العزلة وإنغلاق البلاد
كان الـ"شوغونات" يرون أنه يتوجب عليهم ولضمان استقرار سياسي واجتماعي في البلاد، أن يتحكموا في حركة انتقال الأشخاص. كانت الفكرة تقضي بأن يتم إغلاق كل منافذ البلاد (اليابان) على الخارج، ومنع السكان من التواصل مع بقية العالم، وقد تم تطبيق هذه الفكرة منذ القرن الـ17 م (1600 م). لم تكن هذه الحركة دون أن تلاقى صدى لدى الأجانب وبالأخص الأوروبيين، كان الإنجليز الأكثر إصرارا على كسر طوق الحظر، كانت لهم سفارات عديدة كما اشتركوا مع الفرنسيين ثم مع الروس علهم يفلحون في إقناع النظام بالعدول عن قراره، إلا أن هذه الجهود باءت كلها بالفشل.
منح الـ"شوغوات" السفن البرتغالية والهولندية تراخيص تجارية خاصة ، كان يسمح لها بالرسو مرة واحدة كل سنة في جزيرة "ديشيكا" بالقرب من "ناكاساكي" على السواحل اليابانية. كانت تجارة الحرير مع الصين يحتكرها البرتغاليون، وقد تمكن الـ"شوغونات" من جني فوائد كبيرة جراء ذلك.
العلوم الفكرية والثقافة والمجتمع اليابانيين في فترة "إيدو"
عم الأمن أرجاء البلاد، ونجحت الإصلاحات المالية التي تم اتخاذها كما ارتفع مستوى الإنتاجية في معظم القطاعات الاقتصادية الحيوية، كل هذه العوامل جعلت من فترة "إيدو" من أزهى الفترات التي عرفتها البلاد، أصبحت اليابان والتي كانت على موعد حاسم في تاريخها بلادا تريد أن تحتل مكانا محترما بين جيرانها.
أولى مراحل الإصلاح في هذه الفترة مست القطاع التعليمي، تم تنظيم المدارس وتقسيمها حسب الطبقات المعروفة في المجتمع. في كل منطقة كانت هناك مدارس خاصة بأبناء العشائر المحلية (ويطق عليها تسمية "هانكو" بالمحلية) والتي تنتظم في معاقل خاصة بها، كانت هذه الأخيرة (المدارس) تستقبل أبناء المحاربين ممن انضووا تحت لواء العشيرة المتزعمة للمعقل. كان أغلب أبناء الشعب من سكان المدن أو الأرياف يرتاد المدارس الدينية (أو "تيراكويا")، كانت هذه مفتوحة لأبناء الشعب وتخضع في تسييرها لأحدى المؤسسات الدينية التقليدية (دير، معبد، مزار ...)، والعلوم التي يتم تدريسها يغلب عليها الطابع الديني. قامت إلى جانب ذلك مدارس متخصصة في المدن الكبرى، كان روادها من أبناء كل الطبقات وكانت تدرس فيها فيها شتى أنواع العلوم والمدارك التي كانت معروفة في البلاد آنذاك.
كان لتطور نظام التعليم في البلاد أثره الإيجابي على الحياة الفكرية. ظهرت حركة جديد قام فيها جمع من المتمدرسين بعمل بحوث ودراسات شملت كامل البلاد ("كوكو غاكو" أو "الدراسات الوطنية"). أخذ هؤلاء الدارسين يبحثون في الكتابات القديمة، كان هدفهم استخراج كل النصوص التي تشبعت بالروح القومية اليابانية، فكان أن ازدهرت علوم اللغويات الببليوغرافية (الدراسة اللغوية للوثائق المكتوبة) وكذا علوم التاريخ. من رواد هذا الميدان يمكننا ذكر، "كامو نو مابوتشي" ع(1697-1769 م) و"موتو-أوري نوريناغا" والذين أصبحت أعمالها مرجعا لمن أتى بعدهما، فقد أعيد نشر ومناقشة العديد منها وبالأخص على يد "هيراتا أتسوتاني" ع(1776-1843 م). اهتم رجال الثقافة في هذا العصر بالعلوم الغربية أيضا، كانت هذه العلوم قد دخلت البلاد عن طريق التجار الهولنديين، من بين العلوم التي تناولها اليابانيين باهتمام كبير يمكننا عد: علم الفلك، الرياضيات وعلم الخرائط.
