه المبادئ كنظام حياة لشعب عاش متدينا بالفطرة ؟!
وكيف تمكن القمع والإعلام الموجه من قتل أصول الإرث العظيم من الإسلام فكرا وعقيدة والذي ترسخ منذ عشرات القرون في قلوب الشعب المصري والعربي ؟!

كان الأمر على ما يبدو غيبة جماعية للوعى ..
ساعد عليها ومهد لها تربص النظام العسكري الجديد بأى صوت معارض واستمرار نظام غسيل المخ بسرعة وإتقان , ولأن العصر كان بطبيعته عصر الإعلام المنغلق , فقد تكرست غيبة الوعى على نحو ما عبر عنها توفيق الحكيم [1]
وقد تكرست غيبة الوعى من بدايات قام الثورة ومن أيامها الأولى ـ وهذا هو داعى الدهشة ـ إذ أن هناك عددا من الظواهر اللافتة التى كان ينبغي أن تضعها الزمرة المثقفة فى الحسبان لتتبصر بها أى مستقبل ينتظر الأمة بالضبط !

من هذه الظواهر :
أولا : خرج علينا نظام يوليو وهو يحمل فى واجهته ثلاثة عشر ضابطا فى ريعان الشباب , لم يتعد عمر أكبرهم خمسة وثلاثين عاما , وليس من بينهم من له خبرة أو دراية بالسياسة وأحوالها من أى نوع ,
بل كانوا جميعا من ضباط الجيش بعيدا عن السياسة وحياتهم لا تعرف إلا الأوامر العسكرية ومنتهى طموحهم الترقي فى حدود وظائفهم ,
ولثقتهم فى أنهم لا يمثلون أى قيمة أو ثقة سياسية تجمع الشعب حول حركتهم , قاموا باختيار اللواء محمد نجيب كواجهة يحركونها من خلف ستار حتى تثق الناس وتشجع الحركة , فى سبيل تنفيذ مطالب متواضعة جدا تتعلق بإصلاح الجيش لا أكثر ولا أقل
غير أن الصورة الحقيقية لم تستغرق طويلا للظهور , عندما اكتشف مجلس قيادة الثورة أنه فى إمكانه الإستيلاء بسهولة على السلطة وأن العرش يتهاوى بالفعل دون أن يمسه أحد
عند هذا الحد ..
بدأت الألاعيب الصبيانية التى تشي بمستوى تفكير مجلس الثورة عندما كانوا يأخذون القرار ونقيضه فى بحر ساعات , ولا شك أن هذه الظاهرة وحدها كانت دليلا كافيا على طبيعة الحركة وطبيعة القائمين بها
فكيف قامت الثورة لتغيير حكومات تتغير كل بضعة أشهر لتضع بدلا منها ملوكا يتغيرون كل ساعة !
ففي البداية كان مطلبهم إصلاح الجيش ثم تنحى الملك عن العرش , وتم هذا فعلا وتم اعتماد ابنه الطفل أحمد فؤاد ملكا بوصاية مجلس للعرش اختاره مجلس قيادة الثورة ,
وبعدها بأيام تم التخلص من رشاد مهنا أحد الضباط المشاركين فى الثورة وأعلاهم رتبة وأحد أوصياء العرش ثم اقتصرت الوصاية على شخص واحد ,
ثم انقلب القرار مرة أخرى إلى طرد الملك وإعلان قيام الجمهورية !
ثم أعلنوا فى البداية فترة انتقالية لمدة ثلاثة شهور تنتهى بإجراء انتخابات تشريعية ويعود الضباط إلى ثكناتهم , ثم تطورت الفترة من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات !
ثم فجأة صدر القرار بإلغاء الأحزاب أصلا وإلغاء الألقاب وتم تعيين محمد نجيب رئيسا للجمهورية ,
ولم يلبث الرجل فى مقعده شهورا ..
حتى دبروا عليه انقلابا ونحوه عن السلطة بل وتم اعتقاله بالمرج وإهانته بشتى أنواع الإهانات التى تطفح بها مذكراته , ثم تم تعيين مجلس الثورة بديلا لرئيس الجمهورية وأصبحت القيادة جماعية ,
وقد اختاروا نجيب من البداية لكونه قبل شروطهم فى أن يصبح قائدا فى الظاهر فقط , بينما رفض هذا الأمر اللواء محمد صادق الذى اشترط عليهم قيادتهم فعليا .. مما يشي بأنهم كانوا يصنعون مجدا شخصيا لا وطنيا
ثم بدأت التصفيات الداخلية وأكل الثوار بعضهم بعضا فمنهم من خرج إلى المعتقل ومنهم من اعتزل أو حوكم على جرائم وهمية ,
ثم انتهى مجلس الثورة أخيرا وتم تعيين عبد الناصر رئيسا للجمهورية ,
كل هذا التذبذب كان واضحا شديد الوضوح ومعبرا عن كنه هؤلاء الشبان المغامرين الذين يعبثون بمقدرات بلد فى حجم مصر , ورغم ذلك لم يتحرك أحد أو ينتبه !

ثانيا : كان من البداية واضحا أن هؤلاء الشباب لا يريدون وجه الله بفعلهم ولم تحركهم الوطنية أو الفساد بقدر ما حركتهم الأغراض , ولا شك أنه كان من بينهم من هو مخلص لقضية وطنه ومقتنع بها ,
لكن قائدها الفعلى ـ جمال عبد الناصر ـ لم يكن كذلك لأن نيته كانت من البداية هى البحث عن السلطة والزعامة والصدارة
وليس هذا كلامنا ـ بل هو اعتراف هيكل نفسه ـ فقد روى هذا الأخير فى إحدى حلقاته ببرنامجه ( مع هيكل ) وقد أوضح فيه مدى تشوّف عبد الناصر للزعامة الجماهيرية والتمس له العذر فيها باعتباره طموحا مشروعا وأن هذا الأمر من ضروريات الضعف الإنسانى , وأنه من المبالغة اعتقاد خلو شخص منه , رغم مبالغة عبد الناصر فى استجداء الجماهير كى تهتف له بقوله فى إحدى خطبه المبكرة جدا ..
( أنا لن أستجدى هتافا أو تصفيقا ) !!
ويعلق هيكل بأن الرجل كان حزينا لأن الجماهير لا تعرفه وليست له شعبية نجيب رغم أنه القائد الفعلى للثورة
وفات هيكل الكثير بهذا التعليق ..
فاته أن استجداء عبد الناصر للهتاف والتصفيق ومبالغته فى وصف دور البطولة , لدرجة أنه وقف يهتف ـ أثناء حادث المنشية ـ أن يثبت كل الرجال فى أماكنهم وأنه إن مات فهو يقبل الموت لأنه علمهم العزة وعلمهم الكرامة !!
هذه المبالغة الفاضحة فى استجداء دور البطولة لدرجة أن يقصر العزة والكرامة المصرية علي شخصه باعتباره المؤسس لهما , معناها أنه لم يخطط ولم يقم بإنشاء تنظيم الضباط الأحرار إلا فى سبيل مجده الشخصي
ويؤكد ذلك كثرة ترداده لاسمه فى خطبه وحديثه عن نفسه بضمير الغائب مثل قوله فى خطاب النكسة ـ والذى كان من المفروض أن يكون أبعد الناس فيه عن الزهو الظاهر أو المبطن ـ قال فيه مثلا
( إن قوى الإستعمار تظن أن جمال عبد الناصر هو عدوها !! )
فهل هذا هو وقت الزهو بترصد الإستعمار لك ؟!!



الهوامش :
[1]ـ عودة الوعى ـ توفيق الحكيم ـ دار الشروق












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 05:54 PM   رقم المشاركة : 18
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

بل وتؤكد هذه القضية شهادة أقرانه من الناصريين الذين لا غبار على ناصريتهم , مثل عبد الحكيم عامر رفيق دربه الحميم والذى قال لمراد غالب ـ السفير المصري بموسكو ـ فى معرض تعليق له قبل النكسة ..
( ماذا نفعل وهذا الرجل فى مصر لا يرضي
إلا عندما يري صوره وأخباره فى الصحف كل يوم ؟! ) [1]
وشهادة رفاق كفاحه مثل عبد اللطيف البغدادى وكمال الدين حسين وعلوى حافظ وجمال حماد وغيرهم كثير
فالرجل من البداية كان واضحا أنه يعمل لنفسه لا لمصر , حتى انتهت هذه السياسة للنهاية المفجعة باضطراره إلى المزايدة السياسية لتغطية موقفه فى الشارع العربي وتحريك الحشود إلى سيناء فى مظاهرة عسكرية للتهويش , وهى الأمور التى اتخذتها إسرائيل كذريعة ممتازة لتدمر الجيش المصري عن بكرة أبيه !

ثالثا : يحتج هيكل فى تبرير هذه الذات المتضخمة باعتبار أنها من عوامل الضعف الإنسانى !!
وأنه ضد المنطق من يتصور إمكانية شخص يتمكن من تحييد نفسه فى إطار دوره بقضية عامة ,
ومن الغريب أن مفكرنا الكبير مخطئ فى الحالتين ..
ففي الحالة الأولى .. فما عند عبد الناصر لم يكن من قبيل نقطة الضعف الإنسانى التى يمكن قبول تجاوزها , بل كانت ذاته نقطة محورية فى الأحداث ومحرك رئيسي لها ,
والدليل من كتابات هيكل نفسه , حيث أن عبد الناصر صرح قبل النكسة أنه لا يملك خطة لتحرير القدس فثارت الجماهير وجاءت الوفود تطلب سحب تصريحه الواقعى ـ رغم واقعيته ـ فى سبيل تهدئة الجماهير ,
فاستجاب وسحب التصريح !
وفى سبيل صورته كما قدمنا بادر إلى اليمن والكونغو وسيناء وهو يعلم تمام العلم بحدود قدرت الجيش وأحواله !
وفى سبيل السلطة سكت عن جبروت عبد الحكيم عامر , وقًبِل ـ وهو الزعيم ـ أن يكون تحت ضرس الجيش بدلا من أن يكون الجيش تحت قيادته , وكل هذا فى سبيل التخوف من قوة عبد الحكيم عامر !
فكيف يقول هيكل بعد ذلك أن هذه الذات المتضخمة ذات تأثير محدود يمكن قبوله فى إطار الضعف الإنسانى ؟!

وفى الحالة الثانية .. يقول هيكل ما معناه أن تصورنا لإمكانية وجود شخص يتمكن من تحييد ذاته فى قضية عامة أمر فوق المنطق ,
فهذا أمر مما يُؤسف له .. وبشدة ,
فهيكل واحد من أعرق المثقفين فى عصره , ويبدو غريبا جدا على ثقافته ألا تتسع لبعض مبادئ الدين الإسلامى التى يحفظها أطفال الكتاتيب عن ظهر قلب ,
وأولها إخلاص النية لله فى كل قول وعمل ,
والقرآن الكريم والسنة النبوية حافلة بعقوبة الرياء أو تزكية النفس لدرجة اعتبارهما من الشرك المحرم , والشرك هو المعصية الوحيدة التى لا يغفر الله لفاعلها ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ,
يقول تعالى :
[إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا] {النساء:48}
والسنة النبوية حافلة بالتحذير من الرياء حتى لو كان بعمل فى سبيل الله ..
ففي الحديث ( تُسعّر ـ أى توقد ـ النار بعالم وشهيد )
أما العالم فقد طلب رياء الناس بعلمه ولم يطلب وجه الله وأما الشهيد فقد قاتل وقتل للسمعة .. فكانت النتيجة أن تم اعتبار عملهما شركا يستوجب أن تستفتح النار حطبها بهم ,
فلهذه الدرجة جاء الإسلام محذرا من داء النفس وفارضا لفضيلة الإخلاص التام الذى لا تشوبه شائبة , وهو الأمر الذى شهدناه فى آلاف التجارب التاريخية لعظماء الإسلام من العلماء والمجاهدين ,
فمعظم هؤلاء النجوم كانوا بعصرهم من آحاد الناس لا يتكلفون أحدا ولا يدعون إلى زعامة ولا يمنون بأفعالهم على أحد , والأجيال التى تلتهم هى التى حفظت سيرتهم وعظمت أفعالهم وجعلت من تلك الأساطير التى نقرأ عنها فى الكتب ,
ليس هذا فقط ..
بل كان هؤلاء العظماء الذين كانت حياتهم لأجل الأمة , ينكرون على الناس أشد الإنكار إذا امتدحهم أحد , ويفرون من المدح كما يفر المرء فى عصرنا هذا من الذم والفضائح ,
وكان أحمد بن حنبل ـ أتقي أهل زمانه ـ يقول :
( وددت لو أن ما معى من العلم وصل للناس ولا يذكرنى أحد بشيئ ! )
فالرجل كان يتمنى من أعماقه أن يفيد الناس بعلمه وأن ينسوا أنه صاحب الفضل فيه ؟!
وهم فى هذا يتتبعون سيرة معلمهم الأول النبي عليه الصلاة والسلام , ولا غرابة ..
إنما الغرابة من قول هيكل أن المطالبة بالإخلاص التام فى أى قضية بعيدا عن مدح الذات أمر ضد المنطق !
عن أى منطق تتحدث يرحمك الله ؟!
وأين غابت عنك هذه الـمُـثل ؟!

رابعا : كان من الظواهر الكاشفة لحقيقة الثوار الجدد , بعض الممارسات التى تسربت للجماهير والإعلام وانتشرت على نطاق واسع تبشر بما يمكن أن ينال مصر على أيديهم ..
فكيف سكتت أو أسكتت الجماهير عن تصرفات صلاح سالم أحد أبرز قادة الثورة بعد أن تسبب هو ومجلسه فى ضياع السودان من مصر فى سبيل التخلص من محمد نجيب !
وكيف غاب عن الجماهير جزاء سنمار الذى نال اللواء نجيب ؟!
وكيف غاب عنهم إجراء مثل ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة صاغ ( رائد ) إلى رتبة ( لواء ) دفعة واحدة بشكل غير مسبوق حتى فى الشرطة المدرسية !
وكل هذا ليكون لعبد الناصر قدم ثقة فى قيادة الجيش تمكنه من السيطرة بعد ذلك ؟!
وهذه الترقية الفضيحة كانت أحد أهم أسباب الكوارث الكبري فيما بعد حيث تم تعيين قائد برتبة رائد يقود أقوى جيوش المنطقة رغم أن علمه العسكري توقف عند رتبته الأصلية !
ثم جاء القرار العنترى بإخراج جميع الرتب العليا من القوات المسلحة للتقاعد , فخرج من الجيش كل من كان فى رتبة لواء ليفقد الجيش المصري قادته فى ضربة واحدة , تحت زعم ولائهم للملك رغم أن قيادات الثورة نفسها كانت تتلمس خطى بعض لواءات الجيش وتتعلم من وطنيتهم !
هذا بخلاف الصراع الدامى على السلطة بين أسلحة الجيش والذى دب بين سلاح الفرسان وبقية الأسلحة عندما ثارت أزمة محمد نجيب فى قصة مروعة تحكيها مذكرات خالد محيي الدين ومحمد نجيب وغيرهم ! [2]

خامسا : إهمال الحياة النيابية تماما وفرض العزل السياسي على سائر السياسيين فى عهد ما قبل الثورة دون النظر لوطنيتهم حتى وضعوا زعيم الأمة النحاس باشا رهن الإعتقال فى منزله ! وتم حل جميع الأحزاب ,
أى أنهم فرغوا الجيش من قادته وفرغوا الساحة السياسية من قادتها وأنشئوا هم قيادات جديدة تتشكل منهم كمكافآت على القيام بالثورة والتى أصبحت هى الغاية والنهاية بعد أن كانت وسيلة لتحقيق حياة ديمقراطية ,
فتم إنشاء تنظيم وحيد هو هيئة التحرير والذى تطور فيما بعد للاتحاد القومى ثم الإشتراكى وهلم جرا !
وفى الجيش تم اعتماد سياسة الولاء المطلق كشرط لتولى أماكن القيادة بغض النظر عن الكفاءة فجاء شمس بدران وعلى شفيق وهم من خريجى دفعة 1948 م عام النكبة , وحديثي الرتب جدا ليتولوا هم أمور وزارة الحربية حتى تحققت النكبة الجديدة على أيديهم عام 1967 م !
أما الضباط المحترفون ـ حتى من رجال الثورة أنفسهم ـ فقد تم إخراجهم من الجيش للوظائف المدنية رغم أنهم استمروا فى حيازة الدرجات العلمية فى أرقي المعاهد السوفياتية العسكرية , وبدلا من أن يأتى هؤلاء كقادة لفرق الجيش خرجوا من الخدمة لمناصب تنفيذية مدنية وتولى بدلا منهم القادة المرضيون منعدمى الكفاءة ,
وهذا الملف العامر تحدث عنه طويلا اللواء جمال حماد والذى كان هو بنفسه كاتب البيان الأول للثورة وأحد القادة المؤهلين الذين تم إبعادهم لصالح دفعة شمس بدران التى تولت القيادة فى كافة أفرع القوات المسلحة !![3]
لهذا كان أول إجراء لعبد الناصر ـ بعد النكسة وسقوط عبد الحكم عامر ـ هو إخراج دفعة شمس بدران جميعا من الجيش وإحالتهم للمحاكمة أو التقاعد !
فأين كان هذا الإجراء منذ فضيحة 1956 م والتى أفصحت عن مستوى هؤلاء القادة ؟! .. لا أحد يدرى

سادسا : نظرة واحدة من أى متأمل إلى طبيعة الصراع بين مجلس قيادة الثورة وبين محمد نجيب , ومن زاوية محددة , كان كفيلا يأن يُظهر النية الحقيقية لهذه المجموعة من الضباط ,
وأعنى بالزاوية المحددة موضوع السودان ,
فقد كان كاشفا وموضحا بجلاء سلوك مجلس القيادة الذى رفع فيما بعد شعار الوحدة العربية أن يكون أول أفعاله هو اتخاذ القرار الذى لم يجرؤ سياسي مصري على اتخاذه منذ عام 1923 م , وهو الموافقة على فصل السودان عن مصر ,
بل إن الوحدة العربية ـ التي كانت أحلاما في ذلك الوقت .. وقد ظلت كذلك على أية حال ـ لم يكن لها على أرض الواقع تجربة إلا ما للسودان من ارتباط حقيقي وفاعل بمصر ولا يحتاج إنشاء ,
بل كانت ضمن الإنتماءات الجارفة التي يعرفها ويفهمها السياسيون المصريون ولذلك فشلت جميع المفاوضات مع بريطانيا قبل الثورة بسبب إصرار المفاوضين على التمسك بالقطر السودانى ,
وجاء محمد نجيب ذو الشعبية الهائلة بين أهل السودان , ليصبح الطريق مفروشا بالورود أمام وحدة وادى النيل كما كان تسميها أدبيات تلك الأيام ,
حتى أن محمد نجيب نفسه في مذكراته عن مرحلة حرب 1948 م ,
يذكر لنا واقعة تكشف لنا مدى الإرتباط الذى كان يشعر به الجيش المصري وجماهير الشعب مع السودان باعتباره العمق الإستراتيجى المصري , حيث أن نجيبا أصيب في الحرب ثلاث مرات , وكان منها إصابة فادحة أيقن معها بالموت , فطلب كتابة وصيته , وكان من بين سطورها بالحرف :
( تذكروا يا أبنائي أن أباكم مات بشرف وكانت رغبته الأخيرة أن ينتقم من الهزيمة , ويجاهد لوحدة وادى النيل )

وبعد الثورة ..
ومع التواصل الفعال بين تحالف الأحزاب السودانى بقيادة الأزهرى وبين محمد نجيب كانت الخطى تسرع حثيثة لاستقلال الجمهورية المصرية وجنوبها الطبيعي ,
ثم جاءت واقعة تسليم ملف السودان لأكثر أعضاء مجلس القيادة تطرفا وهوائية وهو صلاح سالم والذي حاول أن يتألف القبائل في السودان عن طريق المال ! فضلا على معاملته الدونية لهم بشكل جلب عليه وعلى مصر غضب السودانيين بشكل حتمى نظرا لاعتزازهم الجنوبي المعهود ,
وجاءت الضربة القاصمة عندما أقيل محمد نجيب وتمت إهانته ـ حتى على مستوى الإعلام ـ بواسطة صلاح سالم وآخرين واتهامه في ذمته المالية واعتقاله في فيلا المرج لتصبح هذه الأحداث هى نقطة الفصل الحقيقية بين مصر والسودان ,
فلم يكن السودان على استعداد للثقة بهؤلاء الشبان بعد ما رأوا جزاء قائدهم أمامهم , وإذا كان هؤلاء الشباب فعلوا هذه الأفاعيل بقائدهم الذى لولاه لما انطلقت الجماهير واثقة خلف الحركة , فما هو المتوقع للسودان في ظل حكمهم ؟!
وبالتالى رفض إسماعيل الأزهرى الإنضمام بعد إسقاط نجيب
وأصبح السودان قطرا منفصلا !! [4]
فكيف غابت هذه الأمثلة وهذه الممارسات الكاشفة عن توغل عميق لمرض السلطة في نفوس هؤلاء الشبان ؟!
وكيف غابت الحكمة العربية القائلة ( وما في الظلم .. مثل تحكم الضعفاء )
والمقصود منها أن الضعيف ـ لضعف بدنه أو قوته ـ عندما يكون تواقا للسلطة وللقوة ولا يجدها فإنه إذا امتلكها بتغير الظروف يصبح أشد ظلما من الفراعنة , وهذا أمر نفسي طبيعى لعقدة الضعف عنده ,
وقد وجد هؤلاء الشباب أنفسهم بين يوم وليلة يملكون البلاد ,
فكيف يمكن أن يستجيبوا لنداء العودة للثكنات ـ بعد أن أدوا واجبهم المفترض ـ ويسلموا حكم البلاد لغيرهم ؟!
بل بلغت بهم الدرجة أثناء الخلاف مع محمد نجيب أن اقترح جمال سالم قتل محمد نجيب والخلاص من صداعه !
فأى دليل أعظم من هذه الظواهر كى تدل على شهوة الحكم المتأصلة في نفوسهم



