في حديثه عمن عرفوا بالشكاكين يقول ول ديورانت : في ظل صراعات الدولة القومية، والقوى الاقتصادية، والأحزاب السياسية، وتنوع المذاهب الدينية، وفي غمرة هذا كله، بدأت تتشكل المسرحية الأساسية في التاريخ الأوربي الحديث، وما هي إلا نضال من أجل الحياة جهدت فيه ديانة عظمى، ضيق عليها الخناق واستنزف قوتها العلم والطائفية والأبيقورية والفلسفة...
وهذا اعتراف من الرجل بما أصاب المسيحية ، ولكن من كان السبب في ذلك ، هل هو التحلل أو الإصرار على رفض فكرة الله سبحانه كخالق لهذا الكون من هؤلاء العلماء ، الحقيقة غير ذلك فهؤلاء لم يكونوا خارجين على الدين بهذا المعنى ، وإنما كان خروجا على تصور الديانة المسيحية لفكرة الإله ، هذه الفكرة التي لم تعد تقنع عقول هؤلاء العلماء ، فضلا عن سلطة الكنيسة التي كانت تمارس باسم الإله .
إن محاربة الكنيسة لكل ما هو عقلي , ومحاولتها فرض هيمنتها على المفكرين , وإجبارهم على التخلي عن أفكارهم التي يعتنقونها رغم إيمانهم بصحتها هو الذي ألجأ هؤلاء على الثورة على مبادئ الدين .
وجعلتهم يدعون إلى الشك فيما تحتويه أسفار الكنيسة , بل والخروج من الدين برمته , ليس كراهية في الدين كدين منزل من عند الله , وإنما كراهية في سلطان الكنيسة , يقول ول ديورانت : إن التحسينات التي أدخلت على النظام الاجتماعي وأمن الناس( بتغلب المذهب التحرري ) خففت من الإرهاب والقسوة، وأحس الناس أنهم لا بد لهم أن يدركوا أن الله سبحانه وتعالى أرحم وألطف مما صوره لهم بولص وأوغسطين وليولا وكلفن ,
ولم تعد الجحيم والقضاء والقدر أموراً يمكن تصديقها، وأجرت الأخلاقية الجديدة اللاهوت القديم, وهيأ نمو الثروة لانتشار نزعة حياة أبيقورية التمست لها فلسفة تبررها. ..ووجدت الطبقات المتعلمة أنه من الصعب عليها أن تصدق أو تؤمن بالمعجزات .
خاصة بعد أن صارت الأفكار الدارجة على ألسنة المتدينيين أبعد عن التصديق , يقول ول ديورانت : الأرض التي تقول الأساطير الأثيرة لدى العامة بأنها أحست "بأقدم الرب"، أليست كما ألمح كوبرنيكس جاليليو مجرد فقاعة ، ومرحلة قصيرة في هذا الكون البالغ السعة، وسعة لا يمكن تحديدها بالنسبة للأرباب الحاسدين الحاقدين الوارد ذكرهم في سفر التكوين؟...
وكان "الموحدون" أكثر الشكاكين اعتدالاً، وهم الذين، في إيطاليا وسويسرا وبولندة وهولندا وإنجلترا، أثاروا الشكوك حول ألوهية المسيح.
وكان هناك بالفعل نفر قليل من الربوبيين الذين آمنوا بالله متماثلاً مطلقاً مع الطبيعة، وأنكروا ألوهية المسيح، ورغبوا في أن يجعلوا المسيحية مذهباً أخلاقياً لا عقيدة دينية، وكانوا حتى تلك اللحظة مشتتين حذرين، حتى اشتد عودهم وارتفعت مكانتهم ، فباتوا يزعجون البلاد، كما فعل إدوارد هربرت من شربوري.
ولسوف نجدهم بعد 1648، وقد ارتفع صوتهم عن ذي قبل ، ولكن العنف الذي لا يولد إلا عنفا , والشدة التي لا تولد إلا عنادا جعلت الكثيرين لا يؤمنون بصواب الفكرة التي تنكر ألوهية المسيح , وتسلم بكونه نبيا مصلحا جاء لدعوة الناس إلى الفضيلة والأخلاق الكريمة رغم قناعتهم بها ، بل اضطرهم ذلك إلى التحلل من كل ما ينسب إلى الدين .
يقول ول ديورانت : "...وأشد جرأة منهم كان الأبيقوريون في ألمانيا، الذين سخروا من "يوم الحساب" الذي طال ترقبه، ومن الجحيم التي يحتمل ألا تكون رهيبة مزعجة، برغم كل شيء ما دام أكثر الناس ابتهاجاً ومرحاً سوف يحشرون فيها, وفي فرنسا أطلق على مثل هؤلاء الناس "ذوو العقول الصلبة" أو "الإباحيون" وهم الذين بدأت أساليبهم المائعة الطليقة تضفي معناها الحديث على لفظة كانت تعنى في الأصل "المفكرين الأحرار".
وبدأت الكتابات التي تطعن في الأديان تطفوا على السطح , ففي 1625 أوضح جبراييل نودي أن الشرائع التي نزل بها الوحي المقدس على موسى ما هي إلا خرافات ابتدعت لإقامة النظام الاجتماعي ، وأن رهبان طيبة لفقوا حكايات الصراع مع الشيطان ليزيدوا من شهرتهم ، ويرفعوا من مكانتهم ، ويغذوا الجمهور الساذج.
وفي 1633 نشر فرانسوا دي لاموث لافايي-سكرتير ريشيليو، ومعلم لويس الرابع عشر، الذي تولى الملك فيما بعد-كتابه المسمى "محاورات أورازيوس تابيرو"، صرح فغيه بشكوكية عامة: "إن معرفتنا هراء في هراء، وأن حقائقنا خيالات وأوهام، وأن دنيانا بأسرها... مهزلة متصلة".
وأقبل الناس بدافع من التحدي على تبني مثل تلك الأفكار , فهذا كاتب يسمى بيير شارون يقول : إن الديانة تنطوي على أسرار وخفايا لا يمكن إثباتها وعلى سخافات كثيرة، وعليها يقع وزر التضحيات الوحشية والقساوات التعصبية.
وإذا كان كل الناس فلاسفة (كما قد يقول فولتير فيما بعد)، يتعشقون الحكمة ويمارسونها، فلن تعود ثمة حاجة إلى الديانة، ويمكن أن تعيش المجتمعات بمقتضى علم أخلاقي طبيعي مستقل عن اللاهوت أو الدين، ويمكن أن يوجد الإنسان الفاضل، دون سماء ولا جحيم" ,رغم ذلك كانت كتاباته الأوسع انتشارا , وطبع كتابه "محاورات الحكمة " خمساً وثلاثين مرة في فرنسا فيما بين عامي 1601- ،1672 ، وما ذلك إلا لأنهم وجدوها أفضل ما هو موجود على ساحتهم .
فليت البابوات يعون ذلك ، ويتفكرون في مدى ما لحق بالبشرية بسبب تحجرهم ، وأن يراجعوا أنفسهم ، ويصلحوا من كنائسهم خيرا من النبش وراء الإسلام .
وليت العلمانيين عندنا يعلمون أن هؤلاء العلماء العظام الذين الذين يدعون السير على منهجهم ما خرجوا على الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي نعبده نحن المسلمين ، وإنما على فكرة الإله التي أجبرت الكنيسة الناس على اعتقادها ، والتي لا يمكن لصاحب عقل أن يصدق بها