« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: صور لها معنى (آخر رد :زمــــان)       :: السلام عليكم لم ادخل المنتدى منذ سنه (آخر رد :زمــــان)       :: موقع مجلة آثار تركيه (آخر رد :زمــــان)       :: موقع المخطوطات في تركيا (آخر رد :زمــــان)       :: الغزالي رحمه الله وتشخيص علتنا (آخر رد :الذهبي)       :: وباختصار (آخر رد :الذهبي)       :: سؤال الشريف حسين (آخر رد :الذهبي)       :: يوميات من حياة الخليفة المنصور العباسي (آخر رد :hisham88)       :: الغوغاء (آخر رد :الذهبي)       :: مواقف فجرت درر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام العامة
> محاورات تاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 09-Jun-2007, 12:22 AM   رقم المشاركة : 1
ابن غلبون
مصري قديم



افتراضي سؤال عاجل : ماهو المنهج السردي والوصفي

ما هي المناهج الاتية وما الفرق بينها :
المنهج السردي ، المنهج الوصفي ، المنهج التحليلي .













التوقيع

المؤرخ

 ابن غلبون غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 12-Apr-2008, 11:07 PM   رقم المشاركة : 2
dina1
مصري قديم



افتراضي

وأنا بحاجة أيضا لمعرفة أية معلومات حول المنهج السردي أو أية مصادر ومراجع تحدثت عنه !!!
فهل من مجيب ؟!







 dina1 غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:02 AM   رقم المشاركة : 3
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي للروايات التاريخية الخاصة بموضوع البحث على قلتها مع عدم إغفال المنهج السردي للأحداث التاريخية لِما لذلك من أهمية.
وقد اعتمدت الدراسة على عددٍ من المصادر الأوّلية مثل: أخبار الأُول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول لمحمد ابن عبد المعطي الإسحاقي، والنزهة الزهية في ذكر ولاة مصر والقاهرة المعزية، والمنح الرحمانية في الدولة العثمانية، مخطوطين لمحمد بن أبي السرور البكري الصديقي، ونزهة الناظرين فيمن ولي مصر من الخلفاء والسلاطين، مخطوط لمرعي بن يوسف الحنبلي، وأوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات، مخطوط لأحمد شلبي عبد الغني.

وكذلك المراجع الثانوية، مثل: العرب والعثمانيون لعبد الكريم رافق، وجذور مصر الحديثة لدانيال كريسيليوس، والحياة الاقتصادية في مصر في القرن الثامن عشر لإستيف.






و قد وجد دراسات عن الزمن ، وأخرى عن السرد تتخلل بعض الدراسات التي تتعلق بالرواية الفلسطينية ، أما الدراسات العربية بوجه عام ، فقد وجدت فيها دراسات عن السرد ، وأخرى عن الزمن ، كما وجدت كثيرا من الدراسات الأجنبية التي تهتم بالسرد ، وبعض الكتب التي تهتم بالزمن، ومن الكتب التي تبحث في الزمن والسرد التي عثرت عليها :
1 – الزمن في القرآن الكريم : للدكتور بكري عبد الكريم ، ويبحث في دلالة الأفعال الواردة في القرآن الكريم ، وكيف تتغير هذه الدلالة بتغير موقع الفعل في السياق .
2 – فكرة الزمان عند إخوان الصفا : للدكتور صابر عبده أبا زيد محمد ، وقد بحث فيه فكرة الزمان وتعريفه عند عدد من الفلاسفة والعلماء العرب ، وفي العلاقة بين الزمان والمكان والحركة ، وعلاقة الزمان بالنفس .
3 – الزمن والرواية : تأليف أ . أ . مندلاو ، ترجمة بكر عباس ، ومراجعة إحسان عباس ، ويبحث في مفهوم الزمن وعلاقته بالفنون المكانية ، وفي علاقة الزمن في القصة بكل من الكاتب ، والقارئ ، وفي الزمن النفسي ، وقد خصص قسما للتطبيقات العملية .
4 – الوجود والزمن والسرد . بول ريكور . ترجمة سعيد الغانمي وهو عبارة عن عدد من المقالات التي تبحث في علاقة الزمن بالسرد لعدد من الكتاب ، منهم بول ريكور ، وكيفن فانهوزر ، وريتشارد كيرني ، وجوناثان ري وديفيد كار وغيرهم .
5 – نظرية الرواية : عبد الملك مرتاض . وهو كتاب مهم يبحث في تقنيات السرد ، وأشكال السرد ومستوياته ، وفي علاقة السرد بالزمن .
6 – بنية الشكل الروائي : حسين بحراوي ، ويبحث في الفضاء الروائي في الرواية المغربية ، والبنية الزمنية فيها ، وعلاقتها بالسرد بأنواعه المختلفة ، والشخصية في هذه الرواية .
7 – تحولات السرد : إبراهيم السعافين ، ويبحث قضية الشكل في الرواية العربية ، ولغة الحوار في الفنون القصصية والمسرحية ، وقد خصص قسما كبيرا من الدراسة للتطبيقات العملية على الروايات العربية .
8 – تحليل الخطاب الروائي : سعيد يقطين ، ويبحث في زمن خطاب الرواية وصيغ هذا الخطاب ، وعلاقة الزمن بالسرد ، ومفهوم الرؤية السردية .
ومن الدراسات الفلسطينية في الرواية بصفة عامة ، الدراسات التالية :
1 – الرواية في الأدب الفلسطيني . د . أحمد أبو مطر ، 1980 . ويستعرض فيها الروايات الفلسطينية من 1950 – 1975 . وأنواع الرواية الفلسطينية ، من رومانسية ، وواقعية ، ورمزية .
2 – تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة . د. محمود غنايم ، 1992 . ويستعرض فيها مفهوم تيار الوعي ونشأته ، كما قدم دراسة عن الراوي والشخصيات في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " .
3 – اليهود في الأدب الفلسطيني . عادل الأسطة ، 1992.
4 - في القصة القصيرة والرواية الفلسطينية ، إبراهيم خليل . 1984 .
وفيها دراسة عن أهمية القصة في الحفاظ على الهوية القومية في فلسطين .
5 – صورة الفلسطيني في الرواية الفلسطينية المعاصرة بين 1948 – 1973. د . واصف أبو الشباب ، 1973 .
6 – الشخصية والقيمة والأسلوب ، يوسف سامي اليوسف . د. ت . وفيها دراسة في أدب سميرة عزام .
7 – الزمان والمكان في الرواية الفلسطينية ، علي عودة ، 1990 .
8 – الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة . محمد أيوب ، 1997 .
وقد حددت الفترة الزمنية لهذه الدراسة بين عامي 1973 و 1994 ، لأن هذين العامين يشكلان مفصلين تاريخيين مهمين في حياة الأمة العربية ، ففي عام 1973 ، وقعت أول حرب عربية إسرائيلية ، حقق فيها الجندي العربي التفوق على الجيش الإسرائيلي وحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر ، وأسقط جميع نظريات الأمن الإسرائيلية ، وكسر ذلك الغرور الإسرائيلي المتعجرف، والغريب أننا لا نكاد نجد أي تأثير لهذه الحرب على الرواية الفلسطينية ، وربما يعود ذلك إلى بقاء القضية الفلسطينية دون حل ، أو دون مقدمات تشير إلى قرب مثل ذلك الحل ، أما عام 1994 ، فقد شكل مفصلا تاريخيا حاسما في حياة الشعب الفلسطيني والأمة العربية ، فبعد تغير الخطاب السياسي العربي بعد اتفاقيات كامب ديفيد ، والظروف التي مر بها الفلسطينيون بعد عام 1982 ، والخروج من بيروت ، أصبح الجو مهيئا لتوقيع مثل هذه الاتفاقيات ، التي وضعت الفلسطينيين في مأزق يصعب الخروج منه ، ولم تتعرض أية رواية لفترة ما بعد أوسلو سوى رواية بقايا لأحمد حرب .







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:05 AM   رقم المشاركة : 4
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

الاتجاه الوصفي التحليلي

1- الاتجاه الوصفي التحليلي:‏

قام الاتجاه الوصفي التحليلي على تقاليد النقد الأدبي التي توائم بين الشكل والمحتوى، وتراعي اعتبارات الجنس الأدبي ومفرداته ومكوناته عناية بطبيعة الشكل الأدبي واتصاله بضروب المعرفة المتاحة أو القابلة لسيرورة هذه التقاليد في الممارسة النقدية، واستمرت فاعلية النقد الأدبي التقليدية وفق نظرية أرسطو بوحداتها الثلاث حتى القرن التاسع عشر مع بعض التعديلات والتطورات الفكرية والفنية.‏

ونظر النقاد إلى أصول هذه التقاليد في النقد التشريعي Legislative Criticism الشامل للتفكير البلاغي الذي يضبط الأسلوب الأدبي من الملفوظية الحقيقية (الوضعي أو المعجمي) إلى الملفوظية المجازية بمستوياتها المختلفة (التشاكل مع قواعد الاستصحاب)، وفي النقد النظري Theoretical criticism أو علم الجمال الأدبي Aesttic****iterary ، ويفيد ذلك تقعيد أو تسنين النقد لفهم التخييلي والواقعي والتاريخي في بنية النص الأدبية، وفي النقد الوصفي Descriptive Criticism أو تحليل الأعمال الأدبية القائمة، الذي ينتظم مع ظاهرة الاستبطان لإبراز الذات أو المحتوى النصيّ، ويتعاضد الوصف والتحليل مع ترميز التقاليد النقدية نحو التقويم الأدبي أو تقييمه، وصار للوصف مضامينه ولغاته بما هي مجموعة الإجراءات والمصطلحات النافعة في إضاءة شكل العمل الأدبي ومضمونه، واستنتج منظرو النقد الملاحظات التالية:‏
أ- بلوغ تطور الوصف النقدي مستوى القراءة الجادة مقاربة لطبيعة العمل الأدبي.‏

ب- تلازم المصطلحات النقدية في الوصف والتحليل مثل العقدة Plot والجهد أو الحركة الدرامية business والفصل act والمشهد scence والاكتشاف discovery.. الخ.‏

جـ- تبسيط لغة النقد ضمن قواعده والسعي لإفصاح تقاناته.‏

د- الاهتمام التقويمي أو التقييمي للعمل الأدبي(1).‏

وبات جلياً أن النقد الأدبي لا تخرج سيرورة تقاليده عن الوصف والمعرفة والحكم والفهم، وقد كان أرسطو ينطلق من وصف الأثر، ومن قدرة Dunamis الكلمة الشعرية، حتى لو حاول بعد ذلك تفحصها ببرود، وتحليلها، والتحكم بها. إن العمل الفني كمحاكاة Mimesis يعيد خلق الفعل Energeia الذي يكون الحياة»(2).‏

وأفضى الوصف إلى آلية التحليل الأدبي في جوهر الاتجاه الوصفي التحليلي، وتنابذت الآراء حول مقومات هذا الاتجاه في الجدل العقيم، حسب وصف بعض مؤرخي النقد، مع دعاة النقد الجديد من جهة، والمؤمنين بالاستهداف النقدي التاريخي والواقعي والعقائدي والسيري من جهة أخرى، وآل الحال إلى تمحيص الدراسة النقدية والأذن المرهفة والاستجابة لدقائق التغيرات في الأنموذج والمواقف كي تسند هذه كلّها، وتكمّل ما حققته الدراسات الموضوعية»(3).‏

وارتهن الاتجاه الوصفي التحليلي، تنمية لتقاليد النقد الإتباعي، بعناصر أربعة هي العاطفة والخيال والمعنى واللغة، والعاطفة sentiment تكوّنها الانفعالات، وتقوم هي بتكوين شخصية الأديب، مثلما قصد بهذه العاطفة الانفعال Emotion أو الإحساس Sensation، والخيال هو وسيلة إبراز العاطفة من خلال توليد صور واضحة مثل استخدام ارسطو كلمة Phanasia في معرض حديثه عن المحاكاة، وأبسط أنواع هذه الصور هو الاستعارة، وأعقدها ما يتصل بالوهم Fancy وبالأساطير Myths، ووضع الوهم إلى جانب الخيال الابتكاري Creative imagination على أنه، حسب تعريف كولريدج، القوة التركيبية السحرية التي تكشف عن ذاتها في إيجاد التوازن بين الصفات المتعارضة. ومنح النقاد عنصر المعنى أهمية مطلقة نشداناً للإدراك الأخلاقي والإنساني والفلسفي والاجتماعي.. الخ، حسب هذا التحليل النقدي أو ذاك لدى إظهار دلالات الألفاظ والصور في الوصف والتحليل. وسُميت العبارة صراحة اللغة ملازمة للمعجم ولقواعد الاستصحاب، وتوقف تفسير التأليف الأدبي وتنسيق الكلمات على الاعتبارات التالية:‏

1- حين تكون الكلمة فصيحة أي خالصة من تنافر الحروف والغرابة وخاضعة للقياس اللغوي.‏

2- حين تكون الكلمة أو الكلمات مؤثرة من عدة أوجه دفعة واحدة مع أنها لا تعطي إلا حقيقة واحدة.‏

3- حين يستطاع تقديم الكلام بحسب مقتضى الحال من حاجة إلى القوة إلى حاجة إلى الرقة ونحو ذلك.‏

4- حين يكون التركيب معقداً، أي لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به.‏

5- حين يربط بدقة ومهارة بين أجزاء العبارة وبين العبارة وما يجاورها من عبارات بروابط الشرط والصلة وحروف العطف، فقد قيل إن البلاغة هي معرفة الفصل بين الجمل من الوصل.‏

6- حين يكون التصوير سبيل نقل المعاني، لأن سبيل المعنى الذي يُعبّر عنه هو سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه.‏

7- حين يعرف وجوه تحسين الكلمات بعد نظمها(4).‏

ولا نغفل عن أن الاتجاه الوصفي التحليلي قائم على التوافق بين النظريات الخلقية والنظريات الاجتماعية من جهة، وتركيبهما الفنّي من جهة أخرى، لتخفيف وطأة التوتر بين الشكل والمضمون الخلقي ـ الاجتماعي، ,لتحقيق التوازن الكامل لئلا يقدم قرينة خارجية مباشرة لحضوره عند تصوير الصراع بين الأحوال والبناء(5).‏

وأفاد منظرو النقد الوصفي التحليلي أن هذا التوافق ينفي رؤية العمل الأدبي على أنه دعاوة، مثلما يقلل من الولوغ في نظرية الفنّ للفنّ أو المنهج التاريخي الذي يتنازع مع النقد وخصوصياته، وأشير إلى تعدد المعاني وظلالها خارج المباشرة توازياً أو تطابقاً مع القواعد التاريخية والتعينية، ليكون الإخلاص في الكتابة توصيفاً لوئام الكاتب مع عصره(6).‏

وتلازم الاتجاه الوصفي التحليلي مع مقياسين هما مقياس الذوق ومقياس المعرفة وقوة التعبير عنها دون الرضوخ لمستوى واحد منهما، فالأدب جميعه أشدّ قوة واستقصاء في انطباعاته وتذوقه من أدب المعرفة لما يجعله أكثر بقاء وخلوداً، «وليكن كلّ شخص متأكداً من أنه يدين للكتب المنفعلة التي قرأها بعواطف تزيد بآلاف على ما يستطيع شعورياً أن يرجعه منها إلى هذه الكتب، وهي على غموض أصلها تنبعث في نفسه، وتكيّف حياته تماماً كحوادث طفولته المنسية»(7).‏

وسُمي هذا الاتجاه بالمنهج التقليدي، عند النظر في كتاب «الوسيلة الأدبية» للشيخ المرصفي، ومورس عند نقاد كثر، بعد تطوير منهجيته وطرائقه، أمثال عبد العزيز الدسوقي ومحمد مندور ومحمد عبد الغني حسن وعبد الحي دياب وعبد الحليم عباس وعبد الرحمن صدقي ومصطفى الشكعة في مصر على سبيل المثال، وعرّفت ممارساتهم النقدية بمسعى التلاحم بين الشكل والمضمون(8).‏

وشرح الناقد سيد البحراوي شغل بعض النقاد من مصر أمثال عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وطه حسين ولويس عوض ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس الذين مضوا طويلاً في البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث، وبيّن طوابع مساهماتهم النقدية في ترسيخ الاتجاه الوصفي التحليلي أو الخروج إلى مناهج نقدية حديثة إثر تعاملهم مع النقد الأوروبي، ودعا إلى التطوير والتحديث والإغناء، «عبر تخليص عناصره من محمولاتها الإيديولوجية كلما أمكن ذلك،‏

أو إدماجها في نسق جديد يحملّها ملامح نسقهم المنهجي الخاص الساعي للتكامل، وإذا أمكن لهؤلاء أن يبنوا هذا النسق المنهجي الجديد على مزيد من تعميق وعيهم بأسئلة الواقع الاجتماعي، فإن توجههم سوف يكون هو التوجه القادر على تحقيق المنهجية النقدية، ومن ثم المساهمة في حل أزمة النقد العربي المعاصر»(9).‏

وقد ظل الاتجاه الوصفي التحليلي سائداً في حركة النقد الأدبي العربي الحديث إلى وقت قريب، وأراد غالبية النقاد أن يطوروه إلى النقد التكاملي أحياناً الذي يدعم هذا الاتجاه بجوانب من مناهج نقدية حديثة.‏

وانتشر الاتجاه الوصفي التحليلي انطلاقاً من النزوع التعليمي عند عزيزة مريدن إلى العديد من الباحثين الذين استفادوا من الشغل الأكاديمي لأن كتبهم مأخوذة من أطروحاتهم الجامعية لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراة أمثال فيصل سماق وعبد الرحمن برمو وسمر روحي الفيصل، واتجه آخرون إلى تثمير عناصره التقليدية كما عند إبراهيم الخليل وأسعد فخري ومحمد قرانيا.‏

2- عزيزة مريدن «القصة والرواية»:‏

وضعت عزيزة مريدن كتابها «القصة والرواية» (1980)(10) في إطار تعليمي إثر تدريسها لهذين الفنين في جامعة دمشق وجامعة محمد الخامس بالرباط، وبنت الكتاب على التعريف بفنّ القصة ونشأتها وأشكالها ووجودها في الأدب العربي القديم والحديث، وأنواعها من حيث القالب والمضمون وعناصرها ومقوماتها كالحدث والشخصية والبيئة والهدف والأسلوب والمقدمة والحبكة والسرد والخيال، ولغة الحوار ووظائفه، بالإضافة إلى ملاحظات عامة لدراسة القصة.‏

وخصصت ثلث الكتاب لدراسة الرواية أو القصة الطويلة (ص73-120)، ووضعت تعريفاً لها، وفرّقت بينها وبين القصة، وعنيت بنشأة الرواية في الأدب العربي الحديث، وأفردت صفحات عن نجيب محفوظ وشذرات من حياته، وعرضت تلخيصاً ودراسة لروايتي «زقاق المدق» و«اللص والكلاب»، ووازنت بينهما. واعتمدت على مراجع تقليدية وتاريخية، وفي مقدمتها‏

«تطور الرواية العربية الحديثة» لعبد المحسن طه بدر، و«الجهود الروائية من سليم البستاني إلى نجيب محفوظ» لعبد الرحمن ياغي، و«في الرواية الغربية المعاصرة» لفاطمة موسى، و«في الرواية المصرية» لفؤاد دوارة، و«قضية الشكل الفّني عند نجيب محفوظ» لنبيل راغب، ووضعت كتاب «نحو رواية جديدة» لآلان روب جرييه في المراجع، ونسبته لمترجمه مصطفى إبراهيم مصطفى، ولم نلحظ الاستفادة منه في متن الكتاب.‏

وأوجزت تعريفها بالفنون النثرية في «التمهيد» مثل فنون «الخطبة» و«الرسالة» و«المقامة» و«المقالة» و«المسرحية» و«السيرة» و«النقد»، وانتقلت في حديثها عن الرواية أو القصة الطويلة إلى تغليب الوصف دون عناية كافية بالتحليل الفنّي لهذا الجنس الأدبي، واقتصر التعريف على «أن الرواية، كالقصة، ولكنها تختلف عنها عامة في الأحداث والشمول والتصوير والحيز الذي تدور فيه، والزمن الذي تستغرقه» (ص73).‏

وتوقفت عند الفروق التالية بين القصة والرواية:‏

أ- من حيث الأحداث والشخصيات:‏

فالقصة تتضمن ـ عادة ـ حادثة واحدة، تدور حول شخصية أو أشخاص معدودين. أما الرواية فتقوم على حادثة أساسية واحدة، تتفرع عنها حوادث أخرى. وعلى الرغم من تركيزها حول شخصية بطل أو بطلين، فإنها تعرض في ثنايا الأحداث شخصيات أخرى ثانوية.‏

ب- من حيث الشمول والتصوير:‏

فالرواية أكثر حياة وحيوية وحركة من القصة. ويمتاز كاتبها لذلك بنظرة أكثر شمولاً، كما يمتاز موضوعها بأنه أجل وأوسع، إذ يصور الكاتب فيه أحداثاً في زمن ممتد، ويحيط ببيئة أو مجتمع من المجتمعات، بينما تلتفت القصة إلى إحكام الشكل، والاقتصار على نقطة معينة تدور حولها الأحداث، منطلقة من وحدة الانطباع الخاصة، أو الإحساس الشخصي للكاتب.‏

جـ- من حيث القالب والحجم:‏

وتبعاً لما تقدم فإن الرواية يمكن أن يطيلها الكاتب أو يوجزها، دون أن يمسّ جوهر العمل الفني، أو يؤثر فيه، بينما القصة لابد فيها من التقيد بطول مناسب، كما لابد فيها من التقيد بقالب خاص ملائم لمضمونها، ولهذا يرى بعضهم أن القصة أكثر فناً من الرواية، لأنها تحتاج إلى دقة أكبر، ومهارة أبرع.‏

د- من حيث طريقة المعالجة:‏

فكاتب الرواية أشبه بالباحث الاجتماعي، أو المؤرخ أو العالم النفسي، وقد يكون فيه من هؤلاء جميعاً نسب متساوية، فينظر إلى موضوع روايته وأشخاصها من زوايا متعددة. أما كاتب القصة فيقتصر على زاوية واحدة، يرى بطله منها في أزمة معينة، تستولي على مشاعره واهتمامه دون غيرها، فيحاول الكشف عنها.‏

هـ- من حيث النظرة والتوجيه:‏

فلا يستطيع مؤلف القصة أن يعبر عن وجهة نظره الخاصة، ولا أن يتدخل تدخلاً مباشراً في توجيه أحداثها، بل عليه أن يبدو دائماً موضوعي فيها، بينما الروائي، يستطيع ـ بطريق غير مباشر ـ أن يتدخل، ويوجه، ويغير، ويبدل كما يشاء، وذلك لرحابة الرواية، واتساع آفاقها وتفاصيلها.‏

ولا يخفى أن مثل هذا التعريف وهذه الفروق لا تبتعد عن المنهج الوصفي التعليمي، وتابعت مريدن حديثها عن نشأة الرواية في الأدب العربي الحديث بإيجاز أكبر لما كتبه عبد المحسن طه بدر في كتابه المذكور في مصر على وجه الخصوص، فقد أسهم كلّ منهم في دفع عجلة هذا الفن. لكن النهضة الحقيقية للرواية، كانت على يد جيل ممن تخرجوا في الجامعات المصرية خاصة. فنالوا حظاً من هذه الثقافة، مكنّهم من بذل جهود كبيرة محمودة في هذا الميدان، منهم علي أحمد باكثير ـ عبد الحميد جودة السحار ـ يوسف السباعي ـ يوسف إدريس، وكان منهم (نجيب محفوظ) الذي خصّته بالدراسة (ص78).‏

وقدمت إشارة عن سيرة نجيب محفوظ وحياته وفنّه الروائي مستفيدة من عدد «الهلال» الخاص عنه (فبراير 1970). ودخلت في المنهج الوصفي التحليلي عند تناولها لروايتيه «زقاق المدق» و«اللص والكلاب»، وأحاطت قليلاً بأحداثهما وشخصياتهما، ووحدتي الزمان والمكان والشخصيات والأسلوب.‏

ووصف الرواية الأولى بأنها «واقعية، واستمد الكاتب أحداثها من واقع هذا الحي، كما استمد شخصياتها من أناس حقيقيين يعيشون فيه، ويعكسون قطاعاً خاصاً من المجتمع المصري، قد لا يكشف عن المجتمع بكامله، لكنه ـ على كل حال ـ يوجد من شخصياته نماذج متكررة، أو تكاد تتكرر في معظم أحياء مصر المشابهة لحي الحسين وما حوله» (ص89).‏

وعالجت الزمان والمكان والشخصيات والحبكة والبناء والفكرة والهدف، وأجابت على قضيتين فنيين فيما يخصّ الصراع والبنية الفنية، وأخذت على الكاتب لجؤه إلى الافتعال أحياناً، ولا سيما في الاعتماد على عنصر المصادفة في تطوير الأحداث، وتغيير المواقف.‏

وصفوة القول، في تحليلها، أن نجيب محفوظ استطاع أن يصور في هذه الرواية جانباً هاماً من المجتمع المصري، وكانت غايته إبراز الصراع الاجتماعي بين شخصيات «زقاق المدق» المختلفة، نتيجة التفاوت الطبقي بينها، والتغيير الذي طرأ على حياة كل منها بسبب ظروف الحرب.‏

وشرحت أحداث «اللص والكلاب» فصلاً فصلاً، وعمدت إلى إيراد ملاحظات حول مراحل تأليف نجيب محفوظ للرواية، وهي المرحلة التاريخية الرومانسية والمرحلة الواقعية الاجتماعية والمرحلة الفلسفية الدرامية التي تنتمي إليها هذه الرواية، وتناولت الأحداث والشخصيات والأسلوب بعامة، ونقدت الرواية في أسطر قليلة.‏

ثم وازنت مريدن بين الروايتين في أسطر قليلة أيضاً، فقد وجدت أن «اللص والكلاب» أقدر على إجراء الأحداث، وأكثر تمكناً من تصوير الشخصيات، وإدارة الحوار، وإحكام الحبكة والسياق وإذا كان الصراع في «زقاق المدق» لا يبدو واضحاً ـ كما نوهت ـ إلا في بعض المواضع، فإن رواية «اللص والكلاب» تكاد تقوم من أولها إلى آخرها على الصراع المستمر في نفس الشخصية الرئيسية: الصراع بينها وبين المجتمع الخارجي، وبين الفضيلة والرذيلة أو بين الخير والشر.‏

وأجملت مريدن الرأي في الروايتين على أن نجيب محفوظ حاول في روايته الأولى تصوير المجتمع المصري عامة، وتصوير حي من أحياء الطبقة الوسطى خاصة، لأنه يرى أنه حي المشكلات التي هي المنبع الصافي والغزير للروائي. مثلما عني بتصوير آثار الحرب العالمية الثانية في هذه الطبقة، وما خلفته فيها من تخلخل وتمزق، واضطراب وانحلال، في حين أنه رسم في روايته الثانية «اللص والكلاب» قضية اجتماعية واقعية. وما يجمع بين الروايتين، إنما هي الواقعية العميقة الواضحة.‏

واعترفت بمنهجها التطبيقي العملي الآخذ بالنظرية الوضعية، آملة ألا يكتفي الطلاب، بما قدمته عن القصة والرواية، ليتطلعوا إلى «آفاق أوسع، فيرجعوا إلى الكتب المشار إليها في هوامش البحث، ولتكون دراستهم جامعية حقيقية» (ص122).‏

لجأت عزيزة مريدن في كتابها «القصة والرواية» إلى الاتجاه الوصفي التحليلي اعتماداً على الأصول النقدية الإتباعية الأرسطية، وغلب عليها الشرح والتفسير لإبانة كيفية ضبط الأسلوبية وإفصاحها عن المضمون، وراعت الناقدة اعتبارات جنس الرواية وخصائصه إزاء أشكال النثر القصصي الأخرى، وهذا الشغل يندرج في البحث الأكاديمي الهادف إلى وصف المضمون وتحليله.‏

3- فيصل سماق «الرواية السورية»:‏

طوّر فيصل سماق الاتجاه الوصفي التحليلي كثيراً في كتابه الثاني «الرواية السورية: نشأتها وتطورها، مذاهبها» (1984)(11)، وأعلن في مقدمته إتباعه لهذا المنهج ودراسة النماذج الدالة على فنية الرواية في سورية والمعبرة عن «المرحلة التاريخية والفنية لخيط تطور هذا الفنّ الأدبي الوليد» (ص5).‏

وعرض في الباب الأول بدايات نشوء هذا الفنّ الحديث، ودرس النواة، وأسماها الرواد ومراحل التكوين، واهتم بنهض الرواية وأسماها مرحلة الانطلاق. و تتبع في الباب الثاني أهم المذاهب الأدبية التي تأثر بها هذا الفنّ، كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية الانتقادية، أما الواقعية الاشتراكية فقد أفرد لها باباً خاصاً.‏

ودرس في الاتجاه «الكلاسي» نماذج لعلي الطنطاوي ومعروف الأرناؤوط في رواياته «سيد قريش» و«عمر بن الخطاب» و«طارق بن زياد» و«فاطمة البتول».‏

واعتبر شكيب الجابري الرائد الحقيقي للرواية الفنية السورية، فهو نموذج بارز للحركة الرومنتية السورية، فبعد روايته «قوس قزح» (عام 1946) صمت أربع عشرة سنة حتى أخرج روايته «وداعاً يا أفاميا» التي أثارت ضجة كبيرة لا تقل عن الضجة التي أثارتها روايته الأولى.‏

وتلمس سماق جوهر الصورة الرومنتية وطبيعة الهوى الناجم عنها لدى روائية مُقلّة هي إنعام مسالمة في روايتها «الحب والوحل»، ولدى قمر كيلاني في روايتها «الهودج» «على الرغم من أنها تعالج موضوعاً وطنياً هو القضية الفلسطينية والصراع مع الصهيونية» (ص81).‏

واعتقد سماق أن النزعة الرومنتية سوف تبقى مستمرة في الرواية السورية ما دامت النزعة الفردية الحادة والحماسة العاطفية متأججة عند الأدباء، «وما دامت تغمر حياتنا أحداث عنيفة دامية وظلم إنساني ليس في هذا العصر مشابهاً لـه، على أنه يتواجد في رحم هذه الصورة الفنية تيار واقعي قوي يكاد يلف حياتنا الأدبية» (ص82).‏

واختار سماق روايات لهاني الراهب وحيدر حيدر وأديب نحوي وحسيب كيالي وعبد النبي حجازي وصدقي إسماعيل وغيرهم ممثلين للواقعية الانتقادية، والنموذج الصادق والحار لهذا الاتجاه، عنده، هو فارس زرزور في روايته «المذنبون» التي صوّرت عالماً قاسياً ومرعباً للريف.‏

وفصّل سماق القول في اتجاه الواقعية الاشتراكية، وبحث في نشأته وتطوره ومرتسماته في الرواية السورية عند الروائيين هاني الراهب وصلاح دهني وفارس زرزور ونبيل سليمان وأديب نحوي بعامة وحنا مينة بخاصة في رواياته «الشراع والعاصفة» و«الثلج يأتي من النافذة» و«الشمس في يوم غائم» و«الياطر» و«بقايا صور» و«المستنقع»، ورأى سماق أن روايات حنا مينة شديدة التعبير عن التحولات الاجتماعية، فقد «كانت الحياة نفسها بآلامها ومعاناتها، هي المعين الذي غرف منه حنا ألوان لوحته فأتت ناطقة بكلّ بؤس هذه الحياة وكلّ الأمل فيها، وذلك من خلال فهمه لقوانين تطورها التاريخية فأبطاله لم يناضلوا ضد سيطرة المستعمر فقط، لقد فهموا أن هذا النضال سيبقى وحيد الجانب إذا لم يكن نضالاً شاملاً ضد كل أشكال السيطرة والقمع والاستغلال التي أوجدها المستعمر وأذنابه المحليين. وهكذا أطلق حنا صرخة مدوية ومقنعة تطرح البؤس الإنساني من الداخل وتمزق حاجز الزمان والمكان بكلمات بسيطة صادقة تنادي لقضية العدالة المفقودة وصراع الإنسان من أجلها على مرّ العصور» (ص180-181).‏

استأنس فيصل سماق في كتابه «الرواية السورية» بعناصر الاتجاه الوصفي التحليلي إزاء خصوصيات جنس الرواية ولغته وأسلوبيته من أجل الاهتمام التقويمي أو التقييمي للعمل الأدبي، وتجاوز سماق، وهذه مزية من مزايا هذا الاتجاه، الأحكام الخارجية كالتحزب والانتماء وتصريحات الروائي أو اعترافاته.. الخ، وتغلغل في البنية الروائية للكشف عن معانيها أو أغراضها أو مضمونها تكثيفاً وإيجازاً.‏

4- عبد الرحمن برمو «الرواية التاريخية»:‏

تكون الرواية أكثر امتلاء بزمنها، وبشواغله المدنية والاجتماعية والفكرية، حين توثّق صلتها بالتاريخ، وتسري في مسراه، وتندغم في سيرورته، لأنّ الرواية، وهي تتحدث عن مصائر فردية، تغدو أكثر تمثيلاً لحركة مجتمعها كلما قاربت هذه المصائر الفردية الاشتراطات العامة، وأفلحت في صوغ تاريخها الخاص؛ أي أن الرواية قرينة التاريخ في صيغتها الفنية والسردية التي تتوسل بها إلى هذا التاريخ الخاص. ولربما كانت الروايات التاريخية أو الروايات التي تنسج بناءها من وقائع التاريخ هي الأكثر أهمية. وتشير تجربة الرواية العربية إلى أن ذراها الأهم هي الروايات التاريخية أو روايات التأرخة، وهي الروايات التي توسّع استعمال التاريخ فكرة أو معنى لحركة المجتمع، وليس مقترنأً باستعمال حوادث التاريخ ووقائعه فحسب. وخير مثال لذلك روايات نجيب محفوظ الكثيرة التي تروي تاريخ مصر الحديث خلال قرن مضى بأفضل مما في كتب التاريخ، وإذا كان محفوظ بدأ كتابته الروائية بالروايات التاريخية الفرعونية، فإنه ما لبث أن خالط غالبية رواياته اللاحقة بالتاريخ على سبيل التأرخة كشفاً لجوهر حركة التاريخ في معانيها ومغازيها ودلالاتها الأعمق. ويعول كثيراً على الروايات التاريخية أو روايات التأرخة في تدعيم أبحاث الهوية القومية. وثمة إقبال واسع على تأمل فهم التاريخ وتغيره في الرواية العربية الحديثة في العقود الأخيرة إجابة على أسئلة الوجود القومي ووعي الذات، كما هو الحال مع عبد الرحمن برمو، في كتابه «الرواية التاريخية في الأدب السوري المعاصر» (دمشق 1996)(12)، وقد أعّد بالأصل لنيل درجة الدكتوراه في الأدب من أكاديمية العلوم الروسية بموسكو.‏

أقرّ الباحث في مقدمته لبحثه أن «نمو الرواية التاريخية هو نتيجة تطورات أخلاقية في الأدب العربي المعاصر، وثمرة مطالب عهد الفتح الثقافي والعلمي الماضي، كما هو نتيجة نشوء الوعي القومي الذاتي وتطوره الفعال وظهور الطموحات المحبة للحرية عند العرب». ويصح هذا الرأي على نشوء الرواية التاريخية وتطورها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حين صار للعرب الاستقلال وجلاء المستعمر الأجنبي عن أراضيهم، فبدا التحول في استخدام التاريخ لنقد الواقع أو لنقد الذات القومية المخذولة أو المحبطة أو المهزومة؛ وقد أصبح اتجاه نقد الذات في الرواية التاريخية أو رواية التأرخة غالباً في العقود التي تلت هزيمة حزيران 1967 لمعرفة الماضي الاستعماري وأسبابه وعناصر مجاوزته.‏

وقسم الباحث بحثه لثلاث مراحل أساسية في تطور الرواية التاريخية في سورية، وهي:‏

الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وحتى العقود الأولى من القرن العشرين، إذ نشأت الرواية التاريخية في السبعينيات من القرن التاسع عشر.‏

من العشرينيات إلى الأربعينيات من القرن العشرين.‏

فترة ما بعد مرحلة الاستعمار في سورية.‏

ويفيد هذا التقسيم أن الباحث اقتصر على الرواية التاريخية دون رواية التأرخة، وأنه مّد مصطلح سورية ليشمل مرحلة تاريخية لم يكن فيها كيان سورية قد ظهر إلى حركة التاريخ، لأن مصطلح سورية وليد ثلاثينات هذا القرن، وقبل ذلك كان مصطلح «شامي» أو «بلاد الشام» يضمّ سورية بالإضافة إلى أقطار عربية تكّونت دولاً في الأربعينيات كلبنان والأردن.‏

أما مفهوم الباحث للرواية التاريخية فناً أدبياً فهو مرتبط «بالانسجام بين الأحداث التاريخية الحقيقية والخيالية الفنية القصد»، وهكذا اقتصر جهده على تشكيل صورة عن تطور فنّ الرواية التاريخية في سورية وفق العناصر التالية:‏

وصف المراحل الأساسية في تطور فنّ الرواية التاريخية، وتحليل هذه المراحل من النواحي المختلفة.‏

إدراك جوهر الظروف السياسية الاجتماعية والبيئية التاريخية الحضارية خلال مراحل نشوء الرواية التاريخية وتطورها.‏

تحليل الروايات التاريخية من النواحي الفنية والخيالية، ومن وجهة نظر الموضوع والفكر في هذا الفّن.‏

تعيين الخصائص الفنية والفكرية وتحديدها في نطاق دراسات الفن التاريخي أثناء المراحل المختلفة من تطوره.‏

استخراج الحقيقة والخيال من الروايات التاريخية وتعيين الحدود الأولى والثانية منهما بالمقارنة بينهما.‏

حمل الفصل الأول عنوان «الموضوع التاريخي في الأدب السوري في القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين»، وفيه دراسة كاملة لجهود الرواد في الرواية التاريخية وهم سليم البستاني وجرجي زيدان وفرح انطون. وفصّل الباحث في الفصل الثاني القول في روايات معروف الأرناؤوط، وهو الأبرز في عقود العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.‏

ويعدّ الفصلان الأول والثاني تمهيداً للفصل الثالث «الرواية التاريخية في الأدب السوري فيما بعد مرحلة الاستعمار» حيث زادت اهتمامات الكتاب الوطنيين بالماضي التاريخي للشعب العربي؛ ثم تجسدّت في المرحلة الجديدة من تطور فن الرواية التاريخية في اتجاهاته الرومانسية لدى خليل السباعي ومحمد إبراهيم المرجاني وعبد الرحمن الباشا، والواقعية لدى فارس زرزور وسلامة عبيد وصلاح مزهر وعاصم الجندي، ويتفق جميعهم على إحياء أحداث التاريخ البعيد والقريب، مثلما يظهر البحث أهمية الروايات التاريخية المؤلفة في إطار الفن الواقعي، وأهمية تنوع الأشكال الفنية في كتابة الرواية التاريخية.‏

وأوضحت خاتمة البحث النتائج التي يشير إليها تطور الرواية التاريخية في سورية، ولاسيما المرحلة الأخيرة التي تعكس النضال البطولي للشعب العربي السوري وكادحيه الذين بدأوا الدفاع عن حريتهم السياسية واستقلال وطنهم، حين أصبحت هذه المرحلة نقطة تحول لفكرة إبراز الشخصية التاريخية مبدعاً للتاريخ، من التاريخ الخاص عند الارناؤوط ومعاصريه، إلى إعلان الدور الحاسم للجماهير الشعبية في العملية التاريخية، والروائي المعبّر عنها خير تعبير هو فارس زرزور في مذهبه الواقعي وتصويره المبدع للحركة التحررية الوطنية بما يكشف عن مصير كل فرد في سياق المصائر القومية.‏

ولا يغفل الباحث عن النواقص في النثر الروائي التاريخي في مرحلة الخمسينيات والسبعينيات على سبيل المثال، وأشار إلى بعض جوانب هذه النواقص مثل الفقر اللغوي أحياناً أو النظر إلى اللغة كقيمة جمالية أو تزيينية، أو الخلل في انسجام التاريخي والخيالي، أو «مبالغة تمجيد الشخصيات التاريخية وإبرازها بصورة أكثر من الواقع»، أو في الكثرة الزائدة للمعلومات الجغرافية والتاريخية واليومية في النصوص الروائية، أو في الكثرة الزائدة لوعظ الكاتب وغلبة روح التعليم بدلاً من تصوير الأحداث الحقيقية فنياً وأدبياً.‏

ثم استخلص الباحث بعض الخصائص الإيجابية للرواية التاريخية مثل تصويرها لتطور البلاد الاجتماعي أو تداخل الوطني-القومي مع الاجتماعي في رؤية الواقع، أو توكيد الروائيين المستمر على تشبث الشعب العربي في سورية بحريته، وتمسكه بفكرة الوحدة العربية الحديثة في وعي الشعب العربي على الدوام.‏

وكما هو واضح، فإن كتاب عبد الرحمن برمو «الرواية التاريخية في الأدب السوري المعاصر» يجدد الحديث حول الرواية التاريخية في فهمها وحدود مصطلحها ونشأتها وتطورها، وفي مدى تعبيرها عن الذات القومية ورؤيتها رؤية واقعية، وفي القضايا الفنية المتصلة بها: موقع التاريخي (الصدق والحقيقة) وموقع الخيالي، وفي أساليب أو اتجاهات الرواية التاريخية، ملحمية انسيابية كما عند نبيل سليمان، أو واقعية نقدية كما عند عبد السلام العجيلي، أو تسجيلية كما عند عاصم الجندي. وأذكر بعض الآراء حول هذا الكتاب الجديد.‏

خاض عبد الرحمن برمو في كتابه موضوعاً راهناً وحساساً لاتصاله الوثيق بالتغير الاجتماعي والتاريخي في سورية المعاصرة، وهو موضوع قلما التفت إليه الباحثون والنقاد على الرغم من أهميته النقدية والتاريخية في فهم تشكل دولة عربية، أو تصارع فكرة الوجود العربي السياسي والاجتماعي مع العوامل المحلية والداخلية والمكونات والمؤثرات الأجنبية بفعل الاستعمار العثماني أو الأوروبي الغربي، أو بفعل الاستيطان الصهيوني في مرحلة لاحقة.‏

ويتلمس هذا الكتاب تجليات الوعي التاريخي بالذات الوطنية والتقدمية في سورية منذ أوائل القرن العشرين حتى الثمانينات، وهي فترة تاريخية طويلة نسبياً وحافلة بالصراعات التاريخية والاجتماعية، وإن كان البحث قد ضيّق فهم التاريخ إلى حدود الرواية التي يكون قوامها الأحداث والشخصيات التاريخية، بعيداً عن تجليات فكرة التاريخ في التخيل الروائي، فثمة بعد تاريخي لغالبية الأعمال الروائية، وثمة روايات يحرّكها مجرى التاريخ، وإن خلت من وقائع وشخصيات تاريخية، ونشير في هذا الإطار إلى الروايات الجيلية أوالإنسيابية أو النهرية التي تنفجر أحداثها وشخصياتها من قلب التاريخ، ثم تنساب معه جبارة مثل نهر كبير جارف.‏

وتناول الكتاب عمل الروائيين في المادة التاريخية مستنداً إلى تحليل تاريخ سورية المعاصر على وجه الخصوص والتاريخ العربي والإسلامي على وجه العموم، كشف في الحالات جميعها البعد الواقعي والمأساوي غالباً للمصائر القومية التي عكستها الرواية التاريخية في سورية، وربط تحليله للروايات بالمسار الصعب والمعقد لوعي الذات القومية.‏

نقرأ في هذا الكتاب صوراً مختلفة للوطن بما هي أشكال فنية روائية أو سردية للتاريخ، غير أنه، وهو يباشر كتابته التاريخية، يثير أسئلة ما تزال بحاجة إلى إجابات: مكانة الخطاب التاريخي إزاء الخطاب الروائي، مدى الاعتماد على الواقعية التاريخية ومدى التخييل فيها، النظرة إلى رواية التأرخة، وهي الشكل الروائي الذي يتقدم تجربة الرواية العربية الحديثة خلال العقود الخمسة الأخيرة، وهذا كله يعني بالمضمون في الرواية التاريخية.‏

5- من «الميراث الدموي» إلى «أنين السرو»:‏

5-1- إبراهيم الخليل: صورة «الآخر» التركي:‏

كُتبت أبحاث ومقالات متعددة عن «الآخر» العدو الصهيوني كما هو الحال مع ملف العدد الأول من مجلة «مشارف» الصادرة في فلسطين المحتلة، ومن الآخر ممن عاشوا بين ظهرانينا، أو في بلدانهم بين أقوامهم «الآخر الأرمني» أو «الآخر التركي». وقد لفت نظري في هذا الاتجاه صدور ثلاثة كتب‏

(عن دار الحوار باللاذقية) هي:‏

1. أنين السرو: تجليات الآخر الأرمني في الرواية العربية (تأليف: أسعد فخري)(13).‏

2. صورة التركي في الشعر العربي الحديث (تأليف: د. نعيم اليافي وماهر المنجد)(14).‏

3. الميراث الدموي: قراءة نقدية في الأدب الحديث (تأليف: ابراهيم الخليل)(15).‏

وربما كان هذا الاهتمام بالآخر الأرمني أو التركي متأخراً، ولا سيما الأخير، فلقد عانى العرب طويلاً من الحقبة العثمانية الاستعمارية التي آلت، أو يسرت، إلى الاستعمار الغربي الأوربي، ولا نغفل في هذا المجال الالتباس الذي طال هذه الحقبة العثمانية الاستعمارية، بما في ذلك، وفي أساسه، التباس الإسلام بالخلافة التي اغتصبها التاج العثماني. ويتساءل المرء كثيراً حول غياب بحوث الآخر التركي، على الرغم من هذه الضغوط القاسية التي يمثلها هذا الآخر في الوجدان العربي عموماً، وفي الوجدان الثقافي العربي خصوصاً؛ فقد كان هذا الآخر التركي حاضراً بقوة في التعبير الأدبي العربي، في مختلف أجناسه. ولا يخفى أن هذه الكتب الثلاثة قد كتبت وطبعت بدعم «نادي الشبيبة السورية ـ اللجنة الثقافية» بحلب، وهو نادٍ أرمني.‏

كان كتاب نعيم اليافي وماهر المنجد «صورة التركي في الشعر العربي الحديث» هو الأسبق للظهور، ومن الواضح أن الكاتب الأول، وهو ناقد وباحث معتبر، سبق الآخرين إلى التعامل أو التعاون مع النادي الأرمني المذكور، وإلى تأليف الكتب عن الأرمن ومجازرهم ومآسيهم، مثل «مجازر الأرمن وموقف الرأي العام العربي منها» (دار الحوار ـ اللاذقية 1992).‏

أما الكتاب الثالث عن صورة التركي فهو كتاب إبراهيم الخليل «الميراث الدموي: قراءة نقدية في الأدب الحديث»، ويصفه مؤلفه بأنه «صورة التركي في وعي الآخر»، والآخر هنا بالنسبة لإبراهيم الخليل هو كل من هو غير تركي ازاء التركي، فعالج المؤلف صورة التركي في نماذج أدبية روائية وقصصية، أي منظور الآخر للتركي بوصفه «آخر». ويضم الكتاب مدخلاً عاماً يشابه مدخل اليافي والمنجد عن التركي في الميثولوجية والتاريخ، و يوزع الكتاب إلى قسمين، وقد ضمّ القسم الأول أربعة فصول، بينما ضم الثاني فصلين، وخصص القسم الأول لصورة التركي في الأدب العربي الحديث، والثاني لصورة التركي في الأدب الحديث، واختتم الكتاب بملحق حوى نصوصاً مختارة لجرجي زيدان، ومحمد سعيد العريان، والرئيس جمال عبد الناصر، وأمين معلوف، وتوفيق يوسف عواد، ونادية الغزي، وجبران مسعود، وهاني الراهب، وعبدالكريم ناصيف، وفائزالغصين، وفيصل خرتش، ونهاد سيريس، ونبيل سليمان، والمنفلوطي، وإبراهيم الخليل، وعبده جير، وأسعد مفلح داغر، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وحنامينة، ويوسف السباعي، وإبراهيم الكوني، وكمال أبو ديب (قصيدة)، أما الملحق الأخير فهو مختارات عن صورة التركي في الأدب العالمي لعدد أقل من أدباء العالم.‏

اعتمد الخليل، على لغة أقرب إلى النقد، اذ يمازجها في كثير من الأحيان الولع بالعبارات المجازية، وبعض فيض الإنشاء، وبعض أحكام القيمة المطلقة على الأعمال، معزولة عن سياقها التاريخي والإبداعي الخاص بمؤلفها، فلا يعرّف بالمؤلف، ولا بمكانة عمله الروائي أو القصصي ضمن إبداع المؤلف بعامة، وغالباً ما يقتطع الخليل مقطعاً سردياً أو فصلاً روائياً عن مجمل العمل الروائي أو القصصي، ولا يدقق الخليل أحكامه، أو يمحّصها، كما هو الحال مع لورنس، في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة»، فالكتاب سيرة ذاتية، وليس رواية، وقد حوّل الخليل السيرة إلى حادثة اغتصابه من قبل الآغا التركي، ويقول الخليل بحكم قاطع، إن «لورنس رجل حالم مسكون بالوهم» (ص 221)، ولا يعلل حكمه أو يسوّغه، ويحوّل الخليل الإهداء بحكم قاطع أيضاً إلى بداية للكتاب، ويحوّل الاهداء، بحكم قاطع مرة ثالثة الموجه لامرأة، إلى رجل، أي يجعله موجهاً إلى رجل، على أن لورنس لواطي، بينما الاهداء موجه إلى امرأة معروفة اليوم في الأدبيات التاريخية التي تناولت المرحلة، هي اليهودية سارة بيورونسون، ويراجع بشأن ذلك الكتاب المترجم عن التركية «سارة، المرأة التي أسقطت الامبراطورية» (دار طلاس- دمشق 1994). إنّ مثل هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية كتاب ممتع في اسلوبه، وفي الكثير من تحليلاته البارعة إضاءة لصورة التركي في الأدب الحديث.







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:09 AM   رقم المشاركة : 5
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

-2- أسعد فخري: صورة الأرمني:‏

حمل كتاب أسعد فخري «أنين السرو» (دار الحوار ـ اللاذقية 1995) عنواناً ثانياً هو «تجليات الآخر الأرمني في الرواية العربية»، أي أن واضعه ينحاز للتعاطف مع صورة الأرمني، على العكس تماماً من واضعي الكتابين المتعلقين بصورة الآخر التركي، وهذا واضح من العنوان المأخوذ من قصيدة «حنين» للشاعر الأرمني خورين ناريك، ويقول فيها:‏

«أين أنت يا نسيم ماسيس‏

إنني مشوق إلى ألحانك وأنين السرو في أزماوير‏

أنسيت أنني أنتظرك بشوق يائس ملتاع‏

أين أنت يا نسيم وطني» (ص73).‏

وهكذا، غلب التعاطف المطلق مع صورة الأرمني، بينما طفحت صور الآخر التركي بالشناعة والوحشية والدم، لتغدو مثار نفور مطلق؛ وعلى الرغم من أن هذه الكتب كتبت في إطار التزام المثقف التقني بوضع جهده الذهني والعقلي والإبداعي موضع العرض والطلب في سوق التأليف، إلا أن اعتمال الوجدان الأدبي العربي بعامة بشواغل هاتين الصورتين ما يزال راهناً وضاغطاً على الذاكرة القومية المتوجعة المتفجعة من صورة الآخر التركي، والمتأسية المتراحمة مع صورة الأرمني. وقد أكدت مقدمة إبراهيم الخليل لكتابه على ذلك التعاطف المطلق مع الموضوع برمته:«.. تلك هي قضية جهد أسعد فخري لرسم تلك الصورة، صورة الوجه الأرمني، يهدهده أنين السرو الحزين، وهو يشهر أبره في وجه الريح وعتمة الليل الذاهل» (ص9).‏
ولعل المؤلف، بتأثير هذا التعاطف المطلق، يريد أن يعكف على حالة عدوان أثيم على الإنسانية، كما مثلّته السياسة التركية إزاء أقوام أخرى، وليس الأرمن وحدهم، ممن عانوا من المجازر والقتل والتشريد والتضييع، فالعرب في قائمة هؤلاء، ولن تنسى الذاكرة العربية ما فعله الأتراك إلى الأبد؛ على أن ثمة محذوراً في تناول الموضوع مما يوهن نظرة المؤلف وتفكيره بعد ذلك، فقد نظر إلى الأرمن على أنهم «آخر» أو «آخر أقوامي» بتعبيره (ص11)، بينما شكّل الأرمني نسيجاً في المواطنية العربية في أكثر من قطر عربي، أي أن الأرمني غدا عربياً ومواطناً عربياً باختياره، فإلى أي حد ينطبق وصف «الآخر» على الأرمني مواطناً متساوياً في الحقوق والواجبات؟ لقد وصلت حالات الاندماج إلى أقصاها في التزاوج والبقاء وأنماط العيش كلها في المشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية واللغوية؛ فسورية هي وطن المواطن الأرمني السوري، وليس في ذلك أي عنت، لأن الدستور يكفل لهم حق العودة لأرمينيا إذا رغبوا؛ وتصحّ عبارة «الآخر» على «الأرمني» خارج البلدان العربية، ممن هو ليس مواطناً في قطر عربي. وهكذا، يقع المؤلف في فخ مصطلح لا يوافي موضوعه، وكان الأفضل لو سمّى بحثه «تجليات الأرمني»، وليس «تجليات الآخر الأرمني». أما وجه المحذور الثاني فهو خطر إضافة الأقوامي إلى الآخر؛ لأن القضية لا تتصل بصراع قومي أو قوميات، فهذه أحد وجوهها، وكأننا، جرياً على مستلزمات المصطلح، نعدّ الآخر الصهيوني قومية، أو الآخر الأمريكي قومية، أو الآخر الأوروبي قومية، وهل كان الاستعمار الأوروبي الغربي تعبيراً عن تحقق قومي للمستعمر (بكسر الميم)، وقد جرت العادة أن ندرس الآخر في تمايزه عن الذات العامة، بما هي وجود عربي أو كيانية عربية؛ وللمحذور وجه ثالث يتبدى في خطر استعمال المصطلح «الآخر الأقوامي» على أقوام كثيرة عاشوا، وما يزالون، بين ظهرانينا، واندمجوا في المجتمع العربي، مثل الأكراد والشركس والشاشان والداغستان وغيرهم، فهل نطلق عليهم مصطلح «الآخر»؟! وهذا ما يجعلنا نجانف العبارة الأولى في مدخله بما تتضمنه من حكم نقدي على واقع دراسة الآخر في الثقافة العربية الحديثة بقوله القاطع:‏

«لم يلتفت المشهد النقدي العربي قديمه وحديثه، عبر آلية اشتغاله وتباين مناهجه، إلى مداخلة الآخر الأقوامي في النصوص الإبداعية التي تعرض لها، مؤثراً الاهتمام بالنص وتجلياته العربية» (ص11).‏

واتضحت الصورة أكثر في تحديده للآخر الأقوامي بالشخصية غير العربية، ومعه يغدو المصطلح أكثر خطورة، إذ يندغم الموضوع في أبحاث الأقليات والانتماء العرقي، ويوصم القومية بالنسب وحده!. ولا يخفى أن المؤلف درس تجليات الأرمني بوصفه مواطناً في الأقطار العربية التي يعيش فيها، إذ اختار انتماءه حتى حين أتيح لـه أن يعود إلى أرمينيا؛ وربما كانت ذروة استخدام مصطلح «الآخر»، في النظر إلى «الأرمني» على أنه «آخر» على الرغم مما ينفيه، وهو كثير، واعترف المؤلف نفسه «أن الأرمن لم يعيشوا حالة صراع مع العرب عبر التاريخ» (ص11)، أما النصوص الإبداعية المدروسة نفسها فلا تنظر للأرمني على أنه «آخر» يستوجب التصارع أو التناقض أو التفرقة عن الذات. ومما يلفت النظر أن مقدمة إبراهيم الخليل للكتاب تدخل في لغة الشعر والوجدان بالقدر الذي تبتعد فيه عن لغة النقد، بل إنها تستغرق في إعلان التعاطف المطلق مع الموضوع أكثر بكثير مما فعل مؤلف الكتاب.‏

وما يلفت النظر هو الاستغراق الواضح في المقدمة واستعماله لسرب اللقالق، إعادة لعنوان كتاب النصوص الفائزة بمسابقة نادي الشبيبة السوري الأرمني بحلب، وكان نظمها لكتاب القصة في سورية، وطبع الكتاب في دار الحوار أيضاً، وحمل عنوان «رحيل اللقالق: أغنيات حب إلى أرارات» (1994)، وأرارات هو ذلك الجبل العملاق المطل على يريفان، عاصمة أرمينيا، واسمه في الأدبيات التراثية العربية «الحارث». ولعلي استكمل بعض الملاحظات النقدية الأخرى بعد عرض موجز للكتاب.‏

وزع المؤلف كتابه إلى قسمين، عالج في القسم الأول مستويات النظرة إلى الأرمني، وهي السياسي والاندماجي والمهني والسلبي والأقوامي (ثنائيات أقوامية)، وخصّ القسم الثاني بالتداعي الحنيني، وهذا القسم هو الأطول في الكتاب، ويتألف من أجزاء، تناول في جزء منه طغيان التداعي الحنيني، وفيه التداعي والاستذكار (حنينية أرمنية)، والتداعي والاستذكار (حنينية عربية)، ثنائية العشق والإسقاط، والنسق التعويضي، والنسق العصابي، وفي جزء ثان منه مناظير رؤية النصوص، المنظار العمودي والمنظار الأفقي، وفي جزء ثالث منه «فذلكات» نقدية حملت العنوانات التالية:‏

طقس النص، خلود النص، تاريخيانية النص، عابر النص، رياح النص، تداعيات النص، خصوصية النص، ذاكرة النص، سردية النص، سياق النص، ملهاة النص، إيماء النص، حكاية النص، مذكرات النص، مقاربة النص، نخبوية النص، تركيبية النص، صورة النص، شاهد النص، رسائل النص، عروس النص.‏

وضمّ القسم الثالث، دون تسمية، مختارات من النصوص لأكثر من ثلاثين كاتباً، وختم المؤلف كتابه بثبت الأعمال الروائية والقصصية والشعرية والمسرحية التي تناولت صورة الأرمني؛ وأضاف المؤلف إلى الثبت ثبتاً ثانياً لبعض النصوص التي يمكن الرجوع إليها في التراث العربي (مقامات الهمذاني وروايات جرجي زيدان ورواية لعبد الحميد جودة السحار) وبعض المراجع عن الأرمن، وعددها أربعة.‏

لا يعالج المؤلف في كتابه المؤلفات التي تناولت صورة الأرمني، بل يقتطع من النصوص المقاطع المتصلة بموضوعه، وهذه انتقائية لا تتيح للباحث رؤية أشمل وأعمق لموضوعه، فعلى سبيل المثال، عالج المؤلف النسق العصابي من خلال ثلاث روايات وقصتين في ست صفحات وبضعة أسطر فقط، ويقصد بالنسق العصابي ما اختلجت به شخصية الأرمني بتأثير الشتات والمجازر والتضييع، وكانت معالجته لهذا النسق من خلال محورين، هما محور الغضب والحزن ومحور الدم، ولا تبتعد المعالجة عن حدود الشرح أو الوصف مجتزئة، غالباً، عن سياق النص، ثم يمتزج الشرح بالإنشاء، دون حدود الدلالة العامة أو الشاملة للنصوص المدروسة.‏

أما «الفذلكات» النقدية في عنوانات أجزاء القسم الثاني، فسأورد تحليلاً لواحدة منها، فماذا تعني رياح النص في النقد سوى أن النص المدروس يحمل عنوان «رياح الشمال»؟ وماذا تعني صورة النص سوى أن النص المدروس يحمل عنوان «صورة بيرم كورديان»؟ وماذا يعني رسائل النص سوى أن النص المدروس يحمل في عنوانه كلمة رسالة إلى آزو، أو القاص اعتمد في المتن الحكائي على رسالة؟ وأتوقف عند نخبوية النص، فهي مثال ساطع على مجافاة لغة الكاتب للنقد، وانتقل ما كتبه بالكامل، لأنه الأقصر في هذه الفذلكات، مع العلم أن الكتابة عن كل عنوان تتراوح بين بضعة أسطر وثلاث صفحات.‏

استخدم المؤلف لفظة «نخبوية»؟ فهل يمكن النظر إليها مصطلحاً دالاًّ في هذه الأسطر؟ وماذا تعني عبارات مثل «جاءت حدوثته شفيفة للغاية، ورسمت خطوطاً نافرة، بلغة ملونة» في النقد؟ إن ثمة ملاحظات نقدية أخرى على كتاب «أنين السرو» أذكر منها بإيجاز:‏

أ- لا يقع المرء على المهاد التاريخي الذي تتحرك فيه المخيلة الأدبية، إذ يؤثر المؤلف الشرح الذي سرعان ما يستغرق في فيض الإنشاء.‏

ب- أغفل الكتاب تطور النظرة التاريخية للنصوص المدروسة، لأن غالبية هذه النصوص بنت العقدين الأخيرين، وثمة نصوص قصصية كثيرة هي نتاج المسابقة التي أشرنا إليها، فقد كتبت قصص بالفعل عن الأرمني جزئياً أو كلياً خارج المسابقة، ومنها قصص لعبد السلام العجيلي.‏

جـ- لقد لا حظنا قلق مفهوم «الآخر» الذي لا يوافي صورة الأرمني، لأنّ الأرمن مواطنون، وليسوا أقلية تتحين الفرصة لمغادرة وطنها إلى مواطن أصلي حي في الذاكرة؛ وفي هذا الإطار، ينبغي التفريق بين الحنين والانتماء في حالات الاندماج وخيار الحياة.‏

د- لا يستقيم مصطلح الرواية في عنوان الكتاب على النصوص المدروسة فيه، فهناك أربع عشرة رواية وأربع عشرة قصة، فلماذا لا يسمي المؤلف كتابه «تجليات الآخر الأرمني في الرواية والقصة العربية»؛ وغالباً ما يشير إلى نصوص مذكرات أو سير على أنها روايات أيضاً.‏

هـ- تحتاج لغة الكتاب إلى عناية، فثمة أغلاط لغوية كثيرة ناهيك عن أن قلق الصياغة يقلل من قيمة كتاب هو موضع نقاش في أطروحاته ومنهجه.‏

5-3- محمد قرانيا – الستائر المخملية:‏

أصدر محمد قرانيا كتابه «الستائر المخملية – ملامح الأنثى في الرواية السورية حتى عام 2000»(16)، والكتاب بمجمله لا يخرج عن الوصف غالباً لمحتوى الروايات عن الشخصية الأنثوية، وبثّ الكاتب آراء وأحكاماً عن علاقة المرأة بكل من الرجل والمجتمع، وأكد أن ثقافة الجسد بؤرة مهيمنة في الخطاب الروائي، أو هي نوع من «التناص الإنساني» الذي تحاول فيه الشخصيات التعبير عن تخيل المبدع حيال العلاقة الأزلية بين الذكر والأنثى، وثمة التباس، كما هو واضح، بين «التناص الإنساني»، ومصطلح التناص والمتعاليات النصية، لأن مثل هذا الحكم لا ينطبق على فعالية التناص ومكوناته ومؤثراته.‏

وألمح إلى أهمية الشواهد النصية دون الالتزام بالاتجاه النصي أو تحليله أسلوبياً أو بنيوياً، وأفاد أنه ابتعد عن التنظير قدر الممكن ولم يلتزم «بمذهب نقدي محدد لأن غايتها العرض البانورامي، وربما انتهت العروض بإضاءات ختامية، توجز ما ورد في الدراسة، وتضيء جوانب متفرقة جديدة فيها» (ص67).‏

واقتصر في كتابه على دراسة أسماء الشخصيات الأنثوية، وملامحها، والجسد الأنثوي، والأنثى المثقفة، وتوقف عند رمزية الأسماء وتغييبها وظاهرة التأنيث الروائي (وأطلق عليها اسم التجنيس عند نقاد آخرين)، والبعدين التراثي والديني، وناقش الجسد الأنثوي ومدى تعبيره عما يحدث في الواقع الاجتماعي، وربطه بالبعد الأخلاقي كالحديث عن الدعارة والعهر والإتجار بالجسد..الخ، ووصف ملامح الأنثى المثقفة الحضارية والإنسانية والثقافية والعلمية والنضالية والوطنية والسياسية والجنسية والأنهزامية والطبقية، وأشار إلى ملامح الوعي العلمي والضياع، توكيداً على أن الشخصية الأنثوية المثقفة أثبتت وجودها في الرواية السورية، وتجلت الاستفادة من ثقافتها في تحركّها الواعي، وسعيها الحثيث لتغيير الواقع الاجتماعي الذي حلّت فيه، على أن ثمة شخصيات مثقفة عجزت عن المواجهة، ولم تستطع مقاومة شرطها الاجتماعي المفروض عليها، فاستسلمت لعوامل القهر المحيطة بها، وخضعت لعالم الذكور الذين استرقوا جسدها وروحها، وقنعت بوضعها الراهن، متبنية عقيدة استعبادها، معتبرة ذلك جزءاً من طبيعتها الأنثوية، وراضية بكل أنواع الاستلاب، واعتمد في هذا الحكم على ألوان استلاب المرأة التي وصفها مصطفى حجازي في كتابه «التخلف الاجتماعي»، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذا التحليل يستدعي الخوض في النسوية التي أغفلها الكاتب، مستغرقاً في الوصف، دون مراعاة المرجعية أو التوثيق أيضاً، كما هي الحال مع الإشارات (الحواشي والإحالات) والروايات التي ورد ذكرها في الدراسة والمراجع، إذ لا يضع دقة الإشارات في متن الكتاب، ولا نقرأ تواريخ صدور الروايات ومكان نشرها، وثمة اختلافات في المراجع، كأن يوضع اسم الكتاب، أو يوضع اسم الكاتب أولاً، وثمة إغفال لاسم الكاتب كلياً مثل كتب «نحو رواية جديدة» لآلان روب غرييه، و«حوارات وأحاديث»..الخ.‏

أخذ كتاب «الستائر المخملية» جوانب من الاتجاه الوصفي، وقلل من المنهجية العلمية في التزام منهج التحليل وتوثيقه.‏

6- سمر روحي الفيصل:‏

وجه سمر روحي الفيصل كتابته النقدية إلى أربعة مجالات الأول هو أدب الأطفال وقصصهم، وأصدر في هذا المجال سبعة مؤلفات، والثاني هو اللغة العربية، وخصص لها كتابين، والثالث هو النقد الأدبي، ووضع في هذا المجال كتاباً واحداً، والرابع هو النقد الروائي الذي شمل جلّ إبداعه في أربعة عشر كتاباً. وشرع الفصيل بالتأليف النقدي الروائي وفق الاتجاه الوصفي التحليلي في المرحلة الأولى، وداخله في المرحلة الثانية مع مسعى للنقد التكاملي، ومال إلى الاستفادة المطلقة من علم السرد في المرحلة الثالثة. وبرز نقده في الاتجاه الوصفي التحليلي في المؤلفات التالية:‏
1- دراسات في الرواية الليبية (1983).‏

2- الرواية السورية والحرب (1983).‏

3- السجن السياسي في الرواية العربية (1983).‏

4- تجربة الرواية السورية (1985).‏

5- الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية (1986).‏

6- نهوض الرواية العربية الليبية (1990).‏

7- قراءات في تجربة روائية (1995).‏

8- معجم الروائيين العرب (1995).‏

9- معجم القاصات والروائيات العربية (1996).‏

10- بناء الرواية العربية السورية (1995).‏

11- التطور الفني للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية (1996).‏

12- الرواية العربية: البناء والرؤيا (2003).‏

13- قضايا السرد في الرواية الإماراتية (2003).‏

6-1- دراسات في الرواية الليبية:‏

اهتم الفيصل بدراسة الرواية العربية في سورية أولاً، والرواية العربية في ليبيا ثانياً، والرواية العربية بعامة ثالثاً، ثم التفت إلى دراسة الرواية الإماراتية رابعاً.‏

وقدم في كتابه «دراسات في الرواية الليبية»(17) دراسات نقدية تطبيقية لسبع روايات ليبية ضمن المنهج التحليلي، عناية بنص الرواية دون الاستعانة بالمصادر الخارجية، ودون ربط المجتمع الروائي المتخيل بالمجتمع الخارجي الحقيقي «إلا ما دعت الضرورة إليه»، وحكم على هذا المنهج فافتقاره دوماً إلى النظرة الكلية التي تمتح خيوطها من المنهج الفلسفي، وعرّض ذلك بإعادة تركيب النص بعد تحليله وتفسيره، ومن خلال إطلاق قيمة عليه، سواء أكان هذا الحكم اجتماعياً أم جمالياً، واستعان جزئياً بمفهوم النص في المنهج البنيوي. وفصّل القول في المعطيات المضمونية والفنية، وجادلها من حيث وظيفة الرواية وطبيعتها. وتعاطف مع الروايات المدروسة، ولكن هذا التعاطف من شأنه أن يوضح «أن الرواية عمل فني، وأن المضمون مهما يكن شريفاً في عالم الأخلاق لا يعني شيئاً إذا لم يرافقه تجويد فنّي يضمن للقارئ قناعة بالعالم المتخيل، ويتمكن من التأثير في وجدانه وسلوكه» (ص5-6).‏

ووضع الفيصل مدخلاً إلى الرواية الليبية، وعلل إفصاحه لمفهوم الليبي والدراسة الإقليمية التي لا تخرج عنده عن تأصيل المصطلحات، والتوكيد على وحدة المناخ الثقافي العربي، وتعزيز المنهجية، «فالنهر العربي تصنعه الروافد القطرية الصغيرة» (ص13). وتضمن المدخل ثبت الروايات الليبية بحسب الترتيب التاريخي لصدورها، وبلغ عددها منذ عام 1961 حتى عام 1982 قرابة الثلاثين رواية. وأورد الفروق بين القصة والرواية، حسب منهجية النقد الإتباعي، ومنها أن الرواية تتناول حياة كاملة، وتهتم بعملية التعرف على الذات، وتتضمن ضبطاً صارماً للمشاعر والعواطف.. الخ. وهذه أحكام تدخل في الاجتهاد، ولا تستند كلياً إلى نظرية الأدب أو نظرية الرواية.‏

أما الروايات المدروسة فهي:‏

1- «متى يفيض الوادي» لصالح السنوسي (1979).‏

2- «العربة» لإبراهيم النجمي (1981).‏

3- «المطر وخيول الطّين» لخليفة حسين مصطفى (1981*).‏

4- «عين الشمس» لخليفة حسين مصطفى أيضاً (1982).‏

5- «المظروف الأزرق» لمرضية النعاس (1982).‏

6- «ثلاثون يوماً في القاهرة» لمحمد صالح القمودي (1971).‏

7- «خيبة الأمل السعيدة» لمحمد عبد الرزاق مناع (1973).‏

وقام نقده في هذا الكتاب على الاتجاه الوصفي التحليلي التي يشرح الرواية في شكلها ومضمونها، ويطلق أحكام القيمة عليها، ونذكر مثالاً، نتائج نقده للرواية الأولى، فقد جمعت بين السرد و الحوار، وحاولت إقامة معادلة بين الجزء السردي والجزء الحواري، «أو بين الجزء الذي يسيطر عليه الروائي سيطرة كاملة تحت قناع ضمير الغائب، وبين الجزء الذي يترك لـه استقلالية نسبية ليعبّر عن أفكار المتحاورين»، واعتمد الروائي على الجملة القصيرة الواضحة والمباشرة دون اللجوء إلى الوصف والحيل الأسلوبية (ص58).‏

ولاذ الفيصل في ملاحظاته الختامية بعناصر الاتجاه الوصفي التحليلي معاينة لطبيعة الرواية ووظيفتها نظرياً إلى مجتمعها والمجتمع الليبي والمشكلات الاجتماعية المطروحة من خلال المعايير الفنية التي تضمن «دراسة طبيعة الرواية جيداً، والإيمان بأن وظيفة الرواية تتحقق من خلال هذه الطبيعة» (ص195). وهذا كله ترسيخ لهذه العناصر المنهجية الموضوعية في الوصف والتحليل.‏







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:12 AM   رقم المشاركة : 6
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

وأفرد لقضايا السرد ستة فصول: سرد التاريخ، الحكاية والسرد، أنماط السرد، مظاهر السرد، السرد الذاتي، السرد الحكائي للمكان والحوادث. وانتهى من تحليل السرد إلى الأمور التالية:‏ 1- في الرواية الإماراتية بنيتان روائيتان تقليدية وجديدة، الأولى سائدة والثانية تسعى إلى السيادة. في البنية الجديدة محاولة للقضاء على كلّ ما يتعلق بالبنية التقليدية كالحكاية الروائية والسارد المهيمن العالم بكلّ شيء والشخصية الواضحة والترتيب المنطقي والسببي للحوادث والمكان والزمان المحددين. وفيها في الوقت نفسه محاولة لتقديم بنية جديدة، عمادها السرد الذاتي الذي يقدم فيضاً أو تداعياً سردياً للحوادث، لا يضبطه غير قدرة الروائي على جعله موحياً يدور حول شخصية واحدة يتماهى بها السارد الممثل داخل الرواية.‏

2- سعت الرواية الإماراتية إلى الانتقال من المكان إلى الفضاء.‏

3- قدمت الرواية الإماراتية ثلاثة أنماط للسرد، هي السرد المباشر والموضوعي والمتداخل. ونبع الثالث من المزج بين السرد المباشر وغير المباشر.‏

4- قاد تحليل أنماط السرد إلى شيء آخر نبع من العلاقة بين السرد والوصف، هو الوظائف الأربع الدّالة على أثر الوصف في السرد، وهي الوظيفة التصنيفية والتعبيرية والتفسيرية والتزينية، وقد اهتم الروائيون الإماراتيون بالوظائف الثلاث الأولى، ولم يلتفتوا إلى الوظيفة التزينية، لأن الوصف عندهم موظّف لخدمة المعنى في الغالب الأعم. وأدى ذلك إلى العناية باللغة والحاجة إلى التدقيق الفني في علاقة السرد بالخطاب وإنهاء التنازع بين الحقيقة والفنّ في أثناء استعمال السرد التاريخي.‏

وأبدى رأياً ختامياً متواضعاً في «أن السرد في الرواية الإماراتية يحتاج إلى قدر آخر من الجهد التحليلي، أنه سرد متنوع، لم يُسهم بعد في تاريخ السرد العربي» (ص162).‏

تشير تجربة نقد الرواية عند الفيصل إلى تطورها من النقد الوصفي التحليلي إلى تحديثه وانغماره بفيوض علم السرد. غير أن المنجز في شغله النقدي هو منهجيته وعلميته ومعرفيته في تأصيل اتجاه نقدي عريق في النقد الروائي العربي.‏

7- استنتاجات:‏

تشير الكتابة النقدية الروائية العربية إلى الملاحظات التالية:‏

أ- الاتجاه الوصفي التحليلي الهادف إلى إضاءة المضمون لدى العناية بالشكل هو أكثر الاتجاهات النقدية أصالة لاعتماده على إتباعية النظرية الأدبية والنقدية ومكوناته اللغوية والدلالية والأسلوبية والفنية إلى صوغ المضامين والمعاني والدلالات أو الوظائف الأدبية.‏

ب- الاتجاه الوصفي التحليلي الآخذ بعناصر المنهج الاتباعي هو أكثر الاتجاهات النقدية منهجية وعلمية ومعرفية أيضاً، ليسر انتظامه في النظرية الأدبية أو النقدية الأرسطية وتطوراتها العديدة، وليسر تواصله مع عمليات التحديث النقدي دون التخلي عن جوهر سماته ومكوناته وإجراءاته.‏

جـ- الاتجاه الوصفي التحليلي الكاشف عن المضمون في تعالقاته مع الشكل يقارب المناهج النقدية الحديثة بفضل قوة آلياته وتقاناته التي تضبط أبعاده التربوية والتعليمية من جهة، وأبعاده الفكرية والفنية من جهة أخرى.‏

د- ولعلنا لا نغفل عن مكانة جهود الباحثين المشار إليهم في توطيد أركان الاتجاه الوصفي التحليلي، وأخصّ بالذكر منهم سمر روحي الفيصل الذي سعى للتنظير لـه في التجربة النقدية العربية الحديثة تأصيلاً وتحديثاً في الوقت نفسه، وأدغم هذا التنظير باتساع التطبيق على الرواية العربية بعامة، والرواية العربية في سورية وليبيا والإمارات بخاصة، والمميز في هذا الشغل النقدي هو اعتمال الاتجاه الوصفي التحليلي بمسعى النقد التكاملي من خلال دمجه بالاتجاهات النقدية الحديثة مثل البنيوية والبنيوية التكوينية وعلم السرد.‏

(1) جورج واتسون: نقاد الأدب (ترجمة وتقديم وتعليق: عناد غزوان إسماعيل وجعفر صادق الخليلي)، وزارة الثقافة والفنون، بغداد، 1979، ص27-47.‏

(2) هدى وصفي: النقد الأدبي، مكتبة الأسرة، 1999، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999، ص39.‏

(3) ديفد ديتشس: مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، (ترجمة: محمد يوسف نجم، مراجعة إحسان عباس)، دار صادر، بيروت، 1967، ص516.‏

(4) أحمد كمال زكي: النقد الأدبي الحديث، أصوله ومناهجه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ص45-80.‏

(5) غراهام هو: مقالة في النقد (ترجمة محي الدين صبحي)، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وزارة التعليم العالي، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 1975، ص53.‏

(6) ويليام. ك. ويمزات وكلينث بروكس: النقد الرومانتي (ترجمة حسام الخطيب ومحيي الدين صبحي)، وزارة التعليم العالي، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 1975، ص85.‏

(7) توماس دي كنسي: أدب المعرفة وأدب القوة، في كتاب «النقد: أسس النقد الأدبي الحديث» (ترجمة هيفاء هاشم، مراجعة: د. نجاح العطار)، وزارة الثقافةو السياحة والإرشاد القومي، دمشق 1966، ج3، ص56.‏

(8) إبراهيم عوض: مناهج النقد العربي الحديث ـ دار الفكر العربي، القاهرة، 2003، ص7-38.‏

(9) سيد البحراوي: البحث عن منهج النقد العربي الحديث، دار شرقيات، القاهرة، 1993، ص116-117.‏

(10) عزيزة مريدن: القصة والرواية، دار الفكر، دمشق، 1980.‏

(11) فيصل سماق: الرواية السورية: نشأتها وتطورها، مذاهبها، مطابع الإدارة السياسية، دمشق، 1984.‏

(12) عبد الرحمن برمو: الرواية التاريخية في الأدب السوري المعاصر، دمشق 1996.‏

(13) أسعد فخري: أنين السرو ـ تجليات الآخر الأرمني في الرواية العربية، دار الحوار، اللاذقية، 1995.‏

(14) نعيم اليافي وماهر المنجد: صورة التركي في الشعر العربي الحديث، دار الحوار، اللاذقية، 1995.‏