كان انتشار أفكار الـ"كونفوشسيوسية الجديدة" من أهم ما ميز الحياة الفلسفية في اليابان أثناء فترة "إيدو"، ويعد "هاياشي رازان" ع(1583-1657 م) من أهم زعماء هذا التوجه الجديد. كان يركز في أفكاره على أهمية العلاقات القائمة بين الطبقات الاجتماعية، وأهمية احترامها، إلى قيمة الولاء والطاعة بين أبناء العشيرة الواحدة.
عرفت الفترة اهتمام واسعا بالروايات التاريخية، كانت في معظمها تنتهي بعبرة أو درس في الأخلاق. قام "هاياشي رازان" ع(1583-1657 م) بتصنيف تاريخ كبير للبلاد على هذه الشاكلة، كما تناول "أرائي هاكوسيكي" الفترة الأسطورية بالدراسة وأخضعها إلى ميزان علوم اللغويات الببليوغرافية.
مع تحسن المستوى المعيشي للسكان في المدن، وبالأخص "كيوتو" (京都) و"أوساكا" (大阪) ظهرت ثقافة شعبية خاصة بطبقة جديدة من البورجوازيين. من أهم مظاهر هذه الموجة الجديدة كان ابتداع مسرح العرائس أولا ثم مسرح الـ"كابوكي" (歌舞伎) على يد "شيكامتسو مونزا-إيمون" (近松 門左衛門) فيما بعد. إلى جانب المسرح عرف فن القصص الشعبي مرحلة ازدهاره مع كتابات "إيهارا سائي-كاكو"، كما برز "ماتسو باشو" (松尾芭蕉) كواحد من أهم أعمدة الشعر التقليدي الياباني المعروف باسم "هائيكو" (俳句).
انهيار نظام الشوغونية
بعد وفاة ثالث الـ"شوغونات" من أسرة الـ"توكوغاوا"، قادت البلاد حكومة وطنية مؤلفة من مجلس من نخبة رجال البلاط، كانت الروح الكونفوشيوسية تقودهم في عملهم. قامت هذه الحكومة بسن العديد من القوانين للحد من مظاهر العنف التي ميزت المجتمع الياباني، تم أولا تعطيل العديد من الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى الانتحار أو الـ"سيبوكو"، بعدها بعامين تم منع عادة قديمة يقوم فيها الجيران المتخاصمين باختطاف أفراد من العوائل الأخرى واستعمالها كالرهينة ثم المقايضة بها. أصبح العديد من المحاربين (على اختلاف رتبهم) ممن أعلنوا ولاء هم للنظام الـ"شوغوني" مجرد موظفين في الدولة، تدفع لهم رواتب على قدر مرتبتهم في سلم الوظائف وليس على قدر رتبهم العسكرية. على الرغم من الجهود التي بذلتها القيادة الجديد للبلاد، والإصلاحات التي تم اتخاذها، كانت مجريات الأحداث تنذر بالأسوأ، فمنذ النصف الثاني من القرن الـ"17" (1600 م) أخذت الثورات والانتفاضات الشعبية تزداد حدة وعنفا.
أصبحت موارد البلاد تتضاءل، كان النظام يعتمد على صادرات البلاد من الفضة، وكانت المقايضة تتم على أساس سعر الأرز، الذي كان يتهاوى. تم اتخاذ إصلاحات اقتصادية جديد قام بوضع خطتها أحد ألمع رجال السياسة في عصره "أرائي هاكوسيكي". إلا أن الأقدار أبت إلا أن تضاعف من حجم الخسارة، فتوالت الجوائح (الكوارث الطبيعية) على البلاد: الجفاف، الحرائق، الأوبئة، ثورات البراكين وأخيرا المجاعات.
انفتاح البلاد ألقسري
عام 1853 م يقوم أسطول من البحرية الأمريكية يقوده "ماثيو بيري" (Matthew Perry) بكسر طوق الحظر عندما دخل عنوة خليج "إيدو" ("طوكيو" اليوم). قام قائد البحرية الأمريكية بتقديم طلب رسمي يتضمن الموافقة على فتح موانئ ومنافذ البلاد الخارجية على التجارة مع الدول الخارجية. كان وضع النظام الـ"شوغوني" هشاً، وقد ساهمت المصاعب الاقتصادية ثم الأزمات السياسية في تعقيد الوضع أكثر. بعد أخذ ورد وافق النظام الياباني على توقيع اتفاقية "كاناغاوا" في مارس 1854 م. تم بموجبها فتح مينائي "شيمودا" و"هاكوداتي" على المبادلات التجارية، كما تم ترخيص المراكب الأجنبية بالتزود في الموانئ اليابانية عند حاجتها لذلك.