بمناسبة مرور (100) سنة على اكتشاف الدبلوماسي الألماني «ماكس فون أوبنهايم» لآثار موقع تل حلف في الجزيرة السورية، قرب بلدة رأس العين، استطاعت مجموعة من علماء الآثار والمتخصصين، وبعد جهود مضنية، استمرت عشر سنوات، إعادة ترميم وتجميع شظايا وقطع أثرية ضخمة دمرّتها الحرب العالمية الثانية، وكانت محفوظة في صناديق متحف برلين، ويبلغ عددها (27) ألف قطعة حجر من البازلت والفخار، أتت عليها نيران الحرب وحولتها أثراً منسياً، بفضل القبائل الفوسفورية التي ألقيت عليها.
لقد كانت النتائج مذهلة، فقد عادت الحياة إلى نحو (500) قطعة أثرية من تل حلف تضم نحو (60) تمثالاً ضخماً، ولوحات صخرية بارزة وأدوات وأشكال متنوعة غاية في الروعة، يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتشّكل فصلاً حضارياً رائعاً من تاريخ الآراميين العرب في شمال سورية، وكان هذا الكنز السوري الذي ظل منسّياً نحو (70) سنة محور اهتمام ورعاية كبيرة من قبل السلطات الأثرية العالمية، حيث جرى افتتاحه في 28 كانون الثاني 2011 في متحف برلين ويستمر حتى (14) آب 2011، على أن تصبح قطعه جزءاً من معروضات «بيرغامون» في جزيرة المتاحف الشهيرة في العاصمة الألمانية، التي تضم أيضاً بوابة عشتار البابلية الشهيرة، وأهم مراكز الجذب السياحي.
يعود الدور بنقل هذه الآثار السورية الضخمة من تل حلف إلى برلين إلى الدبلوماسي الألماني «ماكس فون أوبنهايم» الذي لم يكن عالماً أثرياً، لكنه بذل جهده وماله من أجل أسبار وحفريات أجراها في الموقع خلال الأعوام: (1911و1913و1927و1929)، ويقال إنه انتبه إلى وجود الآثار الضخمة، حينما ظهرت للعيان أثناء قيام الأهالي بحفر قبور لدفن موتاهم في المنطقة، وكان ذلك عام 1911، وقضى «فون اوبنهايم» بعد ذلك أربع سنوات في حفر القصر الآرامي الذي يعود عهده إلى سلالة الملك الآرامي «كابارا بن قاديانو» وعثر في أجزاء منه على تماثيل ضخمة لرموز وحيوانات مقدسة فريدة من نوعها، تم نقلها إلى برلين عن طريق سكة الحديد التي كانت تصل برلين ببغداد، في منطقة تقع شمال سورية عند الحدود مع تركيا، والمعروفة باسم «قطار الشرق السريع».
لقد مكنتنا أعمال الكشف الأثري في موقع «تل حلف» من التعّرف على فترتين رئيسيتين، من الاستيطان في الموقع، وتمتد الأولى من النصف الثاني من الألف السادس قبل الميلاد، حتى النصف الثاني من الألف الخامس قبل الميلاد (6500ق.م – 5500ق.م) وقد تعاصر الحلفيون في هذه الفترة مع السامرائيين، واستمروا في مطلع العصر الحجري النحاسي، وقاموا بتجديد أدواتهم في مجالات عديدة، وبخاصة استخدام المعادن، مما شكل سمات حضارية مميزة أطلق عليها «حضارة حلف» أو «الحضارة الحليفة» التي كانت أول حضارة ضخمة متجانسة امتدت من شمال شرق بلاد الرافدين حتى سواحل البحر المتوسط في الغرب، ومن الأناضول شمالاً حتى البقاع اللبناني جنوباً، وعاشت هذه الحضارة نحو ألف سنة،من خلال أعمال الكشف والتنقيب الأثري في موقع تل حلف، تمكّن علماء الآثار من تتبع ثلاث مراحل تطّورية للحلفيين، في هذه المرحلة، منذ ظهورهم وحتى احتفائهم.