الهوامش :
[1]ـ مذكرات مراد غالب ـ دراسة بعنوان ( مذكرات اليسار فى عصر اليمين ) ـ محمد الجوادى ـ الهيئة المصرية للكتاب
[2] ـ ملفات ثورة يوليو بشهادة صانعيها ـ محاورات لطارق حبيب ـ مطبوع ـ مركز الأهرام للترجمة والنشر
[3]ـ شهادة جمال حماد عن العصر ـ قناة الجزيرة
[4]ـ مذكرات محمد نجيب ( كنت رئيسا لمصر ) ـ ومذكرات خالد محيي الدين ( والآن أتكلم ) ـ مع شهادة جمال حماد على العصر












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 06:23 PM   رقم المشاركة : 19
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

سابعا : كان من المفروض أن الحركة قامت في الأصل لأجل تطهير الجيش ! وهذا هو الهدف الرئيسي الذى أعلنته قيادتها بصوت أنور السادات , عن طريق إجبار الملك على الإستماع لطلبات الضباط بتولية الضباط الوطنيين للمسئولية ,
وبمجرد نجاح الحركة ,
انقلب مطلب التطهير الوظيفي إلى تطهير ولائي , وانقلبت مطالب الإصلاح إلى تواطؤ مكشوف على الجيش بأكمله !
فبعد أن تصاعدت نبرة الإحتجاجات العنيفة بين مختلف ضباط الجيش نظرا للممارسات المستفزة لأعضاء مجلس قيادة الثورة من ترقية الأقرباء ومجاملتهم بالتنقلات الإستثنائية والبدلات وغيرها ,
قام عبد الناصر عن طريق عبد الحكيم عامر ومجموعته بتطهير الجيش تماما ـ ليس من اللواءات هذه المرة ـ بل من الثوار أنفسهم ومن بقية ضباط الجيش الذين بدرت منهم اعتراضات على ممارسات رجال الثورة المهينة للتقاليد العسكرية ! فتم إبعاد 800 ضابط من المشاة والبحرية والطيران وأحيل بعضهم إلى المحاكمات الثورية والبعض الآخر إلى الاستيداع [1]
كما أبعدوا كافة الضباط الموالين لمحمد نجيب , وظهرت على السطح بعض الممارسات التي لا تمت للأخلاق بصلة فضلا عن العسكرية والإنضباط العسكري ,
فقد روى نجيب في مذكراته عن صلاح سالم أنه ضرب أحد ضباط الجيش واسمه محمد وصفي بالحذاء على وجهه في اجتماع عام أثناء التحقيق معه , ثم تكفل التعذيب بالقضاء على الضابط الشاب تماما !
بخلاف واقعته الشهيرة مع الأميرة فوزية ومطاردته المسفة لها واستيلائه على فيلا بجوار قصرها لتستنجد الأميرة السابقة باللواء نجيب كى ينقذها من ممارسات الضابط الثائر !
بخلاف انتشار النهب والسلب لمحتويات القصور الملكية وعلى رءوس الأشهاد بلا حسيب أو رقيب !
ثم كانت الطامة الكبري عندما أنشئوا محكمة استثنائية باسم محكمة الثورة ورأسها أعضاء من المجلس الميمون نفسه لتصدر أحكاما عشوائية على مجموعة كبيرة جدا من ضباط الجيش بتهمة التمرد والإنقلاب العسكري , وهى القضية المعروفة باسم قضية المدفعية ,
فضلا على محاكمة عشوائية مماثلة وبأحكام جنائية ثقيلة تراوحت بين الإعدام وبين الأشغال الشاقة المؤبدة لقيادات الحياة السياسية قبل الثورة ! وللأعضاء البارزين في جماعة الإخوان المسلمين بل وحتى للعمال والفلاحين الذين قامت الثورة ـ كما هو مفترض ـ من أجلهم فتم إعدام خميس والبقري صاحبي قضية عمال غزل المحلة الشهيرة والذين اعتصموا بمصنعهم وقاموا بمظاهرات مناهضة , فكان جزاؤهم الإعدام وهو ما لم يتم حتى في عهد الإحتلال الإنجليزى !
وكل هذه المحاكمات تمت في غيبة القانون والقضاء الطبيعى , وغياب أى تأهيل عن أعضاء المحكمة التي ترأسها أمثال صلاح سالم وحسين الشافعى وغيرهم من قيادات الحركة !
ولنا أن نستدعى من الذاكرة قضية (محاكمة دنشواى ) والتى وفر فيها الإحتلال الإنجليزى ضمانات قانونية واضحة للمتهمين ـ ورغم مظهريتها ـ إلا أنها كانت أكثر حبكة
وقام بها رجال قانون محترفون مثل بطرس غالى باشا والهلباوى بك أشهر المحامين في زمانه وممثل الإدعاء في القضية وغيرهم , وقد أقام مصطفي كامل الدنيا ولم يقعدها في أوربا تشنيعا على الأحكام التي صدرت بإعدام بعض المتهمين ونجحت حملته الصحفية في صدور القرار بإقالة اللورد كرومر المندوب السامى في مصر !
بينما لم يستطع رجال الإعلام في مصر أن يفتحوا فمهم بكلمة في مواجهة هذه الممارسات وهذه المحاكمات !
ومن أغرب الغرائب أن أحكام الإعدام تم تنفيذها في فرادى أبناء الشعب وعلى تهم باطلة , بينما تدخل جمال عبد الناصر بحسم عندما اقترح بعض زملائه محاكمة الملك فاروق نفسه وإعدامه , وأصر على طرده سالما !
فإذا كان هذا جزاء أس الفساد في البلاد فكيف ـ وعلى أى أساس ـ تمت محاكمة بقية السياسيين وهم مجرد منفذين لسياسته ؟!

ثامنا : بدأت ظاهرة تسلسل رفاهيات المجتمع المدنى للعسكرية منذ وقت مبكر ,
فعندما جرفت القيادات الشابة سائر الكفاءات من جميع المجالات , قفز الضباط وأصهارهم وأقربائهم إلى المواقع المدنية حتى اصطبغت البلاد باللون الكاكى ـ على حد تعبير محمد نجيب ـ ثم زاد عبد الحكيم عامر من سطوته فتدخل ليتولى الجيش اختصاصات مدنية بحتة مثل الإعتقالات والتحقيق مع العناصر غير الموالية للثورة وأصبح جهاز الشرطة مجرد جهاز تنفيذى للبوليس الحربي ــ والذي كان اختصاصه مقصور على جرائم العسكريين وحدهم ! ـ فانقلب إلى شرطة مدنية !
ثم أعطى جمال عبد الناصر لرفيق عمره عامر باقي الصلاحيات المتبقية مثل لجان تصفية الإقطاع وتعيين الوظائف المدنية الشاغرة ورياسة شركات قطاع الأعمال العام بل حتى الإشراف على الرياضة ككرة القدم ورياسة النوادى الكبري كالأهلى والزمالك والتى ترأسها ضباط جيش أيضا !
فبدا الأمر من اللحظة الأولى أن الثوار الجدد لم يأتوا ثوارا على الوضع القائم بل أتوا لاستبدال طبقة الحكام فحسب , فبدلا من أن يكون الملك والأحزاب هم الصفوة أصبح الضباط الشبان هم أساس الحكم في البلاد وبدلا من فاروق واحد كان يكفي البلاد فسادا أتى مكانه 13 فاروق آخر على حد تعبير أحد ضباط يوليو أنفسهم
الكارثة أن هذا الأمر لم يقتصر على مجرد نظرة الثوار الجدد لمصر على أنها مكافأة وإقطاعية كبري يستحقونها ما داموا قبلوا مخاطرة الثورة , بل تعدى الأمر إلى ترسيخ مكانة العسكريين على قمة الشرائح الإجتماعية , فلم تعد الوظيفة العسكرية وظيفة ملتزمة بدور محدد في المجتمع ,
بل أصبحت هى الطبقة الراقية الجديدة بديلا لأهل الفكر والعلم والسياسة وتم بث عشرات الأفلام السينمائية والأعمال الفنية التي تروج لهذه النظرية الإجتماعية ,
فأصبح فتى الأحلام وفارس الميدان هو ضابط الجيش وحده , وأصبحت أكبر المكافآت المعنوية لأى بطل رياضي أن يتم منحه رتبة شرفية في الجيش المصري !
وتمت مصادرة القصور والفيلات والشقق الفاخرة التي كانت ملكا لطبقات ما قبل الثورة ليتسلمها الجيش ويوزعها على الضباط المقربين وذوى الحظوة !
باختصار ..
اهتمت القيادة الجديدة بالجيش في كل شيئ , عدا التدريب الجدى أو التسليح الفعال !
مما استدعى عبد الناصر عقب النكسة أن يولى الفريق فوزى بالذات قيادة الجيش ـ بسبب قسوته وغلظته ـ لتكون مهمته قاصرة فقط على إعادة الإنضباط العسكري المفقود ورد الجيش إلى ثكناته وإعادة القيادة للقواد المحترفين !!

وحق لهذا الوطن أن يتألم ويسخر من نفسه قبل أن يسخر منه الآخرون ,
فقد أصبح قدرا أن تعتبر الواجبات الجوهرية للوظائف العامة هى من قبيل المن على الأوطان والشعوب , فيكون لازما على الشعب التسبيح ليلا ونهارا بإنجازات القواد كما لو كانت هبة أو تضحية !
فأصبحت مهمة الثوار الجدد بعد إتمام الثورة أن يجلسوا للحكم والغنيمة , باعتبار أن المشاركة في هذه الثورة هى المؤهل النهائي وختم الوطنية الذى يجب أن يحصل فاعله على المقابل طيلة عمره ,
بل أصبحت المؤهلات الرسمية المعترف بها للتعيين في الوظائف الكبري هى مجرد الإنتماء للتنظيم الثورى , ولهذا اعترض حسين الشافعى على تولية السادات باعتبار أنه يسبق الأخير في عضوية مجلس الثورة !
والسادات نفسه تم تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية بناء على هذا العامل وحده , وهو أنه لم يحصل على حقه كالآخرين !..
والأمر يبدو كما لو أنهم قد اعتبروا القيام بالثورة كنزول الدعوة الإسلامية , فالسابقون الأولون من الثوار والأحرار هم أولى بالأمة من نفسها , وحق الأفضلية يعتبر مقرونا بسابقة الإنضمام للرسالة الجديدة !
لهذا ..
تضخمت ذواتهم بطريقة بشعة , ورأوا أنهم بثورتهم هذى فاقوا الأقدمين والآخرين , ونظرة واحدة إلى مذكرات الضباط الأحرار تنبئك عن كثير ,
والطريف أنهم كانوا يستلهمون ثقافة التقديس الإسلامى فيضفونها على أنفسهم , فجمال منصور ـ أحد أعضاء الثورة البارزين ـ فى مذكراته يصف رفاقه عند ذكرهم بلفظ ( الصحابة ) فيقول ( اتفقت والصحابة على كذا أو قررت والصحابة قول كذا )
بينما يعرف كل طالب فى المدرسة الإبتدائية أن هذا المصطلح مقصور على وصف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ولا يجوز استخدامه لغيرهم , تماما كمصطلح ( القرآن ) فهو فى اللغة كل شيئ مقروء ولكن ليس مقبولا من مسلم أن يطلق على ديوانه الشعري مثلا اسم قرآنى الخاص !
وبعد النكسة عندما اتفق عبد الناصر وعبد الحكيم عامر على التنحى وتعيين شمس بدران , ثم خالف عبد الناصر الإتفاق ورشح زكريا محيي الدين , هاج عبد الحكيم للخدعة وسماها ( خدعة أبي موسي الأشعري )
وهى إشارة إلى واقعة شهيرة فى التاريخ الإسلامى هى واقعة التحكيم بين على ومعاوية رضي الله عنهما , وتقول الرواية أن الحكمين أبي موسي وعمرو بن العاص اتفقا على تنحية على ومعاوية وتولية غيرهما على الأمة , غير أن عمرو بن العاص غدر بالإتفاق وأعلن أنهما اتفقا على معاوية !!
وهى رواية مكذوبة وباطلة ولم يحدث منها شيئ قط وأثبت المؤرخون كذبها وتلفيقها ـ رغم انتشارها ـ لكن ثوار الإشتراكية لا يميزون صحيحا من سقيما حتى فى مجرد الإستشهاد بشيئ من التاريخ الإسلامى [2]
وانتهت ثقافة السياسة المصرية التي كانت تعامل الحكومات بعامل المحاسبة , ولا يأتى السياسي لمنصبه التنفيذى إلا لإثبات استحقاقه لهذا المنصب الذى يُلام من قصر فيه , ولا يُشكر من أدى واجبه ,
ولم يسأل ضابط واحد من هؤلاء ـ عدا علوى حافظ [3] ـ نفسه سؤالا وحدا ..
لماذا قاموا بالثورة أصلا ؟! هل لتعديل أوضاع فاسدة أم لترسيخ أوضاع أشد عنفوانا من الممارسات أى ملكية على وجه الأرض ؟!

فهل عرفنا الآن لماذا كانت هزيمة يونيو لازمة ؟!



الهوامش :
[1]ـ مذكرات محمد نجيب ـ مصدر سابق
[2] ـ لمراجعة حقيقة الرواية يرجى مطالعة ( العواصم من القواصم ) للقاضي أبو بكر بن العربي ـ دار الإعتصام
[3]ـ المنصة ـ علوى حافظ ـ طبعة غير معروفة المصدر












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 06:25 PM   رقم المشاركة : 20
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

صناعة الفرعون

فى ظنى أن الفراعنة القدماء تعرضوا لظلم وتشويه كبير , عندما استخدمهم المصريون المعاصرون للتدليل على أن الشعب المصري ينزع إلى تشجيع قادته على التسلط وإصابتهم بما يُطلق عليه داء الفرعون !
فالشاهد الواضح يوحى لنا أن ممارسات قدماء المصريين فى إعلاء ( الأنا ) لدى الحكام وتأليههم , هى مجرد ممارسات ـ رغم فداحتها ـ قاصرة عن إدراك منهج صناعة الفرعون الذى تم استخدامه فى العصر القومى !
فما قام به الجهاز الإعلامى لعصر عبد الناصر تتقاصر أمامه أفاعيل الكهنة , بل وأفاعيل هامان نفسه مع فرعون موسي !
فكان من اللازم رد الإعتبار إلى عصر الفراعنة واعتبارهم تلاميذ لمدرسة العهد الناصري التى علّمت الشعوب بحق , كيف يكون تأليه الحكام !

وربما اعتبر البعض هذا الكلام من قبيل المبالغة لكن الشعور بالمبالغة سينتفي إذا تأملنا النقاط الفارقة بين الأسلوب الإعلامى فى كلا العصرين ,
فإعلام المرحلة الفرعونية لم يكن ليقنع الشعب بألوهية الحاكم الفعلية , فكان الشعب ينطق بها أمام الفرعون دون تصديق أو إقرار بل ويكتم فى نفسه الإحتقار الشديد للفرعون ويحتفظ بالإيمان الخالص لله عز وجل ,
ولهذا ألقي السحرة ساجدين عندما ظهرت لهم نبوة موسي ورفعوا صوت المعارضة ونبذوا الفرعون فى وجهه ,
بينما شياطين الإعلام فى العصر الناصري عن طريق الخطب الحماسية والتركيز الإعلامى المتكرر , والأغانى الحماسية التى قام بها نخبة النخبة من أهل الفن والموسيقا , تمكنوا من غرس داء العبودية للفرعون فى قلب الشعب المصري بل والعربي بشكل كامل !!
ويدل على هذا مدى صدق العاطفة فى أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية وصباح وفريد الأطرش وعبد الوهاب وغيرهم من هؤلاء الأساطير الذين ألهبوا حماس الجماهير لتلتف حول التجربة الناصرية !
وبهذا نجح هؤلاء فيما فشل فيه هامان ورفاقه !!
وإلا فليبحثوا لنا عن تبرير منطقي واحد لهذه الجماهير والجحافل التى كانت تلتف حول عبد الناصر لمجرد الخطابة ! بينما فى مقياس الأفعال لم يترك للجماهير شيئا إيجابيا واحدا وعد بتحقيقه ونفذه ؟!
وتكفي كارثة خروج الجماهير باكية لتنحى عبد الناصر وهى التي ما دمعت للنكسة بعد !

كذلك فإن الشعب المصري أيام الفراعنة ما كان مقتنعا بأن حاكمه إله مقدس أو يملك من أمر نفسه شيئا أو يستطيع عمل المعجزات , ويدل على ذلك قول كبير سحرة فرعون لأحد رفاقه ( لا يغير طبائع الأشياء إلا صانع الأشياء ) وذلك فى معرض الدلالة عن ظنهم بأن موسي مجرد ساحر ولو كان يغير الحبل إلى ثعبان فعليا لكان رسولا ونبيا حتما ,
وماشطة بنت فرعون عندما سقط منها المشط , قالت فى تعبير تلقائي ( بسم الله )
فعقبت ابنة فرعون قائلة ( تقصدين أبي ؟! )
فقالت الماشطة ( بل أعنى الله خالقى وخالق أبيك )
فى نفس الوقت الذى نجد فيه سدنة مفكرى الناصرية يستخدمون ألفاظا موحية عند الحديث عن عبد الناصر وتجربته ويكثرون من هذه الألفاظ حتى انتشرت بين الجماهير , ومن تلك الألفاظ تعبيرات مثل ( الإيمان بعبد الناصر ) و ( الإيمان بالتجربة الناصرية ) و ( العقيدة الإجتماعية والإشتراكية ) ثم ختمها نزار قبانى عندما قال فى رثائه :
( قتلوك يا آخر الأنبياء ! )
ونسأل الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا !

وهو الأمر الذى بثه الإعلام الناصري ونجح فى غرسه بين الجماهير فعليا , ولهذا التفت الجماهير حول شخص عبد الناصر راضية به وموقنة بأنها فى أمان بجواره فى نفس الوقت الذى ضاعت فيه الأرض ومعها الكرامة بسبب السياسة الناصرية ,
لكن الجماهير الملقنة لا تلتفت ولا تهتم ,
فالمهم هو بقاء عبد الناصر بغض النظر عن أى إنجازات أو كوارث , فكأنى بهم جعلوا من بقاء عبد الناصر صمام أمان لهذه الأمة , وهو ما عبر عنه سامى شرف وغيره عندما قالوا أن عبد الناصر لم يمت وكلنا جمال عبد الناصر !
وعلى حد علمى أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام عن صمامات أمان الأمة لم يشمل جمال عبد الناصر !!
فالحديث يقول :
( النجوم أمنة السماء .. فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما تُوعد .. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون .. وأصحابي أمنة لأمتى فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون )
وإذا كانت الأمة لم تلتف بكاملها حول الصحابة وشذ عن الأمة فرق الشيعة والمعتزلة والعصرانيين ممن يسفهون الصحابة ولا يوقرون لهم مكانا , رغم وضوح الأحاديث والآيات فى فضائلهم وفى اعتبارهم صمام أمان الأمة ,
فكيف نجح الإعلام الناصري فى إقناع هذه الآلاف بأن جمال عبد الناصر هو أمنة العرب فإذا ذهب عبد الناصر أتى الأمة العربية ما توعد .. لست أدرى ,
وكيف اقتنعت الجماهير بهذا فى ظل ما فعلته السياسة الناصرية من تحقيق لأعلى مكاسب اليهود والغرب , لست أدرى ؟!

وربما نعثر على المبرر المنطقي عندما نتناول بعض الأغنيات التى روجت للتجربة الناصرية ,
وقد فاق عدد هذه الأغانى كل ما غنته أمم الأرض لأوطانها , على نحو يرشح اسم ( شعب المليون أغنية ) ليكون لقبا رسميا للشعب المصري في تلك الفترة !
ولهذا فسنلقي الضوء على مجرد أمثلة لا تعدو كونها واحد فى الألف من طبيعة تأثير ورسائل هذه الأغنيات التى كانت تغزو عقول العامة والدهماء ليلا ونهارا ,
ولا توجد أمة لها موطئ قدم فى رقعة الحضارة فعلت بنفسها ما فعلته السياسة الإعلامية بجماهيرها فى العصر الناصري , على نحو يجعل أى غريب يسمع بهذه الأغانى يظن أن عبد الناصر حتما حقق لهذه الأمة ما لم يتحقق لها على الأرض منذ فجر التاريخ وإلا كيف يمكن أن يرفعوه إلى مثل هذه الدرجة !
والأغانى الوطنية فى العصر الناصري لم تكن ـ كما فى أى أمة تحترم نفسها ـ متناسبة مع حجم العمل أو حتى قاصرة عنه بعض الشيئ بل أصبحت هذه الأغانى هى ما تبقي من منجزات هذا العصر ,
وسيذكر التاريخ لعبد الناصر هذه النهضة الغنائية في الزمن الجميل , لا سيما أن عبد الناصر أيضا كان هو الذى بين القطبين اللدودين أم كلثوم وعبد الوهاب بعد أن ظلا يرفضان التعاون معا طيلة عشرين عاما , إلى أن طلب عبد الناصر وأصر فتم تنفيذ رغبة الزعيم وقامت أم كلثوم بغناء ( إنت عمرى ) من ألحان عبد الوهاب فيما عُرف باسم لقاء السحاب !!
أما من ناحية كمية الأغنيات .. فحدث ولا حرج , بعد أن أصبحت تلك الأغانى حرفة ينال بها المطرب والملحن والمؤلف صك الوطنية!

