علم إدارة الأزمات في القرآن الكريم
بقلم الدكتور : صلاح أحمد حسن
وضع القرآن الكريم الأسس العلمية والعملية لعلم إدارة الأزمات، وضرب لذلك مثلا في
سورة يوسف 'عليه السلام'، برؤيا الملك، والتي مثلت انذارا بقرب حدوث مجاعة في
المنطقة، وقدر الله لنبيه يوسف 'عليه السلام' وضع الخطة العلمية للخروج من هذه
الأزمة، يقول تعالي في قرآنه المجيد: 'قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في
سنبله الا قليلا مما تأكلون' يوسف:
47، والمتأمل لهذه الآية الكريمة يلاحظ انها قد اشتملت عدة عناصر لادارة الأزمة،
هي، (1) الاهتمام بالزراعة (2) زيادة الانتاجية: وذلك عن طريق: انتهاج سياسة
الدورات الزراعية الموحدة والمتصلة زيادة ساعات العمل العمل الدؤوب (3) تقليل
الفاقد (سلامة التخزين) (4) ترشيد الاستهلاك (5) ترشيد الفائض . أولا: الاهتمام
بالزراعة: امر يوسف (عليه السلام) المصريين بالزراعة (قال تزرعون)، وذلك لتوافر
كافة العوامل المناخية والبيئية والبشرية في مصر، لقيام زراعة ناجحة، تغل محصولا
وفيرا، مثل : اعتدال المناخ طوال العام (مناخ البحر الأبيض المتوسط).
استقرار الجو وغياب التقلبات الجوية المفاجئة التي قد تضر بالمحاصيل الزراعية
(كالرياح العاصفة وتساقط الثلوج وغزارة الأمطار، التفاوت الشديد في درجات الحرارة
وغيرها). وفرة مصادر المياه طول العام (كثرة الأنهار في مصر في ذلك الحين، وقد أشار
القرآن الكريم الي هذه الحقيقة علي لسان فرعون، في قوله تعالي: 'قال ياقوم أليس لي
ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي' الزخرف: 51 وكذا المياه الجوفية، وعيون المياه،
والأمطار) وفرة الأيدي العاملة والخبيرة بالزراعة منذ قدم التاريخ.
ثانيا: زيادة الانتاجية: وذلك عن طريق: انتهاج سياسة الدورات الزراعية الموحدة
والمتصلة:
امر يوسف (عليه السلام) بزراعة الأرض كلها بمحصول زراعي واحد، وهو القمح، ولمدة سبع
سنوات متصلة (قال تزرعون سبع سنين)، وذلك للأسباب الآتية: لأن القمح هو المحصول
الاستراتيجي الأول، لمواجهة الكارثة الزراعية المتوقعة، وبغير القمح، سيلحق الهلاك
بكل البشر والدواب والآنعام. توقع لجوء سكان المنطقة المحيطة بمصر اليها، طلبا
للقمح، وهو دور اختص الله به مصر منذ قديم الزمان، كواحة امن وامان، لكل من يلجأ
اليها، حتي ان يوسف (عليه السلام) اطلق مصطلح 'خزائن الأرض' علي مصر، يقول تعالي:
'قال اجعلني علي خزائن الأرض' يوسف :
55استعمل القمح فيمابعد كسلعة محورية وجوهرية، للمقايضة التجارية مع سكان المنطقة،
وهو مايعرف الآن بالتبادل التجاري، جعل يوسف (عليه السلام) الدورات الزراعية موحدة
بزراعة القمح فقط، ولمدة سبع سنوات متصلة، ليحقق فائضا كبيرا من محصول القمح، وهو
مايسمي الآن بالمخزون الاستراتيجي، والذي يكفي استهلاك البلاد طوال فترة الأزمة
الاقتصادية، حظر يوسف (عليه السلام) زراعة أي محصول آخر بخلاف القمح، حتي لاتشغل
هذه المحاصيل الثانوية حيزا من أرض مصر. زيادة ساعات العمل (العمل الدؤوب): حيث امر
يوسف (عليه السلام) بالدأب في العمل الزراعي (قال تزرعون سبع سنين دآبا) وذلك
للأسباب التالية: كان نظام الزراعة في ذلك الوقت يعتمد علي نظام ري الحياض، والذي
يعتمد بدوره علي فيضان النيل مرة واحدة في العام، حيث تزرع الأرض الزراعية مرة
واحدة طوال العام، وتبقي بدون زراعة طوال العام، وهو ما أشار اليه عمرو بن العاص
(رضي الله عنه) في رسالته إلي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قائلا: 'ينثرون الحب
وينتظرون الثمار من الرب' أمر يوسف (عليه السلام) المصريين بالعمل الدؤوب، وهو ماقد
يعني زراعة الأرض أكثر من مرة في العام، نظرا لتوافر مصادر أخري للمياه في مصر طوال
العام، بخلاف فيضان النيل، وهذا العمل الدؤوب يتطلب: زيادة الرقعة الزراعية
المزروعة قمحا، زيادة الرقعة الزراعية الكلية باستصلاح الصحراء، العمل علي مقاومة
الطيور والآفات الزراعية، حراسة المحصول من سرقات اللصوص، زيادة غلة الفدان، ورفع
جودة المحصول، وتقليل الفاقد
ثالثا:
تقليل الفاقد، عن طريق:
سلامة التخزين، فقد أمر يوسف (عليه السلام) بترك القمح في سنبله، وهي طريقة مصرية قديمة
ومعروفة لتخزين القمح، حيث تحمي السنابل حبات القمح من العوامل الجوية الخارجية.
منقول:
جريدة الأخبار اليوم