_ مرحلة حلف الباكر: عاش الحلفيون في هذه المرحلة في بيوت بسيطة، مستطيلة الشكل، مبنية من الطين والقصب، ولكنهم بنوا نوعاً جديداً من البيوت الدائرية ذات الجدران الرقيقة والمداخل المستطيلة، والسقوف المقببة، وهي تشبه خلايا النحل أطلق عليها الاسم اليوناني«تولوس» لتشابهها مع أبنية من مناطق بحر إيجة العائدة للحضارة الميسينية، وإن طبيعة الآثار التي وجدت فيها وبخاصة القبور، بعثت على الاعتقاد بأنها لم تكن بيوت سكن، وإنما معابد مورست فيها الشعائر الدينية، وفي هذا العصر صنعت الأواني الفخارية باليد، وكانت نوعيتها متوسطة، وزخارفها محدودة، اقتصرت على الأشكال الهندسية، كالخطوط العامودية المتوازية، أو الخطوط المتمّوجة، والدوائر والطيور والأسماك والثعابين والحيوانات الأخرى، فضلاً عن بعض الأشكال الإنسانية، وقد لوّنت هذه الزخارف بالأحمر أو البني، وصقلت بدقة، ومن الأنواع المنتجة كانت الجرار والصحاف والأباريق والطاسات العميقة التي سميت بـ «كاسات الحليب»، كما حمل سكان تل حلف الأختام والقلائد وأدوات الزينة المصنوعة من الأحجار النادرة وكانت أدواتهم الحجرية مصنوعة من الصوان والبازلت وحجر الأوبسيديان المستورد، ومن خلال مكتشفات قبورهم تم التّعرف على عاداتهم الجنائزية، وقد استخدموا نوعين من الدفن:
- الدفن العادي: حيث وضع الميت على جنبه مثنيّ الركبتين، في حفرة، ترافقه أدوات الزينة والأواني الفخارية.
- النوع الثاني: دفنت فيه الجماجم فقط بعد فصلها عن الجسم، ووضعت في جرار كبيرة رافقتها أوانٍ فخارية أخرى في غاية الروعة من حيث نوعيتها وزخارفها النادرة.
- مرحلة حَلَف الأوسط، بدأت في مطلع الألف الخامس قبل الميلاد، وفي هذه المرحلة اتسع نطاق انتشار حضارة حلف حتى «شاغر بازار» وتل يونس في سورية، «دياريم تبه» في العراق، وسكنت الناس في البيوت المستطيلة الأكبر مساحة، وازدادت البيوت الدائرية المقببة «تولوس» وتراوح قطرها بين (9,3) أمتار، وحصلت في هذه المرحلة تطورات أخرى تمثّلت في الأواني الفخارية التي كانت تصنع باليد، ثم نشأت ورشات تصنيع كبيرة أنتجت آلاف القطع التي تنوعت أشكالها، وتحسنت مادة صنعها وأصبحت أنواعها وزخارفها أكثر غنى، وصنعت منها أنواع راقية كانت مادة للتجارة والتبادل مع خامات أخرى كالأوبسيديان.
لقد أصبح لدينا في هذه المرحلة معلومات أكثر عن الحياة الاقتصادية واستثمار البيئة، فقد عاش الحلفيون في مناطق زراعية مطرية على شكل تجمعّات قروية صغيرة تراوحت بين (6,5) قرى تفصل فيما بينها مسافات قليلة، وعدد سكان الواحدة منها يبلغ نحو 100 شخص، وزرعوا القمح والشعير والكتّان والقنب، ودجنوا الغنم والماعز والخنزير، واصطادوا الغزال والحمار الوحشي والثور البري، وصنعوا أدواتهم من الحجر الكلسي والصوان والأوبسيديان، وعن حياتهم الروحية نعرف أنهم دفنوا موتاهم في حفر عادية أو قبور مبنية، ووضعوا الجثث مثنية على جانبها، رأسها في أغلب الحالات متجه نحو الجنوب، ودفنوا الجماجم مستقلة، ومارسوا لأول مرة حرق الموتى، وصنعوا تماثيل «الربة الأم» على شكل امرأة تزينها عصابات حمراء، وأقنعة، أو جالسة بأوضاع مثيرة.
