مدونة حمورابي
تاريخ المدونة ومكان صدورها وأسباب شهرتها
وضع هذه المدونة الملك "حمورابي" أشهر ملوك بابل حوالي عام ألفين قبل الميلاد. ويبدو أن هذه المدونة تتضمن تجميعا لتقاليد قانونية ترجع إلى عهد أقدم بكثير من العهد الذي وضعت فيه.
وقد اكتشفت هذه المدونة عام ١٩٠٢ في حفائر مدينة "سوسة"، عاصمة عيلام، على يد بعثة أثرية برئاسة عالم الأثريات "جاك دي مورجان" Jacques De Morgan. وقد وجدت منقوشة على حجر أسود اللون يبلغ ارتفاعه مترين وربع متر وتبلغ قاعدته مترين تقريبا. وفي أعلى الحجر نقش بصور الملك حمورابي وهو يتلقى هذا القانون من آلهة الشمس .
وما يزال هذا الحجر موجودا بمتحف اللوفر في باريس، فرنسا . وقد عثر حديثا على نسخة أخرى من هذه المدونة صدرت في تاريخ لاحق وفي عهد الملك حمورابي أيضا، وهي صادرة بعد النسخة الأولى بحوالي خمس سنوات. ووجود هذه النسخة الثانية يدل على أن الملك حمورابي قد أصدر أكثر من نسخة لنشرها في بلاد ما بين النهرين.
ومن الجدير ذكره، أن مدونة حمورابي ليست أول مدونة صدرت في بلاد ما بين النهرين. وإنما صدرت قبلها عدة مدونات أخرى. كل ما في الأمر أن مدونة حمورابي ظلت أهمها وأشهرها جميعا. بل هي تعد أشهر مدونات العالم كله.
وترجع شهرة هذه المدونة إلى كونها أهم مرجع قانوني في بلاد ما بين النهرين وما يجاورها ليس فقط في عهد الملك حمورابي بل في العصور التالية أيضا.
وهذا لا يعني أن قانون حمورابي لم يتطور. فالمدونات القانونية التي ظهرت تكشف هذا التطور. ولكنه كان تطورا جزئيا لم يؤثر في جوهر الأحكام التي استقرت منذ عهد حمورابي.
ظروف وضعها
إن الفهم الصحيح لظروف وضع مدونة حمورابي يقتضي التعرض للظروف السياسية التي كانت سائدة في ذلك العصر. فقد كان النظام السياسي السائد في بلاد ما بين النهرين يقوم على وجود عدة دويلات على رأس كل منها أمير أو ملك. وقد حدث كثيرا أن ساءت العلاقات بين هذه الدويلات مما سبب حروبا متعددة بينها.
وقد كان اختلاف الأجناس التي يتكون منها السكان أهم عائق يقف في وجه محاولات توحيد هذه الدويلات على يد بعض الملوك. فإلى جانب السومريين يوجد الساميون فضلا عن القبائل.
وبمرور الزمن بدأت عناصر السكان تذوب في الجنس السامي خاصة بعد أن سيطرت بابل على جميع دويلات ما بين النهرين. وقد بلغت هذه الحركة ذروتها في عهد الملك حمورابي. حيث ظهرت حكومة مركزية قوية قضت على حكومات الإمارات والدويلات وأصبحت اللغة الأكادية هي اللغة الرسمية الوحيدة وتحولت اللغة السومرية إلى لغة ميتة. كما ظهرت ديانة عامة واحدة هي ديانة بابل لتحل محل آلهة الدويلات.
وقد كان من الطبيعي أن يستكمل حمورابي الوحدة السياسية بوحدة قانونية بين كل أجزاء بلاد ما بين النهرين فأصدر مدونته المشهورة باللغة الأكادية كونها اللغة الرسمية.
ولم يكتف حمورابي بتجميع التقاليد العرفية التي كانت سائدة قبل عهده، وإنما قام أيضا بدور المصلح الاجتماعي بجانب دوره كمشروع .
ولهذا فهو قد تصدى لوضع حلول جديدة تتفق مع التطور الاجتماعي والاقتصادي في عصره. ومن جهة أخرى فقد قام بتعميم بعض القواعد العرفية مفضلا فيما يبدو التقاليد السامية.
على أنه كان يضطر أحيانا لوضع حكمين مختلفين للمسألة الواحدة، احدهما من أصل سامي والآخر من أصل سومري مراعاة لمشاعر السومريين خاصة في مسائل الزواج.
ويشير بعض الشراح إلى أن هذا الازدواج التشريعي في الحلول لا يعني تطبيق مبدأ شخصية القوانين، بل يعني أن للأفراد الخيار بين احدهما حسب مشيئتهم.
وأخيرا فقد تعمد حمورابي أن يضع في مدونته أحكاما صريحة في خصوص بعض المسائل التي كان العرف غامضا بشأنها أو كانت أحكامها محل خلاف المفسرين.
وبذلك تمكن حمورابي في النهاية من أن يحقق الوحدة القانونية أسوة بتحقيقه للوحدة السياسية
مضمون المدونة وأهم أحكامها
قسم الأب "شيل" المدونة بعد ترجمتها إلى ٢٨٢ مادة تسبقها ديباجة وتليها خاتمة. وقد استهلت المدونة بكلام إله الشمس الذي أملى على حمورابي مدونته حيث يقول "أنا حمورابي ملك القانون، وإياي وهبني إله الشمس القوانين".
وقد وضعت المدونة في أسلوب أقرب إلى القوانين ومختلفة تماما عن المدونات السابقة والتي كانت تكتب بأسلوب نثري قريب إلى الشعر منه إلى القوانين، وإن اتسمت صياغة المدونة بالإيجاز الشديد.
مع ذلك نقترح التقسيم على النحو الآتي للمدونة، حيث تُقسّم إلى ١٠ أقسام .
١ - جرائم ضد الإدارة القضائية (م ٥–١): الاتهام الكاذب، الشهادة الزور، تغيير القاضي لحكم أصدره.
٢ - جرائم ضد الملكية (م ٢٥–٦): السرقة، إخفاء الأموال المسروقة، سرقة (خطف) رجل من الأحرار، إيواء عبد هارب، السرقة مع الكسر والإضرار، سرقة دار مشتعلة.
٣ - أحكام الأراضي والبيوت (م ٦٥–٢٦): التزام الأراضي، واجبات المزارع، ديوان الزراعة، جرائم متعلقة بالري، الرعي في أرض الغير، قطع أشجار الغير، عقد الزراعة.
٤ - أحكام التجارة (م ١٢٦–٨٨): القرض بالفائدة، الوكالة التجارية، إدارة الحانات، مسؤولية ناقل البضائع، احتجاز الأشخاص والأشياء مقابل الدين، الجرائم المتعلقة بالبيوت.
٥ - أحكام الزواج وأموال الأسرة (م ٩٤–١٢٧ ): جريمة القذف والتشهير، جريمة الزنا، أحكام الزواج والطلاق، اتخاذ خليلة الرقيق، الإبقاء على الزوجة المريضة، هدايا الزواج، مسؤولية الزوج عن الديون، قتل الزوج، الاتصال الجنسي بالمحارم، الوعد بالزواج، مصير هدايا الزواج بعد وفاة الزوجة، هبة الأب إلى ولده في حالة ميراث الأبناء، الحرمان من الإرث، الإقرار بالبنوة والتبني، أموال الأرملة وزواجها، نساء العبيد، التبني والرضاع.
٦ - الجرائم ضد الأشخاص (م ٢١٤–١٩٥): ضرب الأب، إيذاء الآخر والغريب، الإجهاض.
٧ - أحكام ذوي المهن (٢٤٠–٢١٥): الجرّاح، البيطري، الوشّام، البنّاء، بناء السفن، الملاح.
٨ - أحكام الزراعة والري (م ٢٧٣–٢٤١): الثيران المستخدمة في الزراعة، الوكيل على الزراعة، أجر العامل الزراعي، أجر راعي الماشية، عقد المزارعة، التزامات الرعاة، أجرة الحيوانات والعبيد، أجور العمال الموسميين.
٩ - أحكام أجور العمل وبدل الإيجار (م ٢٧٧–٢٧٤): أجور الملاحين، إيجار القوارب.
١٠- أحكام الرقيق (م ٢٨٢–٢٧٨): التزام البائع بضمان سلامة المبيع، وضمان منازعة الغير في ملكيته، شراء العبد من بلد آخر.
مميزاته
أهم ما يمتاز به هذا القانون ما يأتي:
١ - ديني حيث أوحى به الإله "شمش" إله الشمس إلى حمورابي حيث نلاحظ التمجيد في مقدمة المدونة وكذلك في الخاتمة "القاضي الأعظم للسماء...". ومع ذلك فإن نصوص القانون لم تحفل بالآلهة – رغم تمجيدها كما ذكرنا في مقدمة طويلة – فجاءت بقواعد "علمانية" بعيدة عن الصيغة الدينية. ولذلك يختلف قانون حمورابي من هذه الناحية عن القوانين الدينية مثل القانون اليهودي والقانون الهندي.
٢ - من الصعب اعتبار مدونة حمورابي " تقنينا " Code يتضمن قواعد عامة مجردة كما هو الشأن في التقنينات الحالية، وإنما تناول مسائل محددة للغاية لدرجة يتعذر كما هو استنباط حل المسائل الأخرى القريبة منها، مثال ذلك أنه يتحدث عن عقوبة خطف ابن رجل حر وهي الموت (المادة ١٤)، ولكنه لا يبين ما هو الحل بالنسبة لخطف عبد. كذلك يبين القانون جرائم استعمال قنوات الري (مادة ٥٦–٥٣) ولكنه لا يعالج سرقة المياه.
إذن، هذا ما دعا البعض للقول بأن عبارة "دينات ميشاريم" Dinat Misharim التي أطلقها حمورابي على مدونته – ومعناها الحرفي هو "أحكام القانون" – لا يعني التقنين بمعناه الدقيق، كما أن كلمة Dinatum التي تترجم بما معناه "التشريع" تعني "حكم القضاء" Judgment ولا تعني القوانين العامة .
٣ - إذا طرحنا جانبا بعض العقوبات الجنائية التي كانت متسمة بالقسوة، فإنه يمكن القول أن أحكام هذا القانون كانت تتجه في جملتها تحقيق العدالة بين الناس، وكانت تفوق في عدالتها قانون الألواح الاثنا عشر رغم أنها كانت سابقة عليه بحوالي اثني عشر قرنا. كذلك يعتبر قانون حمورابي أكثر رقيا وتمدينا من القوانين الآشورية التي وضعت بعده بعدة قرون. نستطيع أن نقول بأن قانون حمورابي لا يقل رقيا عن شريعة أية دولة أوروبية حديثة. فهو يحمي الضعيف من القوي، فحدد أجور كثير من العمال، كذلك يستفاد من نصوص القانون أن بعض السلع كانت مسعرة في عهد حمورابي .
٤ - أخذ قانون حمورابي بمبدأ المحنة Ordalie فنصت المادة الثانية على أنه "إذا أتهم رجل آخر بالسحر ولم يستطع إقامة الدليل اختبر بامتحان النهر فيرمي نفسه فيه فإن غلبه النهر على أمره ليستولي خصمه على ضيعته، وإن أظهر النهر أنه بريء وخرج سالما فإن المدعي يقتل ويأخذ المدعى عليه ضيعته". أما المادة الأولى فإنها تقرر في سذاجة: "إذا اتهم رجل آخر بجريمة قتل لم يستطع إقامة الدليل عليها قتل". أما المادة الثالثة فتقول: "إذا شهد شاهد بشهادة زور في قضية ولم يستطع إثبات قوله وكانت القضية تتصل بالحياة قتل .
٥ - تتضمن مدونة حمورابي بعض القوانين التي بلغت درجة من التقدم قلما تتوافر في كثير من التشريعات الحديثة. مثال على ذلك المادة ٢٣ التي تقول: "إذا لم يضبط السارق فإن صاحب المتاع المسروق يقدم تفاصيل المسروقات في حضرة الإله، وعندئذ تعوضه المدينة وحاكمها التي وقعت السرقة في ناحيتها عن متاعه المسروق". وإذا أدت السرقة إلى خسارة في الأرواح دفعت المدينة وحاكمها إلى ورثة القتيل "مينا" من الفضة كتعويض (المادة ٢٤). هل ثمة في هذه الأيام مدينة أو دولة بلغ صلاح الحكم فيها درجة تجرؤ معها على أن تعرض على من تقع عليه جريمة بسبب إهمالها مثل التعويض؟!
بقلم: بقلم أنور أبو بندورة
المصادر
شرائع حمورابي، الأب شيل، ١٩٤٣
هورست كلينكل، حمورابي البابلي وعصره، ١٩٩٠
محمود السقا، النظام الاجتماعي في بلاد بابل، القاهرة، ١٩٨٨
صوفي أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، القاهرة، ١٩٩٤
عمر ممدوح، في شرح شرائع حمورابي، القاهرة، ٤١٩٨
عمر ممدوح، أصول تاريخ القانون، القاهرة، ٣١٩٨
ول ديورانت، تاريخ القانون، ج ٢ من المجلد الأول، لندن، ١٩٩١
محمد بدر ، المعاني القانونية في قانون حمورابي ، القاهرة ، ١٩٨٨.
Avraham Metargem Levanon,Ancient Peoples and Law, 1992.
Michel SERRES, Code d’Hamourabi, 1982 Jean Michel Fournier, l’Histoire Sociale et Juridqie des Arabes 1996
منـــــــــــقول