في بداية الشهر الماضي, أعلنت الحكومة التركية حربًا باردة على إسرائيل؛ فطردت السفير الإسرائيلي، وعلقت علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، كما أوقفت الاتفاق العسكري الثنائي، ومن ثم كانت لهذه الأزمة تداعيات وعواقب وخيمة على استقرار منطقة شرق المتوسط وعلى إدارة أوباما، وذلك بعدما قالت حكومة أردوغان صراحة ما كانت تلمح إليه منذ عامين: ينبغي على واشنطن أن تُخايِر بين حليفين: أنقرة وتل أبيب. لا ريب أن بلاد الأناضول أصبحت تحتل مكانة غير مسبوقة عقب أحداث الربيع العربي، وبخاصة في سوريا، وبعد عزم القوات الأمريكية الانسحاب من العراق. وفي الواقع لم يكن من قبيل الصدفة أن يتزامن اليوم الذي أعلنت فيه تركيا سياستها الجديدة مع إسرائيل مع البدء في تركيب رادارات نظام الدفاع الصاروخي, والذي طالبت به واشنطن منذ فترة طويلة. ولم تكن الأزمة التي انفجرت بين إسرائيل وتركيا وليدة الصدفة, بل هي تستعر منذ عام مضى, إثر مقتل تسعة أتراك على أيدي القوات الإسرائيلية أثناء مهاجمتهم لـ"أسطول الحرية" التركي الذي كان يهدف لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة، مما أشعل وقتئذ فتيل الأزمة, إلا أن المأزق الحالي ربما يختتم عملية طويلة من التدهور والانهيار في العلاقات بين البلدين، مما يجعل منهما خصمين بعدما كانت علاقتهما رائدة واستراتيجية. جدير بالذكر أن جذور هذه الأزمة بدأت في أواخر عام 2008, حينما عبرت حكومة أردوغان عن استيائها من العدوان الإسرائيلي على غزة, مما سبب انهيار المفاوضات السورية الإسرائيلية التي أحرزت تقدمًا كبيرًا برعاية تركيا، وبعد ذلك, انتقد أردوغان الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز علانية في اجتماعات دافوس السنوية في سويسرا, مما زاد من رصيد أردوغان في قلوب الكثير من العرب وجعل منه بطلاً في تركيا، ومن ثم ضاعف من لهجته الشديدة في خطابه ضد إسرائيل، فأصبح القائد الأكثر شعبية في العالم العربي. بيد أن الأزمة أخذت تشتد بعد وقوع حادثة أسطول "مرمرة"، حيث قام الإسرائيليون بإرسال قواتهم التي اعتدت على السفينة بعد الهبوط على متنها ثم أطلقوا النيران على النشطاء المدنيين الموجودين عليها. الأهم من ذلك، أن الإسرائيليين لم يعترفوا بأنهم أخطئوا؛ بل عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى الترويج لرواية هي أن جنودهم كانوا يدافعون عن أنفسهم، كما لم يتم معاقبة المسئولين عما حصل، بل ظلوا في مناصبهم ولم يصبهم مكروه برغم أنهم ارتكبوا جرمًا فادحًا. أما تركيا فلم تتنازل عن أن تقدم الحكومة الإسرائيلية الاعتذار عما حدث، وقد بدا واضحًا أن إسرائيل فقدت الرأي العام، إلا أن حكومة نتنياهو رفضت تقديم الاعتذار بزعم أنها لم ترتكب أي خطأ، مما يعني أن السياسة المحلية المتبعة في البلدين تمنع ظهور أي حلول وسط، برغم الجهود الدبلوماسية الدولية الكبيرة التي بذلت من وراء الكواليس، ومن بينها عقد مناقشات مباشرة للتوصل إلى حل لهذا المأزق, بينما شكلت الأمم المتحدة لجنة بالمر لابتكار وسيلة تحفظ ماء الوجه للبلدين تمهيدًا لرأب صدع الخلافات بينهما. من جانب الكيان الإسرائيلي, حاول وزير الخارجية المتشدد أفيجدور ليبرمان في كل جولة الحيلولة دون التوصل لنتائج إيجابية في المفاوضات، كما لم يتهاون الأتراك في حقوقهم أثناء المفاوضات، مما صعب الأمر على إسرائيل لتقديم الاعتذار، وحسبما فهمت، كاد الفريقان أن يتوصلا إلى اتفاق في ديسمبر 2010، يشمل اعتذار إسرائيل وتقديم التعويضات، إلا أن إسرائيل أرادت أن يذكر الاتفاق أيضًا أنها تصرفت من باب الدفاع عن النفس، وهذا ما لم يوافق الأتراك عليه, ومن ثم لم يكتمل الاتفاق. ومن الواضح أن الدولة الصهيونية سوف تتحمل هذه الصفقة التي باءت بالفشل, حيث غيرت تركيا استراتيجياتها بشكل ملحوظ خلال هذه العام، بعد احتلالها مكانة هامة وموقعًا بارزًا في القيادة في الشرق الأوسط، ومن ثم تجاوز الأتراك مطلب الاعتذار واشترطوا رفع الحظر عن غزة لعودة الوضع إلى سابق عهده بين البلدين، برغم علمهم بصعوبة هذا الطلب على إسرائيل وأنها لن ترضخ له بسهولة. ليس ثمة شك في أن هذا الوضع سيعود على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بمكاسب في الداخل والخارج على حد سواء، حيث ستساعده هذه الأزمة على تبديل الوضع السائد، بينما يسعى للقيام بتعديل شامل وملح للدستور التركي، بغية تحقيق كثير من المآرب السياسية التي يريد أردوغان الظفر بها، بتلبية مطالب الأكراد، برغم أن خطوة تعديل الدستور التركي بالغة الصعوبة بالتأكيد، حيث إن الإصلاحات التي يسعى أردوغان لإدخالها قد تتعارض مع 90 عامًا من تاريخ الجمهورية التركية، إلا أن هذه الأزمة الإسرائيلية المعضلة قد تبدو ملائمة لتفعيلها واستغلالها في الحال لتحقيق هذه الغاية. ومن نافلة القول أن إسرائيل طالما كانت وما زالت -لاعتبارات تاريخية وعاطفية وواقعية سياسية- أحد حلفاء واشنطن المقربين, لكن يبدو أن تفاقم هذه الأزمة قد يوقع بين الإدارة الأمريكية والكونجرس، وهذه إحدى النتائج التي سيكتسبها الأتراك، لذا ينبغي على نتنياهو وحكومته الإجابة على تساؤلات كثيرة بشأن فقدانها القيادة وانشغالها بداخلها، وعندما نتأمل هذه المسألة، نرى إخفاق دبلوماسية الولايات المتحدة، والتي قد تصبح مجبرة على لعب دور الحاجز بين حليفيها المقربين. المصدر بالإنجليزية
في أقل من ثلاثين ثانية، وباستخدام مسدس 9 ملي مزود بكاتم صوت, استطاع رجل واحد إطلاق 11 رصاصة على ثلاثة شيشانين أرْداهم قتلى في وضح النهار بأحد شوارع اسطنبول المزدحمة، ليرتفع بذلك عدد الشيشانين الذين اغتيلوا في تركيا خلال السنوات الأربعة الأخيرة إلى ما لا يقل عن ستة.
في منتصف الشهر الماضي, شهدت مدينة اسطنبول التركيّة عملية اغتيال لثلاثة شيشانين, عندما فتح مجهولون النار من سيارة على بيرخاز موساييف (33 عامًا) وأحد أهم قادة المقاومة الشيشانيّة, وحارساه الشخصيين رستم التميرول وسافر بك أميريف, ولهم صلات قويّة بدوكو عمروف, القائد الشيشاني الذي يُعتقد أنّه وراء عدد من الهجمات ضد روسيا، وبينها تفجير مطار موسكو في يناير، والهجوم الذي استهدف مترو الأنفاق في مارس 2010.
وبعد إجراء الشرطة التركيّة بعض التحقيقات المبدئية, تبيّن احتمال تورط ثمانية وكلاء للحكومة الروسيّة دخلوا إلى تركيا، واحدًا تلو الآخر، لتنفيذ عملية الاغتيال, وهذا ما أشارت إليه جريدة "ذي اندبندنت" البريطانيّة، حيث تحدثت عن وجود تقارير تؤكد إرسال فريق من عملاء المخابرات الروسية لتعقب معارضي الكرملين في البلدان الأخرى وعلى رأسها تركيا.
أما السلطات التركيّة فتشتبه في تورط الحكومة الروسية في اغتيال الشيشانين, بالإضافة إلى توجيه أصابع الاتهام إلى القوات الروسيّة الخاصة في حوادث قتل سابقة، بيْدَ أن القتلة كانوا محترفين للغاية فلم لم يتركوا أي آثار خلفهم ـ سابقًا ـ, لكنهم هذه المرة خلّفوا بعض القرائن التي تُظهر أن الخطة تم تدبيرها بعناية داخل روسيا، ونفذها عدد من وكلائها.
وحسب الإعلام التركي فإنّ المدعو ألكسندر زاكروف, 55 عامًا, عميل للمخابرات الروسيَّة, هو أحد المشتبه بهم الرئيسيين في تنفيذ عملية الاغتيال تلك, حيث قامت القوات الخاصة التركيَّة بمداهمة غرفته في الفندق بعد ثلاثة أيام من عملية الاغتيال, لكنه فرَّ هاربًا قبلها بدقائق معدودة, وقد عثرت في الغرفة على سلاح ومناظير للرؤية الليلية وجواز سفر, يُفيد بأنّه دخل إلى تركيا سائحًا في الشهر الماضي, وأنّه كان في اسطنبول أيضًا في فبراير 2009 عندما قُتل شيشاني آخر بالرصاص.
من جانبها قالت صحيفة "ديلي تلجراف" البريطانيَّة: إنّ روسيا أنشأت "كتيبة الموت" لاغتيال "أعداء الكرملين" بالخارج, مضيفةً أنّ روسيا شكّلت في عام 2004 وحدة أمنية خاصة لملاحقة المقاومين والمعارضين للكرملين في أوروبا، وإجبارهم على العودة إلى روسيا أو اغتيالهم في حالات محددة، وفقًا لأوامر القيادة.
كما أشارت الصحيفة البريطانية إلى إمكانية ضلوع هذه الوحدة في عدة عمليات اغتيال, ومنها تسميم العميل السابق للمخابرات الروسيّة الكسندر ليتفينينكو في لندن، واغتيال الشيشاني سليم يامادايف، القائد السابق لكتيبة "فوستوك" في دبي، واغتيال قائد سابق للمقاومين الشيشان في قطر، وتم اغتيال الثلاثة بزعم تورطهم في تدبير تفجير مطار "دوموديدوفو" في موسكو.
وتأكيدا لهذه التكهنات, قال أندريه سولداتوف, أحد خبراء التحليل الأمني في روسيا: "إنّه من المرجح للغاية أن تكون روسيا وراء عملية الاغتيال تلك, لأنّها تُعيد للأذهان عملية اغتيال سليم خان ياندربييف, في قطر, وقد استطاعت السلطات القطريّة القبض على اثنين من عملاء المخابرات الروسيَّة لتورطهم في عملية القتل".
وأضاف سولداتوف: "تاريخيًا, تستخدم الدول مثل هذا النوع من عمليات الاغتيال للقضاء على المعارضين لها, ليس هذا فحسب، بل ولتغيير موقف الدول التي تجري فيها عمليات الاغتيال", مضيفًا: "كما يُظهِر التاريخ أن هذه العمليات, قد تجعل تلك البلدان أكثر استعدادًا لتلبية المطالب".
وأضافت "ديلي تلجراف": قد تكون روسيا استخدمت عمليات الاغتيال للضغط على الأتراك وإجبارهم على الاستجابة لمطالبها، وتسليم ما لديهم من قيادات المقاومة الشيشانية، ولا سيما مع وجود أكثر من 2000 شيشاني يقيمون في اسطنبول، بينهم 100 دخلوا إليها العام الماضي وحده، وشارك عدد كبير منهم في القتال مع إمارة القوقاز ضد الاحتلال الروسي، وبخاصة لاعتقاد روسيا بأنَّ التمويل المالي للإمارة يأتي من تركيا.
كما نقلت صحيفة "ديلي تلجراف" عن جريدة "ازفيستيا" الروسيّة، استشهادها بما قاله مصدر أمني روسي, حيث يقول ماكسيم شيفتشينكو، خبير شيشاني في الهيئة الاستشارية للكرملين: إنّه لا يرى أي مشكلة في تصفية هؤلاء المقاومين للكرملين, مضيفًا: "إذا ثبت تورطهم حقًا في تفجير مطار موسكو؛ فإنّ ما حدث طبيعي في الحرب, وبعد كل شيء، إنّ هؤلاء أعلنوا الحرب على روسيا، ولذلك فمن المنطقي أن ترد وحداتنا الخاصة بهذه العمليات".
من جانبها, أكّدت السيدة شهادة, أرملة موساييف, الذي اغتيل في العملية الأخيرة, اضطلاع المخابرات الروسية في اغتيال زوجها, حيث قالت: "إنَّ المخابرات الروسيّة، والتي طالما قتلت بعض قادة الشيشان بوحشية في تركيا، أضافت فصلاً آخر للمجازر بهذا الاغتيال الذي نُفذ في وسط اسطنبول".
وحسب صحيفة راديكال اليوميَّة التركيَّة فإنّ الشيشانين في تركيا يخشون الحديث عن هذه الاغتيالات، حتى لا يكونوا هدفًا للاغتيالات القادمة, مشيرةً إلى أنّ عددهم يبلغ حوالي 200 شيشاني يعيشون في مخيمات للاجئين، وأكواخ من الطين في حي فنربخشه في اسطنبول.
جديرٌ بالذكر أنّ الكثير من الشيشانيين نزحوا إلى تركيا بعد احتلال روسيا لجمهوريات القوقاز الإسلاميّة، وهي الشيشان وأنجوشيا وداغستان منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991, وشنّها حربًا ضد المقاومة الإسلاميّة في القوقاز ما بين 1994 و1996, كما شنّت حربًا ضروسًا أخرى على الشيشان عام 1999, مما دفع المقاومة إلى شنِّ هجمات ضد الاحتلال؛ امتدت فيما بعد إلى مناطق أخرى في القوقاز, ووصلت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى قلب موسكو.يّة.. تعيث في تركيا اغتيالاً
أمضيْت أيامًا في العاصمة التركيّة "اسطنبول".. استمعت خلالها من كبار المثقفين الأتراك، عن دور رجال الأعمال الإسلاميّين في النهوض بالمجتمع التركي، وإعداد جيل من الشباب والكوادر والنخب، التي باتت تتبوّأ مواقع صوغ الرأي العام وصناعة القرارات السياسيّة في البلاد.. من خلال الاستثمار في "الإعلام" وفي "التربية". رجل أعمال واحد وهو من محبّي فتح الله كولن، الذي يعتبر الأب الروحي للنّقلة التاريخيّة الكبيرة في التصوّف التركي وتحوّله من الصوفيّة التقليديّة "صوفيّة الزاوايا"، إلى "الصوفيّة المجتمعيّة".. استطاع أن يبني العشرات من المدارس الخاصّة والحديثة، على أرقى وأحدث أساليب التعليم في العالم، وعلى نحو شجّع العائلات التركيّة على التخلّي عن تحفّظها حيال تلك المدارس التي كانت تراها "ضدّ" التعليم الديني وزاوايا وكتاتيب الفرق الصوفيّة.. لتلحق بها أبناءها.. بعضها ـ مثل مدرسة الـ (9) فلل أو قصور ـ الموجودة في منطقة "تل العرائس" بالقسم الآسيوي من اسطنبول، تُعدّ الآن واحدة من أفضل المدارس على مستوى تركيا، والتي باتت حلمًا يتوق إليه كل أب يرغب في أن يجعل من أبنائه قيمة حضاريّة مضافة لمشروع النهضة التركيّة الجديد. المدارس رأيتها بنفسي، وهي تحفة جماليّة خلاّقة، واطّلعت على نظام التعليم فيها، وهي بالمناسبة، كانت عبارة عن (9) قصور، بناها رجل أعمال تركي له ولبناته وأولاده، غير أنه أهداها لإحدى المدارس التي أغلقت ولم تجد مقرًا لها لفقرها الشديد.. ولم يحصل منها على مليم واحد!! ثمنها اليوم نحو (150) مليون دولار أمريكي.. أهداها الرجل للأتراك احتسابًا لله تعالى بناءً على نصيحة من فتح الله كولن.. وعندما سألت عن "مصاريف" الدراسة بها، قالوا إنها (12) ألف دولار سنويًا للطالب الواحد. وعلمت بعد ذلك أن رجل الأعمال التركي، الذي ساهم بأمواله في نهضة الجانب التربوي في تركيا.. هاجر إلى جنوب إفريقية، ليقيم فيها أيضًا المدارس الكبيرة والحديثة، وهو الآن بصدد إنشاء مدرسة تركية في تلك المنطقة الإفريقية على مساحة (130) ألف متر. لتركيا ـ اليوم ـ مدارس وجامعات عملاقة، في أكثر من (160) دولة.. واللافت أن مؤسسة علميّة واحدة في تركيا، لها (20) مدرسة في رومانيا لتعليم أولاد النخبة غير التركيّة، و(15) مدرسة في نيجيريا، و(4) في اثيوبيا، (10) في جنوب إفريقية، و(22) مدرسة في العراق.. وذلك على سبيل المثال لا الحصر.. ولتركيا اليوم، مدارس راقية في مصر، وتقدم تعليمًا حديثًا على أكثرالمناهج العلميّة تطوّرًا. واليوم.. يتّجه رجال الأعمال الأتراك لتعمير مصر.. وليساهموا في بناء مليون وحدة سكنيّة للمصريّين .. إنها تركيا الناهضة والتي بدأت تعود كأمة كبيرة.. ليس بالتوسّع العدواني، ولكن بالعطاء الحضاري والإنساني العابر للحدود عبر أجنحة إسلاميّة لا تخطئها عيون المراقبين.
لن نختلف حول أن أحد أهم ركائز الاستعمار الحديث هو الاستعمار الثقافي. ويمر هذا النوع من الاستعمار عبر بوابات مختلفة لكنها تنتهي وتلتقي كلها عند هدف مشترك هو تحطيم المنظومة القيمية للشعوب المستهدفة وإحلال منظومة جديدة تُصَّور على أنها المنقذ من النمط الرجعي والمتخلف أحياناً أو كبديل عن القيود المصطنعة على الحريات أحياناً أخرى، وأنها في النهاية ترمي إلى تحرير الإنسان مما يعتور حياته من جمود أو ارتباط غير مبرر بالماضي..
ومن هذا المنطلق حاولت أمريكا على وجه التحديد، وغيرها من الدول الداعمة والمساندة، تسويق ما سمي بثقافة "الهمبورغر والجينز" في العالم، ونجحت في هذا الجانب نجاحاً كبيراً ربما وجد صداه الأكبر في سقوط الاتحاد السوفييتي دون حرب، رغم أن عوامل سقوط ذلك النظام كانت في معظمها ذاتية وتنبع من إشكالية أيديولوجية قبل كونها عوامل خارجية.
وإذا أردنا أن ننظر إلى مدى نجاح تلك السياسة في وطننا العربي، فلا بد لنا أن نعترف أن هذا الغزو الثقافي قد دخل إلى كل بيوتنا عبر أخطر بوابات العصر- التلفزيون! وكانت مطيته قنوات تلفزيونية معروفة سَوّقت ضمن ما سَوقت له ثقافة التعري والانحطاط وغير ذلك مما يترافق مع مثل هكذا فعّاليات. كما يجب أن نعترف أيضاً بأن هذا النجاح الهائل للغزو الثقافي الغربي عموماً، والأمريكي على وجه الخصوص، وفي الوقت الذي وجد أرضاً خصبة ونفوساً عطشى للجرعات الإباحية هذه، قد حفّز في السواد الأعظم من الجماهير مشاعر كاد يقضي عليها طول السبات، وهي المشاعر القومية والإسلامية التي تسير في الاتجاه المعاكس وتعمل بالضد من سياسة "الانفتاح" تلك، ليس طوعاً وإنما بحكم التعارض الشديد بين توجهات التيارين المتقابلين! وقد كان إنذاراً ببدء صفحة جديدة من الصراع، فقد أصبح من الحيوي أن تنظر الدوائر الاستعمارية إلى المشاعر القومية والإسلامية بعين الريبة والحذر، وهي في أحسن الأحوال مشاعر غير مرغوبة لا بد من احتوائها أو تدجينها أو حتى القضاء عليها...
ووفقاً للتسلسل المذكور أعلاه كان مسار الأمور. وبدأ العقل الغربي الاستعماري في اختراع الأنماط التي سيتعامل بها مع التيارات القومية والإسلامية المسيسة وغير المسيسة كي يحتويها أو يدجّنها أو يئدها في مهدها وفقاً لمبدأ التعامل مع كل حالة على حدة، فإن كان احتواء تلك المشاعرممكناً في مصر مثلاً، فقد كان التدجين وارداً في دول الخليج، بينما استدعت الحالة العراقية التدخل العسكري المباشر بعد فشل الأساليب الأخرى. وتدخل مشرط الجراح أكثر من مرّة وفي أكثر من بلد وتبعاً لظرف الزمان والمكان وشدة الإصابة؛ ولكن للحرب جبهتان، وكانت للقوى المضادة لهذا الغزو الثقافي أيضاً أساليبها ومناوراتها لتقليل الآثار الناجمة عنه أو التخفيف من سرعة انتشارها.
وكانت النتيجة المباشرة لهذه الحرب الباردة نمو المواجهات الساخنة حول "شكليات" التعبير عن الفكرة بدلاً من علنية مهاجمة الفكرة ذاتها، وتمثل هذا في محاربة الحجاب ومنع النقاب والحد من انتشارالمساجد والمآذن في أوروبا وربما في أماكن أخرى لاحقاً، وما قابل ذلك من تحرك سياسي وإعلامي مكثف بالضد منها، وما سبق ذلك بكثير من نمو مضطرد لأساليب القمع المباشر للحركات القومية والإسلامية، والذي ترافق مع عمليات الاختراق الواسع لتلك التيارات وإسقاط الكثير منها إمّا داخلياً أو جماهيرياً. ولكن الخلاف حول الشكليات لم يكن ليلغي الصراع الأساسي، وإنمّا كان فقط ليغطي على ضرواته الملتهبة...
وما دام الصراع مستمراً فلا بد أن تتجدد أساليبه وصوره مرة بعد أخرى، ولا بد للطرف المهاجم من فتح جبهات جديدة كلما استدعت الأمور ذلك، ولا بد للمدافعين من التصدي لكل جديد ومستجد. ونحن نرى هنا أن تركيا "المسلمة" هي أحدث الأسلحة التي أشهرها الغرب في وجه العرب المسلمين.
من يتتبع الظهور التركي المفاجئ على مسرح الأحداث، عليه أن يتذكّر أن أول خطى تركيا في هذا المجال كان رفضها طلب الولايات المتحدة الأمريكية استخدام أراضيها لغزو العراق. وقد قابل العالمان العربي والإسلامي ذلك بالإمتنان والعرفان وانتظروا فرصة لرد الجميل لهذه الدولة غير العربية التي رفضت طلباً وافقت عليه، بل رحبت به دول شقيقة مجاورة وغير مجاورة للعراق العربي المسلم الذي مهّد أشقاء آخرون لغزوه ثم ساهموا به عسكرياً وسَوْقيّا ودبلوماسياً!
وفي كل الأحوال وبكل المقاييس، كان الموقف الرسمي التركي موقفاً تستحق الدولة التركية الشكر عليه.. ولكن! هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى تلك الموافقة التركية حقاً؟؟ وهل كانت طبيعة الخطة العسكرية التي هوجم بها العراق فيما بعد تستدعي دخول القوات الأمريكية عبر تركيا إلى شمال العراق؟
لست عسكرياً ولا أدعي أية دراية بالشؤون العسكرية، ولكن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتفادى دخول المدن، وكانت حركة جيشها عبر الصحراء الغربية للعراق، وكانت تعتمد في جزء من حساباتها على طبيعة المذهب الديني الشائع في مدن الجنوب العراقي ومدى تأثير الفتاوى "لآيات الله" في تقييد حركة المقاومين أمام التقدم العسكري الأمريكي عبر مدنهم. وكل هذه العوامل غير موجودة في محافظات العراق الشمالية! فالطبيعة الجبلية للمنطقة الحدودية بين العراق وتركيا هي غير الأراضي المنبسطة بين العراق والكويت، وكان الدخول عبرها سيفضي بالقوات الأمريكية حتماً للدخول إلى الموصل التي يعرف عنها أنها إحدى بؤر النشاط الإسلامي والقومي على حدٍ سواء، وإليها ينتمي خيرة ضباط الجيش العراقي البطل مما كان سيؤدي إلى مجزرة حقيقة قد تكون أمريكا غير مستعدة لتحمل خسائرها في ذلك الوقت؛ رغم أن المقاومة البطلة التي جوبهت بها القوات الأمريكية والتي كبدتها خسائر مهمة ومؤثرة لم تكن محسوبة جيداً، ولا تعترف محافظات الشمال كلها بالفتاوى التي تصدر من النجف الأشرف!
وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان ذلك الرفض التركي مفتاحاً لقلوب أغلق أبوابها أمام الأتراك التعاون الوثيق بين تركيا المسلمة ودولة العدوان في فلسطين المحتلة؟ وهل كان تمهيداً لإطلاق حملة علاقات عامة طويلة النفس تعيد لتركيا بعض أحلامها الضائعة في الوطن العربي من جهة، وتحطم بوابات الرفض الشعبي لقيم الغرب التي ستأتي على خيول يمتطيها فرسان يدّعون الإسلام ويدافعون عن قيمه ومبادئه من جهة أخرى؟!
ولكي يكون السيناريو أكثر إقناعاً فلا بد من بعض المظلومية للتيارات الإسلامية التي ستستلم السلطة، ولا بد من "أردوغان مسلم" يدافع عن الحقوق العربية الإسلامية المنتهكة في فلسطين- وليس العراق!-، ولكنه لم يتخذ إجراءً ينصر به نائبة تركية محجبة منعت من دخول البرلمان بسبب حجابها!
ومشكلتنا أن خداعنا بالحركات الهوليودية سهل أحياناً دون أن نرى ماوراء ذلك. فبعد أن رفض أردوغان الحوار والبقاء على نفس المسرح مع المسؤول الصهيوني- وهو عمل قام له الإعلام ولم يقعد- حاولت تركيا أن تتوسط بين سوريا والكيان الصهيوني مستغلة "عمق الصداقة" بين الطرفين! ثم جاء الفارس التركي القادم على حصان أبيض يمد يد العون لإيران المسلمة لينقذها من تبعات العقوبات الصارمة التي ستنزل بها والتي كان من أول بركاتها تمرير صفقة الصواريخ الروسية لإيران بموافقة أمريكية!!!
ولمن ما زال في شك مما نقول فما عليه سوى أن يتابع الخنجر التركي الذي يغرز في جنب قيمنا وأخلاقنا يومياً عبر المسلسلات التركية التي تعرض على شاشات قنواتنا "العربية"، أو تلك التي تقدمها لنا بوابة تركيا للعرب- القناة التركية- وبجرعات عالية يومية ومركزة. فبعد ما أثير حول المسلسلات المكسيكية وكونها تشيع في نفوس شبابنا قيماً وأخلاقاً غريبة على تقاليدنا ومجتمعنا، جاءت المسلسلات التركية التي تظهر مجتمعاً "مسلماً" تنتشر فيه روح الابتذال والتعري والتفسخ الأخلاقي، ويشجّع على العلاقات الجنسية خارج الزواج والرضى بها من باب تقبل الآخر وفهمه دون تعصب أو انغلاق! ويقدم فيها "العرق والويسكي" مع وجبات الطعام، بل ويحث الوالد ابنه على الجلوس معه حول مائدة المشروب لتزيل الحاجز الديني من الموضوع، ولتظهر مجتمعاً إسلامياً "متطوراً" يتمتع بكل "العادات الغربية الحسنة" ويستطيع الاندماج فيما بعد في الاتحاد الاوربي!!
ورب سائل يسأل وهل هذا غريب عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟ والجواب أن وجود مثل هذه القيم في دوائر محددة يختلف عن الترويج لها عبر أخطر أسلحة العصر وهو التلفزيون الذي يدخل علينا كل غرف بيوتنا وينتهك كل خصوصياتنا ويصل إلى كل الأعمار شئنا أم أبينا. أنا أعلم أن أحدكم سيتفذلك عليّ ويقول اغلق أنت جهاز تلفزيونك أو غيّر القناة واصمت. ولكن هذا المتفذلك يعلم علم اليقين أن ذلك لن يحلّ المشكلة!
وجاء الدور التركي في الأزمة السورية ليضع الرتوش النهائية على الصورة التركية المرتبكة في أعين البعض وليقدم تركيا كأحد أهم الداعين لسقوط نظام الأسد وأهم المساندين "للديمقراطية" في سوريا. لسنا من المدافعين عن نظام الحكم في سوريا ولسنا مع قمع الحكّام لشعوبهم، ولكننا لسنا مع تدمير البلدان وتقسيمها وإشاعة الحرب الأهلية فيها عبر بوابة الديمقراطية الكاذبة. ألم نكتف بتدمير العراق ومحاولات تقسيمه التي لم تتوقف؟ ألم نشبع بعد من دمار ليبيا والحرب الأهلية فيها مستعرة بمساندة أوروبية واضحة؟ ألا نرى بذور الاقتتال الطائفي تنمو في مصر العروبة؟ ألم نعد نرى المخالب التركية بارزة من خلف القفازات المخملية التي ترتديها؟ هل سنبقى نصفق للتصريحات النارية الخالية من الفعل الحقيقي المؤثر للزعامة التركية كما سبق وصفق البعض منّا لـ"نجاد إيران" وهو يدمر إسرائيل ويحرقها ويرميها في البحر دون أن يكلف نفسه أو جيشه مؤونة إطلاق رصاصة واحدة؟ هل سنبقى منبهرين بالحركات الهوليودية لزعماء "مسلمين" يستعرضون عضلاتهم أمامنا ويمدّون سيوفهم تحت الطاولة ليذبحونا بها هم والغرب؟ ومتى سنعي أن إيران وتركيا كلاهما طامعان بدور إقليمي مؤثر ولو على حساب أمتنا العربية والإسلامية؟ وهل.. وهل؟ ومتى.. ومتى؟!
إن هناك من يخطط دائماً لضرب بنياننا من القواعد لكي يخر السقف علينا- ولكننا في معظم الأحيان ننشغل بالتوافه من الأمور دون اللب. متى سنعي أننا أمة رغم ضعفها وهوانها ما تزال مستهدفة، وأن أعدائنا يرون فينا من عوامل الخطر عليهم ما لا نراه نحن؟ لقد حان الوقت أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون ونعد شبابنا للدور الذي وضع أمة العرب والإسلام يوماً ما في طليعة الدول، وسيدة للعالم، لا حباً في السيطرة والنفوذ ولكن نشراً لمبادئ المحبة والعدالة والسلام.
هناك في العاصمة الأمريكية واشنطن نصب جميل مكون من خمسة أجزاء غير مترابطة لرجل مدفون في التراب يحاول النهوض من الأرض. غالباً ما يلعب الأطفال على رأس التمثال هذا ويضعون التراب في فمه المفتوح أو يحاولون دفن قدميه أو يديه الظاهرتين فوق الأرض.. اسم النصب هو المستيقظ أو الناهض "The Awakening" وهو أكثر ما شاهدت في أمريكا شبهاً بأمتنا المقهورة.
يحظى السيد طيب أردوغان وعموم القيادة التركية باحترام كبير في الساحة العربية على المستوى الجماهيري وذلك بسبب الأداء الداخلي عالي المستوى، وبسبب وقوف تركيا مع قضايا عربية مثل قضية الحصار على غزة. وقد استبشر الناس خيرا بالمواقف التركية علها تؤثر بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، وتؤدي إلى مزيد من الخلل في ميزان القوى. ولا يجادل أحد بأن شعبية أردوغان في الساحة العربية قد ارتفعت كثيرا بحيث أنه يمكن أن يفوز بانتخابات لزعامة العرب.
إنما يبدو أن السيد أردوغان قد بدأ يفقد جزءا من بريقه بسبب تركيزه المتواصل على النظام السوري، وبسبب تقربه من الجامعة العربية التي تمثل أنظمة عربية مهترئة لا تمثل جماهير الأمة العربية. لم نلحظ تركيز أردوغان المستمر على النظام المصري قبل سقوطه، ولا نلاحظ تركيزه على النظامين البحريني واليمني، ونراه لا يفوت فرصة إلا وهاجم فيها النظام السوري وتوعده وكأن هناك ثأرا لا نعرفه يريد أردوغان أن ينجزه من خلال المتظاهرين السوريين الرافضين للنظام.
والأسوأ أن السيد أردوغان يخوض معركة تحريض ضد النظام السوري مع أنظمة عربية معادية للجماهير العربية، ومع حلف الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية. ووصل به الاستعداد للعمل على إقامة منطقة عسكرية عازلة بهدف تأجيج حرب أهلية في سوريا فيما إذا قرر مجلس الأمن ذلك.
من الصعب أن نجد عربيا لا يؤيد التغيير في سوريا، أو يؤيد الإصلاح على الأقل، لكن قلة من العرب هم الذين يؤيدون الفتنة ويشجعون على الحرب الأهلية في سوريا. نحن مع التغيير، ولا شك أن النظام قد تباطأ كثيرا في عملية التغيير، ولم يكن موفقا في خطواته الإصلاحية، ولم يستطع أن يدير سياسة إعلامية داخلية ناجحة، لكن هذا لا يعني الدفع والتحريض باتجاه الحرب الأهلية التي ستأكل الأخضر واليابس، وستهلك أهل سوريا المعارضين منهم للنظام والمؤيدين.
يجتمع أردوغان مع الجامعة العربية التي خذلت القضايا العربية باستمرار وتآمرت على الأمة وتعاونت مع أعدائها. لم تقف الجامعة العربية مع حزب الله في حربه مع إسرائيل عام 2006، ولم نجدها فاعلة إبان حرب إسرائيل على غزة عام 2008/ 2009، بل لدينا معلومات بأن أنظمة عربية رئيسية قد وقفت مع إسرائيل ضد حزب الله وضد حماس. هذه الجامعة العربية هي التي باركت تدخل حلف الأطلسي في ليبيا... وهذه الجامعة هي التي لم تتفوه بكلمة ضد غزو أمريكا للعراق، أو ضد قتل أمريكا للعراقيين بالجملة. وهذه الجامعة بقيت عاجزة مشلولة أمام مختلف القضايا العربية، وبقيت مجرد أداة بيد الغير، بخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. فليس من المشرّف للسيد أردوغان أن يقف مع جامعة عربية لا تخدم القضايا العربية. هذا لا يعني أبدا أنني أؤيد الاستبداديين العرب، لكنني أرفض التدخل الأجنبي بخاصة من الذين لم يترددوا أبدا في قتل العرب ودعم أعدائهم.
أما إذا كان السيد أردوغان معنيا بحرية الإنسان العربي، فهذه الحرية لا تأتي عبر الدول الاستعمارية التي استعمرت البلدان العربية ومزقتها ونهبت ثرواتها. بريطانيا وفرنسا جزأتا أرض الشام وجعلتا منها أربع دول صغيرة، واغتصبت فلسطين لتهديها للصهاينة اليهود. فرنسا هي التي قضت على المملكة السورية، وهي التي طردت الملك فيصل إلى العراق، وأصرت على تقسيم سوريا. وفرنسا هي التي أعطت المفاعل النووي لإسرائيل، وهي التي دبرت مع إسرائيل تهريب مستلزمات تخصيب اليورانيوم وصنع القنابل النووية.
أما بريطانيا فأذاقت الأمة الويلات، ويكفي أنها شردت شعب فلسطين لصالح إقامة إسرائيل. وأما أمريكا فتدعم قادة.. لا علاقة لهم بالديمقراطية والحرية، وهي التي دعمت الاستبداديين العرب، وهي التي تشن الحروب على العرب وتدعم إسرائيل وتحيك المؤامرات ضد القوميين العرب والإسلاميين والوطنيين. إنها هي التي تمكن قادة عرب مستبدين وظالمين من رقاب العباد. فهل يرجو السيد أردوغان من هذه الدول أن تقيم أنظمة سياسية عربية تؤمن بالحرية وتحرص على كرامة الإنسان العربي؟!!
للشعب السوري أن يتظاهر وأن يعترض، وأن يعمل على التغيير. هذا حقه كما هو حق كل الجماهير العربية في مختلف البلدان العربية، لكن ليس من حق أحد خارج سوريا أن يتدخل بالشأن الداخلي السوري خاصة إذا كان من الذين أعملوا السيوف في رقاب العرب، والرصاص في صدورهم. قد يرى بعضهم ضرورة تقديم الدعم الإعلامي للشعب السوري، أو أن يقول خيرا من أجل التغيير، لكن لا حق لأحد أن يحرض من أجل حرب أهلية، أو أن يقوم بعمليات التسليح والتمويل من أجل إشعال فتنة لا يسلم منها أحد.
التغيير المنشود في سوريا هو من أجل الشعب العربي السوري، أما عندما يتحول البحث عن التغيير من أجل إسرائيل فإن إشارات حمراء كثيرة سترتفع. لم تمانع أمريكا وحلف الأطلسي من دخول القوات السعودية إلى البحرين، ولم يجيش أي منهما في مواجهة الرئيس اليمني، لكن الأمر مختلف بالنسبة لسوريا. هل هذا من أجل الشعب العربي السوري، أم من أجل إسرائيل؟ تحتل إسرائيل أرضا عربية سورية، فمَن من هذه الدول يتحمس لطرد إسرائيل من الجولان دفاعا عن حق السوريين في أرضهم ووطنهم؟ الذي يوافق على احتلال أرض السوريين لا يمكن أن يكون مدافعا عن دماء السوريين.
لقد صرح السيد أردوغان كثيرا حول سوريا والنظام السوري، وواضح أنه صرح أكثر من اللازم بحيث أن تصريحاته أخذت ترتد في بعض الأحيان ضده وضد مواقفه. وهذا وارد من حيث أنه يمكن قتل القضية من قبل صاحبها إذا بالغ في تردادها على مسامع الناس. هناك من يقتلون قضاياهم بأيديهم، ويبدو أن السيد أردوغان قد فقد اتزانه السياسي في هذه المسألة، فأخذ يظهر بمظهر المحرض الأول على قتل السوريين.
إن المتابع للأحداث وتسلسلها في المنطقة العربية، يتيقن بأن هذه الأحداث تم التخطيط والإعداد لها من قبل جهات تتصارع على النفوذ في المنطقة، بالإضافة إلى الطموح الأمريكي في السيطرة على كافة مقومات الدول النفطية وذات الإمكانيات التي تريدها الولايات المتحدة.
تركيا كما نتذكر دخلت بقوة على الخط، منذ أربعة أعوام تقريباً، فبدأت بمتابعة الملف الفلسطيني، وظهرت على أنها قوة تستطيع أن تخلق البدائل وهي الرسالة التي أرادت من خلالها توجيه الإنذار للاتحاد الأوروبي الذي لم يتخذ القرار اللازم بضمها له.
أخذت تركيا قرار الدفاع عن غزة، وخالفت كُل القرارات التي اتخذتها إسرائيل والقيادة والنظام المصري السابق الذي ثبت بأنه شريك أساسي في حصار غزة، حيث كان يمنع قوافل كسر الحصار البري والبحري بدعم تركي كامل ومتابعة دقيقة، تبعها إنشاء مؤسسات ذات طابع إنساني في غزة بعد حرب 2008، وهذا يُعطيها المبرر بالتواجد الميداني في غزة لمتابعة كافة الأمور عن قُرب.
لقد كان لهذا الدعم التركي والإصرار على معاداة إسرائيل بعد حادثة السفينة مرمرة، حين سقط أبناء تركيا في عرض البحر على يد القوات الإسرائيلية، ثمن كبير، وهو ثمن يستحق التضحية، من خلال رسم هذا السيناريو وهذه التضحيات التي بالنهاية ستظل محطة احترام لدى كُل الشعوب العربية التي تعتبر نفسها مقصرة نتيجة تخاذل الحكومات والزعامات في بلدانها وستلقى دعم كُل الحركات المناهضة للحكومات العربية.
قبل أيام قرأت للكاتبة وفاء الزاغة مقال حول أسرار الشرق الأوسط الجديد والربيع العربي، هذا المقال الذي حمل الكثير من المعلومات الخطيرة والهامة، خاصة أنه كشف عن المخطط الذي تقوده الولايات المتحدة بمساعدة كل من قطر وتركيا، من أجل تقسيم الدول العربية، وهي العراق ومصر وسوريا، وكذلك السيطرة الأمريكية التركية على منابع الغاز في مصر وسوريا ودول أخرى، والأخطر من ذلك أن المقال يتحدث عن تصفية القضية الفلسطينية حيث أخذت تركيا على عاتقها القيام بهذا الدور.
لكُل ذلك ثمن بالتأكيد، وهو الثمن الذي ستجنيه كل من قطر وتركيا في المرحلة القادمة، وها نحن نرى على أرض الواقع الدور القطري في ثورة ليبيا وسوريا، وكذلك الدور التركي العنيف والمباشر في الثورة السورية، وهذا بالتأكيد يؤكد على ما جاء في مقاله الزميلة وفاء الزاغة.
أرى أننا مقبلون على وضع خطير في المنطقة العربية، وسيتأثر الوضع والقضية الفلسطينية نتيجة هذا الوضع، خاصة أن هناك قوى كثيرة إلى جانب إسرائيل تريد القضاء على القضية الفلسطينية والتخلص من هذا العبء بالنسبة لبعض الدول العربية، هذه الدول التي أشغلتها الولايات المتحدة بمسلسل الربيع العربي، وأشغلتها بشؤونها الداخلية حيث ركزت هذه الحكومات على المحافظة على وجودها وحُكمها.
عانى شعبنا وقيادته من سماسرة السياسة منذ زمن طويل، فكم من الزعامات العربية استغل القضية الفلسطينية لصالح مشاريعه السياسية الداخلية والخارجية، وكم مرة تلقى شعبنا الفلسطيني الضربة تلو الأخرى من بعض الزعامات العربية، فكان مسلسل المؤامرة في لبنان وغيرها من الدول، ومسلسل خطف القرار الفلسطيني المستقل، وقد استمر هذا المسلسل بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث أخذت بعض القوى والحكومات العربية على عاتقها مساعدة إسرائيل والولايات المتحدة لإبقاء السلطة تحت رحمتهم من خلال القيود المالية والسياسية، وبالتالي فإن شعبنا الآن ليس مضطراً لدفع الثمن مجدداً خاصة أن قضيته الوطنية أخذت منه الكثير من التضحيات والمعاناة والألم، وهي مفتاح الحل والسلام في المنطقة.
جالت الدرع الصاروخية في تشيكيا وبولونيا إلى أن استقرت في تركيا ورومانيا. يقول الأتراك إنه لو لم توافق تركيا على نصب رادارات الدرع الصاروخية على أراضيها لكانت نصبت في بلغاريا. وحينها لن تغطي الرادارات في بلغاريا كامل الأراضي التركية. لذلك وجدت تركيا أن مصلحتها الإستراتيجية هي في أن تكون الرادارات على أراضيها وفي منطقة متوسطة مثل ملاطية ترصد كامل الأراضي التركية. أما كيفية الرد على الصواريخ التي قد تستهدف تركيا أو تعبر فوقها فيكون عبر شبكة الصواريخ التي ستنصب في رومانيا، أي أن تركيا للرادارات والرصد، ورومانيا للصواريخ.
هذا في الجانب العملي الدفاعي على الأرض. لكن للمسألة وجهها الآخر الأكثر أهمية، وهو أن مبدأ نشر منظومة الدرع الصاروخية لا يتعلق بحماية أمن تركيا، بل أمن أوروبا ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية.
وهذه مسألة واضحة لجهة أن الدرع فكرة أمريكية في الأساس، وقد واجهت واشنطن صعوبات من أجل ترجمتها على الأرض بسبب معارضة بعض الدول الأوروبية أن تبدو مجرد أداة لتنفيذ المشروعات الأمريكية، فاضطرت الولايات المتحدة إلى تغيير غلاف المشروع ليكون أطلسياً فيما الجوهر هو نفسه. وعلى هذا الأساس انخرطت بعض الدول الأوروبية في المشروع، وما لبثت تحت التهديد الروسي أن رضخت لعدم نشر المنظومة على أراضيها، فكان أن انتقلت الكرة إلى دولة أخرى صاعدة في الشرق الأوسط، ميزتها أنها أيضاً عضو في حلف شمال الأطلسي وهي تركيا.
وتركيا كما بات ظاهراً تسعى لدور إقليمي بل دولي في عدد كبير من القضايا، وهي تتوسل إلى هذا الدور بشتى الوسائل والأدوات المتاحة.
وقد نجحت في هذا المسعى في السنوات القليلة السابقة عبر إقامة علاقات ممتازة مع دول جوارها المباشر مثل سوريا وإيران والعراق ولبنان، ومع دول جوارها الشمالية مثل روسيا تحديداً التي تحولت إلى الشريك التجاري الأول لتركيا في العالم.
ليس في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، لكن يبقى للجغرافيا دور في أحيان كثيرة حاسم، بمعنى أنك تستطيع اختيار نهجك الإيديولوجي وطبيعة نظامك السياسي وخططك الخاصة بالتنمية لكنك لا تستطيع اختيار جيرانك. ومع أن العالم أصبح قرية كونية وبدّلت العولمة والتكنولوجيا حتى من طبيعة الحروب غير أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها.
سياسة تصفية المشكلات التي اتبعتها تركيا ما عادت قائمة. الجميع يعترف بذلك. علاقات مقطوعة بالكامل، بل الانتقال إلى حالة العداء ومخاطر التحارب مع سوريا، وتوتر لا يخفى على أحد مع إيران. والعراق يقف في المقلب السوري من الصراع بين تركيا وسوريا، والحكومة اللبنانية تتضامن مع سوريا. وليس من داعٍ إلى التذكير بأن التوتر موجود دائماً مع قبرص اليونانية.
لكن خروج الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف بتهديد ضد منظومة الدرع الصاروخية يدخل تركيا في متاهة جديدة كانت بغنى عنها. قال ميدفيديف إنه إذا لم تبدد الولايات المتحدة الشكوك التي تساور روسيا بشأن منظومة الدرع الصاروخية فإن روسيا ستنشر صواريخ من طراز "إسكندر" في المناطق المواجهة لأوروبا الشرقية والجنوبية، وستكون الصواريخ المنصوبة هناك هدفاً للصواريخ الروسية.
وهدد ميدفيديف بخروج روسيا من معاهدة ستارت للحد من انتشار الأسلحة النووية، وبتجميد اتفاقيات أخرى حول الرقابة على الأسلحة، وترى روسيا أن نشر الدرع الصاروخية في أوروبا يعتبر تهديداً نووياً وليس تقليدياً فقط. في هذا المجال تظهر تركيا واحداً من المراكز الحساسة التي تقع في مرمى الاستهدافات والتهديدات الروسية. وقد أشارت الصحافة التركية إلى هذا الخطر حيث حذّرت من تبعات التهديدات الروسية على الأمن القومي التركي واستقرار البلاد جراء خطوة تركيا الموافقة على نشر الدرع الصاروخية على أراضيها.
يقول وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إنه يجب أحياناً المجازفة في السياسة الخارجية. لكن اتساع نطاق المجازفة وتوسيع دائرة الخصوم ليس من الحكمة في شيء، خصوصاً إذا كان الخصوم في الدائرة الجغرافية الأولى لتركيا.
يطرح الدور التركي في سوريا علامات استفهام عديدة حول العوامل التي تجعل قادة حزب العدالة والتنمية يتصدرون المشهد الداعي إلى إطاحة النظام السوري والمسارعة إلى التهديد بعقوبات اقتصادية من قبل أن تجتمع جامعة الدول العربية وتقرر مثل هذه العقوبات. وفي ظل الحديث عن سيناريوهات للتدخل العسكري الخارجي ضد النظام السوري كانت تركيا أيضاً تقفز إلى الواجهة كأنه لا يوجد في الميدان سوى تركيا!
الشروط التركية للمشاركة في تدخل عسكري في سوريا كانت واضحة وتفضي إلى نتيجة واحدة هي استبعاد الخيار العسكري؛ ذلك بأن الفيتو الروسي والصيني يحول حتى الآن دون صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي يشرّع التدخل العسكري في سوريا.
أما حلف شمال الأطلسي، حيث تركيا عضو فيه، فلا يبدو أيضاً حتى الآن أنه في وارد اتخاذ قرار بالتدخل العسكري .
يبقى أن الخيار الثالث، مبدئياً، أمام تركيا هو أن تتدخل بمفردها، وهذه قضية حساسة جداً ولا يمكن لتركيا أن تغامر باللجوء إليها.
لكن كتابات وآراء متعددة وتصدر عن مواقع غير بعيدة عن حزب العدالة والتنمية باتت تحذّر من توريط تركيا في المستنقع السوري من خلال حث بعض الأطراف لها، بل تحريضها على أن تكون رأس حربة في التدخل في سوريا سواء بالشراكة مع آخرين أو بمفردها.
يقول الكاتب التركي المقيم في الولايات المتحدة عمر طاشبينار إن "العقيدة" الجديدة للرئيس الأمريكي باراك أوباما تختلف عن عقيدة سلفه جورج دبليو بوش؛ عقيدة بوش كانت المبادرة إلى شن الحروب مباشرة من جانب الولايات المتحدة ومن يوافق على أن يشاركها في هذه الحروب. هكذا كان غزو أفغانستان ثم احتلال العراق رغم عدم وجود أي قرار دولي يجيز ذلك. أما أوباما فقد اختار الحروب بالواسطة عبر قوى أخرى. فالدرع الصاروخي تحول من مشروع أمريكي إلى مشروع أطلسي وعندها شاركت تركيا فيه. والحرب على معمر القذافي في ليبيا خيضت بداية بصورة أمريكية حذرة جداً وما لبثت أن تحولت إلى حرب بقيادة حلف شمال الأطلسي شاركت فيها الولايات المتحدة، لكن من خلف الستار أو بالشراكة المتكافئة مع الآخرين.
واليوم لا تريد واشنطن أن تبادر إلى شنّ حرب مباشرة على سوريا وتفضل أن يتولى ذلك عند الضرورة حلفاؤها مع دعمهم بقوة من خلف الستار.
في هذه النقطة بالذات يحذّر البعض في تركيا من مغبة دفع تركيا دفعا إلى تزعم جبهة أو بمفردها تسعى إلى اسقاط النظام في سوريا.
ومع أن وزير الخارجية التركي احمد داوود اوغلو ينفي وجود نوايا عثمانية توسعية، فإن الكاتب عبد القادر سيلفي من صحيفة "يني شفق" المقربة جداً من حزب العدالة والتنمية يحذّر تركيا من مغبة الوقوع في ما سمّاه "الفخ العثماني". وفي ما يبدو خطوة معاكسة لتوجهاتها السابقة أفردت الصحيفة مانشيتها الرئيسي لما كتبه عبد القادر سيلفي.
يقول سيلفي إنه أمام انسداد سبل الحل السياسي للأزمة في سوريا تحوّلت الأنظار إلى العقوبات الاقتصادية، لكن البعض أراد أن تكون العقوبات خطوة أخيرة أمام سيناريو احتلال سوريا ودعوة تركيا لتتولى هذه المهمة.
ويقول سيلفي: إن بعض الدول في الغرب وفي المنطقة يدفع تركيا من ظهرها لكي تدخل إلى سوريا. وتركيا ليس عندها مثل هذه الخطة لأنه بعد ذلك ستخرج تلك الدول عينها وتصف تركيا بأنها قوة محتلة وتقود حملة ضد تركيا.
لكن عاكف ايمري الكاتب الإسلامي، وفي الصحيفة نفسها، يكشف عن أسماء بعض هذه الدول ويضع فرنسا في رأس القائمة، متسائلاً عما إذا كان يمكن للمستعمر الفرنسي أن يكون محررا هذه المرة!؟
ويقول إيمري إن الكتّاب والصحافة الغربية متيقنون من أن تركيا ستخوض حربا ضد سوريا. لكن الكاتب يحذّر من أن المستعمرين السابقين الذين يدفعون تركيا إلى حرب ضد سوريا لن يعودوا إلى بلادهم بعد ذلك، معطياً العراق مثالاً على عدد القتلى الذين سقطوا بسبب الاحتلال الأمريكي له، فضلاً عن الشرذمة الإثنية والمذهبية التي نتجت عنه.
إن الصراع من أجل الديمقراطية يجب ألا يحجب أبداً أن هناك من ينتظر لكي يقتنص الفرص ليغرق المنطقة العربية والإسلامية بحروب تبدأ ولا تنتهي ولا يكون الرابح منها سوى "إسرائيل" ومن خلفها الغرب
حين قدم أحمد داود أوغلو وزير خارجية تركيا نفسه باعتباره منظر السياسة الخارجية لتركيا، والفكرية لحزب "العدالة والتنمية" بقيادة أردوغان لم يكن في مقدوره أن يتصور بلاده بعد سنوات معدودة دولة منبوذة ومشكوك في أمرها من جيرانها بالذات، كونه صاحب نظرية "تصفير المشاكل" التي شغل الدنيا بها باعتبارها فتحاً كبيراً في مجرى العمل الدبلوماسي والعلاقات بين الدول.
دأبت تركيا منذ بداية هذا العام على التدخل في شؤون الدول العربية بعد أن تصرف قادتها على نحو مقبول تجاه قضية حصار غزة والحقوق الفلسطينية، بالإضافة لكونهم قيادة الحركة الإسلامية التركية التي تجد امتداداتها في معظم الدول العربية ويتواجد فيها الإخوان المسلمون بنفس التسمية أو بأسماء حزبية مختلفة لتجنب الصدام مع الحكام والقوانين المرعية.
تركيا بلد المتناقضات مرت بمراحل متعددة منذ الإطاحة بالخلافة الإسلامية العثمانية، وحفل تاريخها منذ تلك اللحظة بالانقلابات العسكرية وتغيير الحكومات بسبب التزام المؤسسة العسكرية حماية العلمانية والحياة العامة والمجتمع بعيداً عن الروح الإسلامية والتدين.
التناقضات لم تكن تقتصر على تنوع الأعراق وصدامها في فترات متلاحقة كما نرى في قضية الأكراد المزمنة كمثال، بل وكذلك في تنوع الثقافات والأفكار وتناقضاتها التي تقود لمعارك داخلية شرسة بين الأحزاب والنخبة الحاكمة تحت رقابة الجيش وقبضته القوية والعنيفة غالباً.
إن تلك التناقضات أورثت البلاد حالة من التوتر الدائم في حياتها السياسية جعل العديد من الكتاب والمفكرين يدعون إلى إقصاء الجيش عن الحياة السياسية، وقد دفع هؤلاء ثمناً باهظاً لدعوتهم تلك. وبغض النظر عن أسباب صعود التيار الإسلامي العلماني كما يسميه البعض فإن الوضع في تركيا في العقدين الأخيرين وبعد رفض الأوروبيين قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي كان يشير إلى تغييرات كبرى لا بد منها للحفاظ على مكانة تركيا وموقعها الدولي وفي حلف الناتو الذي كانت تركيا أهم دعاماته في غرب آسيا وعلى حدود الاتحاد السوفييتي السابق، وروسيا وإيران حالياً.
نجح الإسلاميون في بسط سيطرتهم على البرلمان والحكومة التركية في تغير نوعي أطاح بمقاومة العلمانيين المحافظين والجيش لمثل هكذا تغيير بعد إجراء عمليات "جراحة تجميلية" كبرى للتيار الديني ومؤسسته الأهم "حزب العدالة والتنمية" فكراً وممارسة، وبقي هذا التيار رغم ذلك يحتفظ ببعض المظاهر الإسلامية الشكلية، لكن خارجياً كانت خيوط التيار تتشابك بقوة مع أخواتها في المنطقة العربية، عزز من تلاقيها سلوك ومواقف القادة الأتراك كرئيس الوزراء التركي أردوغان والرئيس "غل" تجاه قضية العرب المركزية وحصار غزة كما أسلفنا، ولم يزد الأمر عن ذلك إلا في مظاهر شكلية ذات بعد عاطفي ليس إلا.
في كلامه أمام اجتماع "منظمة التعاون الإسلامي" تناول وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو سوريا بطريقة استفزازية دفعت السيد وليد المعلم للرد بأن التوقيع على البروتوكول الخاص ببعثة "المراقبين" إلى سوريا هو شأن عربي خالص بين سوريا والدول العربية والجامعة العربية، وأن تركيا ليست معنية بهذا.
إن ما تقوم به تركيا، سواء لجهة تشجيع التمرد في سوريا أو التآمر عليها عبر الإعلام المغرض والتصريحات العنترية وتقديم العون لقوى المعارضة، أنهى بشكل كامل صورة الصديق التركي المسلم المناصر لقضايا العرب والحريص على وحدتهم واستقرارهم، وفي الجانب الآخر من الصورة تضررت إلى درجة كبيرة علاقات تركيا مع إيران على خلفية الدرع الصاروخية التي تنصبها أمريكا على الأراضي التركية بموافقة حكومة أردوغان ووزير خارجيته الفهلوي أوغلو، كما في موضوع الأزمة السورية، الأمر الذي أحدث ذات الأضرار بعلاقة تركيا مع روسيا الاتحادية؛ وإذا أضفنا المواجهة المحتدمة مع حزب العمال الكردستاني والقصف غير الشرعي وغير المقبول لشمال العراق وما يحدثه من توتير للعلاقات بين البلدين فإنه يمكننا القول إن تركيا تحطم كل الجسور التي بنتها مع محيطها في كل الاتجاهات، ولا زالت أوروبا ترفض ضمها للاتحاد الأوروبي.
"تصفير المشكلات" أنتجت بعد أقل من عقد على بدايتها وضعاً خطيراً للغاية توشك أن تلجه تركيا بقدميها بعد أن بدأت عداءها لسوريا وممارسة ذلك العداء وكأنها تجاور عدواً وليس صديقاً وقعت معه عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية.
إن التدخل في الشؤون السورية بهذه الطريقة الفظة والاستفزازية، بدعوى الحرص على حياة السوريين، يكذبه الحصار والمقاطعة غير الإنسانية لسوريا، هذه المقاطعة التي تزيد في معاناة الشعب السوري وليس العكس، كما أن العبث بمقدرات الشعب السوري أو التهديد بمس أمنه القومي لن يجد سوى الرد المناسب من كل السوريين والأمة العربية التي ترفض الإهانة، سواء جاءت من تركيا أو من أمريكا أو من عملاء لا يقيمون وزناً لحرية شعوبهم وكرامتهم.
إن حكام تركيا يفتحون النار على تركيا، وفي ظنهم أن الناتو سيحميهم لو وقعت الحرب وانفجرت المنطقة، وهذا عين الخطأ والحماقة.
سوريا ستعرف كيف تدافع عن نفسها ولن تحول الأحداث الجارية اليوم فيها دون الرد على كل عدوان على أرضها تحت أي عنوان أو ذريعة، وعلى حكام تركيا أن يوقفوا الحرب على بلدهم.
ليس من شك في أن العام 2011 هو العام الأكثر زخماً وتحولاً في السياسة الخارجية التركية بعد العام 2002 تاريخ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وبدء واحدة من أكبر التحولات في السياسة الخارجية لتركيا.
أعاد حزب العدالة والتنمية موضعة الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط، بل في محيطاته الإقليمية من البلقان إلى القوقاز، ومن روسيا إلى البحر المتوسط.
طرحت السياسات التركية الجديدة حينها مجموعة من العناوين التي كانت مغرية في مجملها وبدا للكثيرين أنها صعبة التطبيق وتنتظر أن تمر بـ"معمودية النار"، أي أن تواجه تحديات حقيقية لكي يتبين مدى واقعيتها من طموحها؛ ذلك أن تركيا لم تكن خلال الحرب الباردة تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لكي تدرك مكانها، بل جل ما في الأمر أنها في كونها جزءاً من المنظومة الغربية والأطلسية، وعلاقات التحالف مع "إسرائيل" كانت بحاجة فقط إلى بعض التمايز في قضايا تمس أمنها القومي ومزاجها الشعبي، وتجسد ذلك في القضية القبرصية تحديداً.
وما عدا ذلك كانت أنقرة وفية لتحالفاتها الغربية وجزءاً من المنظومة المعادية للاتحاد السوفييتي ولحركات التحرر العربية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك وقوف تركيا في الأمم المتحدة ضد قرار منح الجزائر استقلالها عن فرنسا، وهذا يذكّر بالخلاف التركي- الفرنسي قبل أيام حول الإبادة الأرمنية، حيث اتهم رئيس الحكومة التركية فرنسا بارتكاب إبادة في الجزائر أثناء احتلالها لها، حيث كانت أنقرة بدورها مساندة للاحتلال الفرنسي للجزائر.
وعندما وصل "العدالة والتنمية" إلى السلطة عام 2002 رفع العديد من الشعارات التي تطورت مع الممارسة خلال السنوات التالية؛ فظهرت شعارات مثل: العمق الاستراتيجي-تصفير المشكلات- القوة الناعمة- الدور الوسيط وما إلى ذلك... جاء العام 2011 ليضع على المحك جميع هذه الشعارات، ولتكون تركيا أمام مشهد جديد في صورتها ودورها.
لا شك أن الربيع العربي كان أحد العوامل التي أسهمت بقوة في تغيير هذه الصورة في اتجاهات متعددة. لم يكن الموقف التركي في بداية كل ثورة ينطلق من المعايير نفسها؛ فقد كانت مع إزاحة الرئيس المصري حسني مبارك، ولكنها وقفت في البداية مع معمر القذافي، وكانت غائبة عن موقف عملي من اليمن ولم يسعفها الوقت لتعلن موقفاً من الثورة التونسية.
وعندما جاء الدور إلى سوريا كانت أنقرة تمر بالامتحان الأصعب!! انقلبت تركيا على علاقاتها الاستراتيجية مع سوريا بشار الأسد ووقفت خلف المعارضة السورية، فنظّمت وشكّلت "مع فرنسا" المجلس الوطني برئاسة برهان غليون، واحتضنت ودعمت بالتدريب والسلاح "جيش سوريا الحر" بقيادة العقيد رياض الأسعد، ودعا أردوغان الأسد للتنحي، وكان سبّاقاً إلى فرض عقوبات اقتصادية على سوريا، وتحولت علاقات تركيا مع سوريا من نموذج يشار إليه إلى نموذج مضاد انبعثت خلاله كل الحساسيات المذهبية والقومية.
وبسبب سوريا توترت العلاقات التركية مع ايران مع اتهام طهران لأنقرة بأنها تحاول الإخلال بالتوازنات الإقليمية، وبضرب محور الممانعة والمقاومة وبكل ما يمثله. وانتقل الانزعاج الإيراني من تركيا إلى مرحلة التهديد بضربها عسكرياً إذا تطلب الأمر.
والغضب الإيراني من تركيا لم يكن فقط بسبب محاولات تركيا إسقاط حليف إيران في المنطقة، أي النظام السوري، بل أيضاً لأن تركيا نصبت في العام 2011 رادارات الدرع الصاروخية في ملاطيا التي هي رأس حربة أطلسية ضد الصواريخ الإيرانية والروسية.
وهنا دخلت روسيا على خط التوتر مع طهران وأطلقت بدورها تهديدات على لسان الرئيس الروسي ميدفيديف بأن روسيا سوف تضرب قواعد الدرع الصاروخية أينما وجدت ومنها تركيا.
وانعكس الخلاف التركي- الروسي حتى على الواقع الاقتصادي، حيث ألغت أنقرة اتفاقية استيراد الغاز من موسكو رغم أهميتها الاستراتيجية لتركيا.
لقد كسبت تركيا وحزب العدالة والتنمية تعاطف الفئات ذات التوجهات الإسلامية في الشارع العربي، لكن تركيا فقدت تعاون ودعم جانب آخر من الشارع العربي الذي يعتبر تركيا منحازة إلى الإسلاميين دون التيارات الأخرى. كما فقدت تركيا أحد أهم عناصر سياستها الخارجية وهي "تصفير المشكلات" التي أصبحت في خبر كان بعدما ساءت العلاقات إلى درجة الصفر مع سوريا والعراق وإيران وروسيا وقبرص و"إسرائيل" وفرنسا وأرمينيا وحتى مع لبنان إلى حد كبير.
وغاب الدور التركي الوسيط عن كل ملفات المصالحة عام 2011، وبرز بدلاً منها الدور المصري. ولم تعد القوة الناعمة أداة للسياسة التركية وحل محلها كما أظهرنا دور التهديد باستخدام القوة. وباتت تركيا في المحصلة حاسمة في سياساتها ذات النزعة الإسلامية من جهة والموالية بالمطلق للسياسات الغربية والأطلسية في استنساخ مذهل لما كانت عليه في الخمسينات من القرن العشرين.
تركيا، للمرة الأولى منذ العام 2002 مختلفة في العام 2011. فهل ستكمل نهجها الجديد في العام 2012؟.
قليلٌ هم الزعماء السياسيون الذين حققوا مجدًا، واستطاعوا أن يحيطوا أنفسهم بهالات التقدير والثناء في هذا العام. وبلا منازع, استحق رئيس وزراء تركيا, رجب طيب أردوغان, أن يكون رجل هذا العام.
في هذا العام, سيطرت أحداث الشرق الأوسط على المشهد من خلال الثورات والاحتجاجات وسقوط الطغاة, وصعود الأحزاب الإسلاميّة, وفي خضم هذه الأحداث, تصدر رجب طيب أردوغان المشهد ليصبح أكثر الزعماء في العالم من حيث الفاعلية والتأثير وإثارة الإعجاب, ولا سيما أن بلاده صارت على نطاق واسع وبشكل متزايد لاعبًا دوليًا هامًا.
في الشرق الأوسط هذا العام, انتقل أردوغان من مجرد صاحب مبادرات وغزوات مكثفة اقتصادية وسياسية إلى داعم للديمقراطية والمتظاهرين؛ ليصبح مدافعًا قويًا ومعبرًا للغاية عن حال الحركات الديمقراطية الشعبية في العالم العربي.
من جانب آخر, وكما حاز أردوغان على احترام الرأي العام في الشرق الأوسط, قُوبل بترحيب حار للغاية في الولايات المتحدة من أوباما في سبتمبر الماضي, برغم انتقاداته اللاذعة المستمرة لإسرائيل, وهذا ما أعطاه مزيد من الدعم لحربه ضد حزب العمال الكردستاني, فضلاً عن الإشادة بجهوده المبذولة في الشرق الأوسط, لدعم الديمقراطية والربيع العربي.
في العقد الماضي, تمكن أردوغان من تغيير تركيا وإحكام قبضته عليها، كما لم تفعل أي شخصية أخرى منذ أتاتورك, والذي طالما قال إنّ تركيا تحتاج إلى سائق جيد ليفادى الحفر والعراقيل في طريق التغيير, وهذا ما لم يرض أردوغان أن يفعله وحده بل زاد عليه أيضًا ردم الحفر المتبقية, وأهمها التخلص من عائق الجيش التركي, وهذا ما سمح له بإحداث تغيير سياسي واقتصادي هائل.
ولا غرو, فقد أصبحت تركيا, في عهده, أكثر تأثيرًا وفاعلية, ودولة ديمقراطية تمتاز بأحد أعلى معدلات النمو في العالم, وهذا النمو أتاح لأردوغان أن يتقدم بمهارة ومسئولية في السياسة الخارجيّة, وجعله يفوز باهتمام واستحسان معظم الكثير من بلدان العالم, مما وضع تركيا في مجموعة العشرين الاقتصادية, حتى أن تركيا بأكملها, بما فيهم خصومه السياسيين, حبست أنفاسها خلال الثلاثة أسابيع من هذا الشهر بعد إجرائه عملية جراحية مفاجئة في الأمعاء, حيث سيطرت عليهم مخاوف واسعة ألا يكون حزب العدالة والتنمية قادرًا على إحكام سيطرته المطلقة على البلاد، ومن ثم الوقوع في الطائفية.
لذلك فليس من المستغرب أن تكون التساؤلات التي تسود المناقشات في السياسة بالشرق الأوسط على وتيرة, ما مدى تأثير النفوذ التركي في الشرق الأوسط؟ ما إمكانية تطبيق "النموذج التركي" وأسلوب قيادة أردوغان للتغيير السياسي في المنطقة؟, وذلك لما منحه أردوغان لشخصيته من مميزات معتبرة خلال جهوده في المنطقة: ومنها قدرته على تمسكه بمعتقداته الدينية القوية داخل دولة علمانية، وانتقاده النظام العالمي الحالي الذي يخدم الغرب وإسرائيل على حساب المسلمين, فصار صوت المظلومين في العالم.
ومن الناحية العملية, ركّز أردوغان على توسيع التجارة والاستثمار في أنقرة, والذي لم يعد بالنفع على تركيا فحسب, بل وإحداث تنمية اقتصادية في أماكن صعبة مثل العراق وليبيا وسوريا, ودول عربية أخرى، وفي البلقان, وزادت شعبيته في العالم العربي بسبب صراعه مع اسرائيل, والذي أصبحت تركيا بعدها لاعبًا هامًا للغاية, لن ترغب إسرائيل ولا حلفاؤها الأمريكيين في تصعيد التوتر معها.
بالإضافة إلى ذلك, أظهر أردوغان قدرة فائقة على التكيف بسرعة ومراجعة مبكرة لأخطائه في منطقة الشرق الأوسط وذلك بتغيير موقفه في مواجهة الأحداث, وعلى وجه التحديد في سوريا, بعدما كان في العام الماضي الصديق الحميم الوحيد للأسد في ظل الاحتجاجات التي شهدتها سوريا.
أما العام الجديد, فمن المحتمل أن يكون واحدًا من أصعب الأعوام على أردوغان, سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي, وعلى المستوى الاقتصادي, وخاصة بعدما بدأت تظهر مشاكل اقتصادية خطيرة في الأفق, حيث بلغ العجز التجاري مستويات غير عادية, وانخفاض الليرة التركية بشكل حاد, واحتمالية نقص الدخل مع الأزمة الاقتصادية التي تشهدها أوروبا, وداخليًا يسعى أردوغان لوضع دستور جديد العام المقبل, وهذا من المرجح لن يحصل على دعم كاف من الأحزاب السياسية, مما قد يعوقه في وضع حل سياسي للصداع الأكثر إلحاحًا والأكثر صعوبة، وهو وضع الأكراد في تركيا.
على الصعيد الخارجي, سيكون أردوغان في مواجهة العلاقات المتعثرة مع الاتحاد الأوروبي والجهود غير المثمرة لتسوية تقسيم قبرص, ولكن يبدو أن معظم اهتمامه في العام القادم سيتركز على الأعمال التجارية الواسعة غير المنجزة في الشرق الأوسط وخصوصا في سوريا والعراق وإيران.
ولا ريب أن سوريا ستكون مع بداية العام الجديد هي الشغل الشاغل لتركيا, وخاصة بعد التنديد القوي للأسد, وإظهار دعمها للمعارضة السورية, وزيادة جهودها للإطاحة بالأسد لكنها مازالت مقتصرة على الترحيب, حيث أنه من المستبعد للغاية أن تستخدم تركيا قواتها لإزاحة بشار الاسد, لكن من المرجح أن تحافظ تركيا على استمرار التشاور الوثيق والشراكة مع الغرب والعالم العربي في هذا الشأن.
في العراق, ومع رحيل قوات الاحتلال الأمريكية, زادت مخاوف تركيا بشأن مصالحها الاقتصادية الضخمة هناك, فأردوغان يحاول أن يساعد على الحفاظ على أمن البلاد الآن من المنطقة الكردية في شمال البلاد وأن تظل جزءا من العراق الموحد, فالنزاع المستمر بين أردوغان وحزب العمال الكردستاني في شمال العراق يضع تركيا على خلاف مع الحكومة الاقليمية الكردية, لكنه من غير المرجح أن يشن حربا على المنطقة.
في نهاية المطاف, يبدو أن أردوغان بعد ثماني سنوات من المراهقة في السياسة الخارجية, اكتسب خبرة كبيرة في منصبه وبسبب ترحاله المتواصل ومساعدة وزير خارجيته الطموح, مما جعله يتحرك على الصعيد العالمي دون تردد لإثبات ذاته ومكانة بلاده, وقد مكنه من ذلك الدعم السياسي القوي وأرقام استطلاعات الرأي التي ما زالت تصب بشكل مؤثر في زيادة شعبيته, وعزمه توسيع نفوذ تركيا الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط وما وراءها. المصدر بالإنجليزية
تقرير من "ديار بكر" يثير جدلا متجددا..حمل المراهقات في تركيا
الإسلام اليوم/ خاص
لطالما أثارت قضية (حمل المراهقات) في تركيا قلقًا في أوساط علماء الاجتماع وصناع القرار. ورغم كشْفِ معهد الإحصاء التركي مؤخرا عن هبوطٍ حاد، يقدر بـ 37%، في معدلات (حمل المراهقات) اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15-19 عامًا، خلال العقد الماضي. إلا أن مستشفى ديار بكر لأمراض الطفولة والأمومة أصدرت مؤخرا تقريرًا أظهر أن 415 مراهقة، تتراوح أعمارهن بين 11 إلى 17 عاما وضعن حملهن في مستشفى واحدة خلال أقل من عام. وفي هذا السياق، يشير المسئولون والمحللون (بأصابع الاتهام) إلى ثقافة المناطق الريفية في جنوب شرق البلاد، ومشكلات التحضر، باعتبارها التفسير الرئيسي لارتفاع معدلات الولادة في سن المراهقة. من جانبه أشار أحمد هالدون إيريتورك عضو لجنة شئون الصحة والأسرة والعمل والشئون الاجتماعية بالبرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية، إلى أن بعض عادات الزواج؛ مثل خطبة الطفولة، وزواج أولاد العمومة، وتبادل الزوجات بين العائلات، ما تزال شائعة في هذا الجزء من البلاد. وأضاف إيريتورك: "رغم وجود الحماية القانونية الكافية للأطفال، يتزايد عدد الأمهات الأطفال". مشيرًا إلى أن اللجنة البرلمانية ستناقش هذه القضية في الأسابيع القليلة المقبلة. بعض السياسيين المحليين، ومنهم نواب عن حزب العدالة والتنمية، يشيرون إلى أن ارتفاع معدلات التعليم بين الفتيات في جنوب شرق البلاد، يسهم في رفع سن الزواج وتقليل عدد الأطفال. لكن الزواج المبكر ما يزال يحظى بدعم واسع في أوساط العائلات المحافظة. وحول تجربتها الشخصية تقول "سانليورفا زينب أرماغان" عضو البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم: "لقد أجريتُ بحثًا مؤخرا، خَلُص إلى نتيجة مفادها أن 1700 فتاة، تتراوح أعمارهن بين 15-17 وضعن حملا خلال هذا العام، في مدينة أورفا". أما علماء الاجتماع الذي يدرسون هذه القضية، مثل ليلى هاريس من جامعة كولومبيا البريطانية، فيقولون إن الأرقام الحقيقية عادة ما تكون أكبر بكثير من البيانات المنشورة. وأوضحت هاريس أن ذلك يرجع إلى الأعداد الكبيرة للفتيات اللواتي يتزوجن قبل سن الـ 17، والضغوط الاجتماعية على المرأة كي تنجب بهدف الحصول على مكانة اجتماعية (أن تكون أمًا)، وقلة عدد النساء اللواتي يضعن حملهن في المستشفيات. بيدَ أن ياسين أقطاي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة سلجوق، يقول: إن الأرقام الصادمة القادمة من جنوب شرق البلاد قد لا تكون مؤشرا على زيادة معدلات ولادة اليافعات؛ لافتًا إلى أن كثيرين ممن لم يُدرجوا في السجلات سابقا، لم تسجل ولادتهم بالتبعية. ويضيف: "كثيرون يتزوجون وينجبون دون أن تكون أسماءهم مدرجة في السجلات. لكن مع ارتفاع معدلات التسجيل، بدأ الانطباع بارتفاع معدلات ولادة اليافعات". أي أن هذا الانطباع ليس منبعه الأعداد الحقيقية بل عملية الإحصاء التي بدأت مؤخرا. وقد ترك الصراع المستمر منذ ثلاثة عقود بين الجيش وحزب العمال الكردستاني بصماته على سكان جنوب شرق البلاد، ما قلب مجتمعات بأكملها، وبنى تحتية اجتماعية، رأسا على عقب. وهذا يعني أن الحماية الثقافية التي ربما تكون المرأة قد حصلت عليها في مجتمع سليم قد اختفت، بحسب ما قاله جيني وايت، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة بوسطن، التي تقول: إن المدن الإقليمية، حيث يعيش كثير من هؤلاء الآن، أو في البلدان المحيطة، تتسم بالعزلة وتعطل المجتمعات والبطالة والفقر. وتضيف: "هم لا يعرفون، ولا يثقون في الآخرين، بل في كثير من الأحيان لا يجدون سبل العيش. لا توجد زراعة، ولا قطعان حيوانات، ولا فرص عمل. بينما يجلس الرجال المحبَطون، الذين افترسهم الفقر والعنف، في البيوت بجوار زوجاتهم وبناتهم المستضعفات. أما الشباب الذين يعيشون نفس المناخ فيحومون حول المتاعب". "إن الشيء الأكثر أمانا هو أن تتزوج فتاة صغيرة مما يضمن لها الحماية والدعم الاجتماعي"، مردفة: وغالبا ما يتم إخراجهن لاحقا من المدرسة.. لكن الزواج ليس ضمانا للسلامة، في كل الأحوال.
شكلت المجزرة التي ارتكبها سلاح الجو التركي ضد قافلة من المدنيين الأتراك في منطقة "أولو ديري" جنوب شرقي تركيا قبل نهاية العام المنصرم بيومين ضربة كبيرة لسياسة الحكومة التركية إزاء القضية الكردية.
القصف الجوي الذي أودى بحياة 35 مدنياً كردياً معظمهم من الشبان تحت سن العشرين عكَس المأساة التي يعيشها الشعب الكردي في تركيا. فهؤلاء الشبان الذين أثبتت الصور الملتقطة لهم مباشرة ومن شهود مخافر الجنود الذي أوقفوهم عند أحد مراكز التفتيش، أنهم كانوا يهربون المازوت والدخان من شمالي العراق إلى جنوب شرقي تركيا لتحصيل لقمة العيش حين سدت في وجههم أبواب "الوطن الأم" التركي.
والغارة الجوية التركية لا شك، أصابت بحرج هائل حكومة رجب طيب أردوغان وكل السلطة السياسية، فيما اعتاد العسكريون هذه "الحوادث".
لكن ردة فعل الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية كانت خطرة لجهة أن اللامبالاة العسكرية لما يصيب الأكراد باتت تقليدية، ولا يرف جفن للمؤسسة التي اضطلعت بدور رأس الحربة في عمليات قتل الأكراد، أما أن تصيب اللامبالاة السلطة السياسية فهذا أمر خطر.
ذلك أن القرار السياسي في البلاد لم يعد كما كان في السابق بيد الطغمة العسكرية التي كانت تستخدم السلطة السياسية واجهة تتلطى خلفها لتنفيذ مآربها. فالإصلاحات التي قام بها حزب العدالة والتنمية أنهت نهائياً نفوذ المؤسسة العسكرية أولاً في 12سبتمبر/ أيلول 2010 في الاستفتاء الشهير الذي أنهى قانونياً إلى حد كبير نظام الوصاية العسكرية. وثانياً عندما استقالت القيادة العسكرية التركية بصورة جماعية في أواخر شهر يوليو/تموز 2011 وحلت محلها قيادة جديدة هي "طوع بنان" رئيس الحكومة. لكن إنهاء نفوذ المؤسسة العسكرية لم ينه نفوذ الذهنية العسكرية وتسللها إلى الطبقة السياسية.
وفي الأشهر الأخيرة تصاعدت حدة التوتر بين الحكومة والحركة الكردية في تركيا المتمثلة في حزبين رئيسين هما فرعان لغصن واحد: حزب العمال الكردستاني وحزب السلام والديمقراطية، الأول يقوم بالعمل العسكري، والثاني ممثل في البرلمان بـ35 نائباً وينتهج السياسة والسلم في عمله.
والتوتر ناتج عن إخلال أردوغان بوعوده الانتخابية من أنه سيسعى إلى حل المشكلة الكردية سلمياً وعبر الدستور الجديد الذي سيعده. لكن ما إن انتهت الانتخابات النيابية حتى كانت الحكومة التركية تتبع سياسة مزدوجة: في الطريق إلى الحل السلمي يجب جلب الحركة الكردية إلى طاولة المفاوضات ضعيفة ومنهكة، وهذا يتم عبر عملية من شقين:
الأول إضعاف الجناح السياسي من الحركة الكردية عبر اعتقالات بالجملة وسط النخب الكردية الفكرية والسياسية والنقابية والثقافية والفنية وكل ما يندرج تحت مسمى المجتمع المدني. وهذا ما حصل بالفعل حيث وصل عدد المعتقلين الأكراد أو المؤيدين للأكراد وسط الجسم المدني إلى زهاء خمسة آلاف معتقل معظمهم رؤساء بلديات وصحافيون وكتّاب وما إلى ذلك، وصولاً إلى محاولة إغلاق حزب السلام والديمقراطية في القضاء، مع تسريب أخبار أن المدعي العام يجمع ملفاً شاملاً بهذا الخصوص.
والثاني شنّ أوسع حملة عمليات عسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل تركيا وفي قواعد الحزب في جبال قنديل في شمالي العراق.
والمفارقة الأولى أن تركيا التي حققت في عهد حزب العدالة والتنمية نجاحات في أكثر من قضية، لاتزال تتعاطى مع المسألة الكردية بالذهنية القديمة المتشددة نفسها التي لا ترى في أكراد تركيا شعباً له خصوصيته وحقوقه المشروعة، وهو ما دفع بمراسل صحيفة “يني شفق” المؤيدة لأردوغان في واشنطن علي عاقل إلى كتابة مقالة شديدة اللهجة في الصحيفة في ثاني أيام العام الجديد ينتقد فيها طريقة تعامل الحكومة مع القضية الكردية، بل يدعو فيها أردوغان بصورة غير مباشرة إلى الاستقالة لأنه في بلد حر لا يمكن للدولة أن تقصف مواطنيها.
لا يحتاج الموقف الرسمي التركي من مجزرة "أولو ديري" إلى الكثير من الاجتهاد للقول إن الذهنية التي تتعاطى مع الأكراد على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، لا تقتصر فقط على العسكريين بل هي مشتركة وتطال النخب القومية المتشددة الموجودة في كل الأحزاب سواء كانت يمينية أو يسارية أو إسلامية، وهي ذهنية مستمرة في تركيا منذ مئة عام ولا يبدو أنها ستتغير، بل ستكون واحدة من أهم أسباب عدم استقرار تركيا.
بقدر ما ينشغل العالم العربي بتركيا من زاوية تأثيرها وموقعها من التطورات الجارية في دول "الربيع" العربي، تغيب عن الساحة العربية الإعلامية والسياسية أيضاً تلك العواصف التي تعصف بالداخل التركي في شقيها العسكري والكردي، فضلاً عن القلق من موضوع الحريات الصحافية والسياسية.
يردد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان في كل خطاباته أنه نال خمسين في المئة من أصوات الناخبين. هذا يتيح له أن يحكم بمفرده، لكنها لا تعني أن يتفرد بالقرارات التي تطال كل المجتمع، خصوصاً تلك التي تمس أسس النظام الذي يحاول حزب العدالة والتنمية أن يؤسسه منذ وصوله إلى السلطة في تعزيز الديمقراطية وتوسيع الحريات وإعداد دستور جديد ضامن لكل الهويات السفلى في المجتمع غير المعترف بها حتى الآن.
ليس من فترة يتعرض فيها أردوغان للانتقاد مثل هذه الفترة. والانتقاد يأتي من كل الأطراف، من الأكراد ومن القوميين ومن الليبراليين واليسار الاجتماعي، كما من خارج الحدود ولا سيما الاتحاد الأوروبي. وحدها واشنطن لا تبدي مثل هذه الحماسة في الانتقاد، وهذا يجب ألا يريح أردوغان، كما قد يظن، بل أن يقلقه لأنه يمكن أن يفسّر الموقف الأمريكي ضمانة لعدم المساءلة في ما يكون يصل إلى نقطة لا عودة في إمكانية التراجع عن الخطأ.
تبدو أخطاء أردوغان بقوة في طريقة تعاطيه مع المسألة الكردية في شقها المدني، رغم أن العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني لا تجد غالباً مبررات منطقية لها، غير أن الاعتراض الشديد هو في طريقة تعاطي حكومة أردوغان مع الفئات والمجموعات المدنية التي تناصر المسألة الكردية، وليس تحديداً حزب العمال الكردستاني.
منذ انتهاء الانتخابات النيابية في يونيو/ حزيران الماضي والعلاقة في سوء يومي بين حكومة حزب العدالة والتنمية والقاعدة السياسية الكردية والمنظمات المدنية المدافعة عن الحريات. ومع أن الجميع كانوا يتوقعون أن يمرر أردوغان محطة الانتخابات للانتقال من موقع قوة إلى الانفتاح وطرح خطة جديدة جريئة لحل المشكلة الكردية إذا به يعتبر انتصاره الشعبي، لا البرلماني "لم ينل ثلثي المقاعد، 367 مقعداً، ولا 330 مقعداً الضرورية للذهاب إلى استفتاء شعبي"، مبرراً لشن أوسع حملة اعتقالات على كل منتقدي سياساته الكردية وغير الكردية.
بات التعبير عن موقف سياسي أو فكري أو صحافي لمعارضي أردوغان مجازفة وتذكرة للاعتقال والسجن، وشملت الاعتقالات كل الشرائح من صحافيين، حيث هناك تسعون صحافياً معتقلاً، ومثقفون وأساتذة جامعات ومخرجون وممثلون سينمائيون ونقابيون ورؤساء بلديات وجمعيات، وصودرت كتب لم تذهب بعد إلى المطبعة، فضلاً عن نواب فازوا وهم في السجن ولا يزالون.
ومؤخرا لامست الإجراءات خطاً أحمر عبر انتهاك حرمة منزل النائبة الكردية ليلى زانا في أنقرة وخلعه وتفتيشه ومصادرة أجهزة كمبيوتر وغير ذلك، رغم أنه لا مذكرة بهذا الخصوص، وهي في الأساس تحظى بالحصانة النيابية.
زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو قسم المجتمع التركي إلى قسمين: قسم في السجن المغلق المعهود، وقسم في السجن الكبير المفتوح.
ويذكّر المخرج والكاتب جان دوندار بأنه عندما اقتحمت قوات الأمن في عام 1999 منزل النائبة المنتخبة التي لم يسمح لها بأداء اليمين، مروة قاواجي، وما لبث أن أسقطت المحكمة الدستورية عضويتها النيابية، قامت قيامة الإسلاميين حينها، وكان معهم حق. لكن يتساءل دوندار عن سبب تكرار أردوغان اليوم مع ليلى زانا الخطأ نفسه الذي ارتكبه المتشددون حينها بحق قاواجي.
ترى النائبة غولتان قاشاناق، نائبة رئيس حزب السلام والديمقراطية الكردي، أن نيل أردوغان خمسين في المئة من الأصوات لا يعني أنه وحده يملك المعرفة. وتساءلت أن هتلر كان وراءه الملايين، لكن بماذا يذكره الناس اليوم؟
أما رئيس الحزب نفسه، صلاح الدين ديميرطاش، فلا يجد فرقاً بين الانقلابات العسكرية التي كان ينفذها العسكر وبين الانقلاب الأمني الذي ينفذه حزب العدالة والتنمية اليوم، متهماً أردوغان بأنه أعطى أوامره لمحو الأكراد؛ فيما يرى الكاتب الليبرالي المعروف حسن جمال أن حملة الحكومة على المتهمين بدعم الإرهاب غير مقنعة، وكلما تواصلت حملة الاعتقالات بالوتيرة الحالية تتأكد صوابية الرأي الذي يتهم حكومة أردوغان بأنها تتحول إلى حكومة شمولية قامعة لكل أنواع الحريات.
فهل يدرك أردوغان خطورة المرحلة التي تمر بها تركيا في ظل العواصف التي تهز المنطقة، وتركيا جزء منها، بل تطرح نفسها "نموذجاً" لها؟.
تواجه تركيا تحديات هائلة في سياساتها المتنقلة بين تصفير المشكلات وتصفير السياسات. فقبل ثمانية أعوام فقط لم يكن أحد يتوقع أن يتحول المحيط الجغرافي لتركيا من محيط عدائي إلى محيط صداقة وتصفير عالٍ جداً للمشكلات التي طبعت علاقات تركيا بجيرانها المباشرين على الأقل.
غير أن تطورات لاحقة أفضت إلى تحولات في سياسة تركيا الخارجية، منها الضغوط الغربية على أنقرة بعد حادثة أسطول الحرية التي كانت بداية لانحياز تركي أكبر في اتجاه الغرب، ومنها الثورات العربية التي أربكت السياسات التركية تجاه بعض الدول العربية وخرّبت علاقاتها مع البعض الآخر.
لكن العديد من الكتّاب الأتراك يرسمون صورة أكثر اتساعاً لمروحة العداء المستجدة تجاه تركيا. وتأتي محاولات "إسرائيل" لتشديد الخناق على تركيا في طليعة هذه الضغوط، وإليها تنضم اليونان وقبرص اليونانية ورومانيا وبلغاريا، والاتفاقيات المعقودة بين هذه الدول بمسميات اقتصادية وعسكرية واستخباراتية.
وإذا أضيفت روسيا وأرمينيا وإيران والعراق وسوريا، بل حتى لبنان إلى هذه المروحة يكون الطوق الجغرافي المباشر قد اكتمل حول تركيا. لكن هذا الطوق يمكن أن يكون أيضاً أكثر اتساعاً في حال جلنا بالنظر إلى دول وقوى أبعد من الدائرة الجغرافية التركية المباشرة. من هذه الدول على سبيل المثال، فرنسا التي تدخل علاقاتها مع تركيا دائرة التوتر.
وإذا كانت مسألة العضوية التركية في أوروبا من أهم أسباب الخلاف بين تركيا وفرنسا وإلى هذا السبب يمكن ضم العلاقات التركية مع ألمانيا مثلاً، فإن للمواقف الفرنسية تجاه المسألة الأرمنية واعتبار "الإبادة" الأرمنية عام 1915 على يد الأتراك جريمة يعاقب من ينكرها، دوراً في تضييق الخناق على تركيا بحيث يمكن المقارنة بين وضع تركيا الحالي مع وضعها خلال التسعينيات، لجهة أنها كانت محاطة بالأعداء القريبين والبعيدين.
لا يمكن، والحالة هذه، أن نضع اللوم على كل هذه الدول المتناقضة فيما بينها ونبرئ حكومة حزب العدالة والتنمية من هذا الوضع المؤذي لتركيا، خصوصاً في مرحلة تطلعها لتكون قوة إقليمية مؤثرة، بل قوة تلامس المعايير العالمية.
ومسؤولية تقييم ما آلت إليه سياسة تصفير المشكلات من فشل تعود إلى مهندسي هذه النظرية، لا سيما وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو.
مع ذلك، فإن المسؤولين الأتراك يحتاجون إلى مرونة في إدراك الوقائع وانفتاح على النقد الموجّه للسياسات التركية التي أربكت الآخرين وأربكت تركيا، ولم تكن عامل تهدئة، بل مفاقمة للتوتر، في حين كان بإمكانها القيام بما لا يستطيع أحد آخر القيام به.
إن اعتبار التوجهات الحالية لحكومة حزب العدالة والتنمية مشابهة لتوجهات الحكومات العلمانية المتشددة والعسكرية السابقة أمر يجب التوقف عنده ودراسته. فما كانت تمارسه الوصاية العسكرية في الداخل ضد الإسلاميين يمارسه الآن "إسلاميو النظام" تجاه خصومهم، في حين كان الجميع ينتظرون نهجاً مغايراً.
وعلى الصعيد الخارجي، كان تراجع المسؤولين الأتراك عن سياسات المسافة الواحدة واتخاذ موقع الطرف في الصراعات الداخلية داخل كل دولة كما بين الدول، كان من أكبر الأخطاء في منطقة عربية وإسلامية ومسيحية لا تتحمل سياسة إلغاء الآخر وتتميز بحساسياتها التي تتعدى مبادئ الحق والعدالة، بل تستثير التاريخ وتنبشه في أسوأ نماذجه وتجاربه وصوره.
ولقد جاء وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إلى بيروت والتقى، ضمن برنامجه المكثف، مجموعة من المثقفين على مدى ساعة ونصف الساعة، ولقد استهل جلسته بالقول إنه هنا ليسمع ويصغي للنقد والملاحظات على السياسة الخارجية التركية. وأعتقد أنه بقدر ما أصغينا إليه وبتأن يفترض بالوزير المسؤول الذي نقدّر ونحترم أن يكون أكثر تفهماً لمسببات عودة تركيا لتجد نفسها وسط محيط عدائي بعد كل الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية والتي تبخّرت خلال أقل من سنة.
لا تزال تركيا في موقع القادر على العودة إلى التوازن في سياساتها الخارجية لأنها ستكون مفيدة لها ولجوارها. ولكن كيف؟.