الأقباط- جمع قبطي وهي مفردة تستخدم اليوم حتى عند المسلمين لنعت فئة معينة من الناس يمتازون بميزتين رئيسيتين: الأولى أنهم احد طوائف شعب جمهورية مصر العربية العريق، والثانية أنهم يدينون بدين المسيحية. فليس كل مسيحي ينعت بقبطي مادام لا ينتمي لبلاد وادي النيل، وليس كل من ينتمي لبلاد وادي النيل ينعت بقبطي مادام لا يدين بدين المسيحية. وهذا المعنى المزدوج لمفردة "قبطي" ليس أصيلاً بل تم تحميله بالمفردة بعد الفتح الإسلامي وذلك لتفسير واقع تبلور نتيجة لتزوير تراثي أحدثته التوراة السبعونية في تاريخ بلاد القبط والتي ندعوها اليوم بجمهورية مصر العربية. فمفردة قبطي وجمعها الأقباط هي مشتقة من مفردة قبط أو القبط، وهو اسم بلاد وادي النيل العريق منذ زمن إدريس (ع) إلى عهد خاتم المرسلين. بمعني أخر هي مفردة للتعبير عن جنسية، كقولنا عراقي للتعبير عن جنسية من ينتمون للعراق وكذلك هو الحال مع اليمني والمغربي والهندي و الروماني والصيني والفارسي والليبي ..الخ فلا يستدل احد على تحديد الدين حين ذكر الجنسية فيمكن للهندي مثلا أن يكون مسيحياً أو بوذياً أو مسلماً أو يهودياً، فطبيعة الدين ليست داخلة في نعت الجنسية وهو أمر طبيعي إلا في حالة القبط وشعبها الأقباط. فحين يذكر القبط يتم بشكل تلقائي ربط وتلازم دين المسيحية بشعب القبط. ولو رجعنا إلى ذاكرة العرب القدماء نجد أن هاجر زوجة الخليل إبراهيم(ع) جاء نعتها بالقبطية وذلك قبل أن تظهر المسيحية بحوالي 1700 سنة وهذا ما نقرأه في هذا المقتبس "..وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع.."، فكيف لنا أن ندعى أن نعت القبطية تعنى نصارى بلاد وادي النيل، وهاجر لم تكن نصرانية وهي تنعت في الثقافة العربية بالقبطية؟! فهذا الخبر يدعونا لفصل الديانة المسيحية عن جنسية الأقباط كما ويؤكد لنا أن بلاد وادي النيل كانت تدعى القبط لكون هاجر تنعت بالقبطية. وكذلك الحال مع أم المؤمنين ماريا القبطية (رض) والتي بعث بها المقوقس عظيم الأقباط من بلاد وادي النيل إلى رسول الله (ص). فقبل أن يتزوجها الرسول (ص) كانت تدين بدين المسيحية وبعد أن أسلمت وغدت أما للمؤمنين بعد زواجها من خاتم المرسلين (ص) بقي نعتها كما هو بين عموم المسلمين أي "ماريا القبطية" والى اليوم رغم أنها مسلمة مما يدل على أن نعت قبطي لم يكن يحمل دلالة الدين في وعي الرعيل الأول، بل يحمل فقط دلالة الجنسية. وهنا تكمن مشكلة معقدة أخرى وهي أن هناك اسماً أخر يزاحم اسم القبط وهو اسم مصر. فهل كانت بلاد وادي النيل تدعى قبط من زمن هاجر إلى زمن ماريا أم كانت تدعى مصر؟! فيوسف (ع) حفيد إبراهيم(ع) المباشر كان ساكناً بمصر وكذلك فرعون الذي ادّعى ملك مصر كما جاء في كتاب الله. فكيف ننعت فرعون بأنه مصري بينما هو في بلاد تسمى قبط؟! وكيف ننسب هاجر إلى القبط وهي تنتمي لنفس البلاد التي ملكها فرعون والتي تدعى مصر بنص القرآن الكريم؟! وحل هذا الإشكال يكمن في حقيقة أن التراث العربي غير متوافق على قبطية هاجر حيث نجد هناك من يناديها بهاجر المصرية وليس القبطية "..ومن المعروف في كتب الحديث والتاريخ العربي أن إبراهيم أسكن إسماعيل ابنه عليهما السلام مع أمه هاجر المصرية في الواد الذى بنيت فيه مكة بعد ذلك.."، وهذا الطرح يفتح إشكالاً أخر وهو أن هذا يعني أن هناك بلاداً تسمى قبطاً جاءت منها ماريا القبطية وهناك بلد أخر تسمى مصر جاءت منها هاجر المصرية. فنحن نعلم أن ماريا جاءت من بلاد وادي النيل أي القبط فأين تقع مصر إذن والتي أتت منها هاجر المصرية والتي ادعى فرعون ملكيتها؟ ولحل هذا الإشكال القديم الحديث والذي كشفت عنه فلتات تراثية هنا وهناك جاء ابن كثير بحل غريب عجيب كما نقرأه في هذا المقتبس " .. الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم .. "، وهذا الكلام يعني أن هاجر كانت تمتلك جنسيتين أو أن البلاد التى أتت منها تعرف باسمين مختلفين. ولكن ماذا عن ماريا التي عرفت في عهد رسول الله (ص) بالقبطية هل هي ماريا المصرية أم القبطية والجواب كما نقرأه في ظل الضبابية والتشويش هو "..فإن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها.."،، وهذا المخرج لحل الإرباك الناتج عن تزوير التراث يعيدنا إلى المربع الأول وهو إذا كانت هاجر الحنيفية مصرية و قبطية في آن واحد فكيف تنعت بالقبطية وهي لم تكن مسيحية؟ وإذا كانت ماريا المسيحية قبطية ومصرية في آن واحد فكيف بقيت تنعت بالقبطية منذ إسلامها في عهد الرسول (ص) حتى يومنا هذا؟! وجوابنا باختصار هو أن تعارفنا اليوم على ربط نعت الأقباط بنصارى القبط هو مكمن الخلل وهو نتاج لتزوير قديم لايجاد أرباك منطقي ثقافي قائم إلى اليوم. فكل شعب جمهورية مصر العربية بمسلميه ومسيحه ويهوده هم واقعا أقباط الجنسية منذ زمن إدريس (ع) إلى اليوم وهم ينتمون لبلاد عريق تسمى القبط وبقي هذا الاسم كما هو حتى عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض). ومع دخول الإسلام أسقط اسم مصر على مدينة الفسطاط ثم امتد ليشمل كل بلاد القبط. ثم ميز من اسلم من الأقباط أنفسهم عمن بقي منهم على الدين النصراني بتقبل نعت مصريين وبقي النصارى على الاسم الأصل والعريق وهم من يعرفون اليوم بالأقباط. وهكذا نشأ في وعينا اليوم ربط نعت قبطي بنصارى وادي النيل حصرا. ولمزيد من التفصيل عن هذا الإرباك التاريخي وتبعاته وأسبابه ننصح القارئ بالرجوع إلى بحث نداء السراة-اختطاف جغرافيا الأنبياء.