(15) إبراهيم الخليل: الميراث الدموي ـ قراءة نقدية في الأدب الحديث، دار الحوار، اللاذقية، 1996.‏

(16) محمد قرانيا: الستائر المخملية – ملامح الأنثى في الرواية السورية حتى عام 2000، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004.‏

(17) سمر روحي الفيصل: دراسات في الرواية الليبية، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1983.‏

(18) سمر روحي الفيصل: السجن السياسي في الرواية العربية، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1983، أما الإشارة المرجعية فتعود إلى الطبعة الثانية، دار جروس برس، طرابلس، لبنان، 1994.‏

(19) سمر روحي الفيصل: تجربة الرواية السورية، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1985.‏

(20) سمر روحي الفيصل: الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1986.‏

(21) سمر روحي الفيصل: نهوض الرواية العربية الليبية، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1990.‏

(22) سمر روحي الفيصل: قراءات في تجربة روائية، دار الحوار، اللاذقية، 1993.‏

(23) سمر روحي الفيصل: التطور الفني للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، دار النفائس، بيروت، 1996.‏

(24) سمر روحي الفيصل: بناء الرواية العربية، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1995.‏

(25) سمر روحي الفيصل: الرواية العربية: البناء والرؤيا ـ مقاربات نقدية، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 2003.‏

(26) سمر روحي الفيصل: قضايا السرد في الرواية الإماراتية، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة، 2003.‏








 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:13 AM   رقم المشاركة : 7
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

المصدر


اتجاهـات النقد الروائي في سورية ـــ د. عبد الله أبو هيف

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:20 AM   رقم المشاركة : 8
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

وهناك المنهج الوصفي ؛ الذي يبرز في حال استخدامه لرصد موضوعات المقالة عند الكاتب و أنواعها ، على الرغم من أن بعض النقاد يرى أنه من المناهج الرتيبة التي لا تفيد الدراسات كثيرا ، ولا تصنع منها مادة نقدية ماتعة! كما يمكن الاستعانة بالمنهج الاجتماشعي والنفساني بالقدر الذي تتطلبه الدراسة الموضوعية للمقالة دون الإسهاب في ذلك ؛ خشية المساس بدائرة الدراسات الاجتماعية والنفسية !
ولا نغفل أهمية الدراسة الأسلوبية الإحصائية في الدرس النقدي المقالي ؛ في مجال معرفة الترتيب الكميّ للمقالات ، ونوعية الأساليب الفنية المستخدمة في الكتابة المقالية في الجانب اللغوي تحديدا .
ومن النظريات النقدية الحديثة التي ثبتت بالتجربة جدارتها ؛ بعض نظريات التلقي ، فوجود القارئ الافتراضي / الضمني في ذهن الكاتب ومعرفة الشريحة العظمى للمتلقين يساعده على توجيه اختياراته الموضوعية والفنية بحسب نوعية القارئ المخاطب وما يحمله من ثقافة معرفية ومخزون لغوي . كما يساعد الدارس من جهة أخرى معرفة الخصائص الأسلوبية ومضامين المقالات من منطلق الاختيار الموجّه . إذ إن فن المقالة من أوضح الفنون الأدبية في إفادتها من هذه النظرية .
ومن الممكن أيضا توظيف بعض المفاهيم السيميائية في الدراسات النقدية المقالية ؛ خاصة دراسة عنونة المقالات وما تحمله من دلالات تلقي بظلالها على مضمون المقالة عامة.
ويبقى نوع المقالة وموضوعها وسير كاتبها من الأمور التي تقود الناقد في اختيار منهج دون غيره ، وإثبات صلاحية المنهج المختار في الكشف عن الجوانب الجمالية في المقالة . لذلك من الأخطاء الفادحة ــ في رأيي ــ أن يتوارث الباحثون والنقاد بعض طرق الدراسة والتحليل التي سبقها إليهم بعض الأوائل ، دون النظر إلى مناسبتها لمقالاتهم المدروسة ؟! مما يُـفقد خصوصية تلك المقالات وما يمتاز بها كاتبها من أسلوب ، ويحول دون إبراز جمالياتها ..
على أن طبيعة فن المقالة وبنائها ، يُــعدّ الخادم الأول لغرض الناقد من خلال الاكتفاء بها أحيانا في الكشف عن هوية الكاتب وانتمائه الديني والسياسي وعرض منهاجه في طرح موضوعه ؛ حيث تسهل عملية قراءة أفكاره ، ومعرفة خاصيته في جانب اللغة وتراكيبها ومستوياتها . فطبيعة المقالة الواضحة هي ما جعلت القراءة النقدية المفتوحة الخيار الأمثل لدراسة المقالة نقديا ، وبالتالي تطبيقها من المرونة بمكان .

* باحثة مختصة بدراسة فن المقالة

(1) نشرت المقالة بعنوان آخر (رؤية ثقافية ) بتصرف من المحرر ، انظر : المجلة الثقافية / الجزيرة ، 5/9/1428هـ ، ع 216.







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:28 AM   رقم المشاركة : 9
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

أن عملية الكتابة عند المؤرخ منهجيا ً ترتكز على ثلاثة عناصر:
مادة تاريخية ترتبط بالمصادر ، تحتوي أساسا ً وقائع الماضي وحوادثه، وذهنية مؤرخ محترف تتقرر معالمها بعد الحصول على التدريب العلمي المتضمن تقرير قيمة الحقائق وفائدتها التي توفرت تحت تصرفه من مواردها ، التي لا يمكن ان تصبح تاريخا ً موضوعيا ً مقروءا ً بأفكار متماسكة ما لم يـُحمل مثلها بين اقرانه المؤرخين ، ثم طريقة تاريخية قائمة على اسس البحث العلمي يتمكن بواسطتها.

من تحويل تلك الافكار الى تاريخ شيق . وأذا أردنا أن نعرج قليلا ً الى منهج البحث العلمي المتبع من قبل المؤرخين القدامى وماتركوه لنا من مصنفات تاريخية سوف نجدها زاخرة بالاخطاء ، وان مَرد هذه الاخطاء يعود الى اسباب عديدة ولعل في مقدمتها ، التحيز لرأي أو مذهب معين ، إذ ان المؤرخ الذي يؤيد رأيا ً لديه الاستعداد لقبول كل خبر من شأنه الاعلاء من هذا الرأي أو المذهب ، أو الحط من قيمة المذاهب والآراء المعارضة له ، وكذلك الثقة العمياء من قبل المؤرخ للناقلين للخبر ، فقد يعمد المؤرخ الى النقل من مؤرخ آخر يثق به فيأخذ الاخبار على علاتها من دون التثبت من دقة، وامانة ، وبالتالي بدون محاولة لتعديل الخبر او توجيه النظر الى مافيه من كذب او مبالغة ، وقد ينقل المؤرخ الخبر من مؤرخ آخر وهو لا يعرف القصد بما عاين او سمع ، فينقل الخبر على ما ظنه وضمنه فيقع في الكذب ، وكذلك يقع المؤرخ في الخطأ عندما يجهل تطبيق المبادىء العامة او الأحاطة الواسعة بشتى العلوم على الوقائع والاخبار الخاصه ، لذلك فهو لا يستطيع ان يعرف مدى صحتها او خطأها وفق هذه المبادىء ، فينقلها كما هي بلا تمحيص او تدقيق فيقع في الخطأ . اما الخطأ المزمن الذي رافق المؤرخ طوال العصور والذي أثر سلبيا ً على منهجية الكتابة التاريخية ، هو التزلف الى أصحاب المراتب والشأن ، حيث ان الناس قد درجوا على التقرب الى اصحاب المراتب طمعا بمال او شهرة ، فيتملقون بالمديح والثناء وهو في غير محله . ولتلافي هذه الاخطاء فقد وضع العديد من المفكرين في مجال البحث التاريخي منهجا ً علميا ً في البحث لتبيين ما يحتاج اليه الباحث المؤرخ والسُبل التي يجب عليه ان يسلكها حتى يقي نفسه من الزلل ، ويمكن تقسيم هذا المنهج الى قسمين :ـ أحدهما يشمل قواعد عامة والآخر على قواعد خاصة ، اما العامة فهي من مستلزمات المنهج ا لعلمي الاساسية في البحث وشروط لا بد من توفرها في الانتاج العلمي أذا أريد له الأصالة والسلامة . واهم تلك القواعد التزود بالعلم ، والذي يعني الاطلاع الواسع على الآثار الفكرية التي خلفها كبار المؤرخين القدامى ، والاحاطه بشتى العلوم والتعمق بها . وكذلك التشكيك في الاخبار والروايات ، اذ ان على المؤرخ الباحث ألا يثق بما يلقى اليه من اخبار ، بل تأمل تلك الاخبار وتمحيصها .
ومن القواعد الأساسية والمهمة التي ينبغي للمؤرخ الالتزام بها هي توخي الموضوعية، والتي تعني الالتزام بالحياد التام في التحليل وفي استقراء الحوادث التاريخية من خلال ربط الاسباب بالمسببات من دون تدخل للخلفيات التي ينطلق منها الباحث ، ولهذا يرى البعض ان المؤرخ أشبه بالقاضي الذي يصدر حكما ، فلا ينحاز ولا يتعصب ولا يتحامل او يتحايل في احكامه . أما القواعد الخاصة ، والتي تعني الوسائل العلمية التي يستخدمها الباحث في تحليل الوقائع او الحقائق التي يحصل عليها ، وتفسيرها وتحقيقها للوصول الى قوانين او مبادئ ونظريات ، ومن اهمها التأمل والاستقراء ، اذ ان الباحث المؤرخ يحتاج الى حُسن نظر وبصيرة عند استقراء الأحداث والالمام بها وتأمل حيثياتها ، ومن ثم يجري الحكم عليها بكل تجرد وموضوعية ، كما يجب عليه أن يسأل المتخصصين في ميادين تخصصاتهم حتى يستطيع أن يضع يديه على الحقيقة التي ينشدها .
ولعل من ابرز القواعد الخاصة ، هي النظر في الحوادث في اطارها الزماني . ان النظر في الحوادث الماضية والحكم عليها في ضوء الأوضاع الحاضرة هي من الأخطاء التي يقع فيها المؤرخ الباحث ، لذلك ، فعلى المؤرخ أن يكون يقظا ً الى ما يحدثه التغيير الاجتماعي من تبدل الأحوال والفوائد . الى ما تقدم فإن طرائق البحث التاريخي المتوفرة للمؤرخ كثيرة ، تتراوح بين الطريقة التحليلية المتميزة في صلاحياتها للعمل الكتابي ، وبين الطريقة الوصفية التي تعتمد المسح الوصفي للحادثة التاريخية ، وكذلك على طرائق البحث القائمة على الاحصاء ، من هنا فأن هذه الطرائق تمتاز بتنوعها وخصوصيتها مجتمعة. ولكن السؤال المطروح ، ماهو النموذج الأمثل من هذه الطرائق لعمل المؤرخ ؟ ، الحقيقة أنه لا يوجد بين طرائق البحث نموذج مشترك يصلح للتطبيق على جميع حقول التاريخ ، فما يصلح للتراجم وسير الأنبياء على سبيل المثال لا يصلح للحوادث والحوليات ، وما يطبق على الأُسر والبيوتات الحاكمة ، لا يصلح لدراسة مجتمعاتها ، وهكذا في دراسة الفكر والادارة . ومع ذلك فانه لا يوجد بين طرائق البحث المتوفرة لدى المؤرخ افضل من الطريقة التحليلية ، فهي تتجاوز كل الطرق التقليدية التي تبحث في الحوادث التاريخية .
وتلك هي العلامة الفارقة والنقطة الحدية بين التاريخ وفلسفة التاريخ ، بين الابحاث والدراسات التي تتعلق بالتفاصيل وترتبط بالجزئيات وتنحصر بحدود الماضي ، والابحاث التي تتعلق بالمبادىء والجذور والأصول وترتبط بالكليات وتنطلق من حدود الماضي وأغواره الى آفاق الحاضر و أبعاده ، وبوادر المستقبل وأحتمالاته
. وخلاصة القول ، توجد علاقة وثيقة بين الباحث وموضوع البحث ، ومن الممكن أن يأخُذ كلٌ منا ضالته من التاريخ بما يتفق والرؤى التي ينطلق منها ، وقد تلعب الانتماءات السياسية أو الأيدلوجية أو الاجتماعية للباحث دورا مهماً في تحديد مسار البحث ، حيث تؤثر هذه الأنتماءات ربما من دون قصد على الباحث ، لذلك يرى بعض المفكرين أن الحياد في التاريخ ضربُ من الخرافة ، فالتاريخ كما يرى الكثيرون صناعة من يكتبه ، هو يصنع التاريخ ويريد من الآخرين أن يقتنعوا بوجهة نظره ، وهنا تأتي مهمة ومهنية المؤرخ الحقيقي، في إستجلاء الموقف ، وغربلة المواقف، من خلال سبر أغوار الحوادث التاريخية بالاستناد الى منهج علمي سليم ، وطريقة موضوعية منصفة.



اسم الصفحة: آراء

من موقع جريدة الصباح



التاريخ: Tuesday, March 06







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:45 AM   رقم المشاركة : 10
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي


عرض كتاب(القرار السياسي في السودان) : د. عوض إبراهيم عوض












....











يحقق شمولية الرؤيا حول هذه الظاهرة فقد استعان بمناهج أخرى تفاوتت بين المنهج التحليلي والمنهج الوصفي إلى جانب منهج دراسة الحالة الذي استصحب فيه نماذج من القرارات وقام بتحليلها بغرض تعميم نتائجها على ما اختاره
. كما تطرق الكاتب لعدد من النماذج المختلفة التي استخدمها علماء السياسة والقانون لدراسة القرار السياسي وكيفية اتخاذه. ولعل الكاتب قد وفق في اختياره لنموذج صنع القرار من بين كل النماذج وذلك لملاءمته لواقع السودان من خلال التركيز علي البيئة المحيطة والعوامل المؤثرة في اتخاذ القرار بجانب استصحاب الجوانب الشخصية للقيادات ودروها في القرار المتخذ. وكما أشار في متن حديثه فإن كثيراً من الدراسات الإمبريقية سواء في علم النفس الاجتماعي أو في علم القرار السياسي قد أثبتت أن للفرد دوراً قد يفوق دور القوي الهيكلية الأخرى في اتخاذ القرارات. وبالتالي فإنه أصبح من الممكن من خلال الاهتمام بهذا الجانب تقديم تحليل وتفسير أفضل لاتخاذ القرار السياسي في بلدان العالم الثالث التي منها السودان.
قد تناول الكاتب موضوعه من خلال تقسيم مؤلفه إلى أربعة فصول اشتمل أولها على جانبين هما تناول مفهوم النظام السياسي وتصنيف النظم السياسية عبر مختلف المراحل التاريخية استناداً إلي عدة معايير من قبيل الشكل الذي تمارس من خلاله السيادة وتكتسب الشرعية، ومن نوعية النظام الاقتصادي وغيرها ، لتتحدد في نهاية المطاف نوعية النظام ديمقراطياً كان أم شمولياً. حيث تمت من خلال ذلك مناقشة عناصر النظامين وأسس التمايز بينهما. ويناءاً علي ذلك تناول مكونات النظام السياسي علي مستويين أولهما المستوى الفرعي الذي تم فيه تناول الأحزاب السياسية، والأيدولوجيا، والدستور، والقوانين الأساسية، وجماعات الضغط. وذلك من زاوية الدور الذي تلعبه هذه المكونات في تسيير النظام وبالتالي في اتخاذ القرار السياسي. أما المستوي الثاني فهو المستوي المركزي الذي يتم فيه تناول النظام البرلماني، والنظام الرئاسي، والنظام العسكري من حيث المفهوم والسمات العامة وطبيعة العلاقة بين السلطات في هذه الأنظمة.
وفي الجانب الثاني من الشق النظري للكتاب تناول المؤلف المفهوم وأنواع القرارات المتخذة، حيث وضح أسس التمييز بين القرار السياسي وغيره من القرارات الأخرى. متناولا بعد ذلك المراحل المنهجية لصنع القرار والعوامل التي تؤثر فيه مع الإشارة لأنواع الهياكل التي تتولي القيام باتخاذه فضلاً عن النماذج التي سبق ذكرها. وجاءت بقية فصول الكتاب الثلاثة تطبيقية بغرض تطوير الشق النظري من حيث مدي تطابق أو تعارض أسس النظم الثلاثة المذكورة مع واقع تجربتها في السودان.
ومن خلال حديثه عن مفهوم النظام السياسي أشار الكاتب إلى تجربة أرسطو الذي يعتبر الأب الشرعي لعلم السياسة خاصةً فيما يتعلق بتحليل النظم السياسية ودوره في إرساء جملة تقاليد في التحليل السياسي. حيث إنه اتبع أسلوب المنهجية المقارنة في دراسته لأكثر من مائة دستور وحكومة في المدن الإغريقية القديمة. مما أعاد إليه الفضل في وضع السياسة في سياقها الاجتماعي والتاريخي الأوسع. حيث نظر إلى أي نظام سياسي باعتباره محصلة لتفاعل عدد كبير من العوامل التي منها الوضع الجغرافي, والقدرات الاقتصادية, والتركيب الاجتماعي، والأفكار السياسية على عموميتها. وبما أن أرسطو قد قدم نموذجاً تحليلاً لتصنيف النظم السياسية من خلال اعتماده على معيارين هما: المشاركين في السلطة، ونوعية التوجه الذي يأخذون به فقد استفاد الكاتب من ذلك الأسلوب في تحليل القرارات السياسية الثلاثة التي جعلها محور كتابه. ولعل النتائج التي توصل إليها تتسق مع الفكرة التقليدية التي فهمت النظام السياسي كمرادف لنظام الحكم. حيث كانت المدرسة الدستورية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية قد أخذت النظام السياسي باعتبار أنه المؤسسات السياسية (السلطات الثلاثة). ورغم أن هذا الأمر قد تبدل تاريخياً مع مجيئ رواد المدرسة السلوكية التي نظرت للنظام السياسي باعتباره مجموع التفاعلات السياسية والعلاقات المتداخلة المتعلقة بالظاهرة السياسية. ثم جاء بعد ذلك عدد من العلماء الذين عرفوا النظام السياسي ومن بينهم علي الدين هلال الذي قال إن النظام السياسي نسق من العمليات والتفاعلات التي تتضمن علاقات سلطة بين النخبة والطبقات الحاكمة من ناحية والمواطنين من ناحية أخرى. ومن خلال هذا فإن مجالات ومهام النظم السياسية تتحدد في النظام السياسي كآلية لحل الخلافات وإقرار القانون حيث تُعد هذه الوظيفة ذات طابع قهري يمارسها النظام السياسي. ثم النظام السياسي كآلية لتوزيع الموارد, وتسمى هذه بالوظيفة التوزيعية للنظم السياسية انطلاقاً من مبدأ الندرة النسبية للموارد حيث تكون هناك مطالب واحتياجات إنسانية من ناحية, والقدر المحدد من الموارد التي تحتاج لمن يقوم بتوزيعها بين المواطنين بشكل عادل من ناحية أخرى. على أن هذه الوظيفة تتسق مع مفهوم السياسة الذي أتى به هارولد لاسويل في كتابه (السياسة) من خلال عبارته (من يحصل على ماذا ولماذا ؟). أما الشكل الثالث فهو النظام السياسي كآلية للتغيير الاجتماعي. حيث تلعب النظم السياسية دوراً كبيراً في عملية التغيير الاجتماعي من واقع الإمكانيات المادية المتوفرة لديها.
وقد استفاض الكاتب في سرد التعريفات التي وضعها علماء السياسة مركزاً على ما جاء في كتابات ديفيد استون الذي قارنه بهارولد لاسويل مشيراً إلى اتفاقهما على جزئية النظام السياسي من النظام الاجتماعي واختلافهما في كون لاسويل قد فرق بين النظام السياسي وغيره من النظم بتوافر النفوذ في النظام السياسي. حيث أن أي قرار أو عمل اشتمل على ممارسة النفوذ يعده لاسويل من مكونات النظام السياسي بينما يقتصر استون على القوة للتفرقة بين النظام السياسي وغيره من النظم. وقد أفضى ذلك إلى أن القوة لا يمارسها إلا الرسميون أو المتنفذون بينما يمكن ممارسة النفوذ خارج الأطر الرسمية. وهذا ما بدا واضحاً من خلال تحليل القرارات الثلاثة التي اختارها الكاتب كمحور للمقارنة. بعد ذلك أورد تعريف الموند للنظام السياسي الذي حصره في أنه النظام الذي يتضمن التداخلات الموجودة في جميع المجتمعات المستقلة والتي تضطلع بوظيفتي التكامل والتكيف داخلياً وخارجياً عن طريق الاستخدام أو التهديد بالاستخدام للإرغام المادي المشروع. ويتضح من سياق التعريف اتفاقه مع من يعتبر أن النظام الاجتماعي هو النظام الكلي، حيث ركز على الإكراه المادي المشروع لتمييز النظام السياسي عن غيره , وذلك من واقع انتقاده لمبدأ التخصيص السلطوي الذي اعتمده استون لتمييز النظام السياسي عن غيره من النظم حيث اعتبره الموند غير كاف للتمييز بين النظام السياسي وبعض النظم الاجتماعية كالعائلة. وتعرض الكاتب بعد ذلك لتعريف محمد بشير الكافي مجملاً ملاحظته بأن جملة التعريفات التي أوردها تثير صعوبة حقيقية في التوصل إلى تعريف شامل للنظام السياسي. وحتى المحاولات التي أشار إليها عادل مختار الهواري , ومنها محاولات داهل وجورج كاتلن وموريس دوفرجيه وغيرهم أثبتت أن هناك قاسماً مشتركا يجمع بينها متمثلاً في اتفاقها على جزئية النظام السياسي من النظام الاجتماعي الكلي بجانب ربطها للنظام السياسي باستخدام أدوات الإكراه المشروع في الجماعة.
وقد استصحب الكاتب أيضاً في تحليله لظاهرة اتخاذ القرار السياسي بالسودان ما ذكره من تصنيف النظم السياسية التي تباينت بنفس القدر الذي تباين به مفهوم النظام السياسي نفسه مما جعل الباحثين حتى نهاية القرن التاسع عشر يهتدون بالتصنيف الإغريقي القديم الذي قام على معيارين هما معيار العدد ومعيار المقارنة بين نظام الحكم في صورته السليمة وبين نظام الحكم في شكله المنحرف. وقد استعان الكاتب في هذا الإطار بتصنيف أرسطو طاليس لأنواع الحكم الثلاثة التي حدد من خلالها الحكومة السليمة من المنحرفة. حيث اعتمد تنيفه على تقسيم الأنظمة لثلاثة أشكال هي: نظام الفرد الذي إذا عمل لمصلحة الجميع يعتبر ملكياً, وإذا عمل لمصلحة نفسه يسمى طغياناً. ثم نظام القلة الذي إذا عمل لمصلحة الجميع يصنف باعتباره ارستقراطياً, وإذا عمل لمصلحة نفسه يسمى اوليجاركياً. ثم النظام الثالث وهو نظام الكثرة الذي إذا عمل لمصلحة الجميع يسمى جمهورياً, وإذا عمل لمصلحة نفسه يسمى ديموقراطياً. ومما يلاحظ على هذا التصنيف رغم أهميته أن الزمن قد تجاوزه بحكم أن الملكية التي اعتبرها أرسطو تعمل لصالح الشعب قد تبدل حالها وأصبحت في كثير من الأحيان أشبه بالطغيان. كما أن الديموقراطية باعتبارها نظاماً منحرفاً قد تبدل حالها وصارت بضاعة رائجة في أسواق السياسة الحاضرة.
واستعرض الكاتب بعد ذلك مواقف المختصين الذين طرحوا نماذجهم بعد أرسطو بدءاً ببودان الذي طور ما جاء به أرسطو استناداً على معيار طريقة استعمال السيادة مروراً بهوبز الذي وقف موقف المعارض لفكرة الحكومة المختلطة التي أمن عليها سيشرون. ثم تجربة لوك الذي أيد التقييم الذي أتى به أرسطو وفكرة الحكومة المختلطة على خلاف بودان الذي رفضها. ثم مونتسكيو الذي قدم أشهر التصنيفات في القرن الثامن عشر مميزاً بين ثلاثة أنواع من الحكومات هي: الجمهورية، والملكية، والاستبدادية. فالديموقراطية والارستقراطية إذن تمثل عنده جزءاً من الحكومة الجمهورية مخالفاً ما جاء به أرسطو.
وانتقالاً من كل هذه التعريفات انتقل المؤلف إلى مكونات النظام السياسي التي وضعها في ثلاثة عناصر أو متغيرات هي: المتغيرات البنيوية التي تضم المقومات المادية (الموارد وغيرها) والمقومات البشرية (أفراد وجماعات) والمقومات المعنوية (القيم, الرموز, الأيدلوجيات, العقائد, والعادات) ثم المقومات التنظيمية (الدساتير, والقوانين) والمقومات المركزية (القيادة السياسية, والحكومة)، والمتغيرات الوظيفية التي تتعلق بطبيعة وظيفة النظام السياسي، والمتغيرات العلائقية التي تشمل علاقات النظام الداخلية والخارجية. ومن كل هذا ركز الكاتب في إطار معالجته لموضوع مكونات النظام السياسي على جزئيتين ارتبطت أولاهما بالمتغيرات الفرعية للنظام والتي شملت القوى السياسية والقانون والأيدلوجية. أما الجزئية الثانية فقد ارتبطت بالمتغيرات المركزية الخاصة بالحكومات. والتي تناولها بصورة مفصلة في الجزء المتعلق بتصنيف النظم السياسية .
وتطرق بعد ذلك للأحزاب والأيدلوجيا ، والدستور، والقوانين الأساسية، وجماعات الضغط Lobbies، ثم جماعات الضغط شبه السياسية مثل نقابات العمال أو اتحادات العمل التي تسعى لتحقيق أهدافها عبر النشاط السياسي رغم أن نشاطها لا ينحصر في الجانب السياسي. ثم جماعات الضغط الإنسانية التي ليست لها أنشطة سياسية واضحة إلا في الحالات التي يرتبط الأمر فيها بمناقشة مشاريع قوانين تخصها أو عند طلب المعونات المالية. وتشمل جمعيات رعاية الطفولة وجمعيات الرأفة بالحيوان. ثم تأتي جماعات الضغط ذات الهدف والتي تختلف طبقاً لاختلاف أهدافها ومبادئها وبرامجها بحكم أنها تسعى لتحقيق أهداف محددة وتأخذ أهدافها صبغة داخلية أو خارجية في بعض الأحيان. وقد وجد الكاتب أن تباين مفهوم النظام أو تصنيفاته وسماته ومكوناته يرجع إلى تباين البيئات الثقافية والاجتماعية لتلك النظم. ومن خلال المكون المركزي للنظام السياسي الذي سبقت الإشارة إليه تناول النظام البرلماني والنظام الرئاسي والنظام العسكري التي جعلها محوراً لدراسته.
أما عن علاقة الجيش بالسياسة فقد أبرز الكاتب أن الأسباب الخارجية تعد من العوامل المهمة التي أسهمت في كثير من الأحيان في تحديد وإنجاح مسار التدخل العسكري في الشأن السياسي وذلك من واقع الاعتمادية المتبادلة بين الأوضاع الداخلية والخارجية.
وهناك عامل فرعي يتعلق بتدخل الجيش في السياسة فيرتبط بالمؤسسة العسكرية حسب تقدير الكثير من الباحثين والعلماء وعلى رأسهم موسكا وبذلك يتضح أن هناك نوع من المزاوجة قد تم بين رأي المدرستين مع إضافة بعض العوامل للعامل السياسي الذي اقتصر عليه تحليل و تفسير المدرسة الثانية فيما يتعلق بتدخل الجيش في السياسة . ونجد أن أهم العوامل الداخلية الخاصة بالقوات المسلحة والتي تدفعها للاستيلاء على السلطة هي :
1/ مهمة القوات المسلحة : ترتبط هذه الناحية بتصور العسكريين لدورهم داخل المجتمع , حيث أنهم إذا رأوا أن مهمتهم هي حماية الشعب من فساد السياسيين كان ذلك مدعاة لتدخلهم في الشأن السياسي .
فالجيش مسئول عن حماية الدولة من الاعتداءات الخارجية , حيث يخضع تكوين المؤسسة العسكرية والالتحاق بها للمعايير القومية , بجانب أن دخول الجيش كطرف في نزاع سياسي داخلي يقوي من فرص تدخله في شئون المجتمع , خاصةً في تلك الحالات التي يطلب فيها من الجيش قمع معارضة الحكومة , فتتخذ القوات المسلحة من عدم الاستقرار السياسي ذريعةً للتدخل في الشأن السياسي .
2/ السمات التنظيمية للقوات المسلحة : وتتمثل في التماسك , الذاتية , الاختلاف البنائي والتخصص الوظيفي حيث تلعب كل سمة من هذه السمات دوراً في تدخل القوات المسلحة في شئون المجتمع .
فالقوات المسلحة ذات التماسك الداخلي القوي أقدر على التدخل من تلك التي لا تتمتع بتماسك داخلي قوي ومظاهر التماسك الداخلي للقوات المسلحة تتضح من خلال وجود قيادة مركزية وانضباط وتدرج هرمي وروح معنوية واكتفاء ذاتي .
أما مظاهر الذاتية فتكون بارزة إذا شعرت القوات المسلحة بأن ذاتيتها واستقلالها في خطر الأمر الذي يدفعها للتدخل , ومن الأمور التي ينظر العسكريون بأنها تؤثر على ذاتيتهم هو اتجاه الحكومة لتخفيض الميزانية الخاصة بهم أو إحجامها عن إدخال أسلحة جديدة تحتاج لها القوات المسلحة أو إقامة الحكومة لمليشيات شعبية تضطلع بدور القوات المسلحة وتحاول أن تحل محلها . ولذلك يجري تجنيد الضباط من طبقة تشترك مع السياسيين في خلفيتها ونظراتها السياسية لتقليل احتمال التدخل العسكري في شئون المجتمع.
بعد ذلك تطرق الكاتب لأنواع القرارات حيث شكلت قضية التفرقة بين القرار السياسي وغيره من القرارات موضوعاً أثار اهتمام العديد من الباحثين . ولقد وضع بعضهم جملة معايير لتمييز القرار السياسي عن غيره من القرارات من بينها: بنية القرار، والمشاركون في القرار، والمنظمة التي يتخذ القرار فيها، وعملية صنع القرار، ثم نتيجة القرار.
مراحل عملية صنع القرار السياسي : -
ويعنى بعملية صنع القرار السياسي : مجموعة القواعد والأساليب التي يستعملها المشاركون في هيكل القرار لتفضيل اختيار معين أو بدائل معينة لحل مشكلة معينة (الأسس الرسمية والغير رسمية التي يتم عن طريقها تقييم البدائل المتاحة والتوفيق بين مجموعة صنع القرار) . وتختلف إجراءات وأساليب صنع القرار السياسي من نظام سياسي إلى آخر .
إن هناك مراحل عديدة تمر بها عملية صنع القرار تبدأ من نشأة الحافز وتنتهي عند عملية الاختيار ذاتها . حيث تؤثر كل مرحلة من هذه المراحل سلباً أو إيجاباً في عملية صنع القرار . ولقد حدد محمد السيد سليم ست مراحل هي :
نشأة الحافز : وإدراك صانع القرار وجمع المعلومات : ومرحلة تفسير المعلومات : والبحث عن البدائل واتخاذ القرار : ثم مرحلة تنفيذ القرار : حيث لا تنفصل مرحلة التنفيذ عن مرحلة الاختيار من الناحية العملية.
ولقد حدد محمد شلبي ثلاثة مراحل لعملية صنع القرار السياسي , وهي كالآتي :
مرحلة ما قبل اتخاذ القرار : وتشتمل على تعريف الموقف الذي أسماه محمد سليم بالحافز - ومكوناته وخصائصه : ثم مرحلة اتخاذ القرار : وهي تعني الاختيار من بين عدة بدائل , ثم مرحلة تنفيذ القرار التي تعد آخر المراحل حيث تقع مسئولية تنفيذ القرار على الأجهزة التنفيذية.
العوامل المؤثرة على عملية صنع القرار السياسي هي: -
الارتباط بهدف سياسي :
الحدس السياسي :
المسئولية السياسية :
أما إبراهيم سعد الدين فقد حدد عدداً من العوامل المؤثرة على صنع القرار السياسي , وهي :
دور القائد المهيمن أو القائد السياسي :
دور الرأي العام وقوى الضغط :
التركيب الاجتماعي :
أمن النظام وأمن القيادة :
دور البيئة الخارجية :
وتلاحظ الدراسة أن تعاظم دور القائد السياسي أكثر وضوحاً في بلدان العالم الثالث وذلك بسبب ظروف تلك البلدان نفسها , حيث لم تستطع عبر تجاربها السياسية أن تفرز دولة مؤسسات يأخذ القرار فيها طابعه المؤسسي . كما أن دور البيئة الخارجية قد تعاظم بشكل واضح عقب ظهور ما عرف بالنظام الدولي الجديد وازداد الضغط على الدولة القطرية فيما تتخذه من قرارات .
أما هياكل ونماذج صنع القرار السياسي فهي: -
أولاً : هيكل صنع القرار :
ويعنى به ترتيب معين للعلاقات والأدوار بين الأفراد المسئولين عن اتخاذ القرار , وبالذات نظام السلطة الرسمي وغير الرسمي داخل الوحدة المسئولة عن اتخاذ القرار. حيث إن الهيكل يوضح الأنشطة التخصصية , كما يوضح الكيفية التي ترتبط بها الوظائف المختلفة مع بعضها البعض.
ولقد قسم سويم العزي الأشخاص الذين يحق لهم اتخاذ القرارات داخل هياكل صنع القرار إلى نوعين هما :
1/ النوع الأول هم أصحاب القرار الرسميين : ويعنى بهم واحداً من فئتين إما :
أ- أناس يمتلكون السلطة حقيقةً ويعملون من خلال السلطات الثلاثة المعروفة .
ب- أناس يسمون بالجهات الممنوحة لصلاحية اتخاذ القرار وتضم الوحدات القرارية التي يعتمد وجودها على وجود السلطات التي منحتها ذلك الحق .
2/ النوع الثاني هم المجموعة الغير رسمية : وتتكون من الأحزاب السياسية , والجماعات الضاغطة , والرأي العام ومختلف مؤسسات المجتمع المدني . وسميت بالمجموعة الغير رسمية لأنها لا تملك السلطة في اتخاذ القرارات العامة ولكنها تملك القدرة على التأثير على القرارات المتخذة.
ورغم تفاوت هياكل صنع القرار بين البساطة والتعقيد إلا أنه يمكن تقسيم هياكل صنع القرار بالاستناد على معيارين أساسيين هما :
1. توزيع السلطة داخل الهيكل 2. دور الأعضاء المشاركين في القرار
1/ توزيع السلطة داخل الهيكل : تختلف هياكل صنع القرار فيما يتعلق بتوزيع السلطة , فتوجد مجموعة أو مجموعات يتحكم فيها قائد سلطوي ، والمعني بالقائد السلطوي هو ذلك القائد الذي له القدرة على تمرير ما يريده على صانعي القرارات حتى في ظل وجود معارضة من قبل أي فرد من أفراد مجموعة صنع القرار أو من مجموع صانعي القرار . وفي المقابل توجد مجموعة صنع قرار يجمع بينها التساوي النسبي فيما يتعلق بسلطات كل عضو من أعضاء فريق صنع القرار رغم وجود قائد على رأس المجموعة .
2/ دور الأعضاء المشاركين في صنع القرار : والمعني بذلك ما إذا كان أعضاء مجموعة صنع القرار لديها الحق في تبني أي وجهة نظر تريدها , أم هي ملتزمة بوجهة نظر للمؤسسة المعنية والتي تصير موافقتها شيء أساسي لاتخاذ قرار نهائي.
أنواع هياكل صنع القرار : -
يؤدي تفاعل توزيع السلطة ودور الأعضاء المشاركين في القرار إلى ظهور خمسة أشكال أو أنواع من هياكل صنع القرار , وهي كالآتي :
[1] مجموعة القائد المسيطر :
وهي مجموعة صغيرة من الأفراد يسيطر عليها شخص سلطوي يتصرف بشكل فردي دون الاهتمام بعملية التشاور مع أفراد المجموعة الذين يكوّنون معه ما يعرف بمجموعة صنع القرار وله القدرة - القائد السلطوي - على اتخاذ القرار المعين حتى ولو انطوى ذلك على معارضة فرد من أفراد المجموعة أو كل المجموعة . الأمر الذي يجعل القرار المتخذ يحمل في طياته طابع التسرع وعدم دقة المعلومات مما ينعكس سلباً على إمكانية تحقيق القرار للهدف الذي اتخذ من أجله .
[2] مجموعة القائد المستقلين :
وهذا النوع من الهياكل يأخذ شكل مقارب للشكل الأول وهو مبدأ وجود قائد مسيطر , ولكن أفراد المجموعة مستقلون بشكل نسبي بحكم انتمائهم إلى مراكز مستقلة للسلطة , وذلك من قبيل أن يكون هؤلاء المستقلون رؤساء أحزاب سياسية , أو رؤساء مجموعات برلمانية , أو من أولئك الذين لهم نفوذ وتأثير واضح على المؤسسة العسكرية ، أو في الحزب السياسي الحاكم . ويقل في هذا النوع من الهياكل حجم الضغوط الهيكلية ، حيث أن الفرد هنا لا يكون انعكاساً ميكانيكياً لرغبة القائد أو الجهة التي ينتمي لها ، بل هناك مساحة للتعبير عن وجهة نظر خاصة بالعضو بالقدر الذي يحفظ له وجوده المستقل داخل المجموعة . ودور القائد هنا يكون للترجيح بعد استماعه لوجهات النظر المختلفة.
[3] مجموعة القائد المفوضين :
وتشترك مع مجموعة القائد المستقلين في كل الخصائص التي تم ذكرها باستثناء دور الأعضاء المنضوين تحت الهيكل , وذلك من واقع أن الأعضاء لا يمثلون أنفسهم بقدر ما أنهم يمثلون هيئات بعينها وهذا يملي عليهم ضرورة الرجوع لهيئاتهم واستشارتها قبل البت في أي شيء , وذلك يشبه ما يعرف في فن التفاوض بالتوقيع بالأحرف الأولى ، حيث أن هذا النوع من التوقيع يعني أن من وقع عليه ليس مفوض للبت النهائي أو لديه تحفظ قبل التوقيع النهائي , ويتسم هذا النوع من الهياكل بالبطء والجمود النسبي في عملية صنع القرار.
[4] المجموعة المستقلة :
يتضح أن الثلاث هياكل المذكورة أو السالفة تتميز في أن السلطة موزعة بشكل غير متكافئ بين أفراد مجموعة صنع القرار . إلا أن المجموعة المستقلة تتوزع السلطة فيما بينها بشكل متكافئ نسبياً , كما أن دور القائد لا يتجاوز رئاسة الجلسات وتولي شرح وجهات النظر الخاصة بكل عضو من أعضاء المجموعة . ولا يعتبر الأعضاء مفوضين بقدر ما أنهم مسئولون مسئولية جماعية عن اتخاذ القرار .
[5] مجموعة المفوضين :
تشترك هذه المجموعة مع مجموعة المستقلين في كل الصفات بيد أن أعضائها يمثلون هيئات أخرى . وكل عضو من أعضاء هذه المجموعة يلتزم بشكل كامل برأي الهيئة التي يمثلها وأهم ملامح عملية صنع القرار هنا أنها تتميز بالبطء وتمحيص المعلومات الخاصة بالقرار بشكل دقيق للغاية .
نماذج صنع القرار السياسي : -
لقد نالت عملية صنع القرار السياسي اهتمام الكثير من الباحثين الذين سعوا لوضع نماذج واتجاهات تحليلية لتفسيرها , ومن بين تلك النماذج :
[1] النموذج الاستراتيجي الرشيد :
هذا النموذج يقوم على فرضية أساسية وهي أن صانع القرار شخص عقلاني رشيد ، حيث يتحرى الدقة في الحصول على المعلومات التي يتم على أساسها تشخيص المشكلة , واختيار حل أو بديل من بين البدائل يكون أكثرها عقلانية باعتباره قليل التكلفة عظيم الفائدة.
[2] نموذج السياسة البيروقراطية :
يؤكد هذا النموذج على الدور الذي يلعبه العديد من البيروقراطيين من ذوي العلاقة بالقرار السياسي . حيث يأتي تأثيرهم على القرارات السياسية نتيجة للتغييرات المستمرة سواء بالنسبة للحكومات أو الأحزاب السياسية , وهذا يعني عدم وجود خبرة طويلة لرجال الدولة مما يجعلهم يستعينون بالبيروقراطية وموظفي الخدمة المدنية الدائمة للحصول على المعلومات والنصائح المطلوبة لاتخاذ القرار المعين .







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:55 AM   رقم المشاركة : 11
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

منهج السرد


1- مدخــــل إلى البنيـــوية:



البنيوية طريقة وصفية في قراءة النص الأدبي تستند إلى خطوتين أساسيتين وهما: التفكيك والتركيب ، كما أنها لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته. ويعني هذا أن النص عبارة عن لعبة الاختلافات ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية وإعادة تركيبها من أجل معرفة ميكانيزمات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي. ومن هنا، يمكن القول : إن البنيوية منهجية ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان وكل ماهو مرجعي وواقعي ، ويركز فقط على ماهو لغوي و يستقرىء الدوال الداخلية للنص دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد.

والبنيوية أنواع: فهناك البنيوية اللسانية، و البنيوية السرديةNarratologie ، والبنيوية الأسلوبية stylistique، وبنيوية الشعر، والبنيوية الدراماتورجية أو المسرحية Dramaturgie ، والبنيوية السيميوطيقية، والبنيوية النفسية مع جاك لاكان وشارل مورون ، والبنيوية الأنتروبولوجية خاصة مع زعيمها كلود ليڤي شتروس الفرنسي وفلاديمير بروب الروسي...
وتتعارض المنهجية البنيوية مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي والمنهج الاجتماعي والمنهج التاريخي والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي من خلال ثنائية الفهم والتفسير قصد تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم.



2- البنيوية في العالمين: الغربي و العربي:



يعد كتاب Ferdinand de Saussure فرديناند دوسوسير "محاضرات في اللسانيات العامة" الذي ظهر سنة 1916م أول مصدر للبنيوية في الثقافة الغربية، ذلك أن سوسير اعتبر اللغة نسقا من العناصر بينها تفاعلات وظيفية وصفية. وحدد للمنهجية البنيوية مرتكزات أساسية كاللغة والكلام واللسان، والدال والمدلول، والسانكرونية والدياكرونية، والمحور الأفقي والمحور التركيبي، والتقرير والإيحاء، والمستويات اللغوية من صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية...

وقد تفرعت البنيوية اللسانية السوسورية إلى مدارس لسانية كالوظيفية الوصفية مع أندري مارتيني A.Martinet ورومان جاكبسونR.Jakobson وتروبوتسكوي Troubetzkoy وكوگنهايم، ،والگلوسيماتيمكية مع هلمسليف Hjelmslev، والتوزيعية مع بلومفيلدBloomfield وهاريس Harris وهوكيتHockett...لتنتقل البنيوية مع نوام شومسكي Chomsky إلى بنيوية تفسيرية تربط السطح بالعمق عن طريق التأويل.

وأول من طبق البنيوية اللسانية على النص الأدبي في الثقافة الغربية نذكر كلا من رومان جاكبسون وكلود ليفي شتروسLévi- Strauss على قصيدة " القطط " للشاعر الفرنسي بودليرBaudelaire في منتصف الخمسينيات. وبعد ذلك ستطبق البنيوية على السرد مع رولان بارت Barthes وكلود بريموند Bremond وتزيطيفان تودوروف Todorov وجيرار جنيتGenette وگريماس Gremas... كما ستتوسع ليدرس الأسلوب بنيويا وإحصائيا مع بيير غيرو Guiraud دون أن ننسى التطبيقات البنيوية على السينما والتشكيل والسينما والموسيقا والفنون والخطابات الأخرى.

ولم تظهر البنيوية في الساحة الثقافية العربية إلا في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات عبر المثاقفة والترجمة والتبادل الثقافي والتعلم في جامعات أوربا. وكانت بداية تمظهر البنيوية في عالمنا العربي في شكل كتب مترجمة ومؤلفات تعريفية للبنيوية، لتصبح بعد ذلك منهجية تطبق في الدراسات النقدية والرسائل والأطاريح الجامعية.

ويمكن اعتبار الدول العربية الفرانكوفونية هي السباقة إلى تطبيق البنيوية وخاصة دول المغرب العربي ولبنان وسوريا ، لتتبعها مصر ودول الخليج العربي. ومن أهم البنيويين العرب في مجال النقد بكل أنواعه: حسين الواد، وعبد السلام المسدي ، وجمال الدين بن الشيخ، وعبد الفتاح كليطو، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد بنيس، ومحمد مفتاح، ومحمد الحناش، وموريس أبو ناضر، وجميل شاكر، وسمير المرزوقي، وصلاح فضل، وفؤاد زكريا، وعبد الله الغذامي...

ومن أهم الكتب النقدية في مجال البنيوية العربية نستحضر "الأدب والغرابة " لعبد الفتاح كليطو. فماهي القضايا النقدية التي يستجمعها الكتاب؟ وما منهجيته النقدية؟ وما مرجعياته النظرية ومصطلحاته الإجرائية؟ وما هي أهم الانتقادات الموجهة إلى الكتاب؟







3- القضايا النقدية في كتاب الأدب والغرابة :



يمكن تقسم كتاب "الأدب والغرابة" لعبد الفتاح كيليطو إلى قسمين: قسم خاص بشرح المفاهيم المتعلقة بالأدب وأجناسه، وقسم تطبيقي يستهدف رصد المظاهر البنيوية للثقافة العربية الكلاسيكية. ويندرج القسم التطبيقي ضمن قضية التجنيس وتحديد القواعد الثابتة والمتغيرة لكل جنس أدبي على حدة مع دراسة بعض المكونات السردية في هذه الثقافة الموروثة.

ومن المفاهيم التي انكب عليها الدارس نذكر مفهوم النص والأدب والجنس والسرد والوحدة العضوية ومفهوم الغرابة ومفهوم الشاعر ومفهوم المرآة والفرد المبدع وتاريخ الأدب والفرق بين الشعر والنثر والقارئ المتلقي.

وفي القسم الثاني يدرس عبد الفتاح كيليطو جنس المقامة الأدبية عند الحريري والمقامة الأخلاقية عند عبد القاهر الجرجاني وشخصية المقامة النمطية ، والغرابة والألفة في البلاغة العربية من خلال ثنائية المجاز والاستعارة، بله عن إشكالية النظم والشعر وشعرية الفضاء في حكاية سندباد.

.

أ‌- قســــــــم المفاهيم:



ينطلق كليطو في تعريفه للنص بمقارنته باللانص، حيث يتميز النص عن اللانص بالثقافة والنظام والغموض والغرابة والتدوين والكتابة والحفظ والاستشهاد ونسبته إلى كاتب مشهود له بالحجية والشهرة فضلا عن وظيفته التعليمية والتربوية. أما الأدب فيجد الكاتب صعوبة في تعريفه على الرغم من وجاهة تعريف رومان جاكبسون عندما ربط الأدب بوظائفه الست، إلا أن هذا التعريف قاصر مادام ليس هناك نظرية عامة وشاملة لكل النصوص والخطابات. أما تاريخ الأدب العربي فيتخذ طابعا دينيا أخلاقيا مختلفا عن نظيره الأوربي الذي كان يجمع بين عدة نصوص مختلفة الخطابات والأجناس الأدبية داخل وحدة أجناسية منصهرة إبان الرومانسية التي أعطت قيمة كبرى لفن الرواية بعد أن كان في أسفل الأجناس الأدبية مع التيار الكلاسيكي.

و في مجال الأجناس الأدبية، يعرف كليطو الجنس الأدبي بأنه هو الذي يحترم مجموعة من المعايير والقواعد الثابتة المتكررة ولاسيما الرئيسية منها. ومن ثم وضع تيبولوجية أجناسية على النحو التالي:

1- المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، و الخطب، و العديد من الأنواع الشعرية التقليدية...

2- المتكلم يروي لغيره: الحديث، كتب الأخبار...

3- المتكلم ينسب لنفسه خطابا لغيره.

4- المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه كما فعل خلف الأحمر عندما نسب قصيدته لامية العرب للشنفرى. إذاً، هناك نمطان خطابيان: الخطاب الشخصي والخطاب المروي.

وفي مجال السرد ، يرى كليطو أن نظرية فلاديمير بروبV.Propp مهمة في مقاربة الحكاية والنصوص السردية بصفة عامة، مبينا أن السرد مجموعة من الأحداث والوظائف التي تنتظم في متتاليات سردية خاضعة لمنطق الإمكانيات التي تحدث عنها كلود بريموند. وهذا السرد يخضع لنوعين من التسلسل وهما: الترتيب المنطقي والترتيب الزمني التعاقبي. كما بين أن هناك نوعين من القراءة: عمودية وأفقية، وأن السرد على العموم يخضع لقواعد ثلاثة، وهي: ارتباط اللاحق بالسابق، وارتباط تسلسل الأحداث بنوع الحكاية، ومراعاة أفق الاحتمال والعرف.

وقد لاحظ كليطو أن الأدب الكلاسيكي يرتكز على المبدعين الفطاحل والمشهورين والقمم الشعرية المتميزة دون المغمورين منهم. كما يؤاخذ المنهج البيوغرافي الذي ظهر في القرن التاسع عشر والذي كان يدرس حياة المبدع من خلال إنتاجه وعصره عبر أربعة ثوابت منهجية: الحياة السياسية والحياة الاقتصادية والحياة الاجتماعية و الحياة الثقافية. وكان هذا التصور المنهجي البيوغرافي والانعكاسي للأدب لايربط النصوص بمكونات النص الداخلية وعناصره التجنيسية. كما ينتقل إلى إثارة قضية تلقي النصوص القديمة بتصورات حديثة دون مراعاة النص القديم وسياقه الخاص به كما يتجلى ذلك واضحا في التعامل مع قضية الوحدة العضوية في الشعر القديم بين الدارسين العرب والمستشرقين.

وقد حدد الكاتب تصورا دياكرونيا لطبيعة الشاعر ووظيفته في المجتمع العربي القديم وحصر الوظائف التالية:

1- شاعر القبيلة في الشعر الجاهلي؛

2- شاعر الانتماء العقائدي في العصرين: الإسلامي والأموي؛

3- شاعر الكدية والاستجداء في العصر العباسي.



ب‌- القسم التطبيقي:



في هذا القسم، يتناول الكاتب البلاغة العربية بالدرس والتحليل ليبين لنا بأن البلاغة العربية تهدف إلى تفسير القرآن الكريم وأنها تدور حوله شرحا وتبيانا لأوجه إعجازه، بينما البلاغة اليونانية كانت تهدف إلى إنتاج القواعد لتسليح المتكلم بناصية الفصاحة والبلاغة لإفحام خصومه كما كان يفعل السفسطائيون مع مخاطبيهم. وخضعت البلاغة العربية لعدة تقسيمات وتفريعات و خضعت لمنطق النضج والركود والقوة والكساد. وقد كانت البلاغة العربية في مسارها البياني والتأليفي بلاغة إبهام وتعمية وتمويه وإغراب. ويعني هذا أن الصور الشعرية وخاصة الاستعارة والمجاز كانت تقوم على ثنائية الغرابة والألفة والانزياح.

وإذا كانت شخصيات كتب التاريخ والحديث والأخبار شخصيات بشرية فردية، فإن شخصيات المقامات وخاصة مقامات الحريري ﴿الحارث بن همام وأبو زيد السروجي﴾ شخصيات نمطية إنسانية ترمز إلى قيم إنسانية عدة ، لذلك فهي شخصيات براقشية تتلون في صفاتها حسب السياقات المقامية كشخصيات الشعر العربي القديم﴿سلمى، هند، دعد،خولة، مية، سعاد....﴾. كما تتسم المعاني في الثقافة العربية الكلاسيكية بالوثوقية والمطلقية وعدم الابتذال على الرغم من وجود ظاهرة التكرار والاجترار المعاد . والسبب في ذلك أن هذه المعاني لاتتغير بسرعة كما في العصر الحديث إذ تتبدل مدارسها واتجاهاتها الأدبية بنحو سريع. و تمتاز المعاني في الثقافة الكلاسيكية أيضا بسمة الاستشهاد والإحالة التناصية والتضمين وذلك من أجل تعضيد النص وتوثيق معانيه.

وإذا كان تجنيس المقامة يخضع لمجموعة من الثوابت كالسند، والسفر، ونمطين إنسانيين متناقضين وهما: الأديب والمكدي، وحكاية قائمة على التعرف، ولغة بديعية منمقة ، وتعاقب الهزل والجد،فإن مقامة الزمخشري تستند إلى لغة الجد الأخلاقي والديني ووازع الحلم ولغة البديع وثنائية الترغيب والترهيب.

وفي مبحث "الملح والنحو" يميز الدارس بين النظم والشعر من خلال دراسة أرجوزة الحريري وهي ملحمة الإعراب، وذلك بالتركيز على الوظيفة الشعرية والأدبية للنصين معا: النظم والشعر. وبعد ذلك ينتقل الكاتب لدراسة القواعد اللسانية لخطاب المنظومة النحوية ذات الطابع التعليمي التربوي من أجل تبيان علاقتها بالمتلقي من خلال استخدام المرسل للحشو والأمر. ويتوجه فيها الخطاب إلى السامع من شيخ متسلط مسيطر على مخاطبه، كما أن هذا المتكلم حجة و عالم متبحر في النحو يرسل خطابه إلى مستمع مذكرمبتدىء ، وهذا الخطاب ممزوج بالأوامر والنواهي والعلوم والآداب في شكل الصيغة المعروفة" قل ولا تقل" مع إظهار التودد إلى المتلقي و إبداء تواضع العلماء في حالة اقتناص الأخطاء من قبل السامع النابه .

وفي " نحن والسندباد" يتعرض الواصف لجدلية الفضاء داخل قصة السندباد التي أوردها كتاب ألف ليلة وليلة حيث يتقاطع في الحكاية ماهو علوي وسفلي، و ماهو أفقي وعمودي، وماهو بر ي وبحري. كما يجسد تقابلا بين السماء والأرض، وبين الألفة والغرابة، وبين الحار والبارد، وبين فضاء السعادة وفضاء الشقاء. وتقيم الحكاية أيضا مقايضة بين الحكي والاستماع ، ومقارنة بين السندباد الأرضي والسندباد البحري. وتعد ثنائية السفر والغرابة ﴿الإيهام والإبهام والتخييل الفانطاستيكي﴾ من أهم مكونات الحكاية السندبادية.



4- المنهج النقـــدي في الكتاب:



من خلال عنوان كتاب" الأدب والغرابة" لعبد الفتاح كيليطو نجد عنوانا فرعيا" دراسات بنيوية في الأدب العربي"، و هنا أفتح قوسا لأثبت بأني أعتمد هنا على طبعة دار الطليعة البيروتية التي نشرت الكتاب لأول مرة سنة1982م. ومدلول هذا التعيين الجنسي أن الباحث يطبق المنهج البنيوي في هذه الدراسات التي كانت في الأصل مقالات أعدت مابين 1975و 1980م.

وتتمظهر هذه المنهجية في توظيف مجموعة من الثنائيات المتقابلة: النص واللانص، البر والبحر، الجد والهزل.....، واستخلاص القواعد البنائية التي تتحكم في توليد النصوص والتركيز على المعطيات الشكلية والخطابية التي تؤطر النصوص، واعتماد نظرية الأدب وخاصة في قضية التجنيس والتصنيف وقراءة الوظيفة الأدبية ومقابلاتها في النصوص المخالفة كالنص النظمي أثناء دراسة الملحمة النحوية لدى الحريري في أرجوزته. وتتجسد أيضا في رفضه لنظرية المرآة في دراسة المبدع وأثره الإبداعي، واستعمال البنيوية السردية في استقراء القواعد السردية في النصوص الحكائية والأجناس الأدبية في الثقافة العربية الكلاسيكية، ودراسة المكونات السردية كالشخصية في المقامة والوظائف السردية والفضاء الشاعري الحكائي في قصة سندباد وتجنيس المقامة. ولا يكتفي الدارس بماهو سردي، بل يلتجئ إلى استخدام البنيوية الشعرية في المقابلة بين الشعر والنظم ، والأسلوبية في مدارسة المجاز والبلاغة والاستعارة والبحث عن الوظائف البنيوية التي تؤديها الصور البلاغية.

ولكن على الرغم من هذا، فإننا نجد هناك تلفيقا منهجيا وتعددا في المقاربات بسبب الخاصية المقالية التي جعلت الكتاب مجموعة من المقالات المتنوعة المتفرقة التي لها مواضيع مختلفة لا يجمعها إلا عنصر الغرابة. ومن هذه المناهج التي اعتمد عليها الدارس نستحضر إلى جانب البنيوية المنهج السيميائي أثناء حديثه عن قواعد السرد حيث يستشهد بالشكلاني الروسي فلاديمير بروب،ومنهجية التلقي والتقبل كما هي عند يوسYauss أثناء تمييزه بين القارئ الضمني والقارئ الحقيقي، والتمييز بين أنواع القراءة: القراءة العالمة والقراءة العادية، ودراسة أثر النص على المتلقي وخاصة في المبحث الذي خصصه لأرجوزة النحو للحريري. كما استعان بالطريقة التاريخية والبنيوية التكوينية أثناء حديثه عن تاريخ الشاعر ومكانته ووظيفته في الأدب العربي القديم مقيما تماثلا بين صيرورة مكانة الشاعر والتطور المرجعي الخارجي. ونجد للمقاربة الفلسفية حضورا عندما تحدث عن شعرية الفضاء مستلهما شعرية گاستون باشلار Gaston Bachelard في مبحث قصة السندباد، والأسلوبية أثناء دراسة الصور البلاغية.

إذا، يلاحظ أن هناك تعددا منهجيا يعبر عن تنوع ثقافة عبد الفتاح كليطو وتعدد مرجعياته الفكرية والتطبيقية. ومن بين هذه المرجعيات نذكر الشكلانية الروسية ورواد البنيوية والسميوطيقا ككلود بريموند وتودوروف ورولان بارت وگريماس وجيرار جنيت وريفاتيروباختين وفيليب هامون و جاكبسون وبرينسPrince... علاوة على المرجعية الفلسفية أثناء استشهاده بگاداميرGadamer وبول ريكور Ricoeur وفوكو Foucault وديريدا Derrida ومحمد أركون.. وتمثل نظرية التلقي كما عند يوسJauss صاحب نظرية جمالية التقبل، ورواد نظرية الأدب والأجناس كما عند تودوروف وفييتورViëtor وواتwatt.

وقد طرح الكاتب في كتابه مجموعة من المصطلحات والمفاهيم النقدية كالنص والأدب والوحدة العضوية وتاريخ الأدب ومفهوم الشاعر ومفهوم الفرد المبدع والجنس الأدبي ومفهوم البلاغة ومفهوم الأسلوب وطبيعة المتلقي ومفهوم المرآة وشعرية الفضاء ومفهوم السرد والمتتالية السردية ومفهوم الشخصية و مفهوم الوصف ومفهوم السرد وقواعده وتجنيس المقامة والحكاية والمنظومة النحوية ... وهذه المفاهيم حديثة التناول والدراسة ، وقد أحسن الكاتب في تبسيطها وشرحها وتوضيحها بطريقة إجرائية تطبيقية تعليمية وديداكتيكية على الرغم من كون بعض هذه المفاهيم قد تجاوزها النقد العربي المعاصر، ومن هنا لابد من ضرورة موقعة هذه المقالات في سياقها التاريخي، وبالضبط في السجال الثقافي والمنهجي في فترة السبعينيات من القرن الماضي.



5- المآخذ والانتقادات:



يلاحظ على هذا الكتاب أنه جماع منهجيات ومقاربات متداخلة لا تنسجم مع تعيينه الجنسي للكتاب" دراسات بنيوية في الأب العربي". كما أن هناك اضطرابا في استعمال المصطلحات والمفاهيم النقدية كالأنواع بدلا من الأجناس، واستعمال السلسلة ترجمة لـ séquence بدلا من المتتالية السردية، واستعمال مفهوم القصة بدلا من الحكاية في نص " قصة السندباد". ولم يوضح الكاتب بدقة مفهوم الأدب وتجاوزه بسرعة إلى مفاهيم أخرى بدون أن يقدم له تحديدا جامعا وتعريفا شاملا مانعا، كما لم يدقق بشكل واضح مفهوم الغرابة حيث تركه للقارئ لكي يستنتجه عبر صفحات الكتاب.

ويبدو مما سبق، أن الدارس قد طبق المنهج البنيوي بآلياته الشكلية، بيد أن هذا المنهج أظهر اليوم مدى قصوره وأحادية مراميه، لأن الواقع العلمي الحالي يفرض علينا أن نجمع في دراساتنا لكي تكون علمية مقبولة بين الداخل والخارج، وبين النص والمرجع. ونرى أن المنهج التكاملي الذي ينفتح على كل المناهج والمقاربات أفضل بكثير من المنهج البنيوي الشكلاني الذي لايبالي بالمعطيات السياقية والتاريخية، ويغض الطرف عن الواقع وذاتية المبدع وذوق القارئ.



6- تركيـــب واستنتاج:





وعلى الرغم من هذه الانتقادات البسيطة والهينة و التي لاتسيىء إلى الكتاب ولا إلى صاحبه لا من قريب ولا من بعيد، فإن كتاب "الأدب والغرابة" كتاب نقدي حداثي وطليعي في بيداغوجيته ومعطياته القرائية داخل سياقه السبعيني من القرن العشرين واستمراره في عطائه المثمر الخالد إلى يومنا هذا . ومن ثم، لايمكن الاستغناء عنه سواء أكان القارئ مبتدئا أم ذا باع في الثقافة النقدية. كما أن عبد الفتاح كليطو كان وما يزال قمة شامخة في الأدب العربي الحديث والمعاصر، وناقدا قارئا من الطبقة الأولى بمنهجه التأويلي الجذاب الذي ينبش في الداخل النصي لينطلق من مكنوناته العميقة ليسطر استنتاجات ذات قيمة علمية كبرى بأسلوبه الشاعري الذي يجمع بين الوصفية العلمية الرصينة والبيانية الشعرية الإبداعية. ويعني كل هذا أن كليطو ناقد مبدع وأديب عالم كما يظهر ذلك واضحا في سفره النقدي هذا، وكتابيه الآخرين "الحكاية والتأويل" و كتابه "الغائب".






المنهج النقدي في" الأدب والغرابة" لعبد الفتاح كليطو





من يتأمل كتاب الناقد المغربي الدكتور عبد الفتاح كليطو " الأدب والغرابة" سيجد تحت عنوانه الخارجي تعيينا جنسيا يتمثل في العبارة التالية:" دراسات بنيوية في الأدب العربي". ويعني هذا أن الناقد يسعى إلى تطبيق المنهج البنيوي على الأدب العربي القديم قصد تحديد مكوناته الثابتة المحايثة وقواعده التجنيسية وآلياته المولدة. ويكفي عبد الفتاح كليطو فخرا أنه أول من درس الثقافة العربية الكلاسيكية بمناهج أكثر حداثة وتجديدا وتجريبا ولكن دون أن ينساق وراء المنهج ، لأنه كان دائما ينطلق من الداخل النصي الذي يفرض عليه طبيعة المنهج وكيفية القراءة والوصف والتأويل. وقبل الدخول في تحديد مقومات المنهج عند كليطو والتثبت من صفاء منهجه ونقائه ، علينا أولا وقبل كل شيء تعريف قارئنا بالبنيوية ومرتكزاتها الأساسية ومفاهيمها الإجرائية. وهذا ما سنسطره في الأسطر الموالية. تعال –إذاً- أخي القارئ لنتتبع مسار البنيوية بشكل متدرج عسى أن نستوعب معا بعض دلالاتها النظرية والمنهجية،







جميل حمداوي،







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 08:59 AM   رقم المشاركة : 12
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

مدخل إلى بنية الشخوص في العمل السردي /
د عبدالله مهداوي
مفهوم بنية الشخوص
تحديد مفهوم البنية
بقدر ما أصبح مفهوم البنية مقبولا بقدر ما أصبحت الحاجة ماسة إلى تحديده تحديدا دقيقا .ولعل ذلك يرجع بالأساس إلى كثرة شيوعه واستعماله في جميع الحقول المعرفية ،سواء الأدبية أو العلمية .وقد عبر "هنري لوفيفر " عن الصعوبة التي يطرحها هذا المفهوم بقوله :"كلما انتشر مفهوم البنية إل وازداد غموضا ، وعادة ما يعني هذا المفهوم الصورة الموضوعية لمعرفة ممكنة يظن المستعمل لهذه الكلمة المفتاح أنه امتلكها في حين أنه لا يمتلكها بقدر ما يضعها نصب عينيه ، إذ يفترض التمام والدقة "

يكاد يتفق عامة الباحثين على أنها عبارة عن مجموعة متشابكة من العلاقات وأن هذه العلاقات تتوقف فيها الأجزاء والعناصر على بعضها البعض من ناحية وعلى علاقتها بالكل من ناحية أخرى . وكل عنصر من هذه العناصر لا يمكنه أن يستمد وجوده إلا من داخل البنية ، بمعنى أن النظام الذي يحكم هذه العناصر هو نظام داخلي ولا اعتبار لما خارجي .
وعلى هذا الأساس فإنه عند دراسة بنية معينة ل يجب التعامل مع عناصرها اعتمادا على معطيات خارجية ، ذلك لأن العلاقات التي تربط بين هذه العناصر محددة ضمن نسق مرسوم لا يمكنها أن تزيغ عنه ، وذلك لتوفرها على عملية ضبط ذاتية تتم من داخل البنية وليس من خارجها . إلا هذا لا يعني أن البنية محكوم عليها بالسكونية ، فهي على العكس من ذلك تعرف دينامية وتغيرا مستمرين .
وإذا كان مصطلح "بنية " قد شاع مع تطور اللسانيات البنيوية بعد( سوسير) فإن انتقاله إلى المجال الأدبي أمر يبرر بفضل ذلك التأثير الذي أحدثته الدراسات اللسانية على الأدب ، واستعارة هذا الأخير للمناهج البنيوية في مجال الدراسات . هذا التأثير جعل الدارسين ينظرون إلى النتاج الأدبي –كيفما كان نوعه – كبنية مكونة من مجموعة من العناصر المتقابلة ، والتي من خلال عملها بنيويا تتم دراسة النتاج من دون استحضار لعناصر خارجية ، كالواقع المادي مثلا ، لأن في ذلك تشويشا على بنية النص ، وهو ما عبر عنه رولان بارت حين قوله : "يمكن القول بأن الفن لا يعرف تشويشا – بالمعنى الإخباري للكلمة – إنه نسق صرف "
من هذا المنطلق يبقى العمل السردي كأثر إبداعي عبارة عن بنية متشكلة من مجموعة عناصر محكومة بعلاقات داخلية ، وكل عنصر من هذه العناصر يشكل بنية قائمة بذاتها داخل البنية العامة ( الرواية مثلا ) فإذا حاولنا تفكيك بنية الرواية إلى عناصرها الجزئية حسب التحديد الكلاسيكي سنجدها تتشكل من عدة عناصر أهمها : المكان – الزمان – الأحداث – الوصف – السرد – الشخوص – الحوار
وسأقتصر في هذه الورقة على تحديد مفهوم بنية الشخوص كعنصر من البناء السردي .
تعريف الشخوص



الشخوص جمع شخصية ، وهي من بين المصطلحات التي استعملها النقد الأدبي في الوقت الذي كان يعتمد فيه على المضمون من الوجهة النفسية كمعيار نقدي .وقد نص النقاد منذ القديم على أهمية وجودالشخوص كعنصر في البناء القصصي ، بدونه لا يتيسر فهم الأحداث ، فالشخوص داخل العمل اسردي هم مجموعة من الأفراد يقومون بعدة ادوار إما متناسقة أو متعارضة تسند إليهم من طرف السارد فيساهمون بذلك تطور الأحداث أو تأزم الصراع ، وهم لا يختلفون عن ممثلي المسرح أو السينما : "فكلاهم ينتمي إلى عالم متخيل ، ولا يمكنه أن يتواجد إلا داخل هذا العالم الذي بواسطته تصبح كل الشخوص حية فينا بكل معالمها " وذلك من خلال علاقتها بالأحداث ، وقد تنبه بارت إلى نفس المسألة حينما اعتبر الشخصيات

السردية كائنات من ورق لا تمت للواقع المادي بأية صلة، فهي إذن مجرد ناقلة للأحداث (ساردة ) أو موظفة في إطارها ( فاعلة ) .
ونحن نعمل على تحديد مفهوم الشخوص لابد من تسجيل ملاحظة هامة ، ذلك أن مفهوم الشخصية ليس قاصرا بالأساس على على الإنسان " فالعقل ( كما يرى فيليب هامون ) يمكن اعتباره شخصية داخل أعمال هيجل مثلها مثل شخصية الرئيس أو المدير العام أو المجتمع ... كما أن البيض والدقيق والزبدة تعتبرشخصيات مشاركة في عملية الطبخ ..وقد تعتبر الجراثيم أيضا شخوصا مشاركة داخل النص الذي يحكي تفخم مرض معين "
فشخوص الرواية إذن قد تكون إنسانا أو حيوانا كما هو في كليلة ودمنة أو جمادا كما في رواية "لقاء لميخائيل نعيمة حيث تصبح آلة الكمنجة شخصية مشاركة .وقد تكون الشخصية فكرة مجردة كالخير أو الشر أو الحق أو الباطل ...
بنية الشخوص كموضوع للدراسة في المناهج القديمة والحديثة
إذا كان النقد قد أولى اهتماما بالغا لتحليل العمل السردي فإن هذا التحليل قد ظل حتى فترة جد قريبة رهين معطيات التحليل الكلاسيكي الذي لا يتعدى مجموعة من المناهج لا تكاد بدورها تخرج عن التحليل التاريخي أو النفسي للعمل السردي باعتبار هذا الأخير كنتاج أدبي امتداد للواقع الذي يعيشه الكاتب ، كما أن دراسة الشخوص لم تتعد تلك الدراسة التي تتناول البطل في تحديد مسهب على ضوء المناهج النفسية والبحث عن العلاقة القائمة بين الكاتب وشخوصه ومع اكتشاف البنيوية وما صاحب ذلك من تقدم في مجال اللغة وعلم الدلالة تم تجاوز هذا النمط من التحليل ، فلم تعد الدراسة المتعلقة بالسرد حبيسة المناهج غير الأدبية كعلم الاجتماع وعلم النفس .لقد كان ظهور الشكلانيين الروس إيذانا بمجيء مرحلة جديدة تمثلت في استهدافهم من خلال الأبحاث الأدبية التي مارسوها استخلاص الصفات المشتركة التي تتمتع بها جميع الأعمال الأدبية .ومن هنا جاء مصطلح جاكبسون ( الأدبية ) أي كل ما يجعل النص أدبيا وهكذا " راح فلاديمير بروب وهو أحد أفراد هذه الجماعة يدرس الحكاية الشعبية دراسة علمية تعتمد على الملاحظة والتحليل والاستنتاج ، وذلك من أجل استخلاص البنية العامة المشتركة لهذا النوع من الفن الشعبي ( الفلكلوري)
وقد حاول بروب في ذلك الاستفادة من بعض المناهج العلمية ، كما يوضح ذلك في قوله :" إن دراسة الأشكال واكتشاف القوانين التي تحكم بنيتها فيما يخص الحكاية الشعبية الفلكلورية شيء يمكن القيام به بالدقة نفسها التي تدرس فيها أشكال الكائنات العضوية "
هكذا نظر بروب للحكاية على اعتبارها" كلا" مكونا من عدة أجزاء ويتشكل كل جزء من سلسلة من الوظائف ، حددها انطلاقا من دراسته لمائة حكاية روسية في إحدى وثلاثين وظيفة متعاقبة تبدأ ب ( الابتعاد) وتنتهي ب ( مكافأة البطل ) . على ان ظهور هذه الوظائف كلها ليس لازما في كل حكاية إنما يجب أن تظهر دائما بنفس الترتيب الذي حدده . والوظيفة حسب بروب (عمل شخص محدد ) غير قابلة للتفكيك ، لذلك فهو يرى بأن الوظائف هي العناصر الثابثة والدائمة في الحكاية أيا يكن الأشخاص ، وايا تكن الطريقة التي تباشر بها هذه الوظائف .
أما توزيع الوظائف على الشخوص فيرى بروب أن كل مجموعة من الوظائف يمكنها أن تشكل دائرة لفعل شخصية أو شخوص ، فكل حكاية تتوفر على دوائر سبعة :
- دائرة فعل المعتدي
- دائرة فعل البطل
- دائرة فعل البطل المزيف
- دائرة فعل الأميرة
- دائرة فعل الواهب
- دائرة فعل المساعد
- دائرة فعل الموكل
فبروب من خلال هذه الدوائر لم يعط أهمية كبرى للشخصيات ، بحيث ركز اهتمامه على جانب الوظائف التي تقوم بها فقط .
أما جريماس الذي ينطلق في دراسته لبنية العمل السردي من علم الدلالة البنيوي فقد تناول بنية الشخوص فوضع بذلك نموذجا عامليا ، هذا النموذج قد وجد صداه في أعمال سابقة منها أعمال " تنيير" و" بروب " وأتيان سوريو" فالأول وهو صاحب مصطلح "عامل
فيشبه الملفوظ البسيط ( الجملة ) بفرجة حيث يتم توزيع مجموعة من الأدوار على عوامل محدودة . وإذا كان مضمون الملفوظ في تحول مستمر ، وإذا كانت الشخصيات التي تقوم بهذه الأدوار في تغير مستمر ن فإن طبيعة الملفوظ (الجملة ) كفرجة ثابثة لاتتحول ، ذلك أن ديمومة هذه الفرجة واستمراريتها يضمنها التوزيع الثابث للأدوار ، فالفاعل دائما يبقى فاعلا والموضوع دائما يبقى موضوعا ، فحين نقول " أكل محمد التفاحة " فإننا نكون إزاء فرجة متضمنة في جملة ذات مضمون محدد ، هذه الفرجة تتكون من خلال عمل العامل الذات "محمد" والعامل الموضوع " التفاحة " لكن حينما نعمل على تغيير الشخصيات التي تقوم بهذه الفرجة مثلا فنقول :" اشترى أحمد وعلي سيارة " فإن مضمون الملفوظ يتغير بتغير الشخصيات ، لكن الأدوار العاملية الموزعة تبقى ثابثة على الشكل الذي لاحظناه في الجملة الأولى أي على شكل العامل الذات ( أحمد وعلي ) وعامل الموضوع ( السيارة ) وبذلك تبقى الجملة رغم كل التغييرات التي تطرأ على الشخصيات محتوية لطابع الفرجة المتشكل من نفس العوامل .
أما العمل الثاني الذي انطلق منه جريماس فهو المجهود الذي قام به بروب في دراسته للحكاية العجيبة كما( رأينا ) ففي تحديد هذا الأخير للوظائف ولعددها ولطبيعتها الثقافية حاول تجميعها في دوائر للفعل مرتبطة بشخصيات محددة .ومن ثمة فإذا كانت الوظائف يمكن تجميعها في فئات يوحدها مضمون دلالي واحد فإن الشخصيات التي تقوم بهذه الوظائف تخضع هي الأخرى لعملية تكثيف حسب موقعها من الوظائف .
وإذا كانت أسماء الشخصيات (الممثلين ) تتغير من قصة عجيبة إلى أخرى فإن الفعل الذي يقوم به هؤلاء الممثلون يظل ثابثا ، حينها لن يكون هؤلاء الممثلون سوى التعبير عن عامل واحد يحدد انطلاقا من دائرة الفعل التي يعمل فيها .
هذا التحديد سيقود بروب إلى تعريف القصة العجيبة باعتبارها حكاية قائمة على سبعة عوامل .
أما العمل الثالث الذي انطلق منه جريماس فهو ما قام به " إتيان سوريو في كتابه "المائتي ألف وضع درامي " وهو عمل يعتبره جريماس امتدادا لعمل بروب ومكملا له ، لكن أهميته تكمن في كونه أثبث أن نظرية العوامل يمكن تطبيقها على المسرح بسهولة ، وهو جنس أدبي يختلف في كل شيء عن الحكاية العجيبة التي كانت موضوع دراسة بروب .
هذه العوامل يحددها إتيان سوريو على الشكل التالي :
- القوة التيمية الموجهة
- الموضوع المنشود
- المستفيد من الموضوع
- المعيق
- الحكم وهو صاحب الموضوع المنشود أو الخير
- المساعد
‘لا أن جريماس لم يكن على ذلك المستوى من السطحية حتى يتبنى هذه الأعمال كما جاءت عند بروب وإتيان سوريو ، لقد لاحظ أن الأول لم يهتم إلا بالمستوى السطحي في الحكاية الشعبية كما أن الثاني في نموذجه لم يهتم و الآخر بالعلاقات القائمة بين العوامل الستة التي حددها ، وبذلك يبقى نموذجه يعاني من السطحية التي اكتشفها جريماس في تحليلات بروب .
هكذا يلاحظ جريماس "أن تحديد جنس ما انطلاقا من عدد العوامل فحسب والتغاضي عن المضمون معناه موضعة هذا التحديد في مستوى شكلي عام ، وكذلك تقديم العوامل على شكل جرد بسيط دون التساؤل عن علاقاتهم الممكنة معناه التخلي عن التحليل "
من هذا المنطلق يتحدث جريماس عن النموذج العاملي كنسق معتمدا التفريق بين الممثل والعامل فالتمييز بين الممثل والعامل تمييز بين وحدة تركيبية دلالية ( عامل ) ليست معطاة سلفا وإنما يتم الحصول عليها من خلال التحليل العميق لبنية العمل السردي ، ومابين وحدة خطابية ظاهرة على مستوى السطح وغالبا ما تكون متفردة في كلمة واحدة ( محمد _خبز – سيارة ...)
أما العلاقة بين الممثل والعامل فهي علاقة معقدة ، وذلك أن عاملا واحدا يمكن أن يغطيه ممثلون عديدون ، كما أن ممثلا واحدا يمكن أن ينتظم داخل عوامل مختلفة بمعنى أنه يمكن لممثل واحد أن يلعب أدوارا عاملية مختلفة :

العامل




ممثل 1 ممثل 2 ممثل 3



الممثل




العامل 1 العامل2 العامل 3
أما العوامل عند جريماس فتنتظم في أزواج ثلاثة :
المرسل / المرسل إليه
الذات /ااموضوع


المساعد /المعيق
هذاالانتظام ليس اعتباطيا وإنما هو نتاج لتحليل يأخذ بعين لاعتبار الاستثمارات الدلالية المتنوعة ، فهذه الأزواج الثلاثة التي يستخلصها جريماس من الجرد العام للممثلينيقدمها في نموذج يريده شاملا وعاما ، لايقتصر على المجال السردي فحسب ، بل يمكن تطبيقه في مجالات كثيرة من الحياة ويأخذ ها النموذج الشكل التالي
مرسل.......................................موضوع.. ..................................مرسل إليه
مساعد........................................ذات.. .......................................معيق
كما أن هذه الأزواج الثلاثة ليست مركبة تركيبا اعتباطيا ، فكل زوج يتكون من عاملين يربط بينهما محور دلالي معين .وبذلك تصبح لدينا ثلاثة محاور دلالية :
محور الرغبة : الذات /الموضوع
محور الإبلاغ :المرسل / المرسل إليه
محور الصراع :المساعد /المعيق.


…………….
لائحة المراجع
1 ) هنري لوفيفر : "الإديولوجية البنيوية "
2 ) edition seuil R – barthes « poetique du recit
3 ) د صلاح فضل "نظرية البنائية في النقد الأدبي
4 ) د صلح هاشم " البنيوية والحداثة
5 ) V prope « morphologie du conte populaire » edition seuil
6 ) A-j greamas « semantique structural »







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 09:02 AM   رقم المشاركة : 13
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

في النظرية السردية للدكتور عبد الرحيم جيران











صدر مؤخرا كتاب الأستاذ عبد الرحيم جيران "في النظرية السردية،رواية الحي اللاتيني،مقاربة جديدةْْ كتاب يعيد النظر في العديد من الدراسات النقدية التي تناولت الحي اللاتيني رواية لكاتبها سهيل إدريس خاصة و أن هذه الرواية تعتبر تقليدا لتأسيس رؤية جديدة للإنسان والزمن و امتدادا لفكر التنوير الأروبي وهي في الآن ذاته معلم من معالم الرواية العربية الحديثة.


كما خصها بها الروائي الراحل نجيب محفوظ و هو مل افرده الأستاذ عبد الرحيم جيران بالقولًفهي و المقصود رواية الحي اللاتيني تحمل في داخلها بدرة جنينية لما سيصير عنوانا للحداثة في مرحلة متقدمة من الزمن أو ما ستعتبره بعض النصوص دليلا على طليعتها،سواء استضمرت مفهوم الطليعة أم لم تستضمرهليمثل بذلك كتاب في النظرية السردية إعادة اعتبار و احتفاء مناسبا لمقام رواية الحي اللاتيني بعدما اجحفت الدراسات النقدية السابقة في تناولها و اختزالها في إطار صراع ثنائية الشرق و الغرب إن كتاب في النظرية السردية يقدم تصورا جديدا ينطلق في أولياته من ثلاث مرتكزات سنحاول تفصيلها .



حدود المنهج و الرؤية:إن قراءة كتاب الأستاذ عبد الرحيم جيران ليجعلنا أمام منهج ليس فقط خاص بقراءة العمل الروائي الحي اللاتيني وإنما هو منهج لقراءة الكتاب في حد ذاته يطرح مقاربة النظرية و يبسطها اختزالا في خمسة فصول أساس إلا أنها رغم جزئيتها و انفصالها عن مجمل النظرية فإنها ترتبط بإرادة استعمال الموضوع مقاربة النظرية جديدة إن التجديل الذي يطال المكونات الحقلية الصيغة و النواظم الرمزية و الحامل يطال مستويات طرح المقاربة فعلى الرغم من احتفائها بتناقض المفاهيم و تقابلها من قبيل النظام الرمزي /النظام غير الرمزي الحامل المركزي /الحامل الممثلالانفتاح/الانكفاءالوحدة/الكثرةالتفريغ/الإملاءفإن النظرية في كليتها تقدم وحدة نظرية لا يمكن فظها او تجزيؤها فكأننا إذا ما حاولنا قراءة الرواية من مستوى السرد البراغماتي إلى مستوى السرد التأويلي فإنه نفس التظافر الذي يطال قراءتنا للكتاب من الفصل الأول إلى الفصل الخامس مما يجعل الكتاب عبارة عن وحدة متشاكلة و متداخلة و يتبين أن التصور الذي انطلقت من الدراسة لا يخلو من نماء التحقق و جدليته.إن كتاب الأستاذ عبد الرحيم جيران يحفل بتوزيع متنامي يتخد فيه الأستاذ وضع الامتلاء باعتبار وحدة الموضوعالمفاهيمحديثنا عن المفاهيم يتجسد أولا في مناسبتها للدلالة فإدا كان الأستاذ قد أشار أن الحامل في رواية الحي اللاتيني بالتناقض و بمناسبة الكلمة السردية له ووحدة البناء السردي العام فإنه بدوره استخدم مفاهيم اختيارها كان دالا على دلالتها ومن بينها السيرة الذاتية ،"لا نريد أن نعتبر السيرة الذاتية أصلا لأي جنس ادبي ،أو نوعا يندرج ضمنه ،كما هو الحال بالنسبة إلى غولدمان الذي يعدها بمثابة الشتلة التي تفرغت منها الرواية في الغرب و إنما نعدها جنسا خطابيا له خصوصيته المميزةالصيرورة السردية هو ما تنتظم به الدلالة في النص السردي النواة السردية هي نواة مركبة لا تقوم غلى ملفوظ سردي واحد ،بل على ملفوظين،يستدعي أحدهما الآخلر و يشترطه لتصير بدورها مضاعفةالتزمن أي أن ما يلحق أثر الزمن حدا من حدوده الصيرورة السردية عبارة عن نواة سردية مضاعفة حيث تشكل كل نواة سردية تضمنا و تجاوزا لسابقتها و يتشارط علاقة إرادة الذات باستعمال الموضوع الخاص بالنواة الثانية السرد التأويلي لا يحدث قطيعة مع السرد البراغماتي و إنما يحدث تغيير في بنيته ،بنقله من الولادة الفردانية إلى ولادة جماعية ناتج عن سرد تأويلي: قوامه حلول المفاجئ محل المتوقع،يمرر الموضوع السردي من خلال نوعين السرد البراغمتي و التأويلي و لكل منهما مكوناته الحقلية الصيغية الخاصة به ،فالأول له علاقة بتصور الموضوع شكليا ،و الثاني بالمحتوى الذي يتلقاه شكل التصور الفارغ و بالتالي يكون الثاني مستوعبا من قبل الأول الانبثاق الحاملي: انبثاق تصويبي غايته تعديل التصور أو إعادة النظر فيه ،يتأسس التحميل على تنميط الذات المتنامية و معنى ذلك أن تنامي الذات تام وفق الانتقال من وضع إلى اخرأما مفهوم الحامل فيتضمن دلالة مخالفة الذات الواقعية ،كائن متخيل ،هو الممكن،هو الحركة و هو الإسناد المتلاحم مع النص الروائي و بالطبع هو مؤشر الزمان و المكان فهذه الابعاد التي يتضمنها مفهوم الحامل دلالة على توظيفه دون توظيف الشخصية أو الفرد أو البطل أو غيرها من المفاهيم. كما أن الأستاذ يعطي قاموسا جديدا يشمل مفاهيم لها جدة في الوجود كمفهوم الإرثصورة أو إضافة مستوى اخر للتعريف غير التعريف بالخصائص و الوظيفة و العلاقة ألا هو التعريف بالسياق.كما أطر قراءتنا تجاوز الاستاذ لمفهوم التناص في معرض حديثه عن تخلل الأجناس التعبيرية المغايرة لرواية الحي اللاتيني و المماثلة لعملية الإمتلاء الآيلة إليه.



تداخل و تفاعل الحقول المعرفية في طرح النظرية:مما لا شك فيه أن النظرية المقدمة ذات أرضية سميائية إلا أن ذلك لم ينبن على نفي المنهج التكويني و اللساني و البلاغي فقد حظرت اللسانيات في مستوى الحديث عن نحوية النواظم الرمزية و جعل النظام الرمزي منبثقا إما عن نحو محايد،أو نحو مركب أو نحو مشطر .كما أن البلاغة شكلت نواة الحديث عن العلاقة بين الكا بالجزء و بين الفرد و الجماعة و الحديث عن الكلمة السردية في علاقتها بالدلالة عبر ما يصطلح عليه بالمجاز المرسل الذي تم التفصيل في تمطهره في الرواية او عند الحديث عن استعارة الطبيعة باعتبارها توسطا رمزيا ثالثا كاستعارة الصدفة و عود القش و الماء فإدا ما حاولنا إعادة تسمية وضعيتي السارد فإنه يمكن الحديث عن توزيع صدفة بدل الامتلاء و توزيع الماء بدل المقاومة وهذا التعالق إن دل فإنما يدل عن توحد البلآغة بالنظرية المقدمةو إجمالا فإن النظرية السردية يطرح علينا العديد من الأسئلة التي تدشن لمنهج جديد في مقاربة السرد و الذي يستحيل اختزاله في متابعة بسيطة و إنما هو رؤية جديدة للسرد نامل النهل من جدتها و جديتها.
مواضيع ذات صلة
• الديوان الثقافي في الفهود ..أه الثقافة في وجع الهور
• الإبداع والعولمة
• صدمة الاستبداد الثقافي
• زوجة التكرلي : حياة أمْ رشيدة ؟
• محمد عنوز في كتاب من منشورات تموز

--------------------------------------------------------------------------------







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 09:04 AM   رقم المشاركة : 14
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

الدراسات السردية العربية
- واقع وآفاق -

د.عبدالله إبراهيم
(العراق)

1- مدخل
ظهرت )الدراسات السردية( المتخصصة في النقد العربي الحديث خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وشغل بها كثيرمن النقاد العرب بين رافض لها أو آخذ. وهذه الحقيقة التاريخية ينبغي ألا تطمس أمرين أساسيين في هذا الموضوع، أولهما أن عناية النقد بالآداب السردية قديمة في الثقافة العربية، وثانيهما أن الاضطراب لم يزل يعصف بالدراسات السردية التي لم تستقر فرضياتها الأساسية، ولا مفاهيمها، ولا طبيعة العلاقة بينها وبين الأدب الذي تحلله.
من الصحيح أن طريقة النظر إلى النصوص السردية تغيرت جزئيا، لكن ثلاثة عقود من الممارسات النقدية كان ينبغي أن تفضي إلى دراسات متماسكة تقدم رؤى مختلفة للآداب السردية ووظائفها، وتحدث تغييرا في الدرس الجامعي الذي لم يزل يئن تحت وطأة المفاهيم القديمة للنقد. وينبغي القول أيضا إنه لم تقبل نظريات النقد الحديثة بصورة كاملة في الأوساط الثقافية والجامعية، وذلك أمر يتصل بعدم تبني فكرة الحداثة في تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. ثمة دراسات سردية متفرقة، وتحليلات معمقة، لكن انغلاق مجتمعاتنا على نمط تقليدي من الفكر والعلاقات أدى إلى عدم اعتراف بأهمية هذه الجهود المتناثرة، بل هي تتعرض لمزاحمة خطيرة من الفكر التقليدي الرافض لكل ما هو جديد بدواع كثيرة.
انشطرت المواقف حول الدراسات السردية، فمن جهة أولى سعت تلك الدراسات إلى الانتقال بالنقد الأدبي من الانطباعات الشخصية، والتعليقات الخارجية، والأحكام الجاهزة، إلى تحليل الأبنية السردية، والأسلوبية، والدلالية، ثم تركيب النتائج التي تتوصل إليها في ضوء تصنيف دقيق لمكونات النصوص السردية. ومن جهة ثانية حامت الشكوك حول قدرتها على تحقيق وعودها المنهجية والتحليلية؛ لأن كثيرا منها وقع أسير الإبهام، والغموض، والتطبيق الحرفي للمقولات السردية دون الأخذ بالحسبان اختلاف السياقات الثقافية للنصوص الأدبية.
وحينما نروم وصف واقع )الدراسات السردية( في النقد العربي الحديث، فنحن بإزاء اختيارين، فإما أن نتعقب خطيا جهود النقاد المعاصرين بطريقة مدرسية، أو أن نتخطى ذلك ونستفيد من مكاسب تاريخ الأفكار الحديث، حيث تصبح الظاهرة المدروسة موضوعا لتحليل متنوع الأبعاد والمستويات. والاختيار بين هاتين الطريقتين هو اختيار بين رؤيتين وموقفين، فتبني معطيات تاريخ الأفكار الخطي سيدفع بفكرة الوصف دون القيمة، والأخذ بمكاسب تاريخ الأفكار الحديث سيدفع بفكرة التحليل والاستنطاق واستنتاج المعرفة إلى مدياتها القصوى ؛ ذلك أن علاقة النقد بالأدب ليست علاقة حيادية وشفافة، إنما هي علاقة تلازم وتفاعل، فهما يتحاوران ضمن نظام ثقافي موحد من الإرسال والتلقي. ولا أجد جدوى معرفية من الأخذ بالاختيار الأول، اختيار الوصف والمعاينة المجردة، إنما أدعو إلى توظيف الإمكانات المتاحة للاختيار الثاني، فذلك سيجعل من )الدراسات السردية( موضوعا لتحليل متشعب يستكشف واقعها، ومشكلاتها، ورهاناتها، وآفاق تطورها، ضمن سياق الثقافة العربية الحديثة.

2- المرجعيات
حينما نبحث واقع )الدراسات السردية العربية( فليس من الحكمة تخطي المرجعية النقدية الحديثة، فالتطورات التي عرفتها نظرية الأدب في القرن العشرين جهزت )السردية( بكثير من الركائز الأساسية التي أصبحت من أركانها الأساسية. ومعلوم أن مصطلح )السردية Narratology( مرتبط بمصطلح أقدم وأشمل، هو )الشعرية Poetics(. والعلاقة بين )السردية( و)الشعرية( صحيحة في التصور العام لنظرية الأدب، إذ ما لبثت أن انفصلت الأنواع الأدبية بعضها عن بعض، واستقام لكل منها خصائصه الأدبية المميزة، فانبثقت حاجة منهجية ومعرفية لتوسيع مفهوم نظرية الأدب لتتمكن من شمول الأنواع الجديدة. وباستقرار الأشكال الأساسية للسرد في العصر الحديث، أصبح من اللازم أن يُستحدث مفهوم معبر عنها، وإطار نظري لتحليلها، وتصنيفها، وتأويلها، فظهرت )السردية( التي أصبح موضوعها استنباط القواعد الداخلية للأشكال السردية، ثم وصف مكوناتها الأساسية من تراكيب، وأساليب ودلالات.
وإلى )تودوروف( يعود الفضل في اشتقاق مصطلح Narratology الذي نحته في عام 1969 للدلالة على الاتجاه النقدي الجديد المتخصص بالدراسات السردية، بيد أن الباحث الذي استقام على جهوده مبحث )السردية( في تيارها الدلالي هو الروسي )بروب(، وقد بحث في أنظمة التشكل الداخلي للخرافة، واستخلص القواعد الأساسية لبنيتها السردية والدلالية، وما لبث أن أصبح تحليله للخرافة مرجعا ملهما للسرديين، فراحوا يتوسعون فيه، ويتحققون من إمكاناته النظرية والتحليلية، وقد أطلق )روبرت شولز( على هؤلاء )ذرية بروب( وفي طليعتهم: غريماس، وبريمون، وتودروف، وجنيت، وبالتقاطها رأس الخيط من بروب، وسعت ذريته المفهوم بحيث انتهى الأمر به ليشمل كل مكونات الخطاب السردي، فظهرت )السردية الحصرية( التي تطلعت إلى وضع أنظمة تحكم مسار الأفعال السردية، ثم )السردية التوسيعية( وهدفت إلى اقتراح نماذج قياسية كبرى تستوعب جميع الاحتمالات الممكنة للأفعال داخل العالم السردي للنصوص الأدبية، وحاولت الإفادة من المعيار اللغوي الذي أسس له )دوسوسير( في حقل اللسانيات الحديثة. فلكي تتمكن الدراسات السردية من معرفة طبيعة الأفعال السردية ينبغي أن تعتمد معيارا قياسيا لذلك. وانخرط عدد كبير من النقاد في هذين التيارين الكبيرين، الأمر الذي رسخ من مكانة )السردية( وإشاعتها في النقد الحديث. واعترف بـ )السردية( نقديا حينما أصدر )جنيت( كتابه )خطاب السرد( في عام 1972 وفيه جرى تثبيت مفهوم السرد، وتنظيم حدود )السردية(.
لم تبق )السردية( مقترحا نظريا جامدا، إنما ربطت بنظرية )التلقي( وهي نظرية تعنى بتداول النصوص الأدبية، وكيفية تلقيها، وإعادة إنتاج دلالاتها ضمن السياقات الثقافية الحاضنة لها. ونظرية التلقي اكتسبت قيمتها التداولية حينما ربطت بنظرية )الاتصال(، ولهذا سرعان ما أصبحت نظرية التواصل إحدى الخلفيات المنهجية التي أثرت )السردية(، إذ أصبح التراسل بين المرجعيات والنصوص هو الموضوع الأساس للدراسات السردية، فليست المرجعيات وحدها هي التي تصوغ الخصائص النوعية للنصوص، إنما تؤثر تقاليد النصوص في المرجعيات أيضا. ويظل هذا التفاعل مطردا، وسط منظومة اتصالية وتداولية شاملة تسهل أمر التراسل بينهما، بما يحافظ على تمايز الأبنية المتناظرة لكل من المرجعيات والنصوص.

3- المكاسب
هذه الخلفية الثقافية والنظرية التي أوردنا طرفا منها في الفقرة السابقة كانت معلومة ومجهولة لكثير من الذين انخرطوا في الدراسات السردية. كانت معلومة بتفاصيلها وقيمتها لقلة قليلة منهم، ومجهولة للأغلبية، ولا أقصد بذلك حكما ينتقص السرديين العرب، إنما لا بد من تمثل مكاسب نظريات النقد الحديثة قبل الانتقال إلى الممارسة النقدية الفاعلة، وإنتاج معرفة جديدة، فالنقد ممارسة فكرية منظمة ومنتجة ينبغي ألا تترك للأهواء والانطباعات، وكأن العالم لم يشهد تراكما عظيما من المعارف والثقافات.
وقد أسهم نقاد عرب في التعريف بالخلفية النظرية للسردية، وبالإجمال توافرت مادة مترجمة أو مكتوبة بالعربية مباشرة مكنت النقاد من الاطلاع على التطورات الحاصلة في هذا الميدان.
وعلى الرغم من ذلك لم تكن الحصيلة مُرضية بما يوافق الاهتمام الذي بذل في هذا المجال، فكثير من المفاهيم الجديدة أقحمت في غير سياقاتها، وفي حالات كثيرة وقع تعسّف ظاهر في تطبيق نماذج تحليلية اشتقت من نصوص أجنبية بالفرنسية أو الإنجليزية على نصوص عربية من دون الانتباه إلى مخاطر التعميم. واستعيرت طرائق جاهزة عُدّت أنظمة تحليلية ثابتة وكلية لا تتغير بتغير النصوص وسياقاتها الثقافية. ومن الطبيعي أن يرتسم في الأفق تكلّف لا يخفى؛ إذ تنطع للنقد أفراد أرادوا إبراز قدرتهم على عرض مفاهيم السردية، وليس توظيفها في تحليل نقدي جديد. وكل هذا جعل تلك الجهود تحوم حول النصوص، ولا تتجرأ على ملامستها. ويمكن تفسير كثير من تلك العثرات على أنها نتاج الانبهار بالجديد، وادعاء الاقتران به، وتبنّي مقولاته، دون استيعابه، وهضمه، ودون تمثل النظام الفكري الحامل له.
وفي ضوء علاقة بعض النقاد العرب الشائكة بالسردية، انصرف الاهتمام إلى المفاهيم والنماذج التحليلية، وندر أن جرى اهتمام معمق باستكشاف مستويات النصوص الأدبية، فالأكثر وضوحا كان استخدام النصوص لإثبات صدق فرضيات السردية، وليس توظيف معطياتها لاستكشاف خصائص تلك النصوص، إذ قلبت الأدوار، وأصبحت النصوص دليلا على أهمية النظرية وشمولها، وانتهى الأمر إلى أن أصبحت المقولات السردية شبه مقدّسة لدى عدد كبير من ممارسي النقد. وكل نص لا يستجيب للإطار النظري الافتراضي يعد ناقصا وغيرمكتمل، ولا يرقى إلى مستوى التحليل، وينبغي إهماله، أونفيه من قارة السرد، ولهذا شُغل بعض النقاد بتركيب نموذج تحليلي من خلال عرض النماذج التحليلية التي أفرزتها آداب أخرى، فجاءت النصوص العربية على خلفية بعيدة لتضفي شرعية على إمكانات النموذج التحليلي المستعار وكفاءته، وبدل أن تستخدم المقولات دليلا للتعرف إلى النص، جرى العكس، إذ جيء بالنصوص لتثبت مصداقية الإطار النظري للسردية.
إن علاقة مقلوبة بين السردية والنصوص الأدبية ستفضي لا محالة إلى قلب كل الأهداف التي تتوخاها العملية النقدية، فليس النقد ممارسة يقصد بها تلفيق نموذج تحليلي من نماذج أنتجتها سياقات ثقافية أخرى، إنما اشتقاق نموذج من سياق ثقافي بعينه دون إهمال العناصر المشتركة بين الآداب الإنسانية الأخرى، ثم الاستعانة به أداة للتحليل، والاستكشاف، والتأويل، وليس تمزيق النصوص لتأكيد كفاءة ذلك النموذج الافتراضي. تلك العلاقة المقلوبة بين السردية والنصوص قادت إلى هوس في التصنيف الذي لا ينتج معرفة نقدية، ولا يتمكن من إضاءة النصوص، ناهيك عن التصميم المسبق لفرض النموذج على نصوص لا يفترض فيها أن تستجيب له إلا بعد تخريبها.
وكان لهذا الأمر أثره في الدراسات السردية، إذ توهم كثيرون أنها تقتصر على تطبيق نماذج جاهزة، أو التعريف بالمصطلحات، أو عرض النتائج التي توصل إليها السرديون في الثقافات الأخرى، وكل ذلك يتصل بحالة ما قبل ممارسة النقد، أي بالمرحلة التي يبدأ فيها الناقد في تكوين فكرة عن هذا الموضوع. وتبدأ العملية النقدية بعد هضم هذه الإجراءات الشكلية الضرورية، والتعرف إليها، وهي ليس من النقد في شيء، ولا يلزم ظهورها في التحليل النقدي. ولو نظرنا إلى تركة الدراسات النقدية خلال العقود الثلاثة الأخيرة لوجدنا أن أغلبها شغل بهذه المقدمات الإجرائية التي لا صلة لها بالنقد، إنما يمكن أن تكون موضوعات ضمن تدريس النقد في الجامعات والمعاهد المتخصصة للتعريف باتجاهات النقد ومدارسه، وطرائق التحليل فيه.
ولم يجر اتفاق بين النقاد العرب على نموذج تحليلي سردي شامل يمكن توظيفه في دراسة النصوص السردية العربية القديمة، ولا اتفق على نموذج يصلح لتحليل النصوص الحديثة، فوقع تضارب في توظيف نماذج مستعارة من سرديات أخرى، ولهذا لم ينتظم أفق مشترك لنظرية سردية عربية تمكن النقاد العرب من تحليل أدبهم، إذ اختلفوا في كل ما له صلة بذلك، فأخفقوا في الاتفاق على اقتراح نموذج عام يستوعب عملية التحليل السردي للنصوص، أو حتى نماذج جزئية تصلح لتحليل مكونات البنية السردية، مثل أساليب السرد ووسائله، وبناء الشخصيات، والأحداث، والخلفيات الزمانية والمكانية.
إلى ذلك وقع اختلاف في استيعاب المفاهيم السردية الجديدة، واضطرب أمر ترجمتها إلى ا لعربية، وهذه الفوضى الاصطلاحية خلقت فوضى منقطعة النظير لدى القراء، وينبغي التأكيد أن ذلك كان جزءا من الفوضى الاصطلاحية الأدبية الحديثة التي لم يستقر أمرها في الثقافة العربية إلا بصورة جزئية، فقد اختلف في ترجمة مصطلح Linguistics( وعُرّب بمقابلات، كالألسنية، واللسانيات، وعلم اللغة العام، واللغويات، وغير ذلك، وعرب مصطلح (Structuralism) بـ )الهيكلية( أو )البنيوية( وترجم (Poetics) بـ )الإنشائية( أو )الشعرية( أو )فن الشعر( وترجم مصطلح (deconstruction) بـ )التشريحية( أو )التقويضية( أو )التهديمية(، أو )التفكيكية( أو )التفكيك(، وكذلك بالنسبة إلى (discourse) الذي ترجم بـ )الإنشاء( ثم )الخطاب( وأخيرا، إذا ما اقتربنا إلى موضوع الدراسات السردية، فإن مصطلح (Narratology) لم يتفق بشأن ترجمته، إذ ترجم إلى )علم السرد( أو )علم القص( أو )علم الحكاية( أو )نظرية القصة( أو )السرديات(، وهناك من فضل استخدام )السردلوجيا(، وإن كان الأمر انتهى بأن تكون )السردية( هي الأكثر شيوعا بين كل ذلك.
هذا فيما يخص المفاهيم والاتجاهات النقدية الكبرى، فما بالك بالمقولات التي تندرج ضمن هذا المفهوم أو ذاك، أو ضمن هذا التيار أو ذاك!. وما دامت المفاهيم الكبرى، والمقولات التحليلية، لم يتفق بشأنها معنى وترجمة، فمن الطبيعي أن تتضارب التصورات النقدية القائمة حولها. ومع أن العقد الأخير شهد نوعا من الاستقرار في استخدام بعض المفاهيم، لكن الحقبة الأولى من الدراسات السردية شهدت اضطرابا منقطع النظير أدى إلى بلبلة الحركة النقدية العربية، إذ شغل كثيرون بالمفاهيم، والإجراءات التحليلية، ولم تنصرف إلا أقل الجهود للتحليل النقدي الحقيقي. ولم تظهر موسوعة شاملة للمصطلحات السردية، فلجأ كثير من الباحثين والمترجمين إلى إعداد مسارد بالمصطلحات تظهر ذيولا لكتبهم، ولا نجد فيها أي اتفاق، فالتضارب هو السنة الشائعة في كل ذلك.
وعلى الرغم من ذلك أنجزت السردية مهمة جليلة، إذ خلخلت ركائز النقد التقليدي، ودفعت برؤية جديدة لعلاقة النقد بالأدب، وأزاحت الانطباعات الذاتية إلى الوراء، وزجت بمفاهيم جديدة إلى الممارسة النقدية، وفي بعض الأحيان قدمت أمثلة تحليلية جيدة. وحالة الاضطراب التي رافقت دخولها إلى النقد العربي الحديث أمر متوقع في ثقافة تموج بالمتناقضات، ولم تفلح بعد في تطوير حوار عميق بين مواردها المتعددة، وينبغي أن نتعامل مع كل ذلك على أنه مقدمات لقبول الأفكار الجديدة، وتكييفها، وإعادة إنتاجها بما يفيد الأدب العربي. ولقد شهدت حقبة الثمانينيات من القرن الماضي هزة في التصورات النقدية، ولم تزل تتفاعل توابع تلك الهزة، لكن ردة فعل المناهج التقليدية كانت عنيفة أيضا، وبمرور الوقت خفت التنازع بين الطرفين، ولكن الأفكار الجديدة لم تقبل كما ينبغي، فما زالت صورة النقد السردي متقلبة، ولم تستقر بعد على أرضية متماسكة من الفرضيات والمفاهيم.

4- الآفاق
ظهرت )السردية( بوصفها المبحث النقدي الدقيق الذي يهدف إلى تحليل النصوص السردية في أنواعها وأشكالها المختلفة، فالسردية وليدة الدقة التحليلية للنصوص، وثمارها متصلة بمدى تفهم أهمية تلك الدقة، وإدراك ضرورتها في البحث الأدبي، وتقدير الحاجة إليها، وهي ليست جهازا نظريا ينبغي فرضه على النصوص، إنما هي وسيلة للاستكشاف المرتهن بالقدرات التحليلية للناقد، فالتحليل الذي يفضي إليه التصنيف والوصف، متصل برؤية الناقد، وأدواته، وإمكاناته في استخلاص القيم الفنية والدلالية الكامنة في النصوص. وبما أن الدقة لا تتعارض مع كلية التحليل وشموليته، فالحاجة تقتضي من السردية الانفتاح على العلوم الإنسانية والتفاعل معها بما يكون مفيدا في مجال التأويل وإنتاج الدلالات النصية، ويمكن استثمارها في تصنيف المرجعيات، ثم كشف قدر ة النصوص على تمثيلها سرديا. إلى ذلك يمكن أن توظف في المقارنات العامة، ودراسة الخلفيات الثقافية كمحاضن للنصوص، ومن المؤكد أن ذلك يسهم في إضفاء العمق والشمولية على التحليل النقدي، بما يفيد السردية التي يظل رهانها متصلا برهان المعرفة الجديدة.
لا يشجع واقع الدراسات السردية العربية كثيرا على استخلاص مسارها المستقبلي؛ ذلك أن الدرس النقدي في الأدب العربي الحديث لم يستقر على أسس منهجية متينة تضفي على التطورات اللاحقة شرعية ثقافية، فقد تداخلت معا المناهج الخارجية والداخلية، ففي آن واحد نجد المناهج التاريخية، والاجتماعية، والانطباعية، والنفسية، مختلطة بالمناهج الشكلية، والبنيوية، والتفكيكية، ونظرية التلقي، وإلى جانب ذلك نجد كتابة تختلط فيها الشروحات، والتعليقات، والانطباعات، والمقارنات، والخلاصات، والأحكام، وكل هذا مربك للعملية النقدية.
وفي وقت تحاورت فيه المناهج النقدية طويلا في الثقافة الغربية، وفي سواها، واستفادت اللاحقة من السابقة، واستثمرت كشوفاتها، وأدرجتها فيها، وجددتها، حدث العكس في نقدنا الحديث، فصورة النقد ملتبسة لدينا، فإذا أخذنا الممارسة النقدية في الدرس الجامعي، وجدنا أن كثيرا من الجامعات لم يزل يدرس النقد على أنه جزء من تاريخ الأدب، ويعتمد الشروحات والأحكام، ولم يقترب بعد من المفهوم النظري للنقد الحديث القائم على الاستنطاق والتحليل والتأويل، وتوفير الظروف المنهجية المناسبة لقراءة النصوص قراءة نقدية فعالة تفكك مكونات النص، وتنتج منه معرفة أدبية جديدة تساعد القارئ على تلقيه بطريقة أفضل، ولعلنا نعثر على هذه الظاهرة في كثير من الجامعات التي تتغذى على فكرة التعليم التقليدي، حيث لا تتوافر مقومات التفكير الحديث، فيما نجد حامعات لم تتبن فكرة الحداثة النقدية فحسب إنما استعارت السياق الثقافي الحاضن لها، فغرقت في المشكلات النظرية للنقد، وتمحّلت في تبني مناهج نقدية بمعزل عن حركة الأدب نفسه، ونجد في جامعات أخرى أن التعلق بفكرة الأصالة، وإضفاء المعطى الديني على الدرس الأدبي، قد حال دون الإفادة من الأفكار الحديثة التي أفرزتها الحركة النقدية خلال القرن العشرين.
هذه الخلفية الملتبسة لحال النقد لا تفسر الارتباك الحاصل في الدراسات السردية العربية فحسب، إنما تكشف لنا أنها تمربأزمة جدية، فقد انزلقت المجتمعات العربية إلى منطقة ثقافية مشوشة، وانتهى التعليم الجامعي إلى تبني فكرة التلقين، واعتمد مبدأ التلخيص، والاختزال، وليس التمثل، والحوار، والمشاركة، وإنتاج معرفة نقدية جديدة، ولعل ظهور الدراسات السردية في حقبة التحول هذه حال دون تقدير أهميتها، وتطويرها كمبحث نقدي جديد، وعليه فمن الصعب الحديث عن آفاق محددة للسردية العربية، إنما يمكن الحديث عن جهود فردية لم يقع هضمها وقبولها بصورة كاملة، وأحيانا يقع رفضها واستبعادها.
إلى ذلك لا نكاد نعثر على قواسم مشتركة في الدراسات السردية، بسبب الفوضى في المناهج، والمفاهيم، والتصورات، والخلفيات الفكرية التي يصدر النقاد عنها.
وبالإجمال فواقع الدراسات السردية العربية متصل بواقع الدراسات النقدية في الأدب العربي الحديث، وهذا الواقع مرتبط بحال ثقافة تتنازعها أفكار ومواقف متناقضة بعضها يرتمي في أحضان الفكر التقليدي، وبعضها يستعير من الآخر كل شيء، ولم يقع جدل عميق لننتهي إلى بديل مناسب يتفق بشأنه بشكل عام، ومن الطبيعي أن تظهر تجليات ذلك في النقد، ومنه الدراسات السردية.



الدكتور عبدالله إبراهيم
www.abdullah-ibrahen.com
ناقد وأستاذ جامعي من العراق، حاصل على جائزة شومان للعلوم الإنسانية عام 1997، متخصص في الدراسات السردية والثقافية. باحث مشارك في موسوعة Cambridge history of Arabic Iiterature، شارك في عشرات المؤتمرات والملتقيات النقدية والفكرية. عمل أستاذا في الجامعات العراقية، والليبية، والقطرية.

من مؤلفاته:
1- المطابقة والاختلاف، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004 .
2- موسوعة السرد العربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005 .
3- المركزية الغربية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997 والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003 .
4- المركزية الغربية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997 والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003 .
4- المركزية الإسلامية: صورة الآخر في المخيال الإسلامي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2001 .
5- الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1999 .
6- التلقي والسياقات الثقافية، بيروت، دار الكتاب الجديد، 2000 وط 2 دار اليمامة، الرياض، 2001، وط 3 منشورات الاختلاف، الجزائر.
7- السردية العربية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2000 .
8- السردية العربية الحديثة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2003 .
9- المتخيل السردي، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1990 .
01- معرفة الآخر، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1990، ط 2، 1996 .
11- التفكيك: الأصول والمقولات، الدار البيضاء، 1990 .
12- تحليل النصوص الأدبية، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 1999 .
13- النثر العربي القديم، الدوحة، المجلس الوطني للثقافة، 2002 .
14- الرواية والتاريخ، الدوحة، المجلس الوطني للثقافة، 2006 .
.







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2008, 09:29 AM   رقم المشاركة : 15
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

الفهرس » سلسلة كتب الأمة » 67 - القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر »


المنهج الوصفي

منهج تناول البحث: ‏

أما المنهج الذي سأستخدمه في تناول الموضوع والتعامل مع إشكاليته: فهو المنهج الوصفي التحليلي الناقد، الذي يعتمد التحليل والتفسير المنطقي القائم على الاستقراء والاستنتاج. وهكذا يقتضي مني الموضوع أن أقوم بوصف للقيم التربوية في المجتمع المعاصر، وتحليل لأسسها وأصولها الفلسفية التي منها تنطلق وعليها تعتمد، واستشفاف آفاقها، والمدى الذي في وسعها أن تبلغه في تحريك الإنسان، والجوانب التي تستطيع تحريكها. ‏

ثم أقوم كذلك بتناول القيم التربوية في الإسلام، سالكًا نفس الخطوات التي سلكتها مع القيم التربوية في المجتمع المعاصر، أي رسم الأسس الفلسفية والنفسية التي ترسو عليها تلك القيم، مع بيان وتحليل الطريقة التي تحدث بها وظائفها وتؤتي ثمارها، وطبيعة التفاعلات التي تجري بين عناصرها. ‏
وما دام الأمر يتعلق بالمقارنة بين نسقين للقيم ينتميان إلى حضارتين مختلفتين في كل شيء، فسيكون من مقتضيات المنهج الذي سأطبقه أن أفحص وأحلل عينات القيم التي سأعالجها، كلا في سياق البنية الكلية التي تنتمي إليها، متحاشيًا بذلك عمليات التعسف التي تصيب عنصرًا من العناصر الفكرية عند فصله عن بنيته، وتقييمه وكأنه قائم بذاته لا جذور له ولا علاقة تربطه بعناصر البنية التي تشكل إطاره الحيوي، فلا يخفى على الدارسين مدى الخسارة التي أصابت البحث العلمي من جراء عمليات البتر هذه، فقد عملت في اتجاه معاكس لمطامح البحث العلمي في تحقيق القدراللائق من الموضوعية، بما يؤدي إلى كشف الحقيقة بمختلف مكوناتها وعناصرها. ‏

تحديد مفاهيم البحث

‏1- تعريف الهدف وعلاقته بالقيم التربوية: ‏

الهدف لغة هو الـمُشرف من الأرض وإليه يلجأ، والغرض توجه إليه السهام ونحوها.. كل شيء عظيم مرتفع (..) وتلتقي هذه الشروح في مفهوم الغرض والارتفاع والانتصاب، أي البروز والظهور.. أما اصطلاحًا فقد حدد بأنه: (ما انعقد العزم على إحداثه في المتعلم، من تحول في مستوى المعارف والمهارات والمواقف، بشرط أن يقع التثبت من حصول ذلك التحول إثر فترة من التكوين تحدد مسبقًا) (1). ‏

وقد حصر رجال التربية الأهداف في أنواع محددة، تتناسب مع ما تتركب منه الشخصية الإنسانية من أبعاد من قبيل البعد العقلي والوجداني والسلوكي والأخلاقي، بحيث تتجاوب تلك الأهداف مع تلك الأبعاد، وتشكلها في قالب أو آخر.. وهكذا يمكن الحديث عن أهداف روحية، وأهداف عقلية، ووجدانية، واجتماعية، وأخلاقية. إلا أن هذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق أو تأخذ محتواها إلا من خلال نظام من القيم، تتصل كل فئة منه بجانب من جوانب الشخصية الإنسانية لتشكلها -كما سبق القول- وفق نموذج معين.. وتلك القيم تعود بدورها في نهاية المطاف إلى إطار مرجعي شامل تستمد منه أسسها ومقوماتها.. وذلك الإطار المرجعي، هو ما يعبر عنه بالفلسفة التربوية، التي تعكس رؤية خاصة للكون والإنسان والحياة. ‏

وحتى تكون العلاقة واضحة بين الأهداف والقيم التربوية، نضرب مثلاً يحدد العلاقة بين العنصرين المذكورين في الإسلام.. إن الأهداف في الإسلام تتنوع (حسب الأبعاد المختلفة التي يتكون منها الإنسان والمجتمع. وتتحدد هذه الأبعاد الإنسانية حسب نظرة الإسلام لها، فالإسلام ينظر إلى البعد العقلي وكيفية تنميته بالفكر والعقيدة، وإلى البعد الروحي وكيفية تنميته بالإيمان والعبادة والدعاء، وبالإخلاص في كل جهد بشري وإنساني يقوم به الإنسان في حياته، وإلى البعد النفسي وكيفية تحرير النفس من الهوى الإنساني الجانح إلى السوء، وكيفية ضبط الشهوات والنوازع السيئة فيها حتى تستقيم هذه النفس وتصفو بإيمانها بالله وباطمئنانها إلى خالقها ومسيِّر أمرها. وتنمية النفس بهذه الوسائل، فيه تمهيد لبناء الخلق في الإنسان وإرسائه على أساس من الخيرية والإيثار وحب الناس والإخلاص لهم والتعاون معهم) (2). ‏

إن العلاقة بين الأهداف والقيم التربوية علاقة وطيدة، بحيث إن الأهداف تستمد مضامينها من معين القيم التربوية التي تكون بهذه المثابة عبارة عن اللُّحمة والسدى بالنسبة للأهداف التربوية. ‏

‏ 2_ تعريف القيمة: ‏

قبل القيام بتعريف هذا المصطلح أشير إلى أن الدراسة العلمية لمفهوم القيمة تجري ضمن خطين متوازيين هما: ‏

‏1_ المنظور الفلسفي التجريدي، الذي يجعل نصب عينيه ضبط وتحديد الخصائص البنائية للقيم، أي معناها العام وخصائصها التجريدية(3). ‏

‏2_ المنظور الإجرائي، ويهدف إلى تحديد الخصائص الوظيفية للقيم، أي وظائفها وكيفية قياسها (4). يعرف "نديم علاء الدين" القيمة بأنها: (حكم يصدره الإنسان على الأشياء، وينبع منه الاعتراض والاحتجاج على الوجود كما هو قائم ومفروض، ومن سعي الإنسان لتحويل هذا الوجود وفق ما ينبغي أن يكون، ولذلك فإن القيمة مفهوم له امتداد يطول مختلف مجالات نشاط الإنسان، ويتعدد تبعًا لفاعليته. والقيمة نظراً لهذا التعدد، تصبح إمكانًا، بسبب تنوع القيم وتنوع الفعل الإنساني) (5). ‏

ويعرف "كر لنجر" القيمة بأنها: تنظيم الاعتقادات والاختيارات بالاستناد إلى مراجع تجريدية أو مبادئ، وإلى عادات سلوكية أو أنماط، وإلى غايات الحياة.. تعبر القيم عن أحكام أخلاقية، عن أوامر، عن تفضيل عادات وأنماط للسلوك. إننا نعتبر من قبيل القيم كل ما يهمنا بشكل أساس تحقيقه، وكل ما يهب معنى لحياتنا(6). ‏

وواضح الطابع الذاتي الذي يهيمن على هذا التعريف وافتقاده للمعايير الموضوعية، فالحياة هنا مفهوم فضفاض. ‏

ويعرف "بارسونز" القيمة بأنها: (عنصر في نسق رمزي مشترك يعتبر معيارًا أو مستوى للاختيار بين بدائل التوجيه التي توجد في الموقف. فكأن القيم هنا تمثل معايير عامة وأساسية يشارك فيها أعضاء المجتمع وتسهم في تحقيق التكامل وتنظيم أنشطة الأعضاء) (7). ‏

ويعرف "روكتش" القيمة بقوله: (هي معتقد واحد ذو خط في الدوام يحمل في فحواه تفضيلاً شخصياً أواجتماعيًا لغاية معينة من غايات الوجود، أو لضرب معين من ضروب السلوك الموصلة إلى هذه الغاية) (8). ‏

إننا إذا أمعنا النظـر في التعاريف الأربعة التي أمامنا، وجدنا عناصر مشتركة تتردد فيها، فالقيمة في التعريفين الأول والثاني تعبر عن نفسها في مختلف مجالات النشاط الإنساني، كما أنها من خلال التعاريف الأربعة عبارة عن مقياس أو معيار يمكن من الاختيار بين البدائل أو الغايات المتصلة بالوجود وبين ضروب السلوك المختلفة الموصلة إلى الغاية. وعنصر آخر مهم ورد في أحد هذه التعاريف للقيمة، وهي أنها (تسهم في تحقيق التكامل وتنظيم أنشطة الأعضاء) . ‏

ويرتبط بهذا العنصر كون القيمة تستند إلى مراجع تجريدية أو مبادئ، بمعنى أنها نسق ينطلق من رؤية فلسفية. ومن هنا فالقيمة انطلاقًا من هذه الموضوعات، تختلف من حيث طبيعتها وعمقها وإمكانياتها في التأثير لدى التحول إلى أنماط سلوكية في دنيا الواقع، وهذا ما سوف نتبين مدى مصداقيته من خلال الدراسة التي نحن بصددها، والتي تستهدف المقارنة بين نسقين من القيم التربوية: الإسلامي والمادي. ‏

ولعل من المفيد أن نقول هنا: بأن هذه الخاصية الآنفة الذكر، أي خاصية الانطلاق من مراجع تجريدية، هي الحد الفاصل بين القيم والعادات، أي أن القيم تتفق (مع العادات والاتجاهات في كونها دوافع وطاقات للسلوك، تتأثر بالسياق الثقافي للمجتمع. على أن مصطلح العادة يشير في مفهومه السيكولوجي إلى حركة نمطية بسيطة تجلب اللذة لمن يقوم بها، أي إنها مجرد سلوك متكرر لفرد معين بطريقة تلقائية في مواقف محددة، في حين أن القيمة تتضمن تنظيمات أكثر تعقيدًا من السلوك المتكرر وأكثر تجريدًا، كما أنها تنطوي على أحكام معيارية للتمييز بين الصواب والخطأ والخير والشر، وهذا كله لا يمكن توافره في العادة) (9). ‏

ولا يفوتني المقام لذكر أن الفرق في الإسلام بين العبادة والعادة هو من قبيل هذا الفرق المذكور، على اعتبار أن العبادة تعتبر قيمة تجريدية بفضل النية التي تشترط فيها، وبدونها تصبح مجرد عادة ليس إلا. ‏

تعريف التربية: ‏

تفيد كلمة التربية لغة: التنمية، يقال تارة ربّاه أي نماه، ربى فلانًا أي غذاه ونشّأه. ربى بمعنى نمى قواه الجسمية والخلقية، وتربى تنشأ وتغذى وتثقف(10). وقد عرف "د. جميل صليبا" التربية بقوله: (التربية هي تبليغ الشيء إلى كماله، أو هي كما يقول المحدثون، تنمية الوظائف النفسية بالتمرين حتى تبلغ كمالها شيئًا فشيئًا، تقول: ربيت الولد إذا قويت ملكاته ونميت قدراته وهذبت سلوكه، كي يصبح صالحًا للحياة في بيئة معينة.. وتقول: تربى الرجل إذا أحكمته التجارب ونشأ نفسه بنفسه) (11). ‏

ويعرف "الدكتور محمد لبيب النجيحي" التربية بأنها: (عملية إعداد المواطن الذي يستطيع التكيف مع المجتمع الذي ينشأ فيه، ولذلك فهي تعمل على تشكيل الشخصية الإنسانية في أدوار المطاوعة الأولى تشكيلاً يقوم على أساس ما يسود المجتمع من تنظيمات سياسية واجتماعية واقتصادية، ولهذا كان لا بد للإطار الثقافي الذي يقوم عليه المجتمع من أن يحدد أبعاد العمـــلية التربوية، واتجاهاتها، بحيث لا تخرج عن هذا الإطار إلا تطويرًا له وتقدمًا به في عملية زيادة آخذة بيد المجتمع نحو مستقبل أفضل. ‏

وعلى هذا الأساس تحتل القيم مركزًا أساسيًا في توجيه العملية التربوية.. وفي هذا المجال لا تعمل التربية على المحافظة على التراث الثقافي ونقله من جيل إلى جيـــل بما في ذلك القيم الأخلاقية وحسب، وإنما تعمل على تطوير هذا الواقع الثقافي مقتربة بذلك بقدر ما تستطيع مما وضعته أمامها من تصور لما ينبغي أن يكون) (12). ‏

ويتحدث "عبد الرحمن الباني" عن صناعة التربية أو فن التربية الذي يهدف (إلى غرض سام، وهو أن نبلغ بالإنسان حد الكمال المناسب له) (13). ويميز بين العلم والفن في هذا الصدد فيقول: (العلم يتعلق بكشف الحقيقة، والفن بمعناه الخاص يهدف إلى إيجاد شيء ذي قيمة، قيمة جمالية، قيمة أخلاقية، وبصورة أعم قيمة إنسانية تتجاوز المطالب الماديات النفعية) (...) (لتحقق) ما يسميه علماؤنا -منهم الشاطبي (ت790هـ) في كتابه "الموافقات" - بـ (التحسينات)، ونسميه نحن الآن (الكماليات) .. (فالتربية بهذا المعنى إنما هي فن) (14). ‏

وقد عرفت "الرابطة الدولية للتربية الجديدة" التربية، (بأنها تقوم على أساس تنمية القدرات الكاملة لكل شخص أكثر ما يمكن، وفي نفس الوقت كفرد وعضو في مجتمع أساسه التضامن، ولا يمكن فصل التربية عن تغير المجتمع لأنها تشكل قوة واحدة منه، ويجب إعادة النظر في أهداف التربية وطرائقها كلما تنامت معارفنا عن الطفل والإنسان والمجتمع) (15). ‏

أما "د. عبد الحميد الهاشمي" و"د. فاروق عبد السلام"، فقد عرفا التربية بأنها: (تنمية الإنسان في أبعاده الستة: الروحي، والبيولوجي، والعقلي والمعرفي، والانفعالي العاطفي، والسلوكي والأخلاقي، والاجتماعي، في إطار بعد مركزي هو الإيمان بالله وبوحدانيته، للوصول بالإنسان نحو الكمال، ضمن مجتمع متضامن قائم على قيم ثابتة) (16). ‏

وإذا تأملنا هذه المجموعة من التعاريف، وجدنا أنها تتضمن العناصر والمعاني التالية: ‏

‏ 1/ التربية عملية تنموية تنصب على شخصية الإنسان لتبلغ به إلى كماله المناسب له. ‏

‏2/ إن الذي يمارس هذه العملية هو المجتمع من خلال ما يتوفر عليه من مؤسسات وقنوات متعددة. ‏

‏ 3/ إن هذه العملية تقوم على أساس التنظيمات الموجودة في المجتمع، والتي تعبر عن الإطار الثقافي العام. ‏

‏ 4/ لا يمكن للعملية التربوية أن تخرج عن هذا الإطار الذي توجهه قيم المجتمع المختلفة. ‏

غير أن هذا الطابع العام والقاسم المشترك، يستثنى منه التعريف الأخير: (تعريف ندوة خبراء أسس التربية) لأنه يحتوي على عنصر أساس وجوهري يتمثل في كون التنمية التي تنصب على الإنسان في كامل أبعاده، تجري في إطار بعد مركزي هو الإيمان بالله وبوحدانيته، وعلى أساس قيم ثابتة، الأمر الذي تخلو منه التعاريف الأخرى، وبالخصوص تعريف الرابطة الدولية للتربية الجديدة، التي تؤكد بشكل صريح على إعادة النظر في أهداف التربية وطرائقها تبعًا لما يستجد من معارف ومكتشفات عن الطفل والإنسان والمجتمع، أي إن العملية التربوية بموجب هذا التعريف محكوم عليها بعدم الاستقرار، إذ هي تتأرجح بين وجهات النظر المختلفة التي تظهر بين الحين والآخر، بناء على معطيات جديدة حول العناصر الثلاثة المذكورة. ‏

إذا كان هذا التعريف، يحكم على الأهداف التربوية بأن تعيش في دوامة من التقلبات التي لا تقف عند حد، فإن تعريف ندوة خبراء أسس التربية الإسلامية ينص على أن أهداف التربية ثابتة منذ البداية، لا يداخلها الشك. وانطلاقًا من هذه الأهداف التي تستند إلى بعد مركزي هو الإيمان بالله ووحدانيته، والنظام القيمي الشامل الذي ينسج حوله، يتم تحديد الوسائل المؤدية إلى تحقيق تلك الأهداف، وهي -أي الوسائل والأساليب- موجودة في القرآن والسنة النبوية الشريفة والسيرة الطاهرة، وما على علماء التربية إلا استخراجها وتبويبها، واستخدامها بالشكل الملائم والسليم. ‏

وواضح أن الفرق الكائن بين هذا التعريف وتعريف الرابطة الدولية، هو فرق بين مفهوم إسلامي يقوم على الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، ويصطبغ بصبغته ويتصف بخصائصه المتميزة، كالوحدانية والإيجابية والتوازن والثبات، وبين مفهوم بشري ينطلق من الجهل بحقيقة الإنسان، ويفتقر بالتالي إلى تلك الخصائص -وهذا أمر طبيعي- إذ هو ينبني على علم محدود بظروف الزمان والمكان، وهي ذات تقلب مستمر.. وسوف نجد تعبيرًا واضحًا عن هذا الفرق الواسع من خلال التحليل والمقارنة لأسس ومقومات النسق القيمي في الإسلام والنسق القيمي في المجتمع المعاصر (النسق المادي) . وسوف يكون اعتمادي في هذا البحث إذن -إن شاء الله- على هذين التعريفين، فعلى ضوئهما سأجري التحليل والمقارنة. ‏

مفهوم المجتمع المعاصر: تحديد إجرائي للمفهوم: ‏

إن مفهوم المجتمع المعاصر مفهوم واسع، يشمل العالم الراهن كله، بجميع تياراته ومذاهبه وفلسفاته، بدون استثناء. ومن هنا فإن الانسياق الحرفي وراء شمول اللفظ بأكمله يفرض استقراء كل أنواع وأنساق القيم، التي تتعايش أو تتصارع في هذا الخضم الهائل المتلاطم الأمواج الذي نسميه المجتمع المعاصر. ‏

فكلمة المجتمع المعاصر وإن كانت في ظاهرها قد توحي بالتجانس في هذا المجتمع، فإن الواقع لا يصدق هذا الإيحاء. إلا أننا عندما نستعمل هذا المفهوم، غالباً ما تنصرف أذهاننا إلى السمة الغالبة على العصر -حتى الآن- وهي السمة المادية التي تتجلى في طغيان النزعة المادية على النفوس والمجتمع ومظاهر الحياة والحضارة، إلى درجة أنه حتى الأمم والشعوب ذات الماضي الحضاري العريق القائم على الدين (كالأمة الإسلامية) قد هيمنت عليها هذه النزعة، وما يبدو فيها من تجليات الروح الدينية فهو لا يعبر عن عمق الدين ومقتضياته في حياة الناس وممارساتهم. فاختياري لهذا المفهوم (المجتمع المعاصر) قائم على الحضور الفكري والسلوكي للمذاهب في حياة الناس. ‏







 مجد الغد غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ماهو, المنهج, الصريح, سؤا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 08:23 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
تصميم موقع