لقد بين لنا مالك بن نبي الدور الذي يلعبه الابطال في صناعة الملاحم والبطولات وركز علي الفكر ودوره في الاصلاحي في ايقاض الشعوب. لقد كان دورالشعوب الاسلامية امام الزحف الاستعماري خلال القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين دورا بطوليا فقط ، ومن طبيعة هذا الدور انه لا يلتفت الى حل المشاكل التي مهدت لتغلغل الاستعمار داخل البلاد .
ان مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ، ولا يمكن لأي شعب ان يفهم او يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته الى الاحداث الانسانية ، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات او تهدمها ..
ان التاريخ لا يلتفت الى الامم النائمة ، وانما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر ؛ تطربها إذ ترى في منامها ابطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم ، وتزعجها حينما تدخل صاغرة ضعيفة في سلطة جبار عنيد .
وهكذا حال الجزائر ؛ فبعد سبات عميق بزغ في الافق ( الامير عبد القادر ) ، ثم اختفى سريعا كأنه حلم طواه النوم ، وايضا بزوغ ( عبد الكريم الخطابي ) في المغرب ، الذي كانت القبائل العربية والبربرية تقاتل معه لا من اجل البقاء ، بل من اجل الخلود ، فكان لها الخلود ، ذلك لأن الاسلام كقوة روحية يعد حصنا منيعا للذين يتمسكون به من ان تحطمهم الايام او يذوبوا في بوتقة المستعمر.
هذا ، وان كان للابطال دور فإن للكلمة والفكرة دور أيضا ، فكلمة يطلقها انسان قد تكون من عوامل اثارة النفوس وتغيير الاوضاع ، وهكذا كانت كلمة ( جمال الدين الافغاني ) ، أحييت النفوس الميتة وزرعت البذور لفكرة بسيطة فكرة النهوض )
ومن آثار هذه الكلمة انها قد غيرت ما في نفوس الناس من تقاليد بالية ، وبعثت الحركة في كل مكان حتى وصلت الجزائر ، فكانت ساعة اليقظة مع كلمات ( عبد الحميد بن باديس ) .. فشاعت الافكار وانطلقت في صورة مدرسة او مسجد او حركة اصلاحية .. وكانت حركة الاصلاح التي قام بها المفكرون الجزائريون اقرب الى النفوس والقلوب ، إذ كان اساس منهاجهم قوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " فأصبحت هذه الاية شعار كل من يسلك الاصلاح في مدرسة ابن باديس ..
/من كتاب مالك بن نبي *شروط النهضة*/.