لقد بدأت هذه المرحلة في النصف الأول من الألف الخامس قبل الميلاد، ولم يلحظ تغير كبير في الحياة الاقتصادية خلال هذه المرحلة، مع بقاء الزراعة المصدر الأهم للعيش، لكن التغيّر الأساسي حصل في مجال صناعة الأواني الفخارية التي بلغت القمة في الدقة والجودة، فأصبحت رقيقة، أطلق على بعضها اسم «قشرة البيضة» وأصبحت متعددة الألوان والزخارف، استخدم فيها اللون الأبيض والأحمر والبني على خلفية وردية أو كريم، ورسمت عليها أشكال متنوعة، أهمها الوردة ذات الأربع أوراق، أو أكثر، أو ما يسمّى بـ «صليب مالطة» وأشكال نباتية وهندسية أخرى، وتراجعت رؤؤس الثيران التي انتشرت في المرحلة السابقة، ودخلت أنواع جديدة كالصحون الرقيقة والجرار والدور وبخاصة الصحاف وطاسات الحليب، وفي مجال العمارة اختفت الأشكال الدائرية «التولوس» وحلّت مكانها البيوت المستطيلة المبنية من الطين المدكوك، بعضها كان متميزاً وله وظائف دينية واضحة، ومن جهة أخرى استخدمت المعادن كالرصاص والنحاس في صنع أدوات الزينة والأدوات الخاصة الخفيفة، واستمرت تماثيل «الربة الأم» وصنعت التمائم والأختام المسطحة من الحجر والفخار وعليها زخارف هندسية متنوعة لقد سادت حضارة تل حلف مناطق واسعة، امتدت من شمالي بلاد الرافدين إلى سواحل البحر المتوسط الشرقية، ومن أشهر مواقعها، بالإضافة إلى تل حلف في سورية، تل كشكشوك وتل شاغر بازار في منطقة الجزيرة السورية، وتل أسود والصبي الأبيض في منطقة نهر البليخ، وتل الجديدة في سهل العمق، ورأس الشمرا (أوغاريت) على الساحل السوري، وقد اختفت هذه الحضارة في مرحلتها الأولى في الفترة الواقعة بين (4500 إلى4300 قبل الميلاد) حيث خلت عدة مستوطنات من سكانها، دون معرفة أسباب ذلك، هل كانت اعتداءات خارجية، أم اضطرابات داخلية؟..
لقد كان بوسع التجارة إلى جانب الزراعة وصناعة الأدوات الفخارية والمعدنية أن تكون عاملاً مهماً من عوامل ازدهار حضارة تل حلف، منذ عُثر على آنية حلفية في كثير من المواقع الأثرية في بلاد الشام وبلاد الرافدين والأناضول وإيران، وهذا يدل على الصلات الوثيقة التي كانت تربط تل حلف بهذه المناطق والبلدان، كما يدل على ازدهار التجارة وسرعة التنقل الذي كان يتم غالباً بواسطة العربات وغيرها، ويستند هذا الكلام على ما عثر عليه في تل حلف من أوعية رسمت عليها عربات تجرّها حيوانات الجر كالحمير والثيران، مما سهل عمليات التجارة ووسائل الاتصال وتبادل المعارف والأفكار والخبرات.
وفي حضارة تل حلف، ترسخت بشكل نهائي عبادة الخصب المميزة للمزارعين الأوائل، والمرتبطة بشخصية «الآلهة أو الربة الأم» وقد مثلت المرأة بأسلوب تجريدي رمزي، تمحورت نقاط ارتكازه حول مناطق الخصوبة الأنثوية، وترافق ذلك في المرحلة الثانية من حضارة تل حلف مع عبادة الثور الذي يعتبر تقديسه من البوادر الفكرية الأولى المهمة للمجتمعات الزراعية الأولى، والتي بقيت ملازمة لبلدان الشرق القديمة على مدى آلاف السنين.
مع انهيار حضارة تل حلف الأولى في الفترة الواقعة بين(4500 و4300 ق.م) والذي ربما يكون قد اقترن بانهيار شبكتها التجارية الواسعة، تابعت الحضارة العربية القديمة مسيرتها في مناطق أخرى في تل العُبيد، في جنوب بلاد الرافدين، ولم تعد الحضارة إلى موقع تل حلف إلا في بداية الألف الأول قبل الميلاد عندما أصبح هذا الموقع أحد أهم الممالك الآرامية في شمال سورية، وعرف في السجلات الآشورية باسم (جوزانا) وكانت مركز المنطقة المسّماة «بيت بحياني» وفي القرن الثامن قبل الميلاد، أصبحت «جوزانا» مقاطعة آشورية شهيرة.
تخبرنا المكتشفات والدراسات الأثرية إنه في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، وصلت عشيرة «بحياني» الآرامية إلى جوار ينابيع نهر الخابور، واستطاع شيخها أن يبني دولة جديدة على أنقاض دولة ميتاني، واتخذ من مدينة تل حلف، مدينة جديدة سمّاها «جوزانا» وجعلها عاصمة له، ودلت الآثار المكتشفة في تل حلف أن الملك الجديد وأسمه «كابارا بن قاديانو» قد بنى فوق التل قصوراً كبيرة، وأحاط مدينته بأسوار حصينة، أقامها على الأسس القديمة للمدينة، واستخدم حجارتها القديمة في عملية البناء الجديدة، وكان يوجد في المدينة حيّان: حيّ ملكي، وحي سكني شعبي، وكان الحي الملكي محاطاً بسور، أي أنه كان حصناً داخل مدينة محصّنة، ومن أشهر الأوابد المعمارية فيها القصر - المعبد الذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وقد بني حسب النموذج المعروف باسم «بيت عيلاني أو حيلاني» أي « البيت العالي» وكانت تزين واجهة هذا القصر - المعبد، تماثيل ضخمة لآلهة آرامية تنتصب على حيوانات (لبوة، ثور، سبع) وكانت الأرباب بتيجانها الضخمة تحمل سقف البناء، وكانت دعامتا المدخل تمثالين رشيقين لأبي الهول، وعلى واجهة المعبد ألواح حجرية مصورة تتألف من ست لوحات بازلتية، نقش عليها مشاهد مختلفة، موزعة ثلاثة على كل جانب بشكل متناظر.
مدخل القاعة الكبرى في القصر- المعبد، مزين بتمثال ضخم على كل جانب، وتزين أيضاً قواعد بعض الجدران لوحات حجرية مصورة يبلغ عددها نحو(200) لوحة، ويتصل قصر السكن الملكي بالمعبد عبر بوابة العقارب، ويضم المعبد مشاهد دينية، ومشاهد قرابين، ومدفناً ملكياً كان يحتوي العديد من الأواني والتحف الرائعة.
لقد بينت التنقيبات الأثرية أن تل حلف، (عاصمة الملك كبارا) كانت في الفترة الآرامية مستطيلة الشكل يحميها نهر الخابور من أطول جوانبها، أي من الشمال، أما الجهات الثلاث الأخرى، فتحميها أسوار وأبراج، واستمرت مزدهرة حصينة إلى أن سقطت في أيدي الآشوريين عام 894 ق.م.
لقد نقلت آثار تل حلف إلى برلين خلال حملات التنقيب التي جرت بين (1911و1913 و1927) من قبل «فون أوبنهايم» الذي عرضها في متحفه الخاص والذي أتت على قِطَعه النادرة نيران الحرب العالمية الثانية، وجمعت قطعه المكسّرة والمحروقة في صناديق خاصة، والآن بعد مرور أكثر من سبعين سنة، تعود هذه الآثار إلى واجهات العرض في متحف برلين، بما يشبه المعجزة لتحكي عظمة الإنجاز وروعة العطاء الحضاري السوري في فترة زمنية موغلة في القدم، وكانت النتائج مذهلة ليس على مستوى إعادة ترميم الآثار وطريقة تصنيفها وتجميعها ودراستها، فحسب، بل على مستوى تاريخ هذه القطع ومصدرها وريادتها في تاريخ حضارات المشرق العربي القديم والعالم أجمع.
المصادر:
1- تاريخ سورية القديم (3000 - 333 ق.م)، تأليف د. عيد مرعي، إصدار وزارة الثقافة – دمشق 2010م.
2- الإنسان، تجليات الأزمنة، تأليف: د. تغريد الهاشمي، حسن عقلا، دمشق 2001م.
3- ولادة الحواضر والعمران المنظم في منطقة الفرات السورية، في الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، تأليف: جان كلود مارغرون، ترجمة: محمد الدبيات دمشق 2004م.
4- تاريخ سورية السياسي (3000 - 300 ق.م) تأليف: هورست كينغل، دمشق 1988م.
5- الآراميون (تاريخاً - لغة - فناً) تأليف: د. علي أبو عساف، طرطوس 1988م.
6- ملصقات وإعلانات معرض تل حلف في برلين (الرموز - الآلهة).
7- آثار وأسرار، تأليف د. علي القيّم _ دمشق 1988م.
8- عصور ما قبل التاريخ، تأليف: د. سلطان محيسن، جامعة دمشق 2008م.
9- آثار الممالك القديمة في سورية، تأليف: د. علي أبو عساف، دمشق 1985م.
المصدر : الباحثون العدد45 آذار 2011