صاحبة الحوأب
بدعة خرجت من ألسنة القصاص ثم رددت حتى انطلقت لأقلام المؤرخين ، وانتشرت حتى وصلت لأفكار بعض الكتاب في العصر الحديث ، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبأ بخروج أم المؤمنين عائشة يوم الجمل ، وحذرها من هذا الخروج ، يوم أن قال صلى الله عليه وسلم وقد دخل على أزواجه : أيكن تنبحها كلاب الحوأب ، وأنها لما مرت بهذا المكان في طريقها إلى الكوفة نبحتها الكلاب ؛ فتذكرت حديث رسول الله وهمت بالرجوع لولا أن من كان معها قد أحضروا لها من شهدوا زورا على أن هذا الماء ليس ماء الحوأب ، وأقسموا كذبا ليضلوها ..
وهذا كان أول طعن صريح في أمانة وصدق أصحاب رسول الله العدول أتى على فم أناس لا يساوون مثقال ذرة في ميزان الرجال ..
فمن يا ترى صاحبة الحوأب التي نسج حولها القصاص هذه الحكاية ليبرهنوا على أن خروج عائشة يوم الجمل كان مخالفا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إنها سلمى (أم زمل ) بنت أم قرفة إحدى الذين قادوا المعارك ضد خالد بن الوليد أيام الردة ، كانت قد وقعت في أسر المسلمين يوما ثم صارت في حظ عائشة فأعتقتها ، فعاشت في كنفها فترة ثم رجعت إلى قومها ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دخل على النساء يوما وهي معهن فقال : إن إحداكن تستنبح كلاب الحوأب ( وكان المعنى تحرض الناس حولها لقتال المسلمين كمن يحرض الكلاب على النباح ) ففعلت سلمى ذلك حين ارتدت ، وسارت فيما بين ظفر والحوأب لتجمع إليها الناس فتجمع إليها كل ضال من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيء ، وكانت صاحبة الكلمة المسموعة والحماية والتقدير فيهم ، حتى كان يقال : من نخس جملها فله مائة من الإبل لعزها ومنعتها ،..
فلما بلغ ذلك خالدا سار إليها وقد عظم أمرها وغلظ شأنها ، فنزل عليها وعلى جمعها فاقتتلوا قتالا شديدا وهي واقفة على جمل أمها ( أم قرفة ) ولم تخفّ حدة القتال حتى اجتمع على الجمل فوارس من المسلمين فعقروه وقتلوها ، وقتل حول جملها مائة رجال قومها ، واستراح الناس من بعد ذلك من شرها ،..
تلكم حكاية صاحبة كلاب الحوأب التي حرفها جهال القصاص ليستدلوا على أن عائشة رضي الله عنها ما كان ينبغي لها أن تخرج لتجمع الجيوش لتحاصر بهم المردة الذين أرادوا تقويض الخلافة الإسلامية بقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه ..
أبو معاوية