ولا يمكن بأى حال من الأحوال قبول هذه الأغنيات على أنها مبالغات الشعراء أو المطربين , لأنها لم تكن وسيلة بل كانت هذه الأغنيات غاية فى حد ذاتها , تتم برعاية على أعلى مستويات الدولة
ولنا أن نضع بذهننا ـ ونحن نطالع أغانى الناصرية ـ ما حض عليه الإسلام من التحذير والوعيد الشديد من النفاق والمنافقين حتى أن الله عز وجل جعلهم فى الدرك الأسفل من النار ,
كذلك نستدعى للذاكرة الوعيد والنهى المتمثل فى الإسلام عن المدح فى المطلق وعن أى نوع من الإطراء , فقد جاء الإسلام محرما لكل المبالغات فى هذا الشأن ولو كانت بحق النبي عليه الصلاة والسلام نفسه , فقال عليه الصلاة والسلام
( لا تطرونى كما أطرت النصاري عيسي بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله )
كما نهى عن المدح والتفخيم كأصل من الأصول له استثناء وذلك فى قوله عليه الصلاة والسلام لرجل بالغ فى مدح صاحبه :
( قطعت عنق صاحبك مرارا ـ أى أهلكته بهذا المدح ـ فمن كان منكم مادحا لأخيه لا محالة ـ أى للاضطرار ـ فليقل أحسب فلانا كذا والله حسيبه ولا أزكى على الله أحدا )
وهذا الفكر الإسلامى الرشيد هو الذى بلغ بالأمة مبلغ العظمة , فحكم الإسلام العالم , ودانت له أقطار الأرض , ذلك أن المدح والرياء هى قاصمة الظهر لأى إنجاز
فما بالنا إن كانت هذه الأغانى ـ بكثافتها الهائلة هذى ـ تمت بلا إنجازات !
كيف يكون الحكم يا ترى ..












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 06:25 PM   رقم المشاركة : 21
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

وإذا وضعنا هذه القواعد الإسلامية الشريفة إلى جوار قول القائل فى إحدى الأغانى ..
( من المحيط الهادر .. إلى الخليج الثائر .. لبيك عبد الناصر !!! )
ونحن نتساءل حقا وصدقا ؟!
لم هذا الإصرار على استخدام المفردات الدينية المقدسة في أغانى تلك الفترة !
وغنت أم كلثوم في باكورة أعمالها للثورة بعد حادثة المنشية قائلة ..
( يا جمال يا مثال الوطنية !! )
وخرج عبد الحليم بالعشرات , وكان منها قوله :
(أبو خالد نوارة بلدى .. ) وفى أغنية أخرى عن تأميم القناة ( دى ضربة كانت من معلم ! )
ومسكين أيزنهاور وتشرشل الذين قادوا شعوبهم إلى النصر في أشرس حرب في العالم الحديث .. الحرب العالمية الثانية , ولم يجد تشرشل ــ الذى أنقذ بريطانيا ـ في انتظاره بعد النصر إلا قرار الناخب البريطانى بإسقاطه في الإنتخابات !!
رغم أنه خاض الإنتخابات بشبه يقين في الفوز بعد النصر لكن الناخب العاقل رأى فيه قائدا حربيا منتصرا أدى واجبه , وحانت اللحظة لحكومة سلام تلتفت إلى إعادة الإعمار بعيدا عن التمجيد الشخصي !!
مسكين تشرشل بالفعل لم يجد شاعرا واحدا يغنى له ( أبو مايكل نوارة بلدى !)

أما المطربة اللبنانية صباح فى إحدى أغانيها فقالت ( أنا شفت جمال ... !! )
ولم يسألها أحد وماذا بعد أن رأيت جمال ؟! هل نلت صك الجنة أو العتق من النار أم ماذا بالضبط ؟!
بخلاف الأغنيات المستفزة حقيقة , وهى الأغنيات التي تتحدث عن بطولات وإنتصارات ووحدة عربية لو فتشنا تاريخ تلك الفترة صفحة .. صفحة بحثا عنها لن نجد لها أثرا إلا في مكتبات الأغانى !!
مثلا الأغنية الوطنية ( وطنى الأكبر ) وهى من انتاج الستينيات عندما كان العالم العربي لا يجمعه شيئ إلا الشتائم المتبادلة بين مختلف قادته والمعارك الضارية بين الدول العربية على خلافات عقيمة !
ومع ذلك سمع هذا الجيل وغنى قائلا ..
( وطنى حبيبي الوطن الأكبر ×× يوم ورا يوم أمجاده بتكبر !!
وانتصاراته مالية حياته ×× وطنى بيكبر وبيتحرر !! )
فهل سمع أحد عن هذه الإنتصارات في تلك الفترة ! وهل رأى أحدكم مجدا من تلك الأمجاد ولو مصادفة على قارعة الطريق !

ويواصل اللحن قائلا ..
( ياللى ناديت بالوحدة الكبري ×× بعد ما شفت جمال الثورة !!
وانت كبير كبير كبير ×× أكبر من الوجود كله يا وطنى ! )
بينما الكبير حقا في تلك الفترة كانت خيبة الأمل الثقيلة على هؤلاء الشعراء المخدرين , فأين رأوا الوحدة الكبري أو حتى الصغري وأين هو الوطن الذى فاق في مجده الوجود كله !
ثم يواصل اللحن ..
( حلو يا مجد يا مالى قلوبنا ×× حلو يا مجد يا كاسي رايتنا !!
حلوة يا وحدة يا جامعة شعوبنا .. )
وهذا بلا شك كلام أناس من مرضي إدمان المخدرات , فالمخدرات هى الدواء الوحيد الذى يقلب الخيال حقيقة !
ويواصل اللحن ..
( قوميتنا اللى بنحميها ×× واللى حياتنا شموع حواليها
جنة بتضحك للى يساهم ×× وجحيم ثاير على أعاديها )
قبح الله هذه القومية الذى غنوا لها في نفس الفترة التي كانت الجيوش المصرية والسعودية تطحن بعضها بعضا , بل وقف الجيش المصري على حدود السودان ليتدخل لانتزاع حلايب وشلاتين !
على حدود السودان التي كانت جزء أصيلا من مصر قبل أن يقطعه رواد القومية ,
ويتقاتل الأردنيون والفلسطينيون مع بعضهم البعض , وتشتعل فيها المعارك الإعلامية بين العراق ومصر والعراق وسوريا والمغرب والجزائر و ... وهلم جرا !
ويواصل اللحن ..
( وطنى يا زاحف لانتصاراتك ×× ياللى حياة المجد حياتك
في فلسطين وجنوبنا الثاير ×× حنكملك حرياتك )
وللأمانة فقد أكمل النظام القومى دوره ومنح إسرائيل بقية الأرض الفلسطينية كلها المتبقية من حرب 1948 م , ومعها الجولان وسيناء هدية تعبر عن حماقة الشعب العربي !
أما أطرف مقطع على الإطلاق فكان من نصيب عبد الحليم حافظ الذى غنى قائلا ..
( احنا وطن يحمى .. ولا يهدد ×× احنا وطن بيصون ما يبدد )
والعندليب الأسمر عكس المعنى حقيقة ,
فنظام القومية اعتمد التهديد والتلويح بالقوة استراتيجية لم يتخل عنها منذ عام 1956 م , أما الصيانة وعدم التبديد فنمتنع عن التعليق عليها تفاديا لمواد قانون العقوبات !
وفى أغنية شهيرة أخرى لعبد الحليم حافظ , كان عنوانها ( يا أهلا بالمعارك ) تحدث فيها مشيدا مع غيره بالإنتصار الهائل الذى حققه الثوار في العدوان الثلاثي , والذي نجحت الآلة الإعلامية الصحفية في تصويره على أنه كان انتصارا عسكريا حقيقيا على جيوش ثلاث دول !!
وصدقت جموع الشعب الخدعة ولم يُسمح لأحد أن يتحدث عن دور الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتى في تهديد أطراف العدوان الثلاثي بالإنسحاب فيما عُرف باسم ( إنذار بولجانين ) والذي هدد فيه السوفيات باستخدام القوة النووية لردع إنجلترا وفرنسا عن مصر وتضامنت معها الولايات المتحدة لتنسحب الدولتان ,
وتركتا مصر الذى رددت ( انتصرنا .. انتصرنا ) دون إفصاح عن طبيعة الإنتصار السياسي الذى حققناه والفشل العسكري الذى واجهناه عندما تم سحب الجيش المصري من سيناء ولم يُسمح له بمواجهة اليهود , واستولت إسرائيل على سيناء ثم وافقت على الإنسحاب بشرط أن تضمن الولايات المتحدة لها حرية الملاحة في خليج العقبة !
وقبل عبد الناصر الشرط ونزلت قوات الأمم المتحدة لتحتل شرم الشيخ وتعسكر على الجانب المصري من الحدود وتم عزل سيناء ومنع الدخول إليها إلا بتصريح كما لو كانت قطعة من أرض أجنبية , وذلك حتى تتم عملية التعتيم الإعلامى على الإتفاقية السرية التي سمحت لإسرائيل باستخدام خليج العقبة !
وظلت الطبول تغنى لانتصار 56 حتى يوم النكسة , وكان من أهم أسبابها أن عبد الناصر أصابته عقدة 56 وظن أن كل مواجهة مع إسرائيل سيجد منها حماية كافية من إحدى القوى العظمى تسمح له بانتصارات سياسية سهلة مبنية على الاتفاقيات السرية بينه وبين القوى العظمى .. في نفس الوقت الذى يخرج فيه على الناس منددا بالإمبريالية الأمريكية ,
وهو نفس الطبع الذى توارثه عنه بقية حكام العرب ,
ففي الوقت الذى وقفت فيه الدول العربية تندد بالهجوم الأمريكى على العراق واحتلاله عام 2004 م , كانت القذائف الأمريكية تنطلق من القواعد العربية !!

وهكذا تغنى عبد الحليم مهددا ..
( يا أهلا بالمعارك يا بخت مين يشارك
بنارها نستبارك ونطلع منصورين
ملايين الشعب تدق الكعب تقول كلنا جاهزين
فايت ساعة الصبحية والناس رايحين جايين
خطوتهم فكرتني بأيام 56
راجع في المغربية شوفت عيون الثوار
نظرتهم فكرتني بالظباط الأحرار )
ولا عزاء للشعوب !
ثم يواصل الغناء قائلا ..
(عبدالناصر حبيبنا قايم بيننا يخاطبنا
نجاوبوه ويجاوبنا قائد ومجندين
قول ما بدا لك إحنا رجالك ودراعك اليمين قول
عبدالناصر يقول الله اكبر ويوم الازهر في وجداني
ياشعب قمنا لقهر الصعب من تاني
وعود ماعنديش مافيش إلا النضال عندي وشقى ومعارك مريرة كتير كتير يا أخواني
اطلب تلاقي تلاتين مليون فدائي في جميع الميادين قول
عبدالناصر يقول على كل باب في الميثاق مصباح بيهدينا )
وهكذا كما قلنا أصبح الميثاق هو المصباح الهادى والقرآن الجديد للأمة !!
ثم يقول عبد الحليم ..
( للأفراح والرفاهية حانمد طريق عالنيل
اسمه في الإشتراكية التصنيع التقيل
بس نضاعف إنتاجنا أضعاف أضعاف أضعاف
وندبر مهما احتاجنا ونحارب الإسراف
وبقرش الإدخار نتحدى الاستعمار )
وهكذا أصبحت الإشتراكية بستان أحلام الشعب فى تحدى الإستعمار , ليتم وقف التصنيع الثقيل نهائيا فى مجال الأسلحة بعد النكسة وضاعت مشروعات الأسلحة التى قدمتها العقول المصرية فى الطيران والصواريخ بناء على نتائج النكسة واتجه الإقتصاد كله إلى استيراد السلاح .. تماما كان كان يريد الإتحاد السوفياتى الذى كان يستغل حاجة الشعوب للسلاح لفرض توجهاته وسيطرته السياسية ,
وليس سرا أن السوفيات تدخلوا لتقليص القدرات الإنتاجية العسكرية فى مصر حتى لا يفقدوا ورقة ضغطهم الوحيدة !
ثم خربها عبد الحليم عندما قال ..
( نشوف جهادنا العظيم على فين مودينا
للأفراح يا ناصر والرفاهية يا ناصر ) !!
وبالطبع تم منع هذه الأغنية تماما بعد النكسة وحتى يوم الناس هذا !!












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 06:27 PM   رقم المشاركة : 22
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

ولا ينبغي أن يستهين القارئ بتلك الأغنيات وهذا الأسلوب ,
فأثره العميق على الشعوب العربية تفوق على مجموع ما قام به الإعلام من صحافة وإذاعة وخطب و.. الخ ,
لأن جموع الشعب في تلك الفترة كانت قلوبها تتعلق بهؤلاء المطربين الذين كانوا بحق رواد تربية الرأى العام وأدوات توجيهه وأصبحت إذاعة صوت العرب منبع رئيسي يهز العروش والجيوش في المنطقة إذا ذُكر فيه اسم عبد الناصر !!
ودخلت الجماهير في غيبوبة خدر هائلة استمتعت بها ورفضت أى تعكير لصفو الصورة الهلامية ,
ولإدراك مدى التأثير الفادح على الجمهور , يكفي أن نعلم أن عددا من أبرز الكتاب والصحفيين والمفكرين ظلوا رهنا لتجربة الناصرية مسبحين بحمدها حتى بعد النكسة , وحتى يومنا هذا , رغم أنهم جميعا من ضحايا معتقلاتها !
بخلاف هيكل طبعا الذى يمكن فهم سر دفاعه , لكن الإستغراب قائم على المفكرين الكبار من أمثال محمود السعدنى ومحمد عودة وأحمد فؤاد نجم وحمدى قنديل ومحمود عارف ويوسف القعيد وغيرهم عشرات ,,
فهؤلاء جميعا ذاقوا ويلات المعتقلات في عهد عبد الناصر نفسه رغم إخلاصهم العنيف له , ولنظامه , ولتجربته , وكانت التهم التي أوصلتهم للمعتقلات من التفاهة بمكان !
وعاشوا في ذل القيد والإعتقال في الصحراء سنوات طوال , ولو أخذنا محمود السعدنى مثالا لوجدنا أنه عبر عن تجربة سجنه في سجن الواحات الرهيب في إحدى كتبه الشهيرة وهو ( الطريق إلى زمش ) وذكر فيه ما تعرض له هو ورفاقه من أساتذة الجامعات وكبار المفكرين والصحفيين والروائيين من صنوف وألوان التعذيب والإهانة والضرب المبرح بلا أدنى مبرر !
ويذكر السعدنى ببساطة تفاصيل عمليات التعذيب القمعى وكيف أن أكبر عقول البلاد تم إجبارهم من زبانية السجن الحربي على اتخاذ اسم امرأة تحقيرا وإذلالا , وعلى المشي عرايا في فناء السجن , بخلاف حفلات التعذيب الذى ذكرها والتى كانت تقيمها إدارة السجن إشباعا لنازية قائد المعتقل !
ومع ذلك فقد ظل السعدنى يقدم نفسه حتى آخر عمره باعتباره سفير الناصرية لدى طبقات الشعب , على اعتبار أن هيكل هو سفير الطبقات العليا ,
وظل يتمنى أن يموت وهو ناصري وأن يُبعث يوم القيامة ناصريا !!
فإذا كان هذا حال المفكرين الكبار .. فللشعب علينا حق العذر حتما !

وبهذه الوسيلة ارتفعت حماسة الجماهير إلى درجة الإلتهاب والإلتحام ولما كانت الأغانى أكثر كثافة بكثير من المنجزات على أرض الواقع , فقد اضطر المطربون إلى أن يغنوا لكل شركة أو مشروع تم إنشاؤه ولو كان مشروعا تافها !
ثم أصبحوا يغنون لكل عربة نقل تحمل بعضا من معدات السد العالى !
ورحم الله محمد على باشا ..
بنى مصر الحديثة كلها وجعلها أقوى قوة في الشرق الأوسط ومد فيها الترع والمصارف والقناطر الخيرية , وكل هذا بتمويل داخلى دون اقتراض مليم من الخارج وبكفاءة هندسية مصرية وبعمالة مصرية وزاحم الدول الأوربية بجيش وطنى رهيب في العتاد والعدة والإنتصارات ..
ورغم ذلك لم يجد كلبا شاردا يهز له ذيله مستحسنا !!

ولو أخذنا مثالا واحدا لمطرب مثل محمد قنديل وهو في هذا العصر من مطربي الصف الثانى أو الثالث , فقد أحصيت له خمسين أغنية على الأقل في موقع ( سماعى ) الموسيقي تتمحور حول قناة السويس والسد العالى وعبد الناصر والناصرية والضباط الأحرار والإشتراكية والحرية وحتى شركات الزيوت والصابون !
هذا العدد لمطرب واحد بخلاف نجوم الصف الأول الذين كان لكل منهم في العام الواحد عدد معروف من الأغنيات والقصائد التي يتم التغنى فيها بنفس المنجزات المحدودة في مناسبات ومواسم ذكراها في كل عام !
ولما فرغت سائر الإنجازات واحتاجت الحماسة إلى ما يغذيها لجأ المطربون والشعراء إلى اختراع ما يغنون له , فتوجهوا بكليتهم إلى شخص عبد الناصر ومزاياه وهيبته وصوته وخطبه وأولاده و .. الخ
وقد وصل التغييب بهيكل حدا غير متصور دفعه في كتابه ( خريف الغضب ) وهو في معرض حديثه عن خالد الإسلامبولى ــ قاتل السادات ــ أن يشير بصريح العبارة إلى أن أحمد الإسلامبولى ـ والد خالد ـ قام بتسمية ابنه بخالد تيمنا باسم خالد جمال عبد الناصر لأنه وُلد في الفترة الفوارة بالوطنية والتى كان فيها عبد الناصر وأولاده ذروة الحلم !!
ولست أدرى أين كان عقل هيكل وهو يكتب هذا الكلام !!
فخالد الإسلامبولى وعائلته كلها ذات اتجاه دينى صرف ووالده كان أحد أئمة المساجد , وشقيق خالد الأكبر كان ناشطا في مجال الدعوة وتم اعتقاله في نهاية عصر السادات لهذا السبب ,
فكيف تصور هيكل أن يسمى الرجل ولده بخالد تيمنا باسم ابن عبد الناصر ويترك خالد بن الوليد سيف الله المسلول !!
وإذا كان الرجل من دروايش الناصرية ألم يكن من الأجدى أن يسمى ولده بجمال نفسه بدلا من خالد ؟!
لكن هيكل في كتابه هذا كان واقعا تحت تأثير نشوة اغتيال السادات والتى قابلها بشماتة ظاهرة في سطور كتابه ( خريف الغضب ) ولم تكن فرحة هيكل كاملة لسبب واحد , [1]
أن من اغتال السادات هو تنظيم الجهاد وكان يتمنى من أعماقه أن يغتاله أحد الناصريين ولهذا سعى إلى التعسف غير المعقول في محاولة إثبات ولاء أسرة الإسلامبولى لعبد الناصر
ويرجع ذلك إلى أن السادات في عرف الناصريين مرتد مهدور الدم ـ وأنا هنا لا أمزح ـ فالناصريون في كافة كتاباتهم عندما يتحدثون عن فترة السادات يسمونها فترة ( الردة الساداتية ) !!
ولهذا كان يتمنى هيكل أن تكون نهاية السادات بيد واحد من مجاهدى الناصرية ! فلما جاءت على يد التيار الإسلامى الذى يكرهه هيكل كراهية التحريم , حاول أن يخترع إنتماء ناصريا لأسرة الإسلامبولى
رغم أن أصغر طفل في الحقل السياسي يعرف موقف الجماعات الإسلامية من عبد الناصر بعدما فعله هذا الأخير بهم في السجون والمعتقلات , ومن الغريب أن هيكل نفسه وهو يتحدث عن جماعة الجهاد أورد بداياتها وكيف أنها نشأت في قلب المعتقلات الناصرية تحت وطأة التعذيب الرهيب مما دفع هؤلاء الشباب لاعتقاد كفر عبد الناصر ونظامه , لأن ما يفعلوه بهم أمر خارج حدود الإنسانية والحيوانية أيضا !
فبدأت عندئذ فكرة تكفير النظام الحاكم وتطورت فيما بعد إلى تكفير المجتمع كله بسبب ولائه لهذه الحكومات !
ولست أدرى ما الذى كان هيكل فاعله لو كان جمال عبد الناصر اسمه محمدا !

خلاصة القول أن هؤلاء الفنانين كانوا في معظمهم مؤمنين بالتجربة بالفعل , ويصدقون ما يقال لهم في الإعلام الرسمى عن أعظم قوة ضاربة في الشرق الأوسط وعن الأساطير التي تم نسجها خلف كل مشروع ,
وتم تصوير هذه المشاريع على أنها إنجازات تتقاصر دونها همم دول العالم !
لهذا فقد اندفعوا بعاطفة جياشة وتعبير صادق ليمتعوا الملايين بمئات الأناشيد والأغانى التي تحرك الأحجار , ويكفي أى قارئ اليوم أن يعود لأرشيف أغنيات عبد الحليم حافظ ( مطرب الثورة الأول وراعيها ) ويستمع إلى أغنيات مثل أغنية صورة ـ السد العالى ـ يا أهلا بالمعارك ـ أحلف بسماها وبترابها ـ حكاية شعب ـ وعشرات غيرها ,
سيدرك القارئ أى تأثير سحرى لهذه الألحان وهذه الكلمات التي عظّمت الحلم في جماهير الأمة العربية لدرجة أسطورية التفت كلها حول عبد الناصر من المحيط للخليج تنتظر إشارة منه في ثقة عمياء مطلقة ,
ولنا أن نتخيل ما أصاب الجماهير عندما أفاقوا من هذا الحلم على كابوس الواقع ,
فبعد أن صنع لهم عبد الناصر أسطورة تتضاءل أمام أساطير اليونان ,
انهارت فجأة كل تلك الأحلام , ولهذا انتهى عهد الأغنيات الوطنية الحافلة الغزيرة بقدوم عام 67 , بل إن الإذاعة نفسها لم تكن تعيد بثها لما تحتويه هذه الأغنيات من حديث ثائر عن تحرير القدس والوحدة العربية والتضامن العربي والقوة الهائلة التي يرتكن إليها الشعب ,
ومن المفارقات الطريفة أن القارئ سيلاحظ على موقع يوتيوب أن بعض هذه الأغنيات التي تم تأليفها فيما قبل عام 1967 م لم يجد الجيل الحالى أفضل منها للتعبير بها عن نصر أكتوبر !
رغم أن أغنية أهلا بالمعارك وأغنية صورة وأغنية أحلف بسماها كلها من منتجات ما قبل النكسة ,
لكن هذا يدلك على مدى الإحباط الذى أسكت ألسنة المطربين وأخرس يراع الشعراء !
وفى مقابل هذا الكم الهائل من الأغانى في عصور الهزائم والخديعة , لم نعثر من هذا الجيل على عدد يتجاوز الأغنيات الخمسة الشهيرة لحرب أكتوبر وفقط !
وهذا أمر طبيعى وردة فعل منطقية كما أوضحنا وتعتبر إحدى الآثار الساطعة لتجربة النكسة ,
ولعل تجربة شاعر وطنى قدير مثل الشاعر صلاح جاهين الذى كتب كلمات أعظم الأزجال الوطنية , كان هو نفسه مؤلف فيلم ( خلى بالك من زوزو ) بعد تجربة النكسة مباشرة عندما انهارت كل القيم واندثر الطموح !

والذي يتأمل هذا التغييب الإعلامى المتعمد عن واقع العالم العربي وأحواله , يجد العذر للمجتمع عندما كفر بكل تلك القيم عقب النكسة , وقد أورد الكاتب الصحفي وجيه أبو ذكرى في كتابه ( مذبحة الأبرياء في 5 يونيو ) رسالة طويلة من أحد الجنود الناجين من مذبحة سيناء , وملأ الرجل رسالته بدموعه وهو يسب ويشتم ويكفّر وجيه أبو ذكرى ورفاقه ويتهمهم بأنهم كانوا السبب الرئيسي للثقة الفارغة التي دفعته ورفاقه إلى جحيم يونيو 67 ! [2]
ويأبي الناصريون اليوم أن يعترفوا بهذا التغييب أو يفيقوا قليلا ليتأملوا العالم من حولهم , ولا زالت مواقعهم على الإنترنت تبث حنينهم للماضي البائس كمان لو كان تاريخا مشرفا أو عملاقا بالفعل ,
ويبدو أن الإدمان الناصري تفوق على سائر أنواع الإدمان ,
وكان المرء يأمل لو أن هيكل ـ بعد هذا العمر المديد ـ وفى ظل رسالته التوعوية التي يمارسها في الشأن الجارى , كنا نأمل لو نزع عنه ثياب القومية واكتفي بما اقترفت يداه ـ وهو كثير ـ وحاول إصلاح ما أفسد ,
لكنه لا زال مصرا !
لم يكتف هيكل بأنه قام مع عبد الناصر بنفس دور هامان مع فرعون ( وهذا القياس والتشبيه لداعية شهير )
ففرعون قبل هامان لم تخطر بباله فكرة إدعاء الألوهية حتى جاء شيطانه هذا فأقنعه بها فعينه وزيرا لبلاطه ونشر هامان العقيدة الجديدة بين الناس وحاول إضلالهم بها كما أضل فرعون نفسه ,
لكن الناس لم تستجب لهامان بقدر ما استجابت لهيكل !
وهذا يعطينا فكرة عن القدرات الخيالية التي يتمتع بها هيكل في مجال السياسة والإعلام !
ولكن .. ياللأسف ,
لو كان هذا كله في سبيل الله !

الهوامش :


[1] ـ خريف الغضب ـ محمد حسنين هيكل ـ طبعة الأهرام الكاملة
[2]ـ مذبحة الأبرياء فى 5 يونيو ـ وجيه أبو ذكرى ـ المكتب المصري للنشر













التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 06:30 PM   رقم المشاركة : 23
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

لكن من المستحيل أن يكون هذا كله في سبيل الله , والعقيدة نفسها مختلة ,
ووالله لو أن الناصريين يحبون عبد الناصر حقا ,
لرجموا هيكل بالحجارة على ما فعله بعبد الناصر ,
فليت أنه اكتفي بأن يضيع عبد الناصر في الدنيا بل ضيعه في الآخرة أيضا لو كان صادقا في الرواية التي يرويها عن عبد الناصر في كتابه ( الطريق إلى رمضان ) ,
أورد هيكل الحوار الآتى بينه وبين عبد الناصر قبيل وفاة هذا الأخير بأيام ! [1] :
( وسكت عبد الناصر قليلا ثم سألنى سؤالا غريبا عدت إليه فيما بعد : هل أنت مؤمن
فقلت : أجل بالقطع أنا مؤمن
فسأل قائلا : إذن قل لى ماذا بعد الموت ؟!
فقلت : ذلك سؤال بالغ الصعوبة { !! علامة التعجب من عندى .. والتقيل ورا }
وقلت : أعتقد أن الجنة والنار هما هنا فوق الأرض .. وربما كان القصد من ذكرهما هو الرمز للخير والشر وفى إمكاننا نحن بأنفسنا أن نجعل من حياتنا جنة أو نارا .. بعد الموت ربما كانت النهاية
فقال عبد الناصر : أتعنى أن يفعل خيرا في الأرض لا يدخل الجنة
قلت : لا أدرى { !!! أيضا علامات التعجب من عندى } وإنما أظن أن الجنة والنار رموز
قال : ذلك يعنى أننا بالموت ننتهى .. وهذا كل شيئ
قلت : هذا كل شيئ { شفتوا الحلاوة يا جدعان !! }
فقال : هذا ليس مطمئنا ..
وبعد هذا الحديث بثلاثة أيام كان عبد الناصر قد انتقل إلى رحاب الله )
{ انتهى كلام هيكل بحروفه }

هل رأيتم الكارثة !
لو مات عبد الناصر وهو مقتنع بما أدخله هيكل في عقله بأيامه الأخيرة فسيكون مع فرعون رأسا برأس !
أى أن هيكل لم يكتف بأن هو الذى اخترع لعبد الناصر دين الناصرية وروجه له , وصاغ له كتابه الميثاق وغيره , بل تعدى الأمر حدا أن أفسد على الرجل معتقده الذى نشأ عليه !
ولست أدرى حقيقة ما هى الحكمة أن يلعب هيكل بعقيدة عبد الناصر على هذا النحو , وما الذى كان يضير هيكل ـ ما دام منكرا للبعث والحساب ـ أن يظل عبد الناصر على عقيدته لأنها ـ حتى بمنطق هيكل ـ إن لم تنفعه فلن تضره !
وما كان هيكل يعتقده ـ نأمل أن يكون قد تراجع ـ هو الإلحاد بعينه , والإلحاد أمر لازم وضرورى لكل أصحاب المنهج الإشتراكى الذى يستلهم الشيوعية ويتعالى على الدين ويحاول إبعاده عن الحياة بوسائل مختلفة ,

ومن الغريب أن هيكل غضب جدا من السادات عندما أعلن السادات في خطابه يوم 14 سبتمبر 1981 م , أن هيكل رجل ملحد وأنه لا يؤمن بالأديان , وأنه كان يفطر في رمضان علنا ويسخر من الشعائر الدينية !
وعلق هيكل في ( خريف الغضب ) قائلا أن هذه التهمة ألقاها السادات جزافا دون أن يدلل عليها بدليل واحد , ونسي هيكل أنه حتى الإفتراء لابد أن يكون أصل من الواقع حتى يكون قابلا للتصديق ,
ولو لم يكن السادات قد رأى شيئا عليك يشي بذلك لما خطرت بباله فكرة اتهامك بالإلحاد من الأصل ,
هذا فضلا على أن كتاب ( الطريق إلى رمضان ) تم نشره عام 1975 م , وفيه بالطبع هذا الحوار الأخير !
ولو أن العلمانيين والإشتراكيين في عالمنا العربي لا يذكرون عقيدتهم صراحة خوفا من استهجان الناس , إلا أن عقيدتهم الحقيقية تتسرب رغما عنهم من حيث لا يدركون ,
فهذه هى العقيدة التي حكمت هيكل في فترة تنظيره للناصرية , ولهذا نقول أن الناصريين كانوا ـ ولا زالوا ـ ينظرون للإشتراكية والناصرية على أنها دين آخر .. عقيدة أخرى بكل ما في الكلمة من معنى ,
وها قد أفصح عنها هيكل صراحة , بعد أن تلمسناها من خلال استخدامهم لمفردات الدين في وصف علاقتهم بعبد الناصر وبالإشتراكية ,
وما كان هيكل يعتقده هو نفس حال الإشتراكيين ورموز العهد الناصري ,
فلم يكن الأمر مقتصرا على هيكل وحده ,
فلو عدنا لمذكرات حسن الزيات سنجد أن يدمغ معتقدات الإشتراكية والناصرية وشخص عبد الناصر بألفاظ الإعتقاد والإيمان وغيرها , ويعبر عن فترة السادات بفترة الردة !
ولو أننا عدنا لمذكرات مراد غالب وزير الخارجية وسفير مصر الأسبق بموسكو لمدة أربعة عشر عاما , ومهندس العلاقات مع الإتحاد السوفياتى وأحد رموز الناصريين ,
لو عدنا لمذكراته سنجد ما هو أصرح من ذلك , والكارثة أنهم يذكرون هذا الأمر بشكل شبه صريح يشعر المرء معه وكأنهم أخرجوها دون تعمد ,
يتحدث مراد غالب في مذكراته عن المذاهب الجديدة وعن الإشتراكية والشيوعية التي أعجبته أفكارها , لكنه يورد عليها نقدا وحيدا , فتعالوا نتأمل كنه هذا النقد الذى فشلت فيه الإشتراكية في رأى مراد غالب
( كانت هناك فرضية مهمة لم يستطع عقلي أن يسلم بها , وهى أصل الكون المادى فالمادية تفترض وجود المادة ثم تطورها ولكنى كنت أسأل نفسي دائما هذا السؤال :
ومن أوجد هذه الكميات الهائلة التي تكون منها هذا الكون اللامحدود ؟!!
إن المادية تفترض وجودها وتبنى نظريتها عليها ولا تبحث في منشأ وجودها أصلا فهى بالنسبة لى لم تحل قضية الخلق )
ثم يتابع ..
( وحتى الآن فالعلماء يتحدثون عن الإنفجار الكبير الذى حدث لكتلة هائلة من الطاقة أوجدت الكواكب والنجوم وأعتقد أنهم وصلوا إلى أصل الكون ولكنهم لم يفصحوا لنا ..
من الذى أوجد هذه الكتلة الهائلة من المادة .. وأين كانت موجودة وهى نفس المشكلة التي قابلتنى في الحديث عن الماركسية الجدلية والتاريخية )
ثم يورد مراد غالب نقاط القوة والتميز في نظرية الماركسية فيقول :
( ولكنى أعترف بأن كثيرا من أدبيات الماركسية شدتنى إليها خصوصا أنها تعتمد على العلم والإقتصاد ونظريات التطور وكلها عناصر يلمسها الإنسان وليست غيبيات يؤمن بها أو لا يؤمن )
خيبك الله يا دكتور مراد !
تتساءل وأنت الآن في الثمانين من العمر من الذى أوجد الكون ومادته الأولية !
ولا زلت تعجب بنظرية التطور التي سقطت من المعاهد العلمية منذ نصف قرن واعتبرها العلماء سببا في تأخر علم الأحياء لمائة عام !

لكن كما قلنا ..
هذه نتيجة طبيعية للإشتراكية وأخواتها , ولا ينبغي لنا أن تثير دهشتنا ,
فلولا هذا المنطق الإلحادى لما اعتنى القوميون بأنفسهم ورفعة أنفسهم وذواتهم وتحقيق المجد الشخصي حتى لو كان على حساب الأمة العربية بأكملها .. والتى يدعون أنهم قاموا من أجلها !!
لأن منطق الإلحاد لا يري إلا الدنيا , وبالتالى يصبح من قبيل الحماقة أن يسلك الإنسان مسلك الصدق مع النفس ومع الغير وأن يمارس الإخلاص والتجرد والتضحية ,
فهذه المشاعر كلها جزاؤها معقود بالآخرة وحدها , وهؤلاء لا يؤمنون بالبعث أصلا , فليس من حقنا إذا أن نلوم عليهم ما فعلوه بالأمة طيلة ثمانية عشر عاما قاحلة !
لم يكتفوا فقط بصناعة الزيف والتضليل , بل أصروا عليه حتى آخر لحظة من أعمارهم , بل لا زال هيكل لليوم يمارس نفس المنطق الإعلامى الذى أورد فيه الناس مورد التهلكة عندما جعلهم بكتاباته يعيشون الوهم ويجترون الأحلام بعد أن فشل واقعهم المرير في تحقيق أى إنجاز موعود ,
وقد صرح هيكل ـ في معرض حديثه على قناة الجزيرة أثناء شرحه لحرب الإستنزاف ـ أن حرب الإستنزاف هى حرب حقيقية وإنجاز غير مسبوق ولكنها ـ على حد كلامه بحروفه ـ ذات أبطال لم يغنى لهم أحد ولم يتذكرهم أحد !!
ياللمصيبة .. أغانى تانى !!
أو بعد ثمانية عشر عاما من الأغانى والتسبيح بحمد الإنجازات الوهمية , تتحسر على أن الفعل الإيجابي الوحيد الذى تم في عهد عبد الناصر لم يغنى له أحد !
وتفتخر وتعتز لدرجة الإنتفاخ بعمليات المقاومة في الإستنزاف الذى كلفتنا مقابلا ضخما وتحملناه صابرين , وتريد أن تبيع هذا الإنجاز على أنه معادل لانجاز أكتوبر لمجرد أن عبد الناصر كان على قيد الحياة حينها !
من الطبيعى جدا ألا يغنى أحد لحرب الإستنزاف ,
لأنها أقل القليل الذى كان لزاما علينا فعله في مواجهة هزيمة ساحقة أكلت الأخضر واليابس وفضحت الجيش المصري في العالمين , فضلا على أن خسائرنا فيها فاقت خسائر إسرائيل في العدة والخسائر البشرية أيضا
فإذا تغنينا ـ بعد هزيمة يونيو ـ بإغراق مدمرة أو غواصة لجلبنا لأنفسنا سخرية العالم أجمع على هذا الشعب الأحمق الذى فنى جيشه في هزيمة مروعة ثم يطنطن في الإعلام لعمليات محدودة تكفي بالكاد لإعادة الثقة بالنفس !


الهوامش :
[1]ـ الطريق إلى رمضان ــ محمد حسنين هيكل ـ دار النهار للنشر والتوزيع












التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2010, 06:31 PM   رقم المشاركة : 24
م.جاد الزغبي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية م.جاد الزغبي

 




افتراضي رد: قصة النكسة ( لماذا كانت هزيمة يونيو .. لازمة )

ومن الطبيعى جدا أن تذوب حرب الإستنزاف عن الذاكرة بعد الإنجاز الرهيب في حرب أكتوبر والذي كان ـ بشهادة الإسرائيليين ـ صورة معكوسة من هزيمة يونيو , ونجح المصريون في عبور الهزيمة قبل أن يعبروا قناة السويس
وبفضل صيحة الله أكبر والإيمان الذى استرده المقاتلون حققوا المعجزات في بدر الصغري وبهروا العالم كله وصارت معاركهم كتبا يتدارسها أباطرة الحرب في العالم
والذين حققوا إنجاز أكتوبر , هم نفس الشباب الذين حققوا إنجاز حرب الإستنزاف ,
وعليه من الطبيعى أن نركز في تذكر حرب أكتوبر ونشيد بها ونغنى لها ونهمل ما قبلها , إذ أن الفاعل واحد في الحالتين ,
ولا يوجد عاقل يقول أن التغنى بتفوق طالب في الإعدادية بمجموع 50 في المائة أفضل من التغنى لهذا الطالب بتفوق أعظم في الثانوية بمجموع مائة في المائة !

لكن السر ينكشف في تغنى هيكل ومطالبته بأن يهتم الناس بحرب الإستنزاف , سببه ـ كما قلنا ـ العقدة النفسية المروعة التي يعيشها الناصريون بسبب حرب أكتوبر ,
فقائدهم ـ الذى غنوا له كل هذه الأغانى ـ لم يحشد جيشه للهجوم إلا على اليمن والسعودية والسودان , ولم يطلق طلقة واحدة تجاه إسرائيل بمبادرة هجومية منه ,
بل كان دائما أبدا مدافعا في مواجهتها ,
والكارثة أنه فشل حتى في الدفاع وبفضيحة مروعة , فانسحب الجيش تحت قيادته في حربين متتاليتين
والجيش المصري ـ تحت قيادة عبد الناصر ـ هو الجيش الوحيد في العالم الذى انسحب من نفس الجبهة في سيناء مرتين , وليته كان انسحابا مشرفا , بل كان هروبا وبأوامر رسمية , فالإنسحاب فن تكتيكى مستقل , أما ما حدث في سيناء في المرتين فهو هروب حيث صدر الأمر بانسحاب كل رجل على مسئوليته!
وفى المرتين ترك سلاحه ـ دون قتال ـ غنيمة سهلة لليهود ,
وكان أيضا هو الجيش الوحيد الذى تم تدمير سلاحه الجوى مرتين من نفس العدو وبنفس الطريقة وعلى الأرض دون أن يقاتل الطيارون أو يمنحوهم الفرصة لذلك وبأوامر من عبد الناصر أيضا كما سنرى ..
وهو الجيش الوحيد الذى تم تدمير سلاحه الجوى في معركة عسكرية ثم ظل نفس قائد السلاح ـ الفريق صدقي محمود ـ في نفس موقعه حتى تم تدمير السلاح مرة أخرى وتحت قيادته في حرب 67 ,
فمن الطبيعى جدا أن تنهش قلوبهم الغيرة من وقوع حرب أكتوبر في عهد خصمهم السادات , بينما مات زعيمهم بدون أى انتصار حقيقي في حياته , وهم يؤمنون بذلك رغم محاولاتهم المستميتة في اختراع الإنتصارات له !
وهيكل يعتبر معركة 56 نصرا كاملا تاما لم يسبق في التاريخ الحديث !!
وكأن مصر وجيشها انتصروا بمفردهم على الدول الثلاث , وكأن القوتين الأعظم لم تتدخلا وتنقذا مصر من براثن العدوان تحقيقا لمصالحهما ؟!
ولست أدرى أى إنتصار هذا الذى يفخر به هيكل وقد جاءه بعلم أمريكى سوفياتى !

لكن هذا الزيف ينكشف عندما نطالب هيكل بشهادة واحد من السياسيين الغربيين ـ نظرا لإعجابه بالغرب ـ يقول أننا انتصرنا على هذه الدول أو على الأقل يقول أن نصر 56 أكمل انتصار في التاريخ الحديث !
بينما يشهد مئات المحللين والدارسين الغربيين أن انتصار أكتوبر كان ـ ولا يزال ـ معجزة منفردة غيرت بعض مفاهيم الحرب العالمية الثانية نفسها !
وقام بها الجيش المصري وحده , في مواجهة أعتى الدول الإستعمارية ,

ولست أدرى ما الذى يبتغيه هيكل من كل هذا بعد كل هذا العمر !
إن الملايين التي ضللتها هالات التعظيم والبيانات المزورة والعظمة الكاذبة , ذنبها في رقبة هيكل الذى صاغ عناصر هذا العهد , ودماء الآلاف من شهداء يونيو الذين ذهبوا هباء , وتركوا جثثهم للكلاب والذئاب في سيناء , واستخدمتهم إسرائيل في تجارة الأعضاء .. يقع وزرها على هيكل وإعلامه الذى خدع عقول هؤلاء الشباب ودفعهم لحتفهم ,
فأى ضمير يحتمل هذا كله ؟!
إن مثلنا الإسلامية العليا ـ التي غابت عن هيكل , علمتنا درسا بليغا ما أحوج الناس إليه الآن
فأحمد بن حنبل رضي الله عنه في محنة خلق القرآن التي اخترعها الخليفة العباسي المأمون , وأمر العلماء وأجبرهم على القول بها وقف خلالها أحمد بن حنبل رافضا الإشتراك فيها ولو قتلوه ,
وقام المأمون بسجن الإمام الجليل وعذبه وضربه بالسياط حتى تفتق لحمه وتناثر عن جسده ,
فلما أشفق عليه بعض سجانيه , قالوا له : أليس لك رخصة في إطاعة الخليفة وأنت مضطر غير باغ
فقال الإمام أحمد للسجان : العالم لا يأخذ بالتقية , ولو أخذ بها فمن يبين الحق من الباطل ,
ثم أمره الإمام أحمد أن ينظر من نافذة السجن ,
فنظر السجان فوجد آلافا مؤلفة من الجماهير تنتظر أن يطل عليهم الإمام ويفتيهم , وعندئذ قال بن حنبل :
أرأيت هؤلاء الذين ينتظرون العلم منى , أقتل نفسي خيرا لى من أضل هؤلاء كلهم ..
فهل رأى الأستاذ هيكل هذه المثل أو سمع بها يا ترى !

وليتأمل القارئ إلى أين وصلت القومية بأصحابها ,
ليدرك كل منصف عاقل كيف أن نكسة يونيو كانت لازمة حتمية الحدوث ,
ويدرك أن وقائع النكسة ويومياتها البائسة ـ التي سنشرحها ـ عبارة عن نتيجة طبيعية لا ينبغي أن تثير الإستغراب أو الدهشة ,
ما دام القائمون علي أمر المسلمين تركوا الإسلام وتشبثوا بغيره













التوقيع

محمد جاد الزغبي ـ
شاعر وباحث مصري
المدونة الفكرية الخاصة
 م.جاد الزغبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لماذا, مازلت, النكسة, يون

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أمير المؤمنين الداهية "هشام بن عبد الملك"رحمه الله أموية الهوى صانعو التاريخ 11 24-Dec-2011 03:07 AM
ملكات مصر القديمة - القعقاع بن عمرو التميمى - النسر النسر التاريخ القديم 19 21-Feb-2011 09:24 AM
البحرية الجزائرية حجزت 11 سفينة امريكية عام 1893 م محمد المبارك الكشكول 4 10-Feb-2011 10:19 PM
صقور الجنرال الأشقر..قصة الجيش التركى فى تسعين عاماً.. محمود عرفات التاريخ الحديث والمعاصر 0 14-May-2010 08:30 AM
كنود هولمبو.. شاهد وشهيد قضية نضال الشعب الليبي ضد الفاشية الايطالية 1/3 النسر التاريخ الحديث والمعاصر 6 26-Apr-2010 01:40 PM


الساعة الآن 08:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع