« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: لبنان والوضع الشائك (آخر رد :النسر)       :: هواجس وأخبار خليجيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: الأب الحنون صلى الله عليه وسلم (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: هنا (الفايسبوك وتويتر) ... صوت الثورة الشعبية! (آخر رد :النسر)       :: اليمن: بداية جديدة ومهام عسيرة! (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط



لماذا قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ؟

تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-Aug-2008, 02:41 PM   رقم المشاركة : 1
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي لماذا قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ؟






بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد ،في هذا الموضوع سنتعرض لذكر دوافع الخوارج لقتل عثمان رضي الله عنه ، ونقض شبهبهم وافترائتهم بالدليل.

وذلك مستل من كتاب :فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه

لمؤلفه الدكتور: محمد بن عبد الله غبان الصبحي.

مع بعض التصرف اليسير







تمهيد:

قبل الخوض في تفاصيل الفتنة، أود أن القي نظرة فاحصة على ما تناقلته المصادر، والمراجع حول مسوغات خروج الخارجين على الخليفة عثمان رضي الله عنه، فإن سبر هذه المسوغات التي ذاعت بين الناس يصنفها إلى ثلاثة أصناف من حيث صحة وضعف وقوعها من الخارجين عليه.

الأول: معايب صح أن الخارجين عليه أظهروا تسويغهم الخروج عليه بها أو عابوها عليه فقط.

الثاني: معايب لم يصح أن الخارجين عليه سوغوا بها خروجهم عليه، وورد ذكرها في روايات ضعيفة الأسانيد.

الثالث: معايب لم أقف على إسناد لها، واشتهر في المصادر والمراجع المتأخرة عن الحادثة دون إسناد أن الخارجين عليه سوغوا خروجهم بها عليه.

وهذه المعايب - بأصنافها الثلاثة- منها ما هو مفترى عليه، ومنها ما هو منقبة له قلبتها القلوب الحاقدة إلى مثلبة، والباقي منها أمور لا يعيبه بها إلا من فسدت طويته، وقصد التسويغ لباطل أراد تنفيذه.

وفيما يلي حديث مفصل عن هذه الأصناف الثلاثة، والمسوغات التي تندرج ضمنها:

المبحث الأول: ما صح أن الخارجين سوغوا خروجهم عليه به أو عابوه عليه :





أولاً: عدم شهوده غزوة بدر:
كانت غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة، وذلك لما ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الخروج إلى عير لقريش، وتعجل بمن كان مستعداً، دون أن ينتظر أهل العوالي لاستعجاله بالخروج1.
ووافق ذلك أن كانت رقية -رضي الله عنها- ابنة النبي صلى الله عليه وسلم مريضة، قعيدة الفراش، وفي أمس الحاجة إلى من يمرضها ويرعى شؤونها، وخير من يصلح لذلك هو زوجها؛ لأن الزوجة لا تكتمل حريتها عند غير زوجها؛ لذلك كله أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالبقاء في المدينة بجانب زوجته ليقوم بتمريضها، وضرب له بسهمه في غزوة بدر فقال عثمان: وأجري يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وأجرك 2.
وبذلك يتبين أن عثمان رضي الله عنه لم يشهد غزوة بدر، ولكنه كمن شهدها لضرب النبي صلى الله عليه وسلم له بسهم فيها، من الغنيمة والأجر.
وعلم ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فلم يصح عن أحد منهم أنه عابه بعدم شهوده بدراً، واستمر الأمر على ذلك.
حتى انفجرت ينابيع الفتنة، وبدأ الخارجون على عثمان رضي الله عنه يتلمسون ما يظهرون للناس أنهم سوغوا به الخروج عليه، فعابوه بعدم شهوده بدراً.
ولكن ذلك لا ينطلي إلا على الجهلة من الناس، فإن أهل البصيرة يعلمون أن عدم شهوده رضي الله عنه هذه الغزوة إنما كان بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن شهد بدراً لم يحصّل ذاك الأجر العظيم إلا لامتثاله أمره صلى الله عليه وسلم فالمتخلف بأمره والشاهد بأمره سواء بسواء.
وبناء على ذلك ذكره الزهري3 وعروة بن الزبير4 وموسى بن عقبة5 وابن إسحاق6 وغيرهم7 فيمن شهد بدراً.

ولما جاء أحدهم (8 ) إلى ابن عمر رضي الله عنهما يسأله عن حضور عثمان بدراً، أجابه بأنه لم يشهدها، فكبر السائل فرَحاً وشماتةً بعثمان، فناداه ابن عمر رضي الله عنهما وبيّن له أن تخلف عثمان هذا لم يكن من قِبله، إنما كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُعدّ عيباً فيه، فقال له: وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه (9).
فلم يتخلف عثمان عن غزوة بدر رغبة عن الأجر، ولا جُبناً، ولا خوفاً، وإنما تديناً وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن النفير -كما تقدم- لم يكن عاماً، وبسبب ذلك تخلف عن بدر كثير من الصحابة رضوان الله عليهم ممن كانوا في العوالي، وممن لم يحضروا ساعة الاستعداد للرحيل، لشدة استعجال النبي صلى الله عليه وسلم؛ خشية أن تفوت العير فلا يدركونها.
فعدم حضور بدر ليس بعيب في آحاد الصحابة رضوان الله عليهم
الذين لم يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقعود في المدينة؛ فكيف يكون عيباً فيمن قعد لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يكشف زيف استساغتهم الخروج عليه، بعدم شهوده بدراً، عدم عيبهم لسائر المتخلفين عنها الذين لم يتهيأ لهم الخروج إليها، وإن كان ذلك لعذر، فإن عذر عثمان رضي الله عنه أقوى من عذرهم، فلم ينقل لنا شيء من هذا، مما يؤكد لنا أن القوم يتصيدون ما يمهدون به للخروج على الخليفة فحسب.
والتخلف عن شهود غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مع العذر، ممن لديه رغبة صادقة في شهودها، لا يوقع حرجاً على صاحبه، إذا كان ناصحاً لله ورسوله، وقد بين الله جل وعلا ذلك في قوله:
{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} سورة التوبة، الآيتان (91-92)
فليس على هؤلاء سبيل، بل شهد الله لهم بالإحسان.
أما الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم للقعود عن القتال، وهم أغنياء
مستطيعون، ليس لهم عذر، ولكن رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين، فهؤلاء هم الآثمون الذين يعاقبهم الله بالطبع على قلوبهم.
كما في قوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} سورة التوبة، الآية (93).
فمن يتخلف عن غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بأمر منه، ويضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم في الغنيمة وفي الأجر، فإنه أولى بأن لا يكون عليه سبيل ممن تخلف عنها لعدم الاستطاعة والقدرة.
ثم لو كان قد أخطأ فتخلف عن غزوة بدر بدون عذر، فإن ذلك لا يسوغ قتله صبراً، ولا يسوغ الخروج عليه وهو خليفة؟!
ولو كان عثمان رضي الله عنه آثما لتخلفه عن غزوة بدر؛ فلم لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ؟ فهل هؤلاء الطاعنون فيه بهذا السبب أعرف بدين الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
وهم أوباش الناس، ليست لهم صحبة ولا فضل، ولم يعرفوا بخير قط، ولولا الفتنة ما عرفوا ولا ذكروا.
ويستنبط المتجرد من الهوى والتعصب ضد عثمان رضي الله عنه مِنْ عدم شهوده بدراً، فضلاً ومزيَّة له على من شهدها، وذلك من جهة أن له مثل ما لهم من الأجر الدنيوي والأخروي، ومن جهة امتثاله لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقعود عنها، ومن جهة قيامه بعمل من أفضل القربات، وهو تمريض زوجته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول أبو نعيم: وإن طُعن عليه بتغيبه عن بدر، وعن بيعة الرضوان، قيل له: الغيبة التي يستحق بها العيب: هو أن يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفضل الذي حازه أهل بدر في شهود بدر؛ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولولا طاعة الرسول ومتابعته لكان كل من شهد بدراً من الكفار كان لهم الفضل والشرف، وإنما الطاعة التي بلغت بهم الفضيلة، وهو كان رضي الله عنه خرج فيمن خرج فردَّه الرسول صلى الله عليه وسلم للقيام على ابنته، فكان في أجلِّ فرض؛ لطاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره، فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر، ولطاعته الله ورسوله وانقياده لهما1.


*****************************************



الحواشي :

1 انظر عن هذه الغزوة: (مرويات غزوة بدر للعليمي)، و (المجتمع المدني -الجهاد ضد المشركين ـ للدكتور / أكرم العمري (ص:39، 59).
2 البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (7/ 54، 363)، والترمذي، السنن (5/629) وأحمد، المسند (بتحقيق: أحمد شاكر 8/ 101-102، 199-200)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (3/160)، والطيالسي، المسند (264)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (254-256)، وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (3/ 24-25)، وانفرد بقول عثمان رضي الله عنه: وأجري يا رسول الله؟ ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (ص30)، انظر الملحق الرواية رقم: [22].

3 ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (ص29، 31).
4 المصدر السابق : (ص30).
5 المصدر السابق : (ص29-31).
6 ابن هشام، تهذيب سيرة ابن إسحاق (2/ 678-679)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (29-30).
7 يعقوب بن سفيان البسوي، المعرفة والتاريخ (3/ 159-160)

8- يحتمل أنه العلاء بن عرار (ابن حجر، فتح الباري 7


*******************
يتبع إن شاء الله تعالى












التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Aug-2008, 03:09 PM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية فواز السلطان

 




افتراضي

ننتظر المزيد بارك الله فيك













التوقيع

 فواز السلطان غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Aug-2008, 08:20 PM   رقم المشاركة : 3
ارسطوالعربي
مصري قديم



افتراضي

قرأت في برنامج التاريخ الاسلامي(برنامج منتج بالتسعينات,اعتقد ان هذا البرنامج سوري)
تاريخ الخليفة الثالث(رض) ذكر هذا البرنامج انه سبب الخروج عليه هو ان عثمان(رض) جعل كل المناصب العليا بالدولة لبني أمية من قادة العسكر الى الولاة وغيرهم, فادى ذلك الى سخط الناس و الخروج عليه.

ما صحة هذه الرواية؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟







 ارسطوالعربي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Aug-2008, 08:24 PM   رقم المشاركة : 4
ارسطوالعربي
مصري قديم



افتراضي

طبعا المسلمون انفسهم يختلفون حول ما سبب خروج الناس على عثمان(رض) حسب مذاهبهم.
فهناك مذهب يقول الاسباب التي ادت الى ذلك.
و هناك مذهب ينفي ذلك.


في الحقيقة انا اتطلعت عليها كلها و لم اجد سبب مقنعا يؤدي الى ذلك.







 ارسطوالعربي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2008, 05:33 AM   رقم المشاركة : 5
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فواز السلطان مشاهدة المشاركة
   ننتظر المزيد بارك الله فيك

بارك الله فيك أخي الكريم على المرور والتعقيب
نسال الله العون والسداد












التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2008, 05:36 AM   رقم المشاركة : 6
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ارسطوالعربي مشاهدة المشاركة
   قرأت في برنامج التاريخ الاسلامي(برنامج منتج بالتسعينات,اعتقد ان هذا البرنامج سوري)
تاريخ الخليفة الثالث(رض) ذكر هذا البرنامج انه سبب الخروج عليه هو ان عثمان(رض) جعل كل المناصب العليا بالدولة لبني أمية من قادة العسكر الى الولاة وغيرهم, فادى ذلك الى سخط الناس و الخروج عليه.

ما صحة هذه الرواية؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سنتعرض لذلك إن شاء الله تعالى في هذا الموضوع ، ولكن إجمالاً هذه تهمة غير صحيحة ، لأنه بالنظر إلى سيرة عثمان رضي الله عنه نجد أنه عين في المناصب العليا من بني أمية ومن غيرهم .
وسنفصل في ذلك بالاسماء إن شاء الله تعالى.












التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2008, 05:36 AM   رقم المشاركة : 7
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

ثانياً: توليه يوم أحد عن المعركة :
ومنها توليه عن القتال، في معركة أحد التي وقعت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، بين المسلمين، والمشركين بالقرب من جبل أحد، الذي يقع شمال المدينة النبوية.
وكان المسلمون قد انتصروا في أول المعركة، وقتلوا عدداً من المشركين، وفي ذلك يقول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} سورة آل عمران، جزء من الآية (152).
ونتيجة لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من بعض المقاتلين فقد المسلمون مواقعهم، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، فلم يستطيعوا تمييز بعضهم من بعض وأسقط في أيديهم، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانباً دون قتال، في حين آثر آخرون الموت على الحياة فقاتلوا حتى الموت(1 )
وقد ذكر الله جل وعلا خبر فرار من فر، وعفوه عنهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} سورة آل عمران، الآية (155).
فبين الله أنه قد عفا عن جميع المتولين يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقية، فكيف لا يدخل هو مع فضله، وسابقته، وكثرة حسناته(2 )
ولكن الخارجين عليه لم يعبؤوا بهذا العفو من الله، بل أظهروا وأشاعوا أنهم نقموا عليه فراره يوم أحد، مما يدل دلالة واضحة على أن تسويغهم ليس بتسويغ مجتهد مخطئ، أو تسويغ متحمس ضال، إنما هو تسويغ مضل مفسد يتلمس ما يسوغ به إفساده.
وإلا لما عابوا عليه أمراً قد عفا الله عنه وغفره، ولما أشاعوا ذلك بين المسلمين على ولي أمرهم أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن فراره يوم أحد لا يُحل قتله، فكيف وقد غفر الله له، ولو استحق ذلك لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم معاقبته، ولما بايعه الصحابة جميعاً بالخلافة.
فلم ير الصحابة رضي الله عنهم في موقفه بأحد ما يستوجب التردد في بيعته بعد عفو الله عنه وعن سائر الفارين.
بل رأوا في مواقفه الأخرى، ما يقدمه إلى أعظم مسؤوليات الدولة، وهي: الخلافة.
ولكن الخارجين عليه كانوا يفتشون عن مسوغات للفتنة، والتمرد، وقتل الخليفة، فتشبثوا بهذا الأمر وبغيره من المسوغات الواهية الأخرى.
مما يبين جلياً أن الشيطان قد استحوذ عليهم، حتى أنساهم ذكر الله(كما في قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} سورة المجادلة، الآية (19) ) وزين لهم أعمالهم فأضلهم عن السبيل، وهم يحسبون أنهم مهتدون.
ولما سأل ذلك الخارجي( 3 ) ابن عمر رضي الله عنهما عن فرار عثمان يوم أحد، شهد ابن عمر على فراره؛ فكبر الخارجي شماتة بعثمان، فقال له ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له... اذهب بها الآن معك ( 4 ).
__________




ثالثاً: تخلفه عن بيعة الرضوان:
ومنها تخلفه عن بيعة الرضوان(5 ) وقد كانت بيعة الرضوان في مستهل ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، تحت شجرة سمرة في مكان بالقرب من مكة يسمّى بالحديبية( 6 ).
دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أهل مكة يفاوضهم، ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه العمرة وليس القتال، فلما استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم عثمان، وبلغه أن المشركين قد قتلوه، بايع أصحابه على قتال المشركين ثأراً لعثمان رضي الله عنه.
ونظراً لاحتمال عدم صدق الخبر بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده على اليد الأخرى عن عثمان رضي الله عنه.
وقد بيّن الله جل وعلا فضل أصحاب هذه البيعة، في آيات عديدة، كما بينه أيضا الرسول صلى الله عليه وسلم.
فمن الآيات قوله جل وعلا: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} سورة الفتح، الآية (18، وانظر تفسيرها في تفسير ابن كثير (4/190-191).
ومن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية لمن شهدها: "أنتم خير أهل الأرض" (7).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" (8 ).
ومنذ أداء تلك البيعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ظلت مفخرة لمن شهدها، يعرف الناس فضلهم وقدرهم، ومكانتهم، ولا يعاب من لم يشهدها ممن كان في المدينة، وغيرها من المسلمين، ولما بدأ الناس في الطعن على عثمان رضي الله عنه، وتلمسوا ما يعيبونه به، أظهروا أنهم استساغوا الخروج عليه بعدة أمور: منها المفتراة، ومنها ما هو منقبة له في الحقيقة.
وعدم شهوده بيعة الرضوان هو من هذا الصنف الأخير، فإن عدم شهوده إياها فيه ما يدل على سموّ مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه منقصة له.
لكن أفهام القوم قاصرة، وقلوبهم حاقدة، حتى إن أحدهم جاء إلى ابن عمر -رضي الله عنهما - يناشده: أَشَهِد عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان؟.
فقال له ابن عمر: لا، وقبل انصراف الرجل، بيّن له ابن عمر رضي الله عنهما أن عدم شهوده البيعة لا يعدّ عيباً فيه، بل منقبة له، فإن سبب تغيبه عنها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أهل مكة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه لعثمان( 9) فَيَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد من بايع بيده.
وفي ذلك يقول أبو نعيم: "وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان رضي الله عنه وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه رسولاً إلى أهل مكة لِمَا اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة(10)."
فعدم حضور عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان يُعَدّ منقبة له وليس مثلبة فيه، ولكن القلوب الحاقدة قلبتها إلى مثلبة وعابته بها.
وتتلخص هذه المنقبة في أمور أربعة:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم اختاره لأداء تلك المهمة، وهذا دليل على فضله رضي الله عنه وصلاحيته لها.
الثاني: أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع له بإحدى يديه على الأخرى.
الثالث: أنه رضي الله عنه امتاز على باقي أصحاب الشجرة بأن النبي بايع عنه بيده الأخرى، فيد النبي صلى الله عليه وسلم خير من أيديهم رضي الله عنهم أجمعين.
الرابع: أن البيعة إنما عقدت من أجله مما يبين مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم.
************************************************** **********
الحواشي:
1-انظر عن هذه الغزوة: (المجتمع المدني -الجهاد ضد المشركين ص: 65، 86)، ومرويات غزوة أحد لحسين الباكري.
2- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 29
3- جاء في إحدى روايات البخاري أنه رجل من أهل مصر (الفتح 7/ 54، وذكر الحافظ ابن حجر أنه العلاء بن عرار (الفتح 7/ 364
4-البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (7/ 54، 363)، والترمذي، السنن (5/629)، وأحمد، المسند (بتحقيق: أحمد شاكر 8/ 101-102، 199-200)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (3/ 160)، والطيالسي، المسند (264)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان ( 254-256)، وذكره المحب الطبري، في الرياض النضرة (3/ 24-25)، انظر الملحق الرواية رقم: [22].

5- عن بيعة الرضوان وتفاصيلها؛ انظر : مرويات غزوة الحديبية، للدكتور/ حافظ الحكمي (ص:148-157) والمجتمع المدني (الجهاد ضد المشركين، للدكتور/ أكرم العمري (ص: 127-135).
6- قال مجد الدين ابن الأثير: "مخففة وكثير من المحدثين يشددها" النهاية في غريب الحديث والأثر (1/349.
7- رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (7/443)
8- رواه مسلم، الجامع الصحيح، (163) وأحمد، المسند (6/420)
9- صحيح البخاري، فتح الباري (7/54، 363) والترمذي، السنن (5/629) وابن أبي شيبة، المصنف (14/442-443)، وأحمد، المسند، بتحقيق أحمد شاكر (8/101-102، 199، 200) وأبوداود الطيالسي، المسند (264)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (3/160)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (254-256)وذكره المحبّ الطبري، الرياض النضرة (3/ 24-25) وانظر: الملحق، الرواية رقم: [22]
10- الإمامة (304 بتحقيق) الدكتور علي ناصر فقيهي.
**************************************
يتبع إن شاء الله تعالى













التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2008, 02:21 PM   رقم المشاركة : 8
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

المبحث الثالث:ما اشتهر من ذلك وليس له إسناد.تنفرد بعض الكتب التي لا تستند رواياتها بعدة معايب سوغ بها الخارجون على عثمان رضي الله عنه الخروج عليه، وعدم وجود أسانيد لها يشكك في صحة صدورها من الخارجين عليه، ولعلها صدرت من أعداء عثمان رضي الله عنه المتأخرين من الرافضة، وغيرهم؛ ومن هذه المعايب:
أولاً: عدم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر.أقدم من ذكر أن ذلك مما عيب على عثمان رضي الله عنه هو المحب الطبري (1 )ولم يسنده، والمحب الطبري متأخر توفي سنة 694?.
ثم تلاه ابن المطهر الحلي الرافضي؛ المتوفي سنة 726?. فقد قال في كتابه "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: "إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه..."(2 )
وقبل طرح مناقشة المحب وابن تيمية لهذه المعيبة الملصقة بعثمان رضي الله عنه أود أن أنبه إلى أن ما نقلته عن المحب لا يثبت أن الخارجين قد عابوا على عثمان رضي الله عنه ذلك، وأنهم سوغوا خروجهم به، وقصارى ما يثبت من كلام المحب، أن هذا وقع فعلاً، دون الجزم بأصحابه ولا بعصرهم، فيحتمل أن يكون قد وقع من الرافضة بعد الفتنة بمئات السنين.
وعدم إقامة حد القتل على عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يعد عيباً في عثمان رضي الله عنه فإن ابنة أبي لؤلؤة؛ ابنة لمجوسي تابعة له، لا قود فيها، ومثلها جفينة، فإنه نصراني من أهل الحيرة، وقد اتهم بالمشاركة في قتل عمر رضي الله عنه لما كان بينه وبين أبي لؤلؤة من مجانسة، وقد ذُكر لعبيد الله بن عمر: أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل عمر، فاتهم بمشاركة أبي لؤلؤة وممالأته والمُعين على قتل الإمام العادل يرى جماعة من الأئمة قتله، بل أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور.
واعتذر عبيد الله بن عمر بذلك وقال: "إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره، أنه رأى أبا لؤلؤة، والهرم-زان، وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، وقُتل عمر صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان رضي الله عنه عبد الرحمن فسأله عن ذلك، فقال: انظرو إلى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان رضي الله عنه قتل عبيد الله بن عمر، لرؤيته عدم
وجوب القود لذلك، أو لتردده فيه لم ير الوجوب بالشك(3 )
ولو ثبت ذلك عند عثمان رضي الله عنه وانتفى الشك، فلترك قتله عذر، وذلك خوفاً من أن يثير قتله فتنة عظيمة، فقد كان فريق من الصحابة رضي الله عنهم لا يرون قتله، حتى قال له عمرو بن العاص رضي الله عنه: قتل أمير المؤمنين بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟! لا والله لا يكون هذا أبداً، فقال عثمان رضي الله عنه: أمره إليّ وسأرضي أهل الهرمزان عنه(4 )فسكَّن بذلك الفتنة التي كادت أن تقع( 5 )
ولم يكن للهرمزان أولياء، وإنما وليه ولي الأمر، وقدر عثمان أن يعطى قدر الدية لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، فإنه كان عليه ثمانون ألفاً، وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته؛ عاقلته بني عدي وقريش، فإن عاقلة الرجل هم الذين يحملون الدين كله، والدية لو طلب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ، أو عفا عنه إلى الدية، فهم الذين يؤدون دين عمر، فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها.
قد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي

الناس عطاءً كثيراً أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر(6 )
وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر، كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أنه معصوم الدم يحرم قتله، فإن عبيد الله بن عمر متأول يعتقد حل قتله وشبهته ظاهرة، فإن ذلك شبهة تدرأ عنه حد القتل، كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، لاعتقاده أن هذا القول لا يعصمه، عزره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام ولم يقتله؛ لأنه كان متأولاً.
فهذه الشبهة يجوز للمجتهد جعلها مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص، فيها مسائل كثيرة اجتهادية(7 )وإذا ثبتت إعانته على قتل عمر وجب قتله على الأئمة وإليهم قتله.
وعبيد الله بن عمر افتأت(8 )بقتله، وقتله كان إلى الخليفة، وليس إلى أبناء عمر رضي الله عنه، ولكن للإمام أن يعفو عمن افتأت عليه، وقد عفا عثمان رضي الله عنه عن افتآت عبيدالله بن عمر عليه(9 )
والهرمزان معصوم الدم قبل اشتراكه في مؤامرة قتل عمر رضي الله عنه لأنه كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقدِموا به على عمر، فأظهر إسلامه، فمنَّ عليه عمر رضي الله عنه فأعتقه، فأصبح مولى للمسلمين.
ولما قال عمر لعبد الله بن عباس رضي الله عنهم: " قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة لعبد الله، قال: إن شئت أن نقتلهم"، فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر رضي الله عنهم في قتل علوج الفرس مطلقاً الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، واعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان الذي تلبس بتهمة المشاركة في التخطيط لقتل الخليفة.
ولعل سبب رفض بعض الصحابة رضي الله عنهم قتل عبيد الله، أن تكون وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟.
وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض، فقيل: لا يجب القود إلاَّ على المباشر خاصة، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قوياً وجب على المباشر والمتسبب: كالمُكْرِهِ والمُكْرَهِ وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا، وقالوا: تعمدنا وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد.
قال شيخ الإسلام: "وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصاً، وعمر هو القائل في المقتول: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به"( 10 )
كما أنه تنازع الناس في قتل قاتل الأئمة، هل يكون حداً أو قصاصاً؟ فقال قوم: إنه يقتل حداً كما يقتل القاتل في المحاربة حداً، لأن قتل الأئمة فيه فساد عام، أعظم من فساد قطاع الطريق، فكان قاتلهم محارباً لله ورسوله، ساعياً في الأرض فساداً.
كما أن الهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه، وإنما وليه وليُّ الأمر، فله أن يقتل قاتله، وله أن يعفو عنه إلى الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين، وقد عفا عثمان رضي الله عنه عن قاتله ورأى قدر الدية أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، معونة منه لأهله، فهذه من محاسن عثمان رضي الله عنه التي يمدح بها ولا يذم –كما تقدم-.
فإن الدية للمسلمين، وللحاكم أن يصرفها في مصارف الأموال، وتركها لآل عمر وهو بعض ما يستحقونه على المسلمين.
وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، فلا ينكر على عثمان رضي الله عنه ما فعله باجتهاده(11 ).
وأما خوف عبيد الله من علي رضي الله عنهما أن يقتله بعد قتل عثمان رضي الله عنه فليس بصحيح، فلم يرد فيه إسناد صحيح فيما اطلعت عليه من مصادر، ولا يتوقع ذلك من علي رضي الله عنه، لأنه قد حُكِمَ الحكم في هذه المسألة بعصمة الدم، فلا يتوقع من علي رضي الله عنه استحلال نقضه، كما أن علياً رضي الله عنه ليس ولياً للمقتول، ولم يطلب ولي المقتول القود لأنه لا ولي له، فليس بعد عفو عثمان رضي الله عنه وحكمه بحقن دمه يباح قتله، ولم يعلم ابن تيمية في ذلك نزاعاً بين المسلمين.
وهل يباح دم الخليفة الثالث المبشَّر بالجنة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يُقم الحد على رجل قتل رجلاً مشكوكاً في دينه متهماً بالنفاق، والمحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض بالفساد.
ومعلوم أن عثمان رضي الله عنه كان من أكف الناس عن الدماء، ومن أصبرهم على ما يُنال من عرضه وعلى من سعى في دمه -كما سيأتي- وقد رفض قتال الخارجين عليه مع علمه بأنهم يريدون قتله، وأنه على الحق، وأنهم على الباطل، ورفض عروض المناصرين له، كل ذلك خشية أن يكون أول من خلف محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته بالسيف وسفك الدماء.
وبذلك يتبين بطلان اتهام عثمان رضي الله عنه بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل حدود الله، كما زعم من قال ذلك(12 )
___________________________________
1 الرياض النضرة (3/ 87، 100).
2 ابن تيمية، منهاج السنة (6/ 276).
3- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 280).
4- سيأتي بأنه لم يكن للهرمزان أولياء يطلبون دمه.
5- المحب الطبري، الرياض النضرة (3/ 87، 100).
6- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 281).
7- المصدر السابق (6/ 280).
8- افتأت: أي اختلق (ابن منظور، لسان العرب 2/ 64).
9- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 284).
10- المصدر السابق (6/ 280).
11- المصدر السابق (6/ 277- 282).
12- المصدر السابق (6/ 284).

***********************************************
ثانياً: ضياع الخاتم.
لقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب -أو فضة- وجعل فصه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوها ألقاه، وقال: لا ألبسه أبداً، ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة.
وتوارث لبس هذا الخاتم الخلفاء من بعده؛ أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، رضي الله عنهم حتى وقع منه في بئر أريس( 13 )
ويبين لنا أنس رضي الله عنه قصة ضياعه والبحث عنه، فيقول: إن عثمان رضي الله عنه جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يعبث به، فسقط، فاختلفنا( 14 )ثلاثة أيام مع عثمان رضي الله عنه ننزح البئر، فلم نجده(15 )
وفي رواية لمسلم(16 ) إن الذي أسقطه هو: معيقيب( 17 )
وتبين لنا رواية ابن سعد والنسائي، تأريخ وقوع الخاتم، وأنه كان
في يد عثمان رضي الله عنه ست سنين، أي إنه وقع بعد تولي عثمان رضي الله عنه الخلافة بست سنين.
قال الحافظ ابن حجر: "قال بعض العلماء: كان في خاتمه صلى الله عليه وسلم من السر شيء مما كان في خاتم سليمان عليه السلام، لأن سليمان لما فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لما فقد خاتم النبي صلى الله عليه وسلم انتقض عليه الأمر، وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله، واتصلت إلى آخر الزمان"(18 ).
وكل ذلك يحتاج إلى دليل صحيح، وإلا فلا عبرة فيه ولا فائدة، لأن خلافة النبي صلى الله عليه وسلم لم تضع بقتل عثمان رضي الله عنه بل جاء بعده خلفاء أجلاء في مقدمتهم علي ثم معاوية رضي الله عنهما.
ولم أقف على رواية مسندة تبين أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه عابوه بذلك، وسوغوا خروجهم عليه به.
وليس في ضياع خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب الخروج على الإمام، فضلاً عن قتله، هذا إن صحّ أنهم سوغوا خروجهم عليه بضياع الخاتم، وإلا فكما تقدم لم أقف على ما يدلّ على ذلك.

__________
13- مسلم، الجامع الصحيح (3/ 1656)؛ والأريس : بفتح الهمزة، وتخفيف الراء، هي بئر معروفة قريباً من مسجد قباء في المدينة (ابن منظور، لسان العرب 6/ 6).
14- أي: في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها، وفي رواية ابن سعد "فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام، فلم نقدر عليه" (ابن حجر، فتح الباري 10/ 329).
15- البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري (10/ 328).
16 الجامع الصحيح (3/ 1656).
17- معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان أو علي رضي الله عنهم (التقريب/6825)، وكان على خاتم عثمان رضي الله عنه (ابن حجر، الإصابة 3/ 451).
18 الحافظ ابن حجر، فتح الباري (10/ 328).













التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2008, 04:03 PM   رقم المشاركة : 9
محمد خير
إغريقي
 
الصورة الرمزية محمد خير

 




افتراضي

جزاك الله خيرا أخي الكريم وصلى الله على سيدنا محمدا وعلى الصديق والشهيدين وعلى من كرم الله وجهه وإل محمد وأصحابه أجمعين وتابعيهم ومقلديهم بإحسان إلى يوم الدين
والسلام













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
 محمد خير غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2008, 10:21 PM   رقم المشاركة : 10
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد خير مشاهدة المشاركة
   جزاك الله خيرا أخي الكريم وصلى الله على سيدنا محمدا وعلى الصديق والشهيدين وعلى من كرم الله وجهه وإل محمد وأصحابه أجمعين وتابعيهم ومقلديهم بإحسان إلى يوم الدين
والسلام

وجزاك أخي الكريم
يسعدني مرورك الكريم












التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 10-Aug-2008, 08:14 AM   رقم المشاركة : 11
محمّد
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمّد

 




افتراضي

موضوع رائع







 محمّد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 10-Aug-2008, 08:30 AM   رقم المشاركة : 12
محمد خير
إغريقي
 
الصورة الرمزية محمد خير

 




افتراضي

شكرا أخي الكريم تركت لك أن تخبرنا عن الصديق والشهيدين فهذا الحديث الكريم من صلب موضوعك أخي العزيز
والسلام













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
 محمد خير غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 10-Aug-2008, 10:52 PM   رقم المشاركة : 13
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد خير مشاهدة المشاركة
   شكرا أخي الكريم تركت لك أن تخبرنا عن الصديق والشهيدين فهذا الحديث الكريم من صلب موضوعك أخي العزيز
والسلام

شكراً لك أخي الكريم محمد
إن شاء الله تعالى نتعرض لذلك في موضوع مستقل ، تقر به أعين المحبين لصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام وخاصة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جميعاً












التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 10-Aug-2008, 11:00 PM   رقم المشاركة : 14
محمد الغزي
مصري قديم
 
الصورة الرمزية محمد الغزي

 




افتراضي

ثالثاً: رده للحَكَم وابنه مروان إلى المدينة

فلم يثبت أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه سوغوا خروجهم عليه بذلك، إنما ورد في بعض الكتب المتأخرة، فقد ذكره الرافضي المغالط، ابن المطهّر الحلي المتوفي سنة 726?.
فقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عنه أنه قال: "وطرد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الحَكَمَ بن أبي العاص؛ عم عثمان رضي الله عنه من المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان رضي الله عنه آواه ورده إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره، مع أن الله قال: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (1 )."
ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه متعددة، أُجملها فيما يلي:
أ - أن كثيراً من أهل العلم طعن في صحة نفي النبي صلى الله عليه وسلم للحَكَم وقالوا: ذهب باختياره وليس لقصة نفيه سندٌ يعرف.
ب - أنه إن كان قد طرد النبي صلى الله عليه وسلم الحكم فلا يكون ذلك من المدينة، كما قال الرافضي، بل يكون من مكة؛ لأن الطلقاء لم تسكن بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة، وليس أحد من الطلقاء الذين منهم الحكم هاجر إلى المدينة.
ج - أن مروان كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم طفلاً صغيراً في أول سن التمييز، إما سبع سنين أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، فلم يكن له ذنب يطرد بسببه.
د - أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عزر رجلاً بالنفي، لم يلزم أن يبقى منفياً طول الزمان، فإن هذا لا يُعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفياً دائماً، بل غاية النفي المقدر سنة، وهو نفي الزاني والمخنَّث حتى يتوب من التخنيث، فإذا كان تعزير الحاكم لذنب حتى يتوب، فإذا تاب سقطت العقوبة عنه، وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر اجتهادي لم يقدَّر فيه قدر، ولم يوقَّت فيه وقت.
وإذا كان كذلك، فالنفي كان في آخر الهجرة، فلم تطل مدته في زمن أبي بكر وعمر، فلمّا كان عثمان طالت مدته، وقد كان عثمان شَفَعَ في عبد الله بن أبي سرح إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما أهدر دمه لردته، فقبل شَفَاعة عثمان فيه، وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم.
بل قد رووا أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده فأذن له في ذلك، وذَنْبُه دون عبد الله بن سعيد بن أبي سرح، وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد الثابت، وأما قصة الحكم فعامة من ذكرها، إنما ذكرها مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون، الذين يكثر الكذب فيما يروونه، وقل أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان، فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان...."(2 )"
فيظهر مما تقدم أن عيب عثمان رضي الله عنه بذلك إنما ورد متأخراً، ولم يثبت أنه صدر من الخارجين عليه، بل صدر من أعدائه بعد استشهاده.
وتقدم رد ابن تيمية المفصل في ذلك، الذي لا يبقي أدنى شبهة في قلب كل متجرد مريد للحق.


رابعاً: نفي أبي ذر رضي الله عنه]

ومن هذه الأمور التي لم أقف على إسناد لها مما اشتهر أن الخارجين سوغوا خروجهم بها على عثمان رضي الله عنه ما زعموه من نفيه أبا ذر رضي الله عنه من المدينة إلى الربذة.
وذلك أن أبا ذر رضي الله عنه خرج من المدينة إلى الشام، عملاً بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم له بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعاً، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم له: "إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها" (3 ) أي: من المدينة.
وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد له الوجهة التي يخرج إليها بأن أشار بيده إلى الشام(4 )
وهذه الرواية صحيحة الإسناد إلى محمد بن سيرين، ولكنه لم يلق أبا ذر فقد ولد في السنة الثالثة والثلاثين من الهجرة تقريباً(5 )وهي السنة التي توفي فيها أبوذر رضي الله عنه(6 ).
ومع ذلك فإن هذه الرواية هي أقوى ما في الباب مع ما فيها من ضعف، فإنها تنفرد بتفسير سبب خروج أبي ذر رضي الله عنه من المدينة إلى الشام، وفي الشام انفرد أبو ذر برأي في المال عن باقي الصحابة رضي الله عنهم فإنه كان يرى أنه لا يجوز للمسلم أن يدخر شيئاً من المال.
يقول ابن عبد البر: "وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يَفْضُل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك"(7 )
وآية الوعيد هي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} سورة التوبة، الآية (34).
وخالفه في ذلك الصحابة كلهم رضي الله عنهم يقول ابن عبد البر: "وخالفه جمهور الصحابة، ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي"


الزكاة، وأصح ما تمسكوا به؛ حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي، حيث قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع"(8 )."
ويرى بعض العلماء أن ما استدل به أبو ذر رضي الله عنه على أنه كان في أول الأمر، واستدلوا بقوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ( 9 ).
فقد ذكر الحافظ ابن حجر: أن وجوب إنفاق ما فَضُلَ على الكفاية كان في أول الأمر ثم نسخ، ونقل عن ابن عبد البر أن الجمهور على أن الكن-ز المذموم ما لم تؤد زكاته، ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا أديت زكاة مالك فقد أديت ما عليك"، فذكر بعض ما تقدم من الطرق، ثم قال: ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من أهل الزهد كأبي ذر..."( 10 )"
ويظهر أن أبا ذر رضي الله عنه لم يعلم بالناسخ، وفي ذلك يقول أوس رضي الله عنه: "كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدّة ثم يخرج إلى قومه، ثم يُرخِّص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول"(11 ).
وفي ذلك بيان لشدة حرصه رضي الله عنه ومسارعته بتبليغ الحديث إلى الناس، ولعل أوساً يشير إلى قوله في هذه المسألة، والله أعلم.
وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواقي صدقة(12 )
قال الحافظ: "ومفهوم الحديث أن ما زاد على الخمس ففيه صدقة، ومقتضاه أن كل مال أخرجت منه الصدقة، فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يَفْضُل بعد إخراجه الصدقة كنزاً، وقال ابن رشيد(13 ) فإن ما دون الخمس لا تجب فيه الزكاة وقد عفي عن الحق فيه فليس بكنز قطعاً، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومن أثنى عليه في واجب حق المال لم يلحقه ذم من جهة ما أثنى عليه فيه، وهو المال."
ثم عقب الحافظ بقوله: ويتخلص أن يقال: ما لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كنزاً؛ لأنه معفو عنه، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك لأنه عفي عنه بإخراج ما وجب منه فلا يسمى كنزاً(14 ).
عودة أبي ذر إلى المدينة:
وفي الشام حدث الخلاف بين أبي ذر ومعاوية رضي الله عنهما في ذلك، فكان معاوية يقول في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} نزلت في أهل الكتاب، بينما أبو ذر رضي الله عنه يرى أنها نزلت في المسلمين وفي أهل الكتاب.
ورُوي أن أبا ذر رضي الله عنه كان يرى أن كل مال بقي عند صاحبه سواء أدى زكاته أم لم يؤدها، فإنه كنز يعاقب عليه، فلا يرى ادخار شيء أصلاً.
وأما معاوية رضي الله عنه فقد كان يخالف أبا ذر، ويرى أن ما أُدِّي زكاته فلا عقاب عليه(15 ).
ومثله باقي الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من العلماء يرون أن المراد بالكنز في الآية ما لم تؤد زكاته، أما إذا لم يبلغ الخمسة أوسق أو بلغ، وأُدِّيت زكاته فليس بكنز بالمعنى الشرعي، وليس على كانزه شيء(16)
قال ابن عبد البر: "وخالفه -أي أبا ذر- جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة، وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: هل عليّ غيرها، قال: لا إلا أن تطوع"(17 )
ورجح الحافظ أن ذلك كان في أول الأمر، وقد استدل له ابن بطال بقوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} أي ما فَضُل عن الكفاية فكان ذلك واجباً في أول الأمر ثم نسخ"(18 )"
وعلى إثر هذا الخلاف كتب معاوية إلى عثمان رضي الله عنهما يقص عليه ما حدث بينه وبين أبي ذرّ رضي الله عنه، فأرسل عثمان إلى أبي ذرّ يطلب منه القدوم إلى المدينة، درءاً للفتنة(19 )وليجاوره فيها( 20 ).
فلما قدم أبو ذرّ رضي الله عنه المدينة دخل على عثمان رضي الله عنه فقال له: أخفتني فوالله لو أمرتني أن أتعلق بعروة قتب حتى أموت لفعلت( 21)
وتخوف أبو ذرّ من أن عثمان رضي الله عنه يحسبه من الخوارج الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأن سيماهم التحليق(22 )
لذا فقد رفع عمامته عن رأسه وقال: إني -والله- يا أمير المؤمنين ما أنا منهم، ولا أدركهم، ولو أمرتني أن أعضّ على عرقوبتي قتب لعضضت عليها، حتى يأتيني الموت وأنا عاضّ عليها(23 )
قال عثمان رضي الله عنه صدقت يا أبا ذرّ، إنما أرسلنا إليك لخير؛ لتجاورنا بالمدينة.
ولكنّ أبا ذر رضي الله عنه مُوصى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة إذا بلغ البناء سلعاً، وقد خرج لما بلغ البناء سلعاً إلى الشام كما تقدم، فلما أعيد إليها، لا بد وأن يخرج من المدينة ولو إلى غير الشام.
لذا فقد قال لعثمان: لا حاجة لي في ذاك إيذن لي في الربذة(24 )فقال عثمان: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدُو عليك وتروح فتصيب
من رسلها، قال أبو ذر: لا حاجة لنا في ذاك، يكفي أبا ذر صرمته ثم خرج.
وفي رواية أنه لما قدم المدينة كثر عليه الناس حتى إنهم كأنهم لم يروه من قبل، فذَكر ذلك لعثمان رضي الله عنه كأنه يشكو إليه ذلك؛ فقال له عثمان: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فهذا الذي أنزله الربذة، ولما سُئل عن سبب نزوله الربذة ذكر ذلك، وقال: ولو أمرّوا عليَّ حبشياً لسمعت ولأطعت(25 ).
هذه هي الحقيقة التي لا مرية فيها، فلم ينف عثمان أبا ذر رضي الله عنهما إنما استأذنه، فأذن له.
ولكن أعداء عثمان رضي الله عنه كانوا يشيعون عليه بأنه نفاه؛ ولذلك لما سأل غالبُ القطان، الحسنَ البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال الحسن: لا، معاذ الله(26 )
وكل ما روي في أن عثمان نفاه إلى الربذة، فإنه ضعيف الإسناد لا يخلو من علة قادحة، مع ما في متنه من نكارة لمخالفته للروايات الصحيحة والحسنة.التي تبين أن أبا ذر استأذن للخروج إلى الربذة وأن عثمان أذن له(27 )
بل إن عثمان أرسل يطلبه من الشام، ليجاوره بالمدينة، فقد قال له عندما قدم من الشام: "إنا أرسلنا إليك لخير، لتجاورنا بالمدينة"( 28 ).
وقال له أيضاً: "كن عندي تغدو عليك وتروح اللقاح"(29 )أفمن يقول ذلك له ينفيه؟!.
ولم تنص على نفيه إلا رواية رواها ابن سعد، وفيها بريدة بن سفيان الأسلمي؛ الذي قال عنه الحافظ ابن حجر: "ليس بالقوي، وفيه رفض" فهل تقبل رواية رافضي -يعتقد بغض الصحابة- لرواية فيها فِرية باطلة على صحابي تعارضها الروايات الصحيحة والحسنة.
واستغل الرافضة هذه الحادثة أبشع استغلال، فأشاعوا أن عثمان رضي الله عنه نفى أبا ذر إلى الربذة، وأن ذلك مما عيب عليه رضي الله عنه من قِبل الخارجين عليه، ولم أقف على ما يدل على أنه عيب عليه من قبل الخارجين عليه أو أنهم سوغوا الخروج عليه به.
وأقدم من ذكر ذلك هو: ابن العربي -المتوفى سنة 542?( 30 )- المحب الطبري المتوفى سنة 694?( 31 ) وردا على هذه الفرية.
وعاب عثمان رضي الله عنه بذلك ابن المطهر الحلي الرافضي المتوفى سنة 726? بل زاد أن عثمان رضي الله عنه ضرب أبا ذر ضرباً وجيعاً( 32 )
ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رداً جامعاً قوياً( 33 ).
وكان سلف هذه الأمة يعلمون هذه الحقيقة، فإنه لما قيل للحسن البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال: لا، معاذ الله(34 )
وكان ابن سيرين إذا ذُكر له أن عثمان رضي الله عنه سيَّر أبا ذر، أخذه أمر عظيم، ويقول: هو خرج من قبل نفسه، ولم يسيره عثمان(35 ).
وكما تقدم في رواية صحيحة الإسناد: أن أبا ذر رضي الله عنه لما رأى كثرة الناس عليه خشي الفتنة، فذكر ذلك لعثمان كأنه يستأذنه في الخروج، فقال له عثمان رضي الله عنه: "إن شئت تنحيت فكنت قريباً".


_____________________


1- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 265- 269)، والآية في سورة المجادلة، الآية (22).
2- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 267).

3- رواه الحاكم، المستدرك (3/ 344)، من طريق عبد الله بن الصامت عن أم ذر عن أبي ذر به، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي.ورواه ابن سعد، الطبقات (4/ 226- 227)، وابن شبة، تاريخ المدينة (1037)، كلاهما من طريق ابن سيرين عن أبي ذر، وذكره الذهبي من طريق زيد بن خالد الجهني عن أبي ذر رضي الله عنه. انظر الملحق الرواية رقم: [178].
وذكره الحافظ ابن حجر عن أبي يعلى من طريق زيد بن وهب عن أبي ذر (الفتح 3/ 274)، وسكت عنه، ولم أجده في المطبوع من مسند أبي يعلى، فلعله في الكبير أو في ما لم يطبع من الصغير، وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة (3/ 94).
4- جاء ذلك في رواية ابن سيرين، وفي رواية زيد بن وهب نص بالقول، ففيه: "فارتحل إلى الشام"، وفيه يقول أبو ذر: "فلما بلغ البناء سلعاً قدمت الشام فسكنت بها".
5- قال المزي: "ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان" (تهذيب الكمال 3/ 1209).
6- ابن حجر، تقريب التهذيب (8087).
7- ابن حجر، فتح الباري (3/ 273)، ولم أقف على قول ابن عبد البر هذا في كتابه الاستيعاب

\8- ابن حجر، فتح الباري (3/ 273).
9- سورة البقرة، الآية (219).
10- ابن حجر، فتح الباري (3/ 273).
11-المصدر نفسه (3/ 273).
12- رواه مسلم في صحيحه (2/ 673).
13- محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري السَّبتي، ولد سنة 657? وتوفي سنة 721? ، له كتاب: ترجمان التراجم على أبواب البخاري أطال فيه النفس ولم يكمل (ابن حجر، الدرر الكامنة 4/ 229- 231).
14- فتح الباري (3/ 272).
15- البخاري، الجامع الصحيح، (مع فتح الباري 3/ 271)، وابن سعد، الطبقات (4/226)، وابن شبة، تاريخ المدينة (1073- 1038)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [173].
16- فتح الباري (3/ 273).
17- المصدر السابق.
18- البخاري، الجامع الصحيح (مع فتح الباري 3/ 271)، وابن سعد، الطبقات (4/226)، وابن شبة، تاريخ المدينة (1037- 1038)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [173].
19- البخاري، الجامع الصحيح، (مع فتح الباري3/ 271 وابن سعد في الطبقات (4/226)، وابن شبة، تاريخ المدينة (1037-1038) وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [ 173]، [178].
20- ابن شبة، تاريخ المدينة (1036-1037) وإسناده حسن انظر الملحق الرواية رقم: [ 177].
21- عبد الرزاق، المصنف (11/332) وابن أبي شيبة، المصنف (15/225)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [ 176]
22- ابن سعد ، الطبقات (4/232) وابن شبة، تاريخ المدينة (1035-1036)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [ 175] و [177].
23- المصادر السابقة.
24- ابن شبة، تاريخ المدينة (1036- 1037)، وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [177].
25- ابن سعد، الطبقات (4/ 226، وابن شبة، تاريخ المدينة ( 1037- 1038)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [174].
26- ابن شبة، تاريخ المدينة (1037)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [179].
27- انظر الروايات الضعيفة في ذلك، وعللها في الملحق الروايات رقم:[236- 240].
28- ابن شبة، تاريخ المدينة (1036- 1037)، وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [177].
29- ابن سعد، الطبقات (4/ 226- 227)، صحيح إلى ابن سيرين، وقد ولد سنة 33? فلم يدرك الفتنة، انظر الملحق الرواية رقم: [178].
30- العواصم من القواصم (ص:76)، والرد في (ص: 85- 88).
31- الرياض النضرة (3/ 83، والرد في (3/ 94).
32- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 183).
33- المصدر السابق : (6/ 271، 355).
34- ابن شبة، تاريخ المدينة (1037)، وإسناده صحيح. انظر الملحق الرواية رقم: [179].
35- ابن شبة، تاريخ المدينة (1037)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [178].[/b]













التوقيع

تفضل بزيارة مدونتي
http://abaamar210.maktoobblog.com/

 محمد الغزي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 10-Aug-2008, 11:15 PM   رقم المشاركة : 15
محمد خير
إغريقي
 
الصورة الرمزية محمد خير

 




افتراضي

(اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد خير
شكرا أخي الكريم تركت لك أن تخبرنا عن الصديق والشهيدين فهذا الحديث الكريم من صلب موضوعك أخي العزيز
والسلام

شكراً لك أخي الكريم محمد
إن شاء الله تعالى نتعرض لذلك في موضوع مستقل ، تقر به أعين المحبين لصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام وخاصة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جميعاً)
جزاك الله خيرا ولكني أخي الكريم قصدت في كلامي أن تستدل بهاذا الحديث الكريم -إثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان- على بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه بالشهادة كسبب لعدم دفاعه عن نفسه حين قتل
شكرا أخي الكريم والسلام













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
 محمد خير غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لماذا, الله, رضي, عثمان

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 01:00 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع