« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: هنا (الفايسبوك وتويتر) ... صوت الثورة الشعبية! (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: أفغانستان (آخر رد :النسر)       :: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى! (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: عشريّة النّصر والتّأييد (آخر رد :النسر)       :: علماء الدين‏:‏ الحاكم يجب أن يكون نزيها شريفا عادلا (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط



كيف جمع القرآن

تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 19-Nov-2006, 02:22 AM   رقم المشاركة : 1
a7mad_m3
مصري قديم



افتراضي كيف جمع القرآن

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته و بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله عليه وسلم
ان قصة جمع القرآن أنا لا أعلمها جيدا وأيضا لا أحد من علماء المسلمين أخذ هذا الموضوع وشرحه بالكامل ولكن يأخذ من هنا جزء ومن هنا موضوع ولكن لم أسمعه أو أدرسه بالكامل ولكن سمعت من النصارى أنه حرف ومعهم الدليل ومن الشيعة ومعهم الدليل ومن غيرهم ممن يحاربون الإسلام الذين يهاجمون الصحابه بأنهم أضاعوا منه جزء كبير يقال أنه سبعه أضعاف القرآن الذي في أيدينا وأيضا قالوا أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه المتسبب في ذلك وأريد أيضا أن أعرف ماذا حدث من فتن على اثر جمع القرآن وسبب اختلاف كثيرمن المسلمين آن ذاك وحتى يومنا هذا وأيضا أريد أن أعرف ما هو مصحف فاطمة ومصحف علي رضي الله عنهما













التوقيع

align=center]ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ[/align]

 a7mad_m3 غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:10 AM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

أخي الكريم السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته :

توفي النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم لم يُجمع في مصحف واحد مكتوب، وإنما كان متفرقاً في الصدور والألواح ونحوها من وسائل الكتابة، حيث لم تكن ثمة دواع في حياته صلى الله عليه وسلم استدعت جمع القرآن في مصحف واحد .

منها ترقب نزول الوحي و قصر الفترة بين نزول آخر أية من كتاب ربنا و انتقال نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى سبحانه ( 8ـ 9 أيام )

وبعد أن تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة كان هناك من الأسباب والبواعث، التي دفعت الصحابة رضي الله عنهم إلى القيام بجمع القرآن في الصحف .

وكان من أولى تلك الدوافع لحوق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، الذي ترتب عليه انقطاع الوحي، فكان ذاك المصاب الجَلَل من البواعث المهمة التي دفعت الصحابة لجمع القرآن .

ثم كانت واقعة اليمامة التي قُتل فيها عدد كبير من الصحابة، وكان من بينهم عدد كبير من القراء، مما دفع عمر رضي الله عنه إلى أن يذهب إلى أبي بكر ويطلب منه الإسراع في جمع القرآن وتدوينه، حتى لا يذهب القرآن بذهاب حفاظه. وهذا الذي فعله أبو بكر رضي الله عنه، بعد أن تردد في البداية في أن يعمل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن وقعة اليمامة كانت من أهم الأحداث التي حملت الصحابة على تدوين القرآن، وحفظه في المصاحف .

وقد دلت عامة الروايات على أن أول من أمر بجمع القرآن من الصحابة، أبو بكر رضي الله عنه عن مشورة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأن الذي قام بهذا الجمع زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن زيد رضي الله عنه أنه قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ - أي اشتد وكثر - يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا إن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتَتَبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسب وصدور الرجال…وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. رواه البخاري .

والذي عليه أكثر أهل العلم أن أولية أبي بكر رضي عنه في جمع القرآن أولية خاصة، إذ قد كان للصحابة مصاحف كتبوا فيها القرآن أو بعضه، قبل جمع أبي بكر، إلا أن تلك الجهود كانت أعمالاً فردية،لم تظفر بما ظفر به مصحف الصديق من دقة البحث والتحري، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حد التواتر، والإجماع عليها من الصحابة، إلى غير ذلك من المزايا التي كانت لمصحف الصديق رضي الله عنه .

ولك أخي الكريم أن تسأل: لماذا وقع اختيار أبي بكر على زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم دون غيره من الصحابة؟ وفي الإجابة نقول: إن مرد ذلك يرجع إلى أسباب منها:

- أنه كان شاباً يافعاً، وهذه الصفات تؤهله للقيام بمثل هذا العمل الصعب، كما أن الشاب لا يكون شديد الاعتداد برأيه، فعند حصول الخلاف يسهل قبوله النصح والتوجيه .

- أن زيداً كان معروفاً بوفرة عقله، وهذا مما يؤهله لإتمام هذه المهمة .

- أن زيداً كان يلي كتابة الوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شاهد من أحوال القرآن ما لم يشاهده غيره .

- أنه لم يكن متهماً في دينه، فقد كان معروفاً بشدة الورع والأمانة وكمال الخلق والاستقامة في الدين .

- أنه كان حافظاً للقرآن الكريم عن ظهر قلب، وكان حفظه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفق العرضة الأخيرة، فقد رُوي أنه شهد العرضة الأخيرة للقرآن، قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سُميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمد عليه أبو بكر وعمر في جمع القرآن، وولاه عثمان كتابة المصاحف .

وقد شرع زيد في جمع القرآن من الرقاع واللخاف والعظام والجلود وصدور الرجال، وأشرف عليه وعاونه في ذلك أبو بكر وعمر وكبار الصحابة، فعن عروة بن الزبير قال: لما استحرَّ القتل بالقراء يومئذ، فرِقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع - أي خاف عليه - فقال لعمر بن الخطاب وزيد ابن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه. قال ابن حجر: رجاله ثقات مع انقطاعه .

وبهذه المشاركة من الصحابة أخذ هذا الجمع للقرآن الصفة الإجماعية، حيث اتفق عليه الصحابة، ونال قبولهم كافة، فجُمِعَ القرآن على أكمل وجه وأتمه .

رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: رحمة الله على أبي بكر، كان أعظم الناس أجراً في جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين اللوحين، قال ابن حجر: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يُعدُّ في فضائله، ويُنوِّه بعظيم منقبته، لثبوت قوله صلى الله عليه وسلم: ( من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) رواه مسلم. ثم قال: فما جمع أحد بعده إلا كان له مثل أجره إلى يوم القيامة .

وهكذا فإن الله سبحانه قد هيأ لحفظ قرآنه رجالاً حفظوه وحافظوا عليه، تصديقاً لقوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (الحجر:9) وكان أبو بكر على رأس هؤلاء الرجال الذين اختارهم الله للقيام بهذه المهمة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، إنه سميع الدعاء .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:14 AM   رقم المشاركة : 3
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي تفصيل

الجمع في اللغة وجمع القرآن عند علماء المسلمين
الجمع في اللغة
جمع القرآن عند علماء المسلمين
الجمع في اللغة:
قال ابن فارس:(1) الجيم والميم والعين أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على تضامِّ الشيء.(2)
فالْجَمْعُ ضَّمُّ المتفرِّقِ بتقريبِ بعضِهِ من بعضٍ، وَهُوَ خِلاَفُ التَّفْرِيقِ وَهُوَ مَصْدَرُ جَمَعَ يَجْمَعُ مِنْ بَابِ مَنَعَ.(3)
يقال: جَمَعْتُ الشَّيْءَ عَنْ تَفْرِقَةٍ أَجْمَعُهُ جَمْعًا وَأَجْمَعْـتُهُ، وَجَمَّعْتُهُ بِالتَّثْقِيلِ مُبَالَغَةٌ فَاجْتَمَعَ وَاجْدَمَعَ.
ويقال للمجموع (وهو الذي جُمِعَ من هاهنا وهاهنا، وإن لم يُجْعَل كالشيء الواحد): جَمْعٌ وجميعٌ وجماعةٌ.(4)
وَيُقَالُ أَجْمَعَ الْمَسِيرَ وَعَلَى الْمَسِيرِ - يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْحَرْفِ: عَزَمَ عَلَيْهِ، وَحَقِيقَتُهُ جَمَعَ رَأْيَهُ عَلَيْهِ، وَمنهُ الْحَدِيثُ: مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ،(5) أَيْ: مَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ فَيَنْوِيه.
وَأَجْمَعُوا عَلَى الأَمْرِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ وَاسْتَجْمَعُوا بِمَعْنَى تَجَمَّعُوا، وَاسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبُّهُ.
ويُقَالُ رَجُلٌ مُجْتَمِعٌ إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ؛ لأَنَّهُ وَقْتُ اجْتِمَاعِ الْقُوَى، أَوْ لأَنَّ لِحْيَتَهُ اجْتَمَعَتْ.
وَالْجَمْعُ الدَّقَلُ؛ لأَنَّهُ يُجْمَعُ وَيُخْلَطُ مِنْ تَمْرِ خَمْسِينَ نَخْلَةً، وَقِيلَ: كُلُّ لَوْنٍ مِنْ النَّخْلِ لاَ يُعْرَفُ اسْمُهُ فَهُوَ جَمْعٌ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى التَّمْرِ الرَّدِيءِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".(6)
وَالْجَمْعُ أَيْضًا الْجَمَاعَةُ، تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَيُجْمَعُ عَلَى جُمُوعٍ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ.
وَجَمْعٌ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، إمَّا لأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ بِهَا، وَإِمَّا لأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ هُنَاكَ بِحَوَّاءَ وَازْدَلَفَ إلَيْهَا أَيْ دَنَا.
والجمع: مصدر قولك: جمعت الشيء، والجمع: المجتمعون، وجمعه: جموع، والجماعة والجميع والْمَجْمَع والْمَجْمَعَةُ: كالجمع.
وفي الحديث: له سَهْمُ جَمْعٍ،(7) أي له سهمٌ من الخير جُمِعَ فيه حظَّانِ، وقيل: أراد بالجمع الجيشَ، أي: كسهمِ الجيشِ من الغنيمة.(8)
وَالْمَجْمَعُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مِثْلُ الْمَطْلَعِ وَالْمَطْلِعِ - يُطْلَقُ عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى مَوْضِعِ الاجْتِمَاعِ، وَالْجَمْعُ الْمَجَامِعُ.
وفي الحديث: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ(9) أَيْ كَانَ كَلاَمُهُ صلى الله عليه وسلم قَلِيلَ الأَلْفَاظِ كَثِيرَ الْمَعَانِي.
وَحَمِدْتُ اللهَ تعالى بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ. أَيْ: بِكَلِمَاتٍ جَمَعَتْ أَنْوَاعَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ تعالى.(10)
نستخلص مِمَّا سبق أن الجمع يطلق في اللغة على عدة معان،(11) هي:
1 - الْجَمْعُ هو ضم الأشياء المتفرقة بتقريب بعضها من بعض.
2 - الْجَمْعُ مصدر جَمَعَ الشَّيْءَ يجمعُه إذا كان متفرِّقًا فضَمَّ بعضَهُ إلى بعضٍ.
3 - الْجَمْعُ: المجتمعون، تسمية بالمصدر، كالجماعة والجميع والْمَجْمَع والْمَجْمَعَةُ.
4 - الْجَمْعُ: الجيش، كالجميع.
5 - جَمْعٌ: الْمُزْدَلِفَةُ، لأن الناس يجتمعون بِها، أو لأن آدم عليه السلام اجتمع هناك بحواء.
6 - الْجَمْعُ: الدَّقَل؛ لأَنَّهُ يُجْمَعُ وَيُخْلَطُ، وَقِيلَ هُوَ كُلُّ لَوْنٍ مِنْ النَّخْلِ لاَ يُعْرَفُ اسْمُهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرَّدِيءِ مِنَ التَّمْرِ.
جمع القرآن عند علماء المسلمين:
ثم إن علماء الشرع أطلقوا جمع القرآن(12) على أربعة معانٍ، وهي:
1 - حفظ القرآن في الصدور.
2 - تأليف سور القرآن الكريم.
3 - تأليف الآيات في السورة الواحدة من القرآن الكريم.
4 - كتابة القرآن الكريم في الصحف والمصاحف.
أما الإطلاق الأول فقد حصل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث حفظ القرآنَ الكريمَ عن ظهر قلبٍ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وجمعٌ من أصحابه رضي الله عنهم ، ومنه قوله تعالى : } إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ { :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تعالى : } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ! إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {،(13) قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ.(14)
وعن قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه : مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.(15)
وأما الإطلاقان الثاني والثالث، فقال الزركشي: قال أبو الحسين أحمد بن فارسٍ في كتاب المسائل الخمس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطُّوال ، وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة رضي اله عنهم(16) وأما الجمع الآخر، فضمُّ الآي بعضها إلى بعضٍ، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شيءٌ تولاَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ـ(17) كما أخبر به جبريل عن أمر ربه تعالى .ـ(18)
وأما الإطلاق الرابع، فيتضمن مرحلتين: الأولى جمع متَفَرِّقِهِ في صحفٍ، وهو ما حدث في عصر الصِّدِّيق رضي الله عنه ، والثانية: جمع تلك الصحف في مصحفٍ واحدٍ، وهو ما حدث في عصر عثمان بن عفان رضي الله عنه .ـ(19)

[line]

1) هو الإمام العلامة اللغوي المحدث أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، صاحب كتاب مجمل اللغة، كان رأسًا في الأدب، بصيرًا في فقه مالكٍ، مناظرًا متكلمًا، وكان من رءوس أهل السنة، المجردين على مذهب أهل الحديث، توفي في صفر سنة395 هـ. سير أعلام النبلاء (17/103)، شذرات الذهب لابن العماد (3/132).
(2) أبو الحسين أحمد بن فارس- مقاييس اللغة (1/479).
(3) جمهرة اللغة لابن دريد (2/103)، وتهذيب اللغة للأزهري (1/397).
(4) الراغب الأصفهاني - المفردات في غريب القرآن - تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني - دار المعرفة - بيروت -ص 96-97، وتهذيب اللغة للأزهري (1/397).
(5) رواه أبو داود في سننه عن حفصة - رضي الله عنها -: كتاب الصوم، باب النية في الصوم (2/329) ح: 2454، والنسائي في سننه عن حفصة - رضي الله عنها: كتاب الصيام، باب النية في الصيام - اختلاف الناقلين لخبر حفصة: سنن النسائي مع شرح السيوطي والسندي (2/196-198)، ورواه مالكٌ في الموطأ عن عبد الله بن عمر وعائشة وحفصة رضي الله عنهم : كتاب الصيام، باب من أجمع الصيام قبل الفجر ص 193.
(6) اَلْجَنِيبُ على وزن فَعِيلٍ مِنْ أَجْوَدِ أنواع التَّمْرِ - القاموس المحيط (جنب) ص 89، والحديث متفقٌ عليه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما، البخاري في صحيحه: كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (4/467) ح: 2202-2202، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة والمزارعة، باب الربا: صحيح مسلم مع شرح النووي (11/20-21).
(7) رواه أبو داود في سننه عن أبي أيوب: كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم (1/158) ح: 578، ومالك في الموطأ عن أبي أيوب: كتاب صلاة الجماعة، باب إعادة الصلاة مع الإمام، والنسائي في سننه عن أبي سعيد الخدري: كتاب الغسل والتيمم، باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة: سنن النسائي مع شرح السيوطي والسندي (1/213).
(8) ابن الأثير الجزري - النهاية في غريب الحديث والأثر - تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي - المكتبة العلمية - بيروت - (1/296)، وابن منظور الإفريقي - لسان العرب - دار المعارف - القاهرة - (1/678-683).
(9) رواه البخاري في صحيحه كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بجوامع الكلم (13/261) ح 7273.
(10) انظر مادة ( جمع ) في: تهذيب اللغة (1/397-402)، ولسان العرب (1/678-683)، والصحاح (3/1198-1200)، والقاموس المحيط ص 917-918.
(11) مقاييس اللغة (1/479-480)، ولسان العرب (1/678-679،682)، والقاموس المحيط ص 917، والصحاح (3/1198)، وانظر المعجم الوسيط (1/135).
(12) انظر مناهل العرفان (1/239).
(13) الآيتان 16،17 من سورة القيامة.
(14) رواه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي، باب 4، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (1/39) ح 5.
(15) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 5004 (8/663)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.
(16) بحث ترتيب السور، وهل هو توقيفي أو باجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم .يأتي في الفصل الثالث من الباب الأول - إن شاء الله.
(17) كما في حديث عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، وفيه: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا. رواه وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وأحمد في مسنده - مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501.
(18) البرهان في علوم القرآن - الزركشي (1/258-259).
(19) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/148)، وانظر مناهل العرفان (1/239).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:18 AM   رقم المشاركة : 4
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
الفصل الأول: حفظ القرآن في الصدور
الفصل الثاني: تدوين القرآن الكريم
الفصل الثالث: ترتيب الآيات والسور
الفصل الرابع: العرضة الأخيرة
الفصل الأول
حفظ القرآن في الصدور
المبحث الأول: فضل حفظ القرآن الكريم الْمبحث الثاني: حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم بواعث حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن
الْمبحث الأول: فضل حفظ القرآن الكريم
شرَّف الله أمة الإسلام بخصيصة لم تكن لأحد من أهل الْملل قبلهم، وهي أنَّهم يقرءون كتاب ربِهم عن ظهرقلبٍ، كما جاء في صفة هذه الأمة عن وهب بن منبه:(1) أمة أناجيلهم في صدورهم،(2) بخلاف أهل الكتاب، فقد كانوا يقرءون كتبِهم نظرًا، لا عن ظهر قلب.(3)
وقد تكفَّل الله بحفظ هذا الكتاب، كما قال: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { ،(4) وكان من حفظه تعالى لكتابه أن وفَّقَ هذه الأمة إلى حفظه واستظهاره.
وقد تظاهرت الأدلة على فضل حفظ القرآن الكريم، وفضل حفظته على غيرهم من الْمسلمين، فمن ذلك:
1 - علوُّ منزلة حَافظ القرآن، الْماهر به، فعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ.(5)
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ، فَيَقْرَأُ، وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً، حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ.(6)
2 - وما ورد من أن حافظ القرآن لا تحرقه النار، فعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ(7) ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ.(8)
قال ابن الأثير:(9) … وقيل الْمعنى: مَن علَّمهُ اللهُ القرآنَ لم تحرقْهُ نارُ الآخرةِ، فجُعِلَ جسمُ حافظ القرآن كالإهاب له..(10)
3 - ومنه تشفيعه في أهله، فعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ.(11)
4 - ومن ذلك أيضًا أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ.(12)
5 - وكذلك إكرام والدي حافظ القرآن، وإعلاء منزلتهما، فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيامَةِ، ضَوْءهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا - لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟(13)
6 - ومن ذلك أيضًا أن حملة القرآن مقدمون على أهل الجنة، قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ:(14) حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ(15) أَهْلِ الْجَنَّةِ.(16)
وعن طاوس أنه سأل ابن عباس - رضي الله عنهما: ما معنى قول الناس: أهل القرآن عرفاء أهل الجنة ؟ فقال: رؤساء أهل الجنة.(17)
الْمبحث الثاني: حفظ النبيصلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم
كان العرب قبل الإسلام أمَّةً أمِّـيَّةً، لا تقرأ ولا تكتب، والأمي(18) إنما يعتمد في حفظ ما يحتاج إلى حفظه على ذاكرته، فليس ثَمَّ كتابٌ يحفظ عليه ما يريد حفظه، وقد كان العرب يحفظون في صدورهم ما يحتاجون إلى حفظه من الأنساب والحقوق والأشعار والخطب.
قال تعالى : } هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّـيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ { .(19)
ولما بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة كانت إحدى آيات ودلائل نبوته أنه أميٌّ؛ حتى لا يتطرق إلى أوهام من يدعوهم أن دعوته مبنية على علمٍ حصَّله من مُعَلِّمٍ، كما قالتعالى : } وَمَا كُنْتَ تَـتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِنِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمبْطِلُونَ { .(20)
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم أُمِّـيًّا، فلا غروَ كان كذلك يعتمد على ذاكرته في الحفظ، فلما شرَّفه الله بالرسالة، وكان القرآن الكريم آيته التي تحدى بِها الناس كافة والعرب خاصةً - كان شديد الحرص على حفظ القرآن حال إنزاله - وهو من أشد الأحوال عليه، حتى لقد كان صلى الله عليه وسلم يعاني مشقة عظيمة لتَعَجُّلِهِ حفظَ القرآن الكريم، مخافة أن ينساه، حتى أنزل الله عليه ما يثبت به فؤاده، ويُطَمْئِنُهُ أن القرآن لن يَتَفلَّتَ منهُ:
قال الله تعالى : } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ! إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ! فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ { .(21)
فطمأنه الله تعالى أن حفظ وبيان القرآن إليه تعالى ، وأمره أن ينصت إلى الوحي، كما قال تعالى : } وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا { .(22)
قال الحافظ ابن حجر: ولما كان من أصل الدين أن الْمبادرة إلى أفعال الخير مطلوبةٌ، فنُـبِّه على أنه قد يَعترضُ على هذا الْمطلوب ما هو أجَلُّ منهُ، وهو الإصغاء إلى الوحي، وتَفَهُّمُ ما يَرِدُ منه، والتشاغل بالحفظ قد يَصُدُّ عن ذلك، فأُمِرَ ألاَّ يُبَادر إلى التحفظ ؛ لأن تحفيظه مضمونٌ على ربه اهـ.(23)
عن سعيد بن جبيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - فِي قَوْلِهِ تعالى: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ { قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ،(24)
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا،
وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ! إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ { قَالَ: جَمْعُـهُ لَكَ فِي صَـدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ، } فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ { قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، } ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ.
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَرَأَهُ.(25)
وظاهر السياق يحتمل أن يكون إنما كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ للمشقة التي كان يجدها صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي، فكان يتعجل بأخذه لتزول الْمشقة سريعًا.
وفي روايةٍ أخرى عند البخاري: كان يُحَرِّكُ به لسانه مخافة أن ينفلت منه.(26)
فهذه الرواية صريحةٌ في أن سبب الْمبادرة هو خشية النسيان، أي كان يحرك لسانه لئلا يفلت منه حرف أو تضيع منه لفظة.
وعن الشَّعْبِيِّ في هذه الآية: } لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ { قال: كان إذا نزل عليه الوحي عَجِلَ يتكلم به من حُبِّه إيَّاه.(27)
وهذه الرواية تدل على أن سبب الْمبادرة هو حب الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن، وحب الشيء يستلزم الخوف عليه، والخوف من ذهابه عنه.
قال الحافظ ابن حجر: ولا بُعْدَ في تعَدُّدِ السببِ.(28)
بواعث حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن
يُمكن أن نستخلص مِمَّا سبق بواعث حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، وهي:
1 - أنه الْمبلِّغ عن ربه تعالى، والحفظ ضروري للبلاغ على الوجه الأكمل الذي أمره الله به.
2 - حب النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم.
3 - خوف نسيان القرآن.
4 - التوثُّق للقرآن، والتحري في ضبط ألفاظه وحفظ كلماته.

[line]

(1) تابعي ثقة، ولد سنة 34 هـ، وأخذ عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وغيرهم من الصحابة، كان إخباريًّا قصاصًا، غزير العلم بالإسرائليات وصحائف أهل الكتاب، ومن الْمشهورين بالعبادة والوعظ، تولي قضاء صنعاء. توفي سنة 110 هـ، وقيل سنة 113 هـ، وقيل سنة 114 هـ. سير أعلام النبلاء (4/544)، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/150).
(2) رواه البيهقي في دلائل النبوة باب صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب، وصفة أمته (1/379).
(3) انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/400).
(4) الآية 9 من سورة الحجر.
(5) رواه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، سورة عبس. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/560) ح: 4937.
(6) رواه ابن ماجه في سننه: كتاب الأدب، باب ثواب القرآن. (2/1242) ح: 3780.
(7) الإهاب، ككِتَابٍ: الجِلْد. القاموس الْمحيط ( أهب ) ص 77.
(8) رواه أحمد في الْمسند: مسند الشاميين (5/148) ح 16914، و (5/156) ح 16967، والدارمي في سننه: كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن (2/430) ح 3310
(9) هو القاضي الرئيس العلامة الأوحد، مجد الدين أبو السعادات بن الأثير الجزري، صاحب جامع الأصول وغريب الحديث، وغير ذلك، توفي سنة 606? . سير أعلام النبلاء (21/488).
(10) النهاية في غريب الحديث والأثر (1/83).
(11) رواه ابن ماجه في سننه: الْمقدمة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (1/78) ح: 216. ورواه الترمذي في سننه: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن ح: 2905، وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. وأحمد في الْمسند: مسند العشرة الْمبشرين بالجنة عن علي بنحوه (1/239) ح 1271، و (1/241) ح 1281.
(12) رواه ابن ماجه في سننه: الْمقدمة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (1/78) ح: 215.
(13) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن (2/70)ح: 1453 وأحمد في مسنده: مسند الْمكيين (4/466) ح 15218.
(14) عطاء بن يسار الْمدني الفقيه، مولى ميمونة أم الْمؤمنين، تابعي ثبت حجة، كبير القدر، كان إمامًا فقيهًا واعظًا، قاضيًا بالْمدينة، توفي سنة ? . شذرات الذهب (1/125)، وسير أعلام النبلاء (4/448).
(15) العرفاء جمع عَرِيف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس - لسان العرب ( عرف ) (4/2899).
(16) رواه الدارمي في سننه: كتاب فضائل القرآن، باب في ختم القرآن (2/470) ح: 3484، ورواه الطبراني عن الحسين بن علي مرفوعًا بلفظ: حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ. قال الهيثمي: وفيه إسحاق بن إبراهيم بن سعد الْمدني، وهو ضعيف. مجمع الزوائد (7/164)، وانظر الإتقان (4/104).
(17) النهاية في غريب الحديث والأثر (3/218).
(18) الأمي: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ، أو منسوب إلى الأم، كأنه باقٍ على حالته التي وُلد عليها، أو على أنه أشبه بأمه منه بأبيه، إذ إن نساء العرب ما كن يعرفن القراءة والكتابة، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأمي إما على أحد الْمعاني السابقة، أو على أنه منسوب إلى أمة العرب، وهي الأمة الأمية، وكانوا في الجاهلية لا يعرفون القراءة والكتابة إلا النادر، ولذلك كان أهل الكتاب يصفونهم بالأميين، أو على أنه منسوب إلى أم القرى - شرفها الله. القاموس الْمحيط ص 1392، والجامع لأحكام القرآن (7/190)، وتفسير أبي السعود (3/279).
(19) من الآية 2 من سورة الجمعة.
(20) الآية 48 من سورة العنكبوت.
(21) سورة القيامة، الآيات 16-18.
(22) من الآية 114 من سورة طـه.
(23) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/548) بتصَرُّفٍ يسير.
(24) في كتاب التفسير من صحيح البخاري أن سفيان بن عيينة وصف تحريكه صلى الله عليه وسلم لسانه بقوله: يريد أن يحفظه، قال الحافظ في الفتح: وفي رواية أبي كريب: تعَجَّل يريدُ حفظَه، فنـزلت. فتح الباري (8/548-549).
(25) رواه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (1/39) ح: 5.
(26) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، كتاب التفسير، باب } إن علينا جمعه وقرآنه { (8/549) ح: 4928.
(27) رواه الطبري في التفسير (29/187).
(28) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/550).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:22 AM   رقم المشاركة : 5
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الأول
حفظ القرآن في الصدور
الْمبحث الثالث:

الرد على دعوى جواز نسيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أو إسقاطه عمدًا مسألة وقوع النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم
الْمبحث الثالث: الرد على دعوى جواز نسيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أو إسقاطه عمدًا
شكَّك بعض الْملاحدة في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن الكريم وجمعه، وهو حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن بدعوى جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا على ذلك بدليلين:
الأول: قوله تعالى: } سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ! إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ { .(29)
فزعموا أن الآيات تدل - بطريق الاستثناء - على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أسقط عمدًا أو أُنسي آيات لم يتفق له من يذكره إياها، وتدل أيضًا على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم .
والثاني: ما روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي الْمسْجِدِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَة كَذَا وَكَذَا. وفي رواية: أُنْسِيتُها.(30)
فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عمدًا بعض آيات القرآن، أو أُنسِيَها.
الجواب عما تعلق به أصحاب هذه الشبهةِ
فيجاب عن دعواهم أن الآيات الكريمات تدل على جواز نسيان النبي صلى الله عليه وسلم بعض القرآن:
أولاً: بأن قوله تعالى : } سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى { وعدٌ كريمٌ بعدم نسيان ما يقرؤه من القرآن، إذ إن (لا) في الآية نافية، وليست ناهية، بدليل إشباع السين، فأخبر الله فيها بأنه لا ينسى ما أقرأه إياه.
وقيل (لا) ناهيةٌ، وإنما وقع الإشباع في السين لتناسب رءوس الآي، والقول الأول أكثر.(31)
قال القرطبي بعد أن ذكر القولين: والأول هو الْمختار ؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتًا معلومًا، وأيضًا فإن الياء مثبتة في جميع الْمصاحف، وعليها القراء.(32)
ومعنى الآية على هذا: سنعلمك القرآن، فلا تنساه، فهي تدل على عكس ما أرادوا الاستدلال بِها عليه.
ثانيًا: إن الاستثناء في الآية معلق على مشيئة الله إياه، ولم تقع الْمشيئة، بدليل ما مر من قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ { ، ولأن عدم حصول الْمعلق عليه يستلزم عدم حصول الْمعلق، ويستحيل أن تتعلق مشيئة الله بعدم بلوغ رسالته.
ثالثًا: الاستثناء في الآية لا يدل على ما زعموا من أنه يدل على إمكان أن ينسى صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن، وفي الْمراد بِهذا الاستثناء قولان:
القول الأول: أن الاستثناء صوريٌّ لا حقيقيٌّ، فهو للتبرك، وليس هناك شيءٌ استُثني.
قال الفراء:(33)لم يشأ أن ينسى شيئًا، وهو كقوله: } خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك { ولا يشاء، وأنت قائل في الكلام: لأعطينَّك كل ما سألتَ إلا ما شئتُ، وإلا أن أشاءَ أن أمنعك، والنية ألا تمنعه، وعلى هذا مجاري الأيمان، يُستثنى فيها، ونية الحالف التمام.(34)
وقيل إن الحكمة في هذا الاستثناء الصوري أن يعلم العباد أن عدم نسيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن هو محض فضل الله وإحسانه، ولو شاء تعالى أن ينسيه لأنساه، وفي ذلك إشعارٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أنه دائمًا مغمور بنعمة الله وعنايته، وإشعار للأمة بأن نبيهم مع ما خُصَّ به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية، فلا يُفْتَنُون به كما فُتِنَ النصارى بالْمسيح عليه السلام .ـ(35)
القول الثاني: أن الاستثناء حقيقي، وأن الْمراد به منسوخ التلاوة فيكون الْمعنى أن الله تعالى وعد بأن لا ينسى نبيه صلى الله عليه وسلم ما يقرؤه، إلا ما شاء - سبحانه - أن ينسيه إياه بأن نسخ تلاوته لحكمة، أو على أن الْمراد به الترك، أو ما يعرض للإنسان بحكم الجبلة البشرية، أو لأجل تعليم الناس وتبيين السنة لهم.
عن الحسن وقتادة } إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ { : أي قضى أن تُرفع تلاوته.
وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما: إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتَسُنَّ.
وقال الطبري: وقال آخرون: النسيان في هذا الْموضع: الترك، قالوا: ومعنى الكلام: سنقرئك يا محمد، فلا تترك العمل بشيء منه، إلا ما شاء الله أن تترك العمل به مِمَّا ننسخه.(36)
وعلى هذين القولين فلا تعلق لأصحاب تلك الشبهة بِهذه الآيات، إذ لا يفهم منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نسي حرفًا واحدًا مِمَّا أمر بتبليغه.
والجواب عما زعموه في الحديث الشريف:
أولا: أن الحديث الذي أوردوه لا ينهض حجةً لهم فيما زعموا من الشكّ في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن وجمعه، إذ إن الآيات التي أنسيها النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكرها كانت مكتوبة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت محفوظة في صدور أصحابه الذين تلقوها عنه، والذين بلغ عددهم مبلغ التواتر- والذين منهم هذا الذي ذكَّرَه، وإنما غاية ما فيه الدلالة على أن قراءة ذلك الرجل ذكرت النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالآيات، وكان قد أُنسيها، أو أسقطها نسيانًا، وليس في الخبر إشارة إلى أن هذه الآيات لم تكن مِمَّا كتبه كتَّاب الوحي، ولا ما يدل على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا نسوها جميعًا، حتى يخاف عليها الضياع.(37)
ثانيًا: أن روايات الحديث لا تفيد أن هذه الآيات التي سمعها الرسول من أحد أصحابه كانت قد انمحت من ذهنه الشريف جملةً، بل غاية ما تفيده أنَّها كانت غائبة عنه ثم ذكرها وحضرت في ذهنه بقراءة صاحبه، وليس غيبة الشيء عن الذهن كمحوه منه، فالنسيان هنا بسبب اشتغال الذهن بغيره، أما النسيان التام فهو مستحيل على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لإخلاله بوظيفة الرسالة والتبليغ.(38)
قال الباقلاني(39) وإن أردت أنه ينسى القدرَ الذي ينساه العالْم الحافظُ بالقرآن، الذي لا يُنسَب صاحبه إلى بلادةٍ، فإن ذلك جائز بعد أدائه وبلاغه، والذي يدل على جوازه أنه غير مفسدٍ له، ولا قادح في آياته، ولا مفسد لكمال صفاته، ولا مسقط لقدره، ولا منزل له عنه، ولا معرضٍ بتهمته.(40)
ثالثًا: أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أسقطتها ) مفسرةٌ بقوله في الرواية الأخرى: ( أُنْسِيتُها )، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم أسقطها نسيانًا لا عمدًا، فلا محل لما أوردوه من أنه صلى الله عليه وسلم قد يكون أسقط عمدًا بعض آيات القرآن.
قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم : "كنت أُنْسِيتُها" دليل على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم فيما قد بلَّغه إلى الأمة.(41)
وترد هنا مسألة وقوع النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي الْمسألة الآتية.
مسألة وقوع النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم
وقوع النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم يكون على قسمين:
الأول: وقوع النسيان منه صلى الله عليه وسلم فيما ليس طريقه البلاغ.
فهذا جائز مطلقًا لما جُبل عليه صلى الله عليه وسلم من الطبيعة البشرية.
والثاني: وقوع النسيان منه صلى الله عليه وسلم فيما طريقه البلاغ.
وهذا جائز بشرطين:
الشرط الأول: أن يقع منه النسيان بعد ما يقع منه تبليغه، وأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلاً.
قال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم : "كنت أُنْسِيتُها": دليل على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم فيما قد بلَّغه إلى الأمة.(42)
الشرط الثاني: أن لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له تذكره: إما بنفسه، وإما بغيره.(43)
وقال القاضي عياضٌ(44) - رحمه الله: جمهور الْمحققين على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم ابتداءً فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم، ولكن من جوز قال: لا يُقَرُّ عليه، بل لا بد أن يتذكره أو يُذَكَّره.(45)
ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم لشيء مِمَّا طريقه البلاغ يكون على قسمين أيضًا:
قال الإسماعيلي:(46) النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من القرآن يكون على قسمين:
أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قربٍ، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود في السهو: إنَّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون.(47)
وهذا القسم عارضٌ سريع الزوال، لظاهر قوله تعالى : } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { .(48)
والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو الْمشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: } سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى! إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ { ،(49) على بعض الأقوال.
وهذا القسم داخل في قوله تعالى : } مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا { .(50)(51)
وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه النسيان في شيء أصلاً، وإنما يقع منه صورته، ليَسُنَّ.(52)
قال القاضي عياضٌ: وهذا تناقض مردودٌ، ولم يقل بِهذا أحد مِمَّن يقتدى به، إلا الأستاذ أبو الْمظفر الإسفراييني(53) من شيوخنـا، فإنه مال إليه ورجحـه، وهو ضعيفٌ متناقض.(54)


[line]

(29) سورة الأعلى، الآية 6، وبعض الآية 7.
(30) رواه البخاري في صحيحه، انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (5/312) كتاب الشهادات ح: 2655، و(8/702-705) كتاب فضائل القرآن ح:5037،5038،5042، و(11/140) كتاب الدعوات ح: 6335، ورواه مسلم في صحيحه، صحيح مسلم بشرح النووي كتاب صلاة الْمسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن (6/75)، وأبو داود في سننه: كتاب الصلاة - باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (2/37) ح: 1331، وفي أول كتاب الحروف والقراءات (4/31) ح: 3970.
(31) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 312، وفتح القدير (5/420)، تفسير القرآن العظيم (4/500).
(32) الجامع لأحكام القرآن (20/14).
(33) هو أبو زكريا يحيى بن زياد الأسدي مولاهم، العلامة صاحب التصانيف، إمام النحاة، وصاحب الكسائي، توفي بطريق الحج سنة 207هـ. سير أعلام النبلاء (1/118)، وتذكرة الحفاظ (1/372).
(34) معاني القرآن للفراء (3/256).
(35) مناهل العرفان (1/267-268).
(36) تفسير الطبري (30/154)، وفتح القدير (5/422)، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/702).
(37) مناهل العرفان (1/265).
(38) مناهل العرفان (1/266).
(39) هو القاضي محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، الإمام العلامة، سيف السنة ولسان الأمة، الْمتكلم على لسان أهل الحديث، صاحب التصانيف، وكان يُضرب الْمثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا. صنف في الرد على الرافضة والْمعتزلة وغيرهم من الفرق، مات في ذي القعدة سنة 403هـ . سير أعلام النبلاء (17/190).
(40) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 312.
(41) شرح النووي على صحيح مسلم (6/76).
(42) شرح النووي على صحيح مسلم (6/76).
(43) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/703).
(44) أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام، استبحر في العلوم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بالنحو واللغة وكلام العرب، من مؤلفاته الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى، ومشارق الأنوار. توفي سنة 544هـ . سير أعلام النبلاء (20/212).
(45) الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى (2/161)، وشرح النووي على صحيح مسلم (6/76).
(46) هو الإمام الحافظ الفقيه الحجة شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الشافعي، صنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث، وكان واحد عصره، وشيخ الْمحدثين والفقهاء. توفي سنة 371. سير أعلام النبلاء (16/292).
(47) رواه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة بَاب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ. (1/600) ح 401.
(48) الآية 9 من سورة الحجر.
(49) الآية 6 وبعض الآية 7 من سورة الأعلى.
(50) من الآية 106 من سورة البقرة.
(51) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/703).
(52) الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى (2/147)، و(2/161).
(53) هو العلامة الْمفتي طاهر بن محمد الطوسي الشافعي، صاحب التفسير الكبير، كان أحد الأعلام، توفي سنة 471هـ . سير أعلام النبلاء (18/401).
(54) الشفا بتعريف حقوق الْمصطفى (2/163-164)، وشرح النووي على صحيح مسلم (
6/76-77).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:25 AM   رقم المشاركة : 6
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الأول

حفظ القرآن في الصدور

الْمبحث الرابع: الحفاظ من الصحابة أسانيد القراء العشرة إلى الصحابة

الْمبحث الرابع: الحفاظ من الصحابة

كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحفظون القرآن بسماعه منه، فهذه أم هشام بنت حارثة ابن النعمان(55) تحفظ سورة من القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاحِدًا سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ } ق وَالْقُرْآنِ الْمجِيدِ { ،(56) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.(57)
ومع حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الشديد على تلقي القرآن منه وحفظه - كان صلى الله عليه وسلم يشجعهم ويحثهم على تعلُّم القرآن وتعليمه:
عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.(58)
وكان صلى الله عليه وسلم يحرص أن يتعلم كل من التحق بدار الإسلام بالْمدينة القرآن، فكان يختار لهم من يعلِّمهم:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ(59) قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُشْغَلُ، فَإِذَا قَدِمَ رَجُلٌ مُهَاجِرٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ.(60)
ولقد حفظ القرآن الكريم من الصحابة جمع كبير يصعب حصره، فقد ثبت في الصحيحين أنه قتل في بئر معونة(61) سبعون من القراء:
عَنْ أَنَسِ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْماءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ.(62)
وروي أنه قتل في وقعة اليمامة(63) كثير من القراء، ويدل على ذلك قول عُمَرَ رضي الله عنه : إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْموَاطِنِ.(64)
قال الحافظ في الفتح: وهذا يدل على أن كثيرًا مِمَّن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون الْمراد أن مجموعهم جَمَعَهُ، لا أن كل فرد جَمَعَهُ.(65)
وقد عرف من قراء الصحابة كثيرون، منهم الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ ابن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وسالْم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر،(66) وأبو أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، ومُجَمِّع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وأُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارثِ الأَنْصَارِيِّ، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب بن أبي السائب الْمخزومي، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم .ـ(67)
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أنه ذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فقالَ: لاَ أَزَالُ أُحبُّهُ ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالْم، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(68)
وعن شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً.(69)
وعن قَتَادَة قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ(70) يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ. وفي رواية أَبُو الدَّرْدَاءِ مكان أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(71)
وعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ(72) وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ، وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا.(73)
ثم دارت أسانيد القراء العشرة على ثمانية من الصحابة (74) هم:
1 - عثمان بن عفان.
2 - علي بن أبي طالب.
3 - أبي بن كعب.
4 - عبد الله بن مسعود.
5 -زيد بن ثابت.
6 - أبو موسى الأشعري.
7 - أبو الدرداء.(75)
8 - عمر بن الخطاب.
أسانيد القراء العشرة إلى الصحابة
أذكر هنا مَن تصل إليه أسانيد القراء العشرة من الصحابة:
1 - قراءة نافع بن عبد الرحمن الْمدني:(76)
عن ستة من الصحابة هم: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وأبي هريرة.(77)
2 - قراءة عبد الله بن كثير الْمكي:(78)
عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن السائب.(79)
3 - قراءة أبي عمرو البصري:(80)
عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن السائب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة.(81)
4 - قراءة عبد الله بن عامر الشامي:(82)
عن عثمان بن عفان، وأبي الدرداء.(83)
5 - قراءة عاصم بن أبي النجود:(84)
عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب.(85)
6 - قراءة حمزة بن حبيب الزيات:(86)
عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، والحسين بن على بن أبي طالب.(87)
7 - قراءة علي بن حمزة الكسائي:(88)
عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وأبي هريرة، والحسين بن علي بن أبي طالب.(89)
8 - قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع:(90)
عن زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعبد الله بن عياش، وأبي هريرة.(91)
9 - قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي:(92)
عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن السائب، وأبي هريرة.(93)
10 - قراءة خلف بن هشام البزار:(94)
عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، والحسين بن على بن أبي طالب.(95)

[line]

(55) وقيل أم هاشم، صحابية أنصارية مشهورة، روت حديث قراءة سورة ق على الْمنبر يوم الجمعة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن الراوية عن عائشة لأمها. أسد الغابة في معرفة الصحابة (7/403)،و(7/406)، وتقريب التهذيب ص 759 ترجمة 8779.
(56) الآية 1 من سورة ق.
(57) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ح: 873، انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (6/162)، والنسائي في سننه: كتاب الجمعة، باب القراءة في الخطبة ح1411، انظر سنن النسائي مع شرح السيوطي وحاشية السندي (3/107)، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة باب الرجل يخطب على قوس (1/288) ح 1100.
(58) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ (8/691) 5027.
(59) هو أبو الوليد عبادة بن الصامت الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، ومن أعيان البدريين، شهد الْمشاهد كلها مع رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وسكن بيت الْمقدس، مات بالرملة سنة 34 هـ . سير أعلام النبلاء (2/5)، وأسد الغابة (3/160)، وشذرات الذهب (1/40-62).
(60) رواه أحمد في مسنده باقي مسند الأنصار (6/443) ح 22260.
(61) محل شرقي الْمدينة، بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم قِبَل نجدٍ، وبِها أرسل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نفرًا من القراء إلى أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام، فغدر بِهم عامرُ بن الطفيل فقتلهم، وكانوا سبعين رجلاً، وكان ذلك في صفر سنة أربع من الهجرة. السيرة النبوية لابن هشام (3/103-108)، والْمصباح الْمنير ص 170.
(62) البخاري في كتاب الجهاد والسير باب من يُنْكَب في سبيل الله. صحيح البخاري مع فتح الباري (6/23) ح2801، ومسلم في كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد ح 677. صحيح مسلم مع شرح النووي (13/46-47).
(63) اليمامة من حروب الردة، وهي الوقعة التي قاتل فيها الْمسلمون مسيلمة الكذاب ومن معه سنة 11 هـ ، استشهد فيها من الصحابة أكثر من ستمائة رجل، وكان جملة القتلى من الْمسلمين نحو 960 رجلاً، وقتل من الْمرتدين أكثر من عشرين ألف رجلٍ. تاريخ الأمم والْملوك - الطبري (2/283)، والبداية والنهاية (6/330)، وتاريخ الإسلام للذهبي في جزء حوادث سنة 11-40 هـ ص 73، وذكر الحافظ في الفتح أن القتلى من القراء كانوا سبعين، فتح الباري (8/668)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (1/199-204).
(64) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن، انظر الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/626) ح 4986.
(65) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(66) قال الذهبي بعد ذكر معاذ بن جبل، وأبي زيد، وسالْم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر: ولكن لم تتصل بنا قراءتهم. معرفة القراء الكبار (1/42).
(67) انظر: جمال القراء وكمال الإقراء (2/424)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 67-70، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/668)، والإتقان (1/199-204).
(68) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 4999.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).
(69) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 5000.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).
(70) قال النووي: هو سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي، من بني عمرو بن عوف، بدري، يُعرف بسعد القارئ، استشهد بالقادسية سنة خمس عشرة في أول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة، وخالفهم غيرهم فقالوا: هو قيس بن السكن الخزرجي، من بني عدي بن النجار، بدري، قال موسى بن عقبة: استشهد يوم جيش أبي عبيد بالعراق، سنة خمس عشرة أيضًا. شرح النووي على صحيح مسلم (16/20).
وقال ابن الأثير بعد أن ذكر ترجيح الواقدي أنه قيس بن السكن: هذا كله قول الواقدي. وغيره يصحح أنَّهما - يعني هذا (سعد بن عبيد ) وقيس بن السكن - جميعًا جمعا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . أسد الغابة في معرفة الصحابة (6/128).
وذكر الحافظ ابن حجر عن علي بن الْمديني أن اسمه أوس، وعن يحيى بن معين: هو ثابت بن زيد. فتح الباري (7/159)، وذكر أيضًا قولاً أنه قيس بن أبي صعصعة، وقولاً أنه سعد بن الْمنذر. فتح الباري (8/669).
(71) رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159)، وفي فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 5004 (8/663)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.
(72) وقيل أم ورقة بنت نوفل، وهي صحابية، كانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أن تتخذ مؤذنًا، فأذن لها، فكانت تؤم أهل دارها، ماتت في خلافة عمر، قتلها خدمها، وكان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يسميها الشهيدة. أسد الغابة في معرفة الصحابة (7/408-409)التقريب ص 759، ترجمة 8780.
(73) رواه أحمد في مسنده: مسند القبائل (7/554) ح 26739، وانظر الإتقان (1/203).
(74) هؤلاء الثمانية هم الذين قرءوا على النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وإن كان في أسانيد القراء من لم يقرأ على النبي، بل قرأ على بعض الصحابة، كابن عباس والحسينبن علي، وأبي هريرة، وعبد الله بن السائب، وعبد الله بن عياش، كما سيأتي.
(75) قال الإمام الذهبي: فهؤلاء الذين بلغنا أنَّهم حفظوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأُخذ عنهم عرضًا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة. اهـ . معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار (1/42).، وقد وردت رواية القرآن عن عمر رضي الله عنه كما سيأتي قريبًا في ذكر من روى عنهم القراء من الصحابة، وانظر النشر في القراءات العشر (1/112،120).
(76) هو الإمام حبر القرآن، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، أبو رويم الْمقرئ الْمدني، أحد الأعلام، ولد سنة بضع وسبعين للهجرة، قرأ وجوَّد كتاب الله على طائفة من التابعين من أهل الْمدينة، منهم: الأعرج، وأبو جعفر، قال عنه مالك: نافعٌ إمام الناس في القراءة، وكان طيب الخلق، يباسط أصحابه، إذا تكلم يشم من فيه رائحة الْمسك، توفي سنة 169 هـ . شذرات الذهب (1/270)، ومعرفة القراء الكبار (1/107)، وسير أعلام النبلاء (7/336).
(77) أبو هريرة أسلم متأخرًا، وابن عباس وابن عياش من صغار الصحابة، وقد قرؤوا جميعًا على أبي بن كعب رضي الله عنه ، وقرأ أبو هريرة وابن عباس على زيد بن ثابت أيضًا. انظر النشر في القراءات العشر (1/112،178)، ومعرفة القراء الكبار (1/45،57).
(78) هو الإمام العلم، مقرئ مكة، ولد سنة 48 هـ، قرأ على عبد الله بن السائب الْمخزومي، ومجاهد ودرباس مولى ابن عباس، وكان مهيبًا فصيحًا مفوَّهًا واعظًا كبير الشأن، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وشبل بن عباد، وطائفة غيرهم. معرفة القراء الكبار (1/86)، وسير أعلام النبلاء (5/318).
(79) عبد الله بن السائب من صغار الصحابة، وقد قرأ على أبي بن كعب وعمر بن الخطاب، وقرأ عليه ابن كثير من غير واسطة. انظر النشر في القراءات العشر (1/120)، ومعرفة القراء الكبار (1/47).
(80) هو شيخ القراءة والعربية، الإمام مقرئ أهل البصرة، أخذ القراءة عن أهل الحجاز، كمجاهد وابن كثير من مكة، وأبي جعفر ويزيد بن رومان من الْمدينة، وكذلك عن أهل البصرة، كيحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وكان أكثر القراء العشرة شيوخًا، ويلاحظ ذلك من كثرة من قرأ بقراءتهم من الصحابة. وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، وكان أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر. توفي 154 هـ . معرفة القراء الكبار (1/100)، وسير أعلام النبلاء (6/407).
(81) النشر في القراءات العشر (1/133).
(82) هو الإمام الكبير مقرئ الشام، وأحد الأعلام، أبو عمران اليحصبي الدمشقي، ولد سنة 21 هـ، وقرأ على أبي الدرداء، والْمغيرة بن أبي شهاب، صاحب عثمان، توفي سنة 118 هـ. معرفة القراء الكبار (1/82)، وسير أعلام النبلاء (5/292).
(83) قطع الحافظ أبو عمرو الداني، وصحح ابن الجزري أن عبد الله بن عامر قرأ على أبي الدرداء دون واسطة. النشر في القراءات العشر (1/144).
(84) هو عاصم بن بهدلة أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، الإمام الكبير، انتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وزِرِّ بن حبيش، وقرأ عليه خلق كثير، كالأعمش، والْمفضل الضبي، وحفص بن سليمان، توفي آخر سنة 127 هـ، وقيل 128 هـ. معرفة القراء الكبار (1/88)، وسير أعلام النبلاء (5/256)، وشذرات الذهب (1/175).
(85) النشر في القراءات العشر (1/155).
(86) هو الإمام القدوة، شيخ القراءة، أبو عمارة التيمي مولاهم الكوفي، كان إمامًا قيمًا لكتاب الله، قانتًا لله، ثخين الورع، رفيع الذكر، عالْما بالفرائض والحديث، عديم النظير. توفي سنة 156 هـ. معرفة القراء الكبار (1/111)، وسير أعلام النبلاء (7/90)، وشذرات الذهب (1/240).
(87) قرأ الحسين على أبيه علي بن أبي طالب- رضي الله عنهما، النشر في القراءات العشر (1/155،165).
(88) هو الإمام شيخ القراءة والعربية، أحد الأعلام، ولد في حدود سنة عشرين ومائة، وقرأ القرآن على حمزة وعيسى الهمداني، وإليه انتهت الإمامة في القراءة والعربية، كان أعلم الناس بالنحو، وكان أوحد الناس في القرآن، أدَّب الرشيد وولده الأمين، فنال ما لم ينله أحدٌ من الجاه والْمال والإكرام، وحصل له رياسة العلم والدنيا. شذرات الذهب (1/321)، ومعرفة القراء الكبار (1/120)، وسير أعلام النبلاء (9/131).
(89) النشر في القراءات العشر (1/172).
(90) قارئ الْمدينة، الزاهد العابد، رفيع الذكر، قرأ على أبي هريرة، وابن عباس، وقرأ عليه نافع وغيره، وكان من أفضل أهل زمانه، رؤي بعد موته على ظهر الكعبة يخبر أنه من الشهداء الكرام، توفي 129 هـ. شذرات الذهب (1/176)، ومعرفة القراء الكبار (1/72).
(91) قرأ أبو جعفر على عبد الله بن عياش وابن عباس وأبي هريرة بغير واسطة، وقيل إنه قرأ أيضًا على زيد بن ثابت نفسه، قال ابن الجزري: وذلك محتمل، فإنه صح أنه أتي به إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فمسحت على رأسه، ودعت له، وأنه صلى بابن عمر بن الخطاب، وأنه أقرأ الناسَ قبل الحرة، وكانت الحرة سنة 63 هـ.. النشر في القراءات العشر (1/178).
(92) قارئ أهل البصرة في عصره، أحد الأئمة الأعلام، قرأ على أبي الْمنذر سلام بن سليم، كان من أعلم الناس بالحروف والاختلاف في القرآن العظيم، وتعليل مذاهبه، ومذاهب النحويين، توفي سنة 205 هـ. شذرات الذهب (2/14)، ومعرفة القراء الكبار (1/157).
(93) النشر في القراءات العشر (1/185-186).
(94) هو الإمام الحافظ الحجة، شيخ الإسلام، أبو محمد البغدادي البزار، ولد سنة 150 هـ، قرأ على سليم عن حمزة، وله اختيار خالف فيه حمزة، وقرأ عليه أحمد بن يزيد الحلواني، والكسائي الصغير، وغيرهم، وكان عابدًا فاضلاً من النبلاء، كثير العلم، صاحب سنة. توفي سنة 229 هـ. معرفة القراء الكبار (1/208)، وسير أعلام النبلاء (10/276).
(95) النشر في القراءات العشر (1/191).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:28 AM   رقم المشاركة : 7
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الأول
حفظ القرآن في الصدور

الرد على طعن الْملاحدة في تواتر القرآن

تعلق بعض الْملاحدة بحديث أنس في حصر من جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.(96)
وفي رواية قتادة قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ.(97)
فقالوا: كيف يكون القرآن متواترًا، مع ما يروى عن أنس مِن حَصْر مَن جمع القرآن في هؤلاء الأربعة.
وتعلقوا أيضًا بأن أسانيد القراء تدور على ثمانية فقط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: إن هذا العدد لا يبلغ مبلغ التواتر.
ويجاب عن حديث أنس رضي الله عنه بوجوه:
أولاً: الجواب بأن الحصر في كلام أنس إضافي، لا حقيقي.
أي أن قول أنس (أَرْبَعَةٌ) لا مفهوم له؛ وليس الحصر في كلامه حقيقيًّا، بل هو حصر إضافي، أي: بالإضافة إلى غيرهم، وإلا فأين الخلفاء الأربعة، وأين سالْم مولى أبي حذيفة، وأين أبو موسى وغيرهم.ولذلك ثلاثة أدلة:
الأول: كثرة الحفاظ من الصحابة:
فقد روي حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وثبت في الصحيح أنه قُتِل يوم بئر معونة سبعون مِمَّن جمع القرآن،(98) وروي أنه قتل في وقعة اليمامة(99) مثلهم.
فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ، فكيف الظن بِمن لم يُقتل مِمَّن حضرها، ومن لم يحضرها وبقي بالْمدينة أو بمكة أو غيرهما.
الثاني: استحالة إحاطة أنس بحال كل الصحابة وأنَّهم لم يجمعوا القرآن كله.
أي بتقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف له الإحاطة بكل من جمع القرآن مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلدان، وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا في غاية البعد في العادة. وقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة، وأما غيرهم من الْمهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم فلم ينفهم، ولو نفاهم كان الْمراد نفي علمه، وإذا كان الْمرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك.
كما أنه لم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة، الذين يبعد كل البعد أنَّهم لم يجمعوه،(100) مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات، وكيف نظن هذا بِهم، ونحن نرى أهل العصور اللاحقة يحفظ القرآن منهم في كل بلدة ألوف، مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة؟ مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونَها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن، وما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف نظن بِهم إهماله ؟ فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد جمع القرآن إلا الأربعة الْمذكورون.(101)
الثالث: اختلاف الرواية عن أنس في تحديد الأربعة
فمِمَّا يدل على إرادة الحصر الإضافي اختلاف الرواية عن أنس رضي الله عنه في تحديد الأربعة، ففي رواية: أبي ومعاذ وزيد وأبو زيد،(102) وفي رواية أخرى أبو الدرداء مكان أبيٍّ،(103) وهذا دليل على عدم إرادة الحصر الحقيقي، فهو صادق في كلتا الروايتين ؛ لأنه ليس معقولاً أن يكذب نفسه، فتعين أن الْمراد بالحصر هنا حصر إضافي، بأن يقال: إن أنسًا رضي الله عنه تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة، ويذكر معهم أبي بن كعب دون أبي الدرداء، ثم تعلق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة، ويذكر معهم أبا الدَّرْداء دون أُبَيِّ بن كعبٍ.(104)
كما اختلف العلماء في تحديد أبي زيدٍ الْمذكور في هذا الحديث، فبعضهم يَجعله سعد بن عبيد الأوسي، وبعضهم يجعله قيس بن السكن الخزرجي، وبعضهم يصحح أنَّهما جميعًا جمعا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ـ(105) وبعضهم يجعله قيس بن أبي صعصعة.(106)
والاختلاف في تحديد الْمعدود الْمحصور يدل على عدم إرادة الحصر الحقيقي.
ثانيًا: الجواب بتقدير مراد أنس بالحصر الإضافي:
وذلك بوجوه:
الأول: أن الْمراد به: لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بِها إلا أولئك.
الثاني: أن الْمراد: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته، وما لم ينسخ غيرهم.
الثالث: أن الْمراد بجمعه: تلَقِّيهِ من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة، بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة.
الرابع: أنَّهم تصدوا لإلقائه وتعليمه، فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عُرف حالهم، فحصر ذلك فيهم بحسب علمه.
الخامس: أن الْمراد بالجمع في هذا الحديث الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظًا عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب.
السادس: أن الْمراد أن أحدًا لم يفصح بأنه جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هم، بخلاف غيرهم، فلم يفصح أحد منهم بأنه أكمل حفظه إلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة مِمَّن جمع جميع القرآن.(107)
ثالثًا: مع التسليم بثبوت كلام أنس على الحصر الحقيقي، فإن ذلك لا يقدح في تواتر القرآن.
فلو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة، لم يقدح ذلك في تواتر القرآن ؛ فإن أجزاءه حفظ كلَّ جزءٍ منها خلائق لا يحصون، يحصل التواتر ببعضهم، وليس من شرط التواتر أن ينقل جميعُهم جميعَه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك، ولم يخالف في هذا مسلمٌ ولا ملحدٌ.(108)
وهناك احتمالات ضعيفة فيها تكلف،(109) منها:
1 - أن الْمراد بجمعه السمع والطاعة له، والعمل بموجبه.
2 - أن الْمراد إثبات ذلك للخزرج فقط دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من الْمهاجرين ومن جاء بعدهم.
أما دوران أسانيد القراء على ثمانية من الصحابة فقط، فيجاب بأن هؤلاء الثمانية هم الذين نقل إلينا قراءتهم، ولا ينفي ذلك إقراء غيرهم، ومعرفتهم بقراءة هؤلاء، وإقرارهم عليها، كما أن تواتر القرآن يختلف عن تواتر الحديث، فعند علماء الحديث من أقسام الْمتواتر: تواتر الطبقة، ومثلوا له بتواتر القرآن، فقد تلقاه جيل عن جيلٍ، فهو لا يحتاج إلى إسناد.(110)

[line]

(96) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 5004 (8/663). وقد صرح أنس في هذه الرواية بصيغة الحصر، قال الحافظ: وقد استنكره جماعة من الأئمة.( يعني التصريح)، انظر فتح الباري (8/668).
(97) رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159) ح 3810، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.
(98) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب من يُنْكَب في سبيل الله. صحيح البخاري مع فتح الباري (6/23) ح2801، ومسلم في كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد ح 677. صحيح مسلم مع شرح النووي (13/46-47).
(99) اليمامة من حروب الردة، وقعت سنة 11 هـ، سبق الحديث عنها ص 15.
(100) والذين منهم من كان يقول: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. كما روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم ـ (8/662) ح 5002.
(101) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 67، وفتح الباري (8/667-668)، وشرح النووي على صحيح مسلم (16/19)، والإتقان (1/200).
(102) رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.
(103) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . انظر الصحيح مع فتح الباري (8/663) ح 5004.
(104) مناهل العرفان (1/243-245).
(105) أسد الغابة في معرفة الصحابة (6/128).
(106) ذكره ابن أبي داود فيمن جمع القرآن. انظر فتح الباري (8/669).
(107) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 68-69، وفتح الباري (8/667)، والإتقان (1/200-201).
(108) شرح النووي على صحيح مسلم (16/20)، وفتح الباري (8/668)، والإتقان (1/200).
(109) انظر فتح الباري (8/668-669).
(110) تعليقات اليماني على نزهة النظر ص 22.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:30 AM   رقم المشاركة : 8
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثاني
تدوين القرآن الكريم

الْمبحث الأول:الأمر بكتابة القرآن سبب جمع القرآن كتابة في العصر النبوي مواد الكتابة
في العصر النبوي الْمبحث الثاني: أسباب عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد

الْمبحث الأول: الأمر بكتابة القرآن

كان تعويل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول الأمر على جمع القرآن في القلوب بِحفظه واستظهاره، ضرورةَ أنَّه نبي أمي، بُعِث إلى أمة أميَّةٍ.
قال ابن الجزري: (1) ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط الْمصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لِهَذِهِ الأمة.(2)
ففي الحديث الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَحكيه عن الله تعالى أنَّه قَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْماءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ.(3)
فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالْماء.(4)
ثم كان من مزيد عناية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أن اعتنوا بكتابة القرآن الكريم، حتى يكون ذلك حصنًا ثانيًا لِحمايته من التغيِير والضياع.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن، حفظًا له في السطور بعد أن حفظه هو وأصحابه في الصدور، ونَهى في بداية الأمر(5) عن كتابة غير القرآن ؛ حتى لا يلتبس به:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إِلاَّ الْقُرْآنَ فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ.(6)
قال النووي : وكان النهي(7) حين خيف اختلاطه بالقرآن ، فلمَّا أُمن ذلك أذن في الكتابة ، وقيل: إنَّما نَهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة ؛ لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة.(8)
وزاد الحافظ ابن حجر ‎وجهًا أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره.(9)
وقد بلغ من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين القرآن أنَّه كان إذا أنزل عليه شيءٌ يدعو أحد كُتَّابه ، ويأمره بكتابة ما نزل عليه - ولو كان كلمة واحدة ، أو سورة طويلة - بمجرد نزوله عليه :
فعن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(10)
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي فَمَا وَجَدْتُ ثِقْلَ شَيْءٍ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ وَالْمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى لَمَّا سَمِعَ فَضِيلَةَ الْمجَاهِدِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَضَى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي وَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا فِي الْمرَّةِ الثَّانِيَةِ كَمَا وَجَدْتُ فِي الْمرَّةِ الأُولَى ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ اقْرَأْ يَا زَيْدُ فَقَرَأْتُ } لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ { فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم } غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ { ،(11) الآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ زَيْدٌ: فَأَنْزَلَهَا اللهُ وَحْدَهَا، فَأَلْحَقْتُهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي كَتِفٍ.(12)
وروى أبو صالح عن ابن عباس في سورة الأنعام، قال: هي مكية، نزلت جُملة واحدة، نزلت ليلاً، وكتبوها من ليلتهم.(13)
سبب جمع القرآن كتابة في العصر النبوي
وعد الله تعالى بحفظ الكتاب الكريم، قال تعالى: } إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون {،(14) ولما كانت الكتابة من أسباب الحفظ، فقد يسرها الله للمسلمين، وأمر بِها النبي صلى الله عليه وسلم ، وفعلها كُتَّابه بحضرته صلى الله عليه وسلم ، هذا، وقد كان لكتابة القرآن أسباب أخرى، منها:
1 - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مطالبًا بتبليغ الوحي، قال تعالى: } يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك {،(15) والتبليغ في حاجة ماسَّة إلى الكتابة، فبها تقوم الحجة على من يرى الكتاب ممن لم يسمع البلاغ باللسان، إما لبعد داره أو بعد زمانه عن دار وزمان النبي صلى الله عليه وسلم .
2 - أن الكتابة أدعى إلى حفظ التنزيل وضبطه، وأبعد عن ضياعه ونسيانه،فاقتضى ذلك تعضيد الْمحفوظ في الصدور بالْمكتوب في السطور، لأنَّه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم حيًّا بين أظهرهم، إلا أنَّه بصدد أن يموت، ولا يُدرى متى يموت، كما أنَّه لا يُؤمَن أن يفنى حُفَّاظُه في أي ساعة، وقد مرَّ أن سبعين منهم قتلوا في بئر معونة، ومثلهم أو يزيد قتلوا في وقعة اليمامة،(16) فاقتضى ذلك أن يُكْتَب القرآن بِمجرد نزوله.(17)
مواد الكتابة في العصر النبوي
كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يستعملون في كتابة القرآن كل ما توفَّر في بيئتهم وتيسَّر لَهم من أدوات الكتابة كالجلود والعظام والحجارة ونحوها، فكانوا يكتبون القرآن على الرِّقَاع،(18) وَالأَكْتَافِ،(19) وَالْعُسُبِ،(20) واللخاف،(21) والأضلاع،(22) والأقتاب،(23) والأَلواحِ،(24) وقطع الأديم،(25) والكرانيف.(26)
عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قال: فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ.(27)
وفي رواية: فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ.(28)
وفي رواية :ومن الأضلاع، وفي رواية: والأقتاب.(29)
وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقال: ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ.(30)
وعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا بِالْمرْبَدِ فَجَاءَ رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدِهِ قِطْعَةُ أَدِيمٍ أَحْمَرَ، فَقُلْنَا: كَأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ؟ فَقَالَ: أَجَلْ. قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الأَدِيمَ الَّتِي فِي يَدِكَ، فَنَاوَلَنَاهَا فَقَرَأْنَاهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ …(31)
قال ابن الأثير: وحديث الزهري: والقرآن في الكرانيف. يعني أنَّه كان مكتوبًا عليها قبل جمعه في الصحف.(32)
هذه الآثار وغيرها تدلنا على عظيم بلاء الصحابة في كتابة القرآن، وما تحملوه من الْمشقات، حيث إن مواد الكتابة في ذلك العهد لم تكن متوفرة، كما أن الْموجود منها لم يكن سهل الاستعمال، بل كان يحتاج إلى جهد كبير في التجهيز والإعداد.
وبقي القرآن مكتوبًا على هذه الأشياء محفوظًا عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يجمع في صحف أو مصاحف في ذلك العهد.(33)
قال القسطلاني:(34) وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده صلى الله عليه وسلم ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور.(35)
الْمبحث الثاني: أسباب عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد
توفي النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن مفرقٌ في الرقاع والعسب والعظام والأحجار، ولم يُجمع القرآن في زمنه صلى الله عليه وسلم في صحف ولا مصاحف:
فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ فِي شَيْءٍ.(36)
قال السيوطي: ولا ينافي ذلك‎؛(37) لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة.(38)
قال القسطلاني: وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده صلى الله عليه وسلم ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور.(39)
وإنَّما ترك النبي صلى الله عليه وسلم جمع القرآن في مصحف واحد لاعتبارات كثيرة، منها:(40)
1 - أنَّه لم يوجد من دواعي كتابته مجموعًا في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى كتبه في صحف ، ولا مثل ما وجد في عهد عثمان رضي الله عنه حتى نسخه في مصاحف، فالْمسلمون وقتئذ بخير، والقراء كثيرون، والإسلام لم تتسع دولته، والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة ، وأدوات الكتابة غير ميسورة ، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وعنايته باستظهار القرآن تفوق الوصف، فلا خوف على ضياع شيء منه في تلك الْمدة .
2 - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله نسخه من القرآن، ولو جمع القرآن في مصحف واحد وقتئذ لكان عرضة لتغيير الْمصاحف كلما وقع نسخ .
3 - أن القرآن لم يَنْزِل جملة واحدة ، بل نزل منجمًا في مدى عشرين سنة أو أكثر، ولم يكن ترتيب الآيات والسور على ترتيب النُّزُول، ولو جُمِع القرآن في مصحف واحد وقتئذ لكان عرضة لتغيير الْمصاحف كلما نزلت آية أو سورة.

[line]

(1) هو الإمام العلامة محمد بن محمد بن محمد بن علي بن الجزري، الْمقرئ الْمجود، صاحب التصانيف العظيمة في القراءات، كالنشر وتقريبها، والدرة والطيبة، وغيرها كثير، وألف أيضًا في التفسير والحديث والفقه والعربية، ونظم كثيرًا في العلوم وغير ذلك في فنون شتى. توفي سنة 833 هـ. مقدمة النشر في القراءات العشر (1/د).
(2) النشر في القراءات العشر (1/6)، وانظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/400).
(3) مسلم في الصحيح كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها بَاب الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ (17/198) ح 2865، وأحمد في مسند الشاميين (5/166) ح 17030.
(4) في شرح قوله: لا يَغْسِلُهُ الْماءُ قال ابن الأثير: أراد أنَّه لا يُمحى أبدًا، بل هو محفوظ في صدور الذين أوتوا العلم، } لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه { وكانت الكتب الْمنزلة لا تُجمع حفظًا ، وإنما يعتمد في حفظها على الصحف، بخلاف القرآن، فإن حفاظه أضعاف مضاعفة لصحفه . النهاية في غريب الحديث والأثر (3/367).
(5) ورد التصريح بكتابة الحديث بعد ذلك ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ في فتح مَكَّةَ: فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ. قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم في كتاب الحج بَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ وَصَيْدِهَا وَخَلاهَا وَشَجَرِهَا وَلُقَطَتِهَا إِلا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ (9/129) ح 1355 ، والبخاري في كتاب العلم باب كتابة العلم (1/248) ح 112. قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر اختلاف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة العلم: استقر الأمر وانعقد الإجماع على جواز كتابة العلم ، بل على استحبابه ، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم . فتح الباري (1/246)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (18/129-130).
(6) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم - صحيح مسلم مع شرح النووي (18/129) ح 3004، والدارمي في الْمقدمة.باب من لم ير كتابة الحديث (1/119) ح 450 .
(7) يعني عن كتابة الحديث.
(8) شرح النووي على صحيح مسلم (18/130)، والْمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص 410 وما بعدها.
(9) فتح الباري (1/251).
(10) رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وأحمد في مسنده - مسند العشرة الْمبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501.
(11) من الآية 95 من سورة النساء.
(12) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب قول الله تعالى } لا يستوي القاعدون … { (6/53) ح 2832 ، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة بَاب سُقُوطِ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمعْذُورِينَ (13/42-43) ح 1898، وأبو داود في سننه كتاب الجهاد بَاب فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُعُودِ مِنَ الْعُذْرِ (3/11) ح 2507.
(13) ذكره ابن الجوزي في زاد الْمسير في علم التفسير (3/1) ، ومحاسن التأويل (تفسير القاسمي) (6/2230).
(14) الآية 9 من سورة الحجر.
(15) سورة الْمائدة ، الآية 67.
(16) راجع مبحث الحفاظ من الصحابة.
(17) مناهل العرفان (1/362).
(18) الرقاع جمع رُقْعة، وهي التي يكتب فيها، وتكون من جلد أو كاغد. لسان العرب مادة (رقع) (3/1705).
(19) الأكتاف جمع كَتِف، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدوابِّ، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. النهاية في غريب الحديث (4/150).
(20) العسب جمع عسيب ، وهو جريد النخل ، كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون في الطرف العريض، وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعف.النهاية في غريب الحديث (3/234)، ولسان العرب مادة (عسب) (4/2936).
(21) اللخاف جمع لَخْفة، وهي صفائح الحجارة البيض الرقاق، فيها عرض ودقة، وقيل هي الخزف يصنع من الطين الْمشوي.وقد فسرها بعض الرواه بالحجارة. انظر كتاب الْمصاحف لابن أبي داود ص 13،14، وبعضهم بالخزف. انظر فتح الباري (13/195) ح 7191.
(22) الأضلاع هي عظام الجنبين، جمع ضِلَعٍ، وهو محنيَّة الجنب. لسان العرب مادة (ضلع) (4/2598).
(23) الأقتاب جمع قَتَب بفتحتين، وهو الخشب الذي يوضع ظهر البعير ليركب عليه. فتح الباري (8/630).
(24) الألواح جمع لَوْح، وهو كل صفيحة عريضة من صفائح الخشب، والكتف إذا كتب عليها سميت لوحًا. لسان العرب مادة (لوح) (5/4095).
(25) الأديم هو الجلد ما كان، وقيل الأحمر منه، وقيل هو الْمدبوغ. لسان العرب مادة (أدم) (1/45).
(26) الكرانيف جمع كُرْنافة ، وهي أصل السَّعَفة الغليظة. النهاية في غريب الحديث (4/168).
(27) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن باب } لقد جاءكم رسول من أنفسكم… { (8/194-195) ح 4679.
(28) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب يستحب للكاتب أن يكون أمينًا (13/195) ح 7191.
(29) رواهما ابن أبي داود في كتاب الْمصاحف ص 14،15.
(30) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (8/637-638) ح 4990.
(31) رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء بَاب مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ (3/153) ح 2999.
(32) النهاية في غريب الحديث (4/168).
(33) مناهل العرفان (1/247). (1/368).
(34) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني القتيبي الْمصري، ولد سنة 851 هـ، له تصانيف عظيمة، منها إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ولطائف الإشارات في علم القراءات، وغيرها من الْمصنفات الْمفيدة. توفي سنة 923 هـ. الأعلام للزركلي (1/232).
(35) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/446)، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم القرآن للمارغني ص 17.
(36) أخرجه الديرعاقولي في فوائده، انظر فتح الباري (8/627)، والإتقان في علوم القرآن (1/164)، ورواه الطبري عن الزهري مرسلاً مرفوعًا، تفسير الطبري، الْمقدمة (1/28).
(37) يعني أن القرآن كان مكتوبًا زمنه صلى الله عليه وسلم .
(38) يعني أن الذي نفاه زيدٌ من الجمع هو جمع متفرق القرآن في صحف، وجمع الصحف في الْمصاحف، كتابة جميع القرآن. انظر الإتقان في علوم القرآن (1/164).
(39) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/446)، ودليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم القرآن للمارغني ص 17.
(40) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/446)، والإتقان (1/164)، ومناهل العرفان (1/248-249)، ودليل الحيران شرح مورد الظمآن في رسم القرآن للمارغني ص 17، ودلائل النبوة (7/154).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:35 AM   رقم المشاركة : 9
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثاني
تدوين القرآن الكريم
الْمبحث الثالث: كُتَّاب الوحي
كان للنبي صلى الله عليه وسلم كُتَّاب يكتبون الوحي، فكان إذا أنزلت عليه الآية أو الآيات دعا بعض كُتَّابه، فأملَّ عليه ما نزل، فكتب بين يديه، وكان يأمرهم بوضع الآيات في مواضعها الْمخصوصة من سورها.
فعَنْ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(1)
وقد كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه، ومن أشهر كُتَّابه صلى الله عليه وسلم :
1 - زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري:
كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ترجم له البخاري:(2) بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وذكر فيه حديثين:
الأول: عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ، … الحديث.(3)
والثاني: عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقال: ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ، أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ… الحديث.(4)
وكان قد جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، كما صح في الحديث،(5) وقد كتب الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن، وهو الذي جمع القرآن بأمر أبي بكر الصديق، ونسخ الْمصاحف بأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه .ـ(6)
وهو أكثر من كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم بالْمدينة، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه (الكاتب) بلام العهد.(7)
2 - أبيُّ بن كعب الأنصاري:
سيد القراء، وأحد الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم، وكان قد جمع القرآن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ،ـ(8) وهو أول من كتب الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في الْمدينة.(9)
قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيَّ بنَ كعب، فإن لم يحضر كتب زيد بن ثابت.(10)
3 - عبد الله بن سعد بن أبي سرح:
هو أول من كتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بِمكة ، ثم ارتد عن الإسلام، ولَحق بالْمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم وحسُن إسلامه.(11)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّار، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم .ـ(12)
ومن كُتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي:
أما أبو بكر رضي الله عنه فقد ذكر ابن كثير رواية موسى بن عقبة في قصة سراقة بن مالك، وأنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتابًا، فأمر أبا بكر فكتب له كتابًا، ثم ألقاه إليه.
وقد روى البخاري وأحمد أن عامر بن فهيرة هو الذي كتب الكتاب.(13)
قال ابن كثير: فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه، ثم أمر مولاه عامرًا فكتب باقيه.(14)
وأما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما: فكتابتهما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مشهورةٌ.(15)
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فهو الذي كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية،(16) وكتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم .ـ(17)
ومن كتاب الوحي أيضًا: معاوية بن أبي سفيان: فقد أسلم عام الفتح، وحسُن إسلامه، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم .ـ(18)
عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : يَا نَبِيَّ اللهِ ثَلاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمسْلِمِينَ.(19)
وعن ابْن عَبَّاسٍ أيضًا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ -وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: فَسَعَيْتُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ.(20)
ومنهم عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم: أسلم عام الفتح أيضًا، وكتب للنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .
قال الأعمش: قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: عبد الله ابن الأرقم.(21)
ومنهم الزبير بن العوام بن خويلد الأسَدي: أحد العشرة الْمبشرين بالجنة، حواريُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .ـ(22)
ومن كتاب الوحي أيضًا حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدِيُّ التميمي الكاتب:
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ … الحديث.(23)
ومنهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق:
في حديث الهجرة عن سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ، قال: فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ.(24)
ومِمَّن كتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا أرقم بن أبي الأرقم الْمخزومي:
كان من السابقين إلى الإسلام، ومن الْمهاجرين الأولين، وهو الذي كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستخفون في داره لَمَّا خافوا الْمشركين.(25)
ومنهم أيضًا ثابت بن قيس بن شماس: خطيب الأنصار، وخطيب النبي صلى الله عليه وسلم .ـ(26)
ومِمَّن كتب له صلى الله عليه وسلم أيضًا: خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد.(27)
ومِمَّن يُروى أنَّه كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم السِّجِلُّ: إن صحَّ الحديث فيه عَنِ ابن عباس.
فقد روى الطبري في تفسير قوله تعالى: } يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ { ،(28) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه قَالَ: (السِّجِلُّ) كَاتِبٌ كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .ـ(29)
قال ابن كثير: وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ أبي الحجاج الْمزِّيِّ فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامةَ أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا الْمزِّيّ: وأنا أقوله.(30)
وقال الطبري: ولا يُعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتبٌ كان اسمه السِّجِلَّ، ولا في الْملائكة ملك ذلك اسمه.(31)
قال ابن كثير: وهذا الذي أنكره الطبري من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدًّا، والحديث في ذلك منكر جدًّا.(32)

[line]

(1) رواه أحمد في مسنده - مسند العشرة الْمبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086.
(2) ترجم البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن: بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وذكر فيه حديثين في كتابة زيد للنبي صلى الله عليه وسلم . الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/637).
(3) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .ـ(8/637) ح 4989.
(4) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن بَاب كَاتِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ـ(8/637-638) ح 4990.
(5) الذي رواه البخاري في كتاب الْمناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810 (7/159)، وفي فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 5004 (8/663)، راجع الفصل الأول مبحث الحفاظ من الصحابة.
(6) السيرة النبوية لابن كثير (4/682-683).
(7) فتح الباري (8/638).
(8) راجع الفصل الأول مبحث الحفاظ من الصحابة.
(9) فتح الباري (8/638)، والسيرة النبوية لابن كثير (4/671).
(10) السيرة النبوية لابن كثير (4/669)، وانظر فتح الباري (8/638).
(11) السيرة النبوية لابن كثير (4/689)، وفتح الباري (8/638).
(12) رواه أبو داود في سننه كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتد (4/128)ح 4358 ، والنسائي في سننه كتاب تحريم الدم باب توبة الْمرتد (7/107) ح 4069.
(13) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (7/281) ح 3906، وأحمد في مسنده مسند الشاميين (5/187-188) ح 17141، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/685-686).
(14) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).
(15) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).
(16) رواه البخاري في صحيحه كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والْمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (5/388-392) ح 2731-2732، ولم يصرح فيه باسم الكاتب ، لكن جاء التصريح به في رواية البيهقي وغيره، انظر دلائل النبوة (4/146).
(17) السيرة النبوية لابن كثير (4/691)، وفتح الباري (8/638).
(18) السيرة النبوية لابن كثير (4/695)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة (5/209).
(19) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ رضي الله عنه ـ(16/62) ح 2501.
(20) رواه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم ـ(16/155-156) ح 2604، وأحمد في مسنده - مسند بني هاشم (1/480) ح 2646.
(21) السيرة النبوية لابن كثير (4/687-688).
(22) السيرة النبوية لابن كثير (4/677-678)، وفتح الباري (8/638).
(23) صحيح مسلم مع شرح النووي كتاب التوبة بَاب فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الآخِرَةِ … (17/65-66) ح 2750، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/673).
(24) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (7/281) ح 3906، وأحمد في مسنده مسند الشاميين (5/187-188) ح 17141، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (4/685-686).
(25) السيرة النبوية لابن كثير (4/671)
(26) السيرة النبوية لابن كثير (4/672)، وفتح الباري (8/638).
(27) فتح الباري (8/638)، ومناهل العرفان (1/367)، والسيرة النبوية لابن كثير (4/669-697).
(28) سورة الأنبياء، من الآية 104.
(29) تفسير الطبري (17/100)، ورواه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء باب اتخاذ الكاتب (3/132). ح 2935.
(30) السيرة النبوية لابن كثير (4/683-684).
(31) تفسير الطبري (17/100).
(32) السيرة النبوية لابن كثير (4/685).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:39 AM   رقم المشاركة : 10
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

[size=3]الفصل الثالث
ترتيب الآيات والسور
الْمبحث الأول:الآية والسورة لغة واصطلاحًا الآية لغة
الآية اصطلاحًا
السورة لغة
السورة اصطلاحًا
الْمبحث الثاني: ترتيب الآيات مسألة: ترتيب الآيات في السورة توقيفي
المبحث الأول: الآية والسورة لغةً واصطلاحًا
الآية لغة
اشتقاق (الآية) إما من (أيٍّ)؛ فإنَّها التي تبين أيًّا من أيٍّ (أيْ شيئًا من شيء)، وإما أن يكون اشتقاقها من (التأيِّي)، الذي هو التثبت والإقامة، أو من (أوى إليه) الذي يدل على التجمع، فمن جعلها من (أيي) فموضع العين عنده ياء، ومن جعلها من (أوى) فموضع العين عنده واو.(1)
وحقيقة الآية أنَّها: كلُّ شيء ظاهرٍ هو ملازمٌ لشيء لا يظهر ظهورَه، فمتى أدرَك مُدركٌ الظاهر منهما، علِم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواءً، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمَن علِم بملازمة العَلَم للطريق المنهج، ثم وجد العَلَم - علِم أنه وجد الطريق، وكذا إذا عليم شيئًا مصنوعًا علِم أنه لا بدَّ له من صانع.(2)
واختلف في وزنِها، فقال الخليل وسيبويه: (فَعَلَة)، بفتح العين، والعين ياء أو واوٌ،(3) فلما تحركت وانفتح ما قبلها أبدلت ألفًا.
وقال الفراء والكسائي: وزنُها (فَاعِلةٌ) والذاهبة اللام، ولو جاءت تامةً لجاءت آيِيَة، فخففت، وقيل الذاهبة العين تخفيفًا أيضًا.
وقيل هي على وزن (فَعْلَة) بسكون العين، فقلبت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، وهذا قلب شاذٌّ.(4)
وتطلق الآية في اللغة على ثلاثة معانٍ: العلامة، والجماعة، والأمر العجيب.
فالآية: العلامة، قال تعالى: } إن آية ملكه إن يأتيكم التابوت {.(5)
والآية الأمر العجيب، قال تعالى: } وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً {،(6) وهي الولادة دون الفحل.
وآية الرجل: شخصُه، وتقول: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم، ومنه آية القرآن؛ لأنَّها جماعةُ الحروف.(7)
قال ابن منظور:(8) والآية من التنزيل، ومن آيات القرآن العزيز، قال أبو بكر: سميت الآية من القرآن آية؛ لأنَّها علامة لانقطاع كلامٍ من كلامٍ.
ويقال: سميت الآية آية لأنَّها جماعة من حروف القرآن.
وقال ابن حمزة: الآية من القرآن، كأنَّها العلامة التي يُفضى منها إلى غيرها، كأعلام الطريق المنصوبة للهداية.(9)
وقيل: سميت آية لأنَّها علامة على صدق من أتى بِها، وعلى عجز المتحدى بِها.
وقيل: لأنَّها علامة على انقطاع ما قبلها من الكلام منها، وانقطاعها مِمَّا بعدها.(10)
الآية اصطلاحًا
قال التهانوي(11) نقلاً عن جامع الرموز: … وشرعًا: ما تبيَّن أوله وآخره توقيفًا من طائفة من كلامه تعالى بلا اسم.
قال: وقوله: بلا اسم احتراز عن السورة … وهذا التعريف أصح.(12)
قال الجعبري:(13) حدُّ الآية قرآن مركب من جمل، ولو تقديرًا، ذو مبدأ ومقطع، مندرج في سورة.
وقال غيره: الآية طائفة من القرآن، منقطعة عما قبلها وما بعدها.
وقيل: هي الواحدة من المعدودات في السور.
وقال بعضهم: الآية طائفة من حروف القرآن عُلم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن، وعما قبلها وما بعدها في غيرها،(14) غير مشتمل على مثل ذلك، وبِهذا القيد خرجت السورة؛ لأنَّها تشتمل على آيات، والآية لا تشتمل على آية أصلاً.(15)
والصحيح أن الآية إنَّما تُعلم بتوقيف من الشارع، كمعرفة السور.
قال الزمخشري: الآيات علم توقيفي، لا مجال للقياس فيه، ولذلك عدوا } الم { آية حيث وقعت، ولم يعدوا } المر { … (16)
السورة لغةً
السورة واحدة سُوَر القرآن، وهي إما أن تكون من ( السؤر )، وهو ما بقي في الإناء من الشراب، بإبدال الهمزة واوًا، وتكون سميت سورة لأنها قطعة من القرآن.
أو من (السُّور)، وهو حائط المدينة الذي يحيط بالبيوت، قال جرير:(17)
سُورُ المدينةِ والْجبالُ الخشَّعُ لَما أتى خبرُ الزُّبَيرِ تواضَعَتْ
وتكون سميت سورة لإحاطتها بآياتِها، واجتماعها كاجتماع البيوت بالسُّور.
أو من السورة بِمعنى المنزلة الرفيعة، قال النابغة:(18)
ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذبْذبُ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أعْطاكَ سُـورةً
وتكون سُمِّيت بذلك لارتفاعها؛ لأنَّها كلام الله تعالى.
أو من السورة من البناء، وهي ما حسُن وطال منه، أو كلُّ منزلة من البناء، وتكون سميت سورة لارتفاع قدرها، أو لأنَّها منزلةٌ بعد منزلةٍ، مقطوعةٌ عن الأخرى.
أو من التسور، بمعنى: التصاعد، يقال: تسَوَّرت الحائط، إذا علوته، ومنه قوله تعالى: } إذ تَسَوَّروا المحرابَ {،(19)فتكون سميت سورة لتركيب بعضها على بعض.(20)
السورة اصطلاحًا
قال الجعبري: السورة بعض قرآن يشتمل على آيٍ، ذو فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات.(21)
وقيل: السورة الطائفة المترجمة توقيفًا، أي: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاصٍّ، بتوقيفٍ من النبي صلى الله عليه وسلم .ـ(22)
وقيل: السورة بعض كلام منزل مبين أوله وآخره، إعلامًا من الشارع، قرآنًا كان أو غيره، بدليل ما يقال سورة الزبور وسورة الإنجيل.(23)(24)
المبحث الثاني: ترتيب الآيات
كان جبريل عليه السلام ينزل بالآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرشده إلى السورة التي هي منها، ويرشده أيضًا إلى موضعها من تلك السورة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يأمر كتبة الوحي بكتابتها، وإدراجها في الموضع الذي أرشده إليه جبريل عليه السلام .
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ(25) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ، ثُمَّ صَوَّبَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْزِقَهُ بِالأَرْضِ، قَالَ: ثُمَّ شَخَصَ بِبَصَرِهِ، فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ:} إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {.(26)
وعَنِ عُثْمَانَ بن عفَّان رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا.(27)
وقد جُمِع القرآن كلُّه من هذا الوجه (وجه ترتيب الآيات) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم :
فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ.(28)
قال البيهقي: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم .ـ(29)
وقال ابن فارسٍ: … وأما الجمع الآخر، فضمُّ الآي بعضها إلى بعضٍ، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شيءٌ تولاَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أخبر به جبريل عن أمر ربه تعالى .ـ(30)
مسألة: ترتيب الآيات في السورة توقيفي
انعقد الإجماع على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، وأنه لا مَجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعْلَم في ذلك مُخالفٌ.(31)
قال السيوطي: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، أما الإجماع، فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير(32) في مناسباته، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين. اهـ.(33)
قال مكي(34) وغيره: ترتيب الآيات في السور هو من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ترتيب الآيات أمر واجبٌ، وحكم لازمٌ، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا.(35)
وقال في الانتصار: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذين أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان رضي الله عنه ، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه شيء، وأن ترتيبه ونظمه ثابتٌ على ما نظمه الله تعالى، ورتب عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر، ولا أخر منه مقدم… (36)
وقال أيضًا: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة -على ما هي عليه الآن في المصحف- توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم .ـ(37)
والنصوص التي تدل على ذلك كثيرة، منها: حديث عثمان بن أبي العاص، وحديث عثمان بن عفان، وحديث زيد بن ثابت السابقة قريبًا.
ومنها الأحاديث في خواتيم سورة البقرة، فمنها:
عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَلاهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.(38)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي.(39)
وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ(40) أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أُعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءكُمْ فَإِنَّهُمَا صَلاةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعَاءٌ.(41)
ومنها ما رواه مسلم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ.(42)
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ.(43)
عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ } وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا { إِلَى قَوْلِهِ: } غَيْرَ إِخْرَاجٍ { قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ قَالَ: تَدَعُهَا، يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.(44)
فهذا حديثٌ صريحٌ في أن إثبات هذه الآية في مكانِها مع نسخها توقيفي، لا يستطيع أحدٌ أن يتصرَّف فيه، لأنه لا مجال للرأي في مثله.(45)
قال السيوطي: ومن النصوص الدالة على ذلك إجمالاً: ما ثبت من قراءته صلى الله عليه وسلم لسور عديدة كالبقرة وآل عمران والنساء في حديث حذيفة،(46) والأعراف في المغرب،(47) وقد أفلح في الصبح…(48) ثم قال: تدل قراءته صلى الله عليه وسلم لها بِمشهد من الصحابة أن ترتيب آيها توقيفيٌّ، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر.(49)
ولا يَرِد على هذا الإجماع ما رواه أحمد وابن أبي داود عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ أَتَى الْحَارِثُ بْنُ خَزَمَةَ(50) بِهَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ بَرَاءةَ } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ { إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا قَالَ لا أَدْرِي وَاللهِ إِلاَّ أَنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَوَعَيْتُهَا وَحَفِظْتُهَا. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَتْ ثَلاَثَ آيَاتٍ لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ فَانْظُرُوا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعُوهَا فِيهَا فَوَضَعْتُهَا فِي آخِرِ بَرَاءةَ.(51)
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر هذا أنَّهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم، وسائر الأخبار تدل على أنَّهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلا بتوقيف.(52)
فالجواب عن هذا الخبر بوجهين:
الأول: أنه معارض للقاطع، وهو ما أجمعت عليه الأمة، ومعارض القاطع ساقطٌ عن درجة الاعتبار، فهذا خبر ساقطٌ مردودٌ على قائله.
الثاني: أنه معارض لِمَا لا يُحصى من الأخبار الدالة على خلافه.(53)
قال السيوطي:(54) يعارضه ما أخرجه ابن أبي داود أيضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى هَذِهِ الآيَةِ مِنْ سُورَةِ بَرَاءةٌ: } ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ {،(55) فَظَنُّوا أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَني بَعْدَهَا آيَتَيْن:ِ } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ { آخر السورة.(56)
ومثله أيضًا في الإيراد والرد حديث عبد الله بن عباس عن عثمان في سورة الأنفال وسورة براءة، وفيه قول عثمان: "فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا"، وسيأتي -إن شاء الله- الكلامُ على متنه وسنده في المبحث الآتي.

[line]

(1) المفردات في غريب القرآن ص 33، وبصائر ذوي التمييز (2/63)، ولسان العرب ( أيا ) (1/185-187).
(2) بصائر ذوي التمييز (2/63).
(3) على الخلاف الذي مرَّ هل هي من ( أوى ) أو من (أيي).
(4) مجمل اللغة لابن فارس (1/106)، ولسان العرب ( أيا ) (1/185)، والبرهان في علوم القرآن (1/266).
(5) من الآية 248 من سورة البقرة.
(6) من الآية 50 من سورة المؤمنون.
(7) مجمل اللغة لابن فارس (1/106).
(8) هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الإفريقي المصري، جمال الدين، الإمام اللغوي الأديب، كان مولعًا باختصار كتب الأدب المطولة، فاختصر الأغاني، والذخيرة والعقد، وترك بخطه خمسمائة مجلد، وجمع في اللغة كتاب لسان العرب، ضمنه جل فوائد من سبقوه، وجوده ورتبه ترتيب الصحاح. ولد سنة 630هـ، وتوفي سنة 711هـ. مقدمة لسان العرب (1/7)، والأعلام للزركلي (7/108).
(9) لسان العرب (1/185).
(10) البرهان (1/267)، والإتقان (1/188)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/105).
(11) هو محمد بن علي بن القاضي محمد حامد الفاروقي الحنفي التهانوي، عالم وباحث هندي، له كشاف اصطلاحات الفنون، وسبق الغايات في نسق الآيات، توفي بعد 1158هـ. الأعلام للزركلي (6/295).
(12) كشاف اصطلاحات الفنون (1/105).
(13) الشيخ الإمام العالم المقرئ إبراهيم بن عمر بن إبراهيم أبو إسحاق، له شرح على الشاطبية كامل في معناه، وغيره من المؤلفات النافعة، توفي سنة 732هـ في رمضان ببلد الخليل عليه السلام . معرفة القراء الكبار (2/743).
(14) أي: إذا كانت في غير أول القرآن أو آخره.
(15) البرهان في علوم القرآن (1/266-267)، والإتقان في علوم القرآن (1/187-188)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/105).
(16) البرهان في علوم القرآن (1/267)، والإتقان في علوم القرآن (1/188)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/105).
(17) لسان العرب (3/2147).
(18) انظر ديوان النابغة الذبياني ص 73، والبحر المحيط (1/242)، والإتقان (1/150).
(19) من الآية 21 من سورة ص.
(20) لسان العرب (سور) (3/2147)، وكشاف اصطلاحات الفنون (2/658)، والبرهان (1/263-264)، والإتقان (1/150).
(21) كشاف اصطلاحات الفنون (2/658)، والإتقان (1/150)، والبرهان (1/264).
(22) كشاف اصطلاحات الفنون (2/658)، وقال السيوطي: وقد ثبت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك. الإتقان (1/150).
(23) بين العلماء خلاف: هل كانت الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن مسورة أو لا؟ انظر في ذلك: البرهان في علوم القرآن (1/265)، والإتقان في علوم القرآن (1/186-187).
(24) كشاف اصطلاحات الفنون (2/658) نقلاً عن التلويح.
(25) الأمير الفاضل المؤتَمن أبو عبد الله الثقفي الطائفي، أسلم سنة 9 مع وفد ثقيف، وأمَّره النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عليهم لما رأى من عقله وحرصه على الخير والدين. أسد الغابة في معرفة الصحابة (3/579)، وسير أعلام النبلاء (2/374)، وشذرات الذهب (1/36).
(26) الآية 90 من سورة النحل، والحديث رواه أحمد في مسنده: مسند الشاميين (5/254) ح 17459.
(27) رواه أحمد في مسنده - مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086.
(28) رواه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب في فضل الشام واليمن (5/734) ح 3954 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، والبيهقي في دلائل النبوة (7/147).
(29) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/147).
(30) البرهان في علوم القرآن (1/258-259).
(31) مناهل العرفان (1/346).
(32) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ القراء والمحدثين بالأندلس: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي، ولد سنة 627هـ، أفاد الناس في القراءات وعللها ومعرفة طرقها، وأحكم العربية، أخذ عنه الإمام أبو حيان النحوي، توفي سنة 708هـ. تذكرة الحفاظ (4/1484).
(33) الإتقان في علوم القرآن (1/172)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/258).
(34) هو الإمام العلامة المقرئ، مكي بن أبي طالب القيسي، ولد سنة 355هـ، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، كان خيِّرًا متدينًا، مشهورًا بالصلاح، توفي سنة 437هـ. معرفة القراء الكبار (1/394)، وشذرات الذهب (3/260).
(35) البرهان في علوم القرآن (1/256)، وانظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 83.
(36) الإتقان في علوم القرآن (1/175)، وانظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 59.
(37) نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (8/656).
(38) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن بَاب } يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا { يُذْهِبُهُ (8/51) ح 4541، ومسلم في كتاب المساقاة بَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ (11/5)ح 1580.
(39) رواه أحمد في مسنده مسند الأنصار (6/188) ح 20837، 20838، و(6/229) ح 21054.
(40) هو جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، أسلم في حياة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وكان باليمن، فلم يره، وروى عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، وكان من علماء أهل الشام، من أئمة التابعين بحمص ودمشق، توفي سنة 80هـ، وقيل سنة 75هـ. أسد الغابة (1/324)، وسير أعلام النبلاء (4/76)، وشذرات الذهب (1/88).
(41) رواه الدارمي في سننه كتاب فضائل القرآن بَاب فَضْلِ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ (2/450)ح 3390.
(42) رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ (6/92-93) ح 809.
(43) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب نهي من أكل ثومًا … (5/51-54)567.
(44) رواه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن بَاب } وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا { (8/48) ح 4536.
(45) مناهل العرفان (1/348).ٍ
(46) هو حديث حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً… الحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ (6/61) ح 772، وأبو داود في كتاب الصلاة باب (1/230) ح871.
(47) رواه النسائي في سننه كتاب الافتتاح الْقِرَاءة فِي الْمَغْرِبِ بِـ } المص { عن زيد بن ثابت وعائشة (2/169-170) ح 989-990-991.
(48) رواه ابن ماجه في سننه كتاب الصلاة وإقامة السنة فيها بَاب الْقِرَاءةِ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ عن عبد الله بن السائب (1/269) ح 820.
(49) الإتقان في علوم القرآن (1/173-174)، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (7/151-152).
(50) الحارث بن خزمة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا وأحدًا، والخندق والمشاهد كلها، وتوفي سنة 40 في خلافة علي رضي الله عنه . أسد الغابة (1/389).
(51) رواه أحمد في مسنده مسند الصحابة بعد العشرة (1/327) ح 1717، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب قول الله تعالى : } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ { ص 38، وفيه محمد بن إسحاق، قال الحافظ ابن حجر: صدوق يدلس، ورمي بالقدر والتشيع. تقريب التهذيب (2/144).
(52) فتح الباري (8/654).
(53) انظر مناهل العرفان (1/349-350).
(54) الإتقان (1/174).
(55) سورة التوبة - آية 127.
(56) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب قول الله تعالى : } لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ { ص 38، والإمام أحمد في مسند الأنصار (6/161) ح 20720.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:41 AM   رقم المشاركة : 11
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

[line]

الفصل الثالث
ترتيب الآيات والسور
الْمبحث الثالث: ترتيب السور القول الراجح
المبحث الثالث: ترتيب السور
وأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن، فاختلف: هل هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو من فعل الصحابة، أو يُفَصَّل؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو مذهب الجمهور: أن النبي صلى الله عليه وسلم فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده، يعني أن هذا الترتيب من فعل الصحابة رضي الله عنهم . ومِمَّن ذهب هذا الْمذهب الإمام مالكٌ، والقاضي أبو بكر الباقلاني فيما استقر عليه رأيه من قوليه.(1)
قال الزركشي: قال أبو الحسين أحمد بن فارسٍ في كتاب المسائل الخمس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطُّوال، وتعقيبها بالْمئين، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة رضي الله عنهم ….ـ(2)
وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها:
أولاً: أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم لظهر وفشا ونقل مثله، وفي العلم بعدم ذلك النقل دليلٌ على أنه لم يكن منه صلى الله عليه وسلم توقيف فيه.(3)
ثانيًا: أن مصاحف الصحابة رضي الله عنهم كانت مختلفة في ترتيب السور قبل جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه ، ولو كان الترتيب توقيفيًّا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه.(4)
فمن ذلك أن مصحف أُبَيِّ بن كعب قدمت فيه النساء على آل عمران، ثم تلت آل عمران سورة الأنعام، ثم الأعراف ثم المائدة …، ومصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأعراف، ثم الأنعام … الخ ما فيهما من خلاف مصاحفنا اليوم، وروي أن مصحف علي كان مرتبًا على النزول، فأوله سورة العلق، ثم المدثر، ثم ق، ثم المزمل ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني.(5)
ثالثًا: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَالَ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ سُورَةُ بَرَاءةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ.(6)
فقول عثمان رضي الله عنه : "فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا" صريحٌ في عدم التوقيف.(7)
فهذا الحديث يدل عندهم على أن ترتيب السور لم يكن بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كان باجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم .
رابعًا: عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي الله عَنْهَا، إِذْ جَاءهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ؟! قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ … قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ.(8)
ووجه الدلالة فيه أن السائل كان يسأل عن ترتيب السور، بدليل قول عائشة له: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ لأن السلف متفقون على المنع من قراءة القرآن منكوسًا، بأن يقرأ من آخر السورة إلى أولِها، ولو كان السائل يسأل عن ترتيب الآي لأنكرت عليه عائشة قراءة القرآن غير مؤلف.(9)
ففي هذه الأحاديث، وغيرها حجة لِمن قال إن ترتيب السور كان اجتهاديًّا، وليس بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم .
القول الثاني: أن هذا الترتيب توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، وبه قالت طائفة من أهل العلم.
قال أبو جعفر النحاس:(10) المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالبٍ.(11)
وقال الكِرْماني:(12) ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ.(13)
وقال أبو بكر بن الأنباري:(14) أنزل القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرِّق في بضعٍ وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويقف جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن قَدَّم سورة أو أخَّرَها، فقد أفسد نظم الآيات.(15)
واستدلوا على ذلك بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان، ولم يُخالف منهم أحد، وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف؛ لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بِمخالفتهم، ولكنهم عدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعًا.(16)
واستدلوا بأحاديث، منها: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كان يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطه وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلاَدِي.(17)
فذكرها نسقًا كما استقر ترتيبها.
وعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أُعْطِيتُ مكانَ التَّوْراة السبعَ الطِّوالَ، وأُعْطِيتُ مكان الزبور الْمِئِينَ، وأُعْطِيتُ مكان الإنجيل المثانيَ، وفُضِّلْت بالمفصَّلِ.(18)
قال أبو جعفر بن النحاس: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه مؤلف من ذلك الوقت.(19)
وقال مالك: إنَّما أُلِّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم .ـ(20)
قال ابن حجر:(21) ومِمَّا يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفيًّا:
عَنْ أَوْسِ الثَّقَفِيِّ(22) قَالَ: كُنْتُ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْلَمُوا مِنْ ثَقِيفٍ… الحديث، وفيه: قُلْنَا مَا أَمْكَثَكَ عَنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَرَدْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ حَتَّى أَقْضِيَه.ُ قَالَ: فَسَأَلْنَا أَصْحَابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حِينَ أَصْبَحْنَا، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: نُحَزِّبُهُ ثَلاَثَ سُوَرٍ وَخَمْسَ سُوَرٍ وَسَبْعَ سُوَرٍ وَتِسْعَ سُوَرٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً وَثَلاَثَ عَشْرَةَ سُورَةً وَحِزْبَ الْمُفَصَّلِ مِنْ قَافْ حَتَّى يُخْتَمَ.(23)
قال ابن حجر: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ...ـ (24)
قال السيوطي:(25) ومِمَّا يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاءً، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاءً، بل فصل بين سورها، وفصل بين (طسم) الشعراء و(طسم) القصص بـ (طس) مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لذكرت المسبحات ولاءً، وأُخِّرت (طس) عن القصص.
وقد سئل ربيعة:(26) لم قُدِّمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضعٌ وثمانون سورة بمكة، وإنَّما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قُدِّمتا، وأُلِّف القرآن على علم ممن ألَّفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مِمَّا يُنْتَهى إليه، ولا يُسْأل عنه.(27)
قال الكِرْماني: وعلى هذا الترتيب كان يعرضه صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام كل سنة، أي: ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين.(28)
وقال أبو بكر الباقلاني: … فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبه جزم ابن الأنباري.(29)
قال ابن حجر: وفيه نظرٌ، بل الذي يظهر أنه كان يعارضه به على ترتيب النزول.(30)
والذي يظهر -والله أعلم- قول الكرماني والباقلاني وابن الأنباري، فإنه لا يُعلم دليلٌ يدلُّ على كيفية عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام ، وقد عُلم أن عامة(31) قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت على ما عليه ترتيب المصحف الآن.(32)
القول الثالث: أن ترتيب كثير من السور كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم .
واستدلوا على ذلك بورود أحاديث تفيد ترتيب بعض السور، كالأدلة التي احتج بِها الفريق القائل بالقول الثاني، وورود آثار تصرح باجتهاد الصحابة في ترتيب بعض السور كحديث ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهم السابق.
واختلف القائلون بِهذا القول في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد:
فقال القاضي أبو محمد بن عطية: إن كثيرًا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل.
وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مِمَّا نصَّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليلٌ يُمكن أن يجري فيها الخلاف، واحتج بأحاديث منها حديث عبد الله بن مسعود، وحديث عبد الله بن عباس السابقة في أدلة القول الأول.(33)
قال ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعض، أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا، وإن كان بعضه من اجتهاد بعض الصحابة، واحتج بحديث ابن عباس السابق.(34)
قال السيوطي: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي، إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته صلى الله عليه وسلم سورًا ولاءً على أن ترتيبها كذلك، وحينئذ لا يَرِدُ حديث قراءته النساء قبل آل عمران؛ لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجبٍ، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز.(35)
القول الراجح
هوَّن الزركشي من أمر هذا الخلاف، فقال: والخلاف يرجع إلى اللفظ؛ لأن القائل بأن الترتيب كان عن اجتهاد منهم يقول: إنه صلى الله عليه وسلم رمز إليهم بذلك، لعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع كلماته؛ ولِهذا قال الإمام مالك: إنَّما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم ، مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل ذلك بتوقيف قولي، أم بِمجرد استناد فعلي، وبحيث بقي لَهم فيه مجال للنظر.(36)
قال السيوطي: وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير.(37)
والذي أميل إلى ترجيحه هو القول الثاني القائل بأن ترتيب سور الكتاب العزيز كلها توقيفيٌّ، بما سبق من الأدلة عند حكاية هذا القول.
أما أدلة الفريق القائل بأن ترتيب السور اجتهادي فمردودة بما يأتي:
1 - أما دعواهم أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم لظهر وفشا ونقل مثله، وأن في العلم بعدم ذلك النقل دليلاً على عدم التوقيف، فيجاب بأن عدم النقل ليس دليلاً على عدم وجود النص، بل إن إجماع الصحابة على هذا الترتيب دليلٌ على وجود النص بالتوقيف؛ لأنهم لا يُجمعون على خلاف السنة.(38)
2 - فإن قيل كيف يكون الصحابة رضي الله عنهم مجمعين على هذا الترتيب مع أن مصاحفهم كانت مختلفة في ترتيب السور قبل جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه ، ولو كان الترتيب توقيفيًّا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه، وهو دليلهم الثاني، فيجاب بأنهم رضي الله عنهم إنَّما اختلفوا في هذا الترتيب بادئ الأمر، قبل أن يعلموا بالتوقيف، فلما علموا بالتوقيف تركوا ترتيب مصاحفهم، وقد يرجع الاختلاف أيضًا إلى أن مصاحفهم كانت شخصية فردية، ولم يكونوا يكتبونَها للناس، فالواحد منهم لا يُثبت في مصحفه إلا ما وصل إليه مجهوده، وقد يفوته ما لم يفت الجماعة من تحقيق أدق وعلم أوسع.(39)
3 - أما حديث ابن عباس عن عثمان،(40) وهو أقوى حججهم، فهو أوهاها إذا نظر إليه بعين التمحيص، ففيه ضعف لا يُنكر سندًا، وفيه الرد على شبهتهم متنًا:
أما من ناحية السند فإن مدار الحديث على يزيد الفارسي.(41)
قال الشيخ أحمد شاكر: وفي إسناده نظر كثير، بل هو عندي ضعيف جدًّا، بل هو حديث لا أصل له.(42)
وقد اختلف الْمُحدِّثُون في يزيد هذا، اختلافًا كثيرًا:
قال البخاري في ترجمة يزيد بن هرمز: قال عبد الرحمن بن مهدي: يزيد الفارسي هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحيى فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء.(43)
وقال ابن أبي حاتم: يزيد بن هرمز، اختلفوا فيه، هل هو يزيد الفارسي أم لا؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي، فيما سمعت أبي يَحكي عن علي بن الْمديني عنه أنه قال: يزيد الفارسي، هو يزيد بن هرمز، وكذا قاله أحمد بن حنبل…، وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدًا، فعن علي بن المديني قال: ذكرت ليحيى قول عبد الرحمن بن مهدي: إن يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، فلم يعرفه.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا، ليس بيزيد الفارسي، هو سواه، وكان يزيد بن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة وجالسوا أبا هريرة، وليس هو بيزيد الفارسي البصري الذي يروي عن ابن عباس، روى عنه عوف الأعرابي.(44)
وقال ابن حبان: يزيد بن هرمز المدني، هو الذي يروي عنه عوف الأعرابي، ويقول: حدثنا يزيد الفارسي عن ابن عباس.(45)
وأثبته البخاري في الضعفاء بالاسمين: ابن هرمز والفارسي،(46) فهما ضعيفان عنده.
فعلى هذا فالحديث ضعيف، إما لضعف يزيد بن هرمز إن كان هو نفسه يزيد الفارسي، أو لجهالة أو ضعف يزيد الفارسي إن كان غير ابن هرمز.
قال العلامة أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث، يكاد يكون مجهولاً، حتى شُبِّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره … فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي… وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك.
ثم قال: فلا علينا إذا قلنا إنه حديث لا أصل له… فلا عبرة في هذا الموضع بتحسين الترمذي، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بموافقة الذهبي، وإنَّما العبرة للحجة والدليل.(47)
وأما متنًا، فإنه يَحمل تناقضَا ظاهرًا، ويحمل طعنًا في التوقيف في ترتيب الآي.
أما التناقض، فلأنه أثبت للأنفال وبراءة اسمين مختلفين، وفيه مع ذلك أن عثمان ظن أن براءة من الأنفال فقرنَها بِها، وكان الأولى أن يقول: إنهما سورة واحدة.
قال الباقلاني: وقد تضمن ذلك أنَّهما سورتان؛ لأنه سمى كل واحدة باسمها.(48)
وأما الطعن في التوقيف في ترتيب الآي، فلأن قول عثمان: "فظننا أنَّها منها" يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصح بأمر براءة، فأضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادًا منه رضي الله عنه .
وهذا مخالف لِما لا يُحصى من الأخبار الصحيحة الدالة على التوقيف في ترتيب آي السور، ومخالف للإجماع المنقول عن أهل العلم على أن ترتيب آي السور ليس محلاًّ للاجتهاد، وإنَّما كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم .ـ(49)
كما أن قول ابن عباس: "عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ … فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ" يحمل ما يرد احتجاج هؤلاء بِهذا الحديث، فهو ذا يذكر أن الأنفال من المثاني، وأن براءة من المئين، ويقول: فوضعتموهما في السبع الطوال، وهذا يدل على أن السبع الطوال كانت معلومة توقيفًا قبل الجمع، وكذلك المثاني، وكذلك المئون، وإلا فما وجه استنكار ابن عباس هذا الترتيب؟!
4 - أما حديث يوسف بن ماهك عن عَائِشَةَ -رَضِي الله عَنْهَا- فيرد عليه بأن هذا العراقي إنَّما سأل عن ترتيب السور، وكان مِمَّن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة، لم يوافق أول الأمر على الرجوع عن قراءته، ولا على إعدام مصحفه، وكان تأليف مصحفه مغايرًا لتأليف مصحف عثمان، فلذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف.(50)
وأما الفريق الثالث القائل بالتفصيل، فيجاب بنفس الأجوبة، إذ لم يأت بدليل جديد، كما يرد عليهم أيضًا بأن العلم بتوقيف البعض يدل على التوقيف في الكل، إذ لو علم الصحابة التوقيف لَما فاتَهم أن يسألوا عن كل سورة بعينها، والنبي صلى الله عليه وسلم حَيٌّ بين أظهرهم، وإلا لكانوا -وحاشاهم- مقصرين في حفظ القرآن.
فإن قيل: إن الروايات الْمحتج بِها وأمثالها خاصة بِمحالِّها، ثم هي ظنية في الدلالة على كون الترتيب عن توقيف.
فالجواب أن إجْماع الصحابة على هذا الترتيب يدل على انسحاب ما دلت عَلَيْهِ هذه الروايات من الترتيب على كل القرآن، ويقطع الظن في دلالتها.
وإن قيل: إن الإجماع الذي استندتم إليه لا يدل على التوقيف في ترتيب جميع السور، لأنه لا يشترط أن يستند الإجماع إلى نص.
فالجواب أن أمر ترتيب السور لم يكن أمرًا حادثًا حتى يُقال إن الإجماع عليه لا يدل على نص بالتوقيف، بل إن أمرَ ترتيبِ سور القرآن معروفٌ من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يرد أن إجماعهم كان عن اجتهاد غير مستند إلى نص سابق.

[line]

(1) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82، والبرهان (1/257)، وفتح الباري (8/655).
(2) البرهان في علوم القرآن - الزركشي (1/258-259).
(3) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82.
(4) مناهل العرفان (1/353).
(5) الإتقان في علوم القرآن (1/181-183)، والبرهان في علوم القرآن (1/259)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 81، ومناهل العرفان (1/353).
(6) رواه أحمد في المسند مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وقال: حديث حسن.
(7) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82.
(8) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن (8/654) ح 4993.
(9) انظر فتح الباري (8/655).
(10) هو العلامة إمام العربية أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي، صاحب التصانيف، أخذ عن الزجاج، وكان من أذكياء العالم. توفي سنة 338هـ. سير أعلام النبلاء (15/401)، وشذرات الذهب (2/346).
(11) البرهان (1/258).
(12) هو تاج القراء، برهان الدين أبو القاسم محمود بن حمزة الكرماني، عالم بالقراءات، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط، توفي في حدود سنة 505هـ. الأعلام للزركلي (7/168).
(13) البرهان في توجيه متشابه القرآن ص 16، والبرهان في علوم القرآن (1/259).
(14) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون، محمد بن القاسم بن بشار المقرئ النحوي، ولد سنة 272هـ، ألف الدواوين الكبار في علوم القرآن والغريب والمشكل، والوقف والابتداء، وكان من أعلم الناس بنحو الكوفيين وأكثرهم حفظًا للغة. توفي سنة 328هـ. سير أعلام النبلاء (15/274)، وشذرات الذهب (2/310).
(15) البرهان (1/260).
(16) مناهل العرفان (1/354).
(17) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن (8/654) ح 4994.
(18) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده كتاب باب (1/136)، والبيهقي في دلائل النبوة (5/475)، وأشار إليه السيوطي بالحسن: فيض القدير شرح الجامع الصغير (1/565).
(19) البرهان (1/258).
(20) رواه أبو عمرو الداني في كتاب المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18.
(21) فتح الباري (8/658).
(22) هو أوس بن أبي أوس الصحابي، وفد على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مع وفد الطائف، وروى حديث تحزيب القرآن. أسد الغابة (1/167).
(23) رواه أبو داود في سننه كتاب باب (2/55-56) ح 1393، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة باب في كم يستحب يختم القرآن (1/427) ح 1345 وأحمد في مسند المدنيين ح 15733
(24) فتح الباري (8/658).
(25) الإتقان (1/179).
(26) هو الإمام، مفتي المدينة أبو عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، كان فقيهًا عالمًا بالحديث من أئمة الاجتهاد. توفي سنة 136هـ. سير أعلام النبلاء (6/89)، وشذرات الذهب (1/194).
(27) الإتقان (1/179).
(28) البرهان في توجيه متشابه القرآن ص 16، والبرهان في علوم القرآن (1/259).
(29) فتح الباري (8/658).
(30) فتح الباري (8/658).
(31) البرهان في علوم القرآن (1/257).
(32) من قراءته صلى الله عليه وسلم بخلاف ترتيب المصحف: ما رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءةِ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا … الحديث. صحيح مسلم مع شرح النووي (6/61) ح 772.
(33) البرهان في علوم القرآن (1/257-258)، والإتقان في علوم القرآن (1/177)، ومناهل العرفان (1/356-358).
(34) فتح الباري (8/658).
(35) الإتقان (1/179)، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (7/152).
(36) البرهان في علوم القرآن (1/257).
(37) الإتقان في علوم القرآن (1/177).
(38) انظر الرسالة للإمام الشافعي ص 322.
(39) مناهل العرفان (1/360).
(40) وقد سبق قريبًا، وفيه قوله: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ.
(41) رواه أحمد في المسند مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/92)ح 401، (1/111) ح 501، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من جهر بِها (1/208-209)ح 786، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة التوبة (5/272) ح 3086، وفي رواياتهم يزيد الفارسي. قال الترمذي: يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ هُوَ يَزِيدُ ابْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُدْرِكِ ابْنَ عَبَّاسٍ. جامع الترمذي (5/272). وورد في رواية البيهقي من طريق هوذة بن خليفة عن عوف بن أبي جميلة عن يزيد الرقاشي. دلائل النبوة (7/152)، وأخرجه الحاكم من طريق هوذة بن خليفة أيضًا،ومن طريق روح بن عبادة، عن عوف عن يزيد الفارسي، وزعم أنه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي! المستدرك على الصحيحين (1/221)، و(1/330).
(42) مسند الإمام أحمد بتحقيق الشيخ أحمد شاكر (1/399).
(43) التاريخ الكبير (4/2/367)
(44) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/2/293).
(45) الثقات لابن حبان 5/531).
(46) الضعفاء الصغير ترجمة 407 ص 122.
(47) مسند الإمام أحمد بتحقيق الشيخ أحمد شاكر (1/399-401).
(48) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 82.
(49) راجع مسألة ترتيب الآيات في السورة توقيفي ص 26، والرد على ما يورد من الشبهة بِهذا الحديث ص 28.
50) انظر فتح الباري (8/655).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:45 AM   رقم المشاركة : 12
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
العرضة الأخيرة
الْمبحث الأول:عرض القرآن في كل سنة على جبريل ترتيب عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل u: الْمبحث الثاني: العرضة الأخيرة للقرآن الكريم من حضر العرضة الأخيرة من الصحابة الْمبحث الثالث: أثر العرضة الأخيرة في جمع القرآن المبحث الأول: عرض القرآن في كل سنة على جبريل
كان من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم -كما سبق- حفظُه واستظهارُه، وكان لذلك يعرض القرآن على جبريل عليه السلام ، ليؤكد حفظه، وليعلم ما طرأ عليه نسخ منه، وليعلم ما يؤمر به من القراءة على الأحرف السبعة، وليتعلم منه معانيه.
فكان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في شهر القرآن من كل سنة فيدارسه فيما نزل عليه حتى وقت المدارسة، يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.(1)
فلفظ المدارسة يحتمل أن كلاًّ منهما كان يعرض على الآخر، وفي رواية: يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، وفي رواية: يَعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. أي: جبريل عليه السلام . فهاتان الروايتان صريحتان في أن كلاًّ منهما كان يعرض على الآخر.(2)
قال الكوثري:(3) والمعارضة تكون بقراءة هذا مرة واستماع ذاك، ثم قراءة ذاك واستماع هذا، تحقيقًا لِمعنى المشاركة، فتكون القراءة بينهما في كل سنة مرتين.(4)
ويظهر أن عرض القرآن في كل سنة مرة كان لفوائد كثيرة، منها:
1 - تأكيد الحفظ والاستظهار.
2 - معرف ما طرأ عليه النسخ من القرآن.
3 - معرفة الأحرف السبعة التي أُمر بقراءة القرآن عليها.
4 - معرفة معاني ما يحتاج إلى معرفة معانيه من القرآن، أو مدارسة ما عُرِف من هذه المعاني.
ترتيب عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام :
لم ترد رواية تصرح بالترتيب الذي عرض به النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام ، ومن ثَمَّ فقد اختلف العلماء في هذا الترتيب:
فذهب بعضهم إلى أن العرض كان على ترتيب القرآن الذي بين أيدينا:
قال أبو بكر الباقلاني: … فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب (يعني ترتيب المصحف الآن) ، وبه جزم ابن الأنباري. (5)
قال الكِرْماني: وعلى هذا الترتيب كان يعرضه صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام كل سنة، أي: ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين.(6)
وذهب بعض العلماء إلى أن العرض كان على ترتيب النزول:
قال ابن حجر: وفيه نظرٌ (يعني قول الباقلاني)، بل الذي يظهر أنه كان يعارضه به على ترتيب النزول.(7)
والذي يظهر -والله أعلم- قول الكرماني والباقلاني وابن الأنباري، فإنه لا يُعلم دليلٌ يدل على كيفية عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام ، وقد عُلم أن عامة قراءته (8) صلى الله عليه وسلم كانت على ما عليه ترتيب المصحف الآن.(9)
المبحث الثاني: العرضة الأخيرة للقرآن الكريم
لما كانت معارضة النبي صلى الله عليه وسلم لِجبريل بالقرآن بغرض تأكيد الحفظ والاستظهار وغير ذلك من الفوائد كما سبق، وكانت الحاجة إلى هذا التأكيد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم آكد، فلما اقترب زمن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل عليه السلام بالقرآن مرتين، وذلك في رمضان من السنة التي تُوُفِّي فيها صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك إرهاصًا بقرب انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَلَى جِبْرِيلَ، فَيُصْبِحُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ لَيْلَتِهِ الَّتِي يَعْرِضُ فِيهَا مَا يَعْرِضُ وَهُوَ أَجْوَدُ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، لا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَعْطَاهُ، حَتَّى كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي هَلَكَ بَعْدَهُ عَرَضَ فِيهِ عَرْضَتَيْنِ.(10)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ.(11)
وعَنْ عائشةَ في حديث وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ: إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيَّ فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ حَضَرَ أَجَلِي.(12)
قال الكوثري: … فتكون القراءة بينهما في كل سنة مرتين، وفي سنة وفاته أربع مرات، فتفرَّس النبي صلى الله عليه وسلم من تكرير المعارضة في السنة الأخيرة قربَ زمن لحوقه بالرفيق الأعلى.(13)
فكانت هذه العرضة الأخيرة بِمنْزلة الْمراجعة النهائية للكتاب الحكيم، عرض فيها القرآن الكريم مرتين، فأُثبِت فيه جميع الأوجه الثابتة غير المنسوخة، وترك ما نُسِخ منه، فما ثبت في هذه العرضة هو القرآن المحكم المعجز المُتَعَبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، وما لم يثبت فإما أن يكون قرآنًا منسوخًا، وإما أنه ليس بقرآن، وكلاهما ليس له حكم القرآن من التعبد والإعجاز.
وأما ما نزل بعد رمضان الأخير من زمن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو رمضان سنة عشر من الهجرة، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد نزل قرآن فيما بعد ذلك الرمضان، فكأن الذي نزل بعد تلك العرضة لَمَّا كان قليلاً اغتفر أمر معارضته.(14)
ومما نزل بين هذه العرضة الأخيرة وبين وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم
1 - قوله تعالى: } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا {،(15) فقد نزلت في يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم بِها باتفاق.(16)
2 - آية الربا، وهي قوله تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا{،(17) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم آيَةُ الرِّبَا.(18)
3 - قوله تعالى : } وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ {،(19) وقد ورد أنَّها آخر ما نزل من القرآن الكريم.(20)
4 - آية الدَّيْن، وهي قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ {،(21) الآية. فقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.(22)
قال السيوطي: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات، في آيـة الربا، } وَاتَّقُوا يَوْمًا { ، وآية الدين؛ لأن الظاهر أنَّها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنَّها في قصة واحدة، فأخبر كلٌّ عن بعض ما نزل بأنه آخِرٌ، وذلك صحيح.(23)
من حضر العرضة الأخيرة من الصحابة
كان تعويل الصحابة رضي الله عنهم في قراءة القرآن، ثم في جمعه بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم على تلك العرضة الأخيرة؛ لأن ما لم يثبت فيها من أوجه القراءة فقد نسخ، وما ثبت فيها فهو القرآن المُتَعَبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة.
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبر أصحابه بِما يطرأ على آيات الكتاب من النسخ، وبِما يُحتاج إلى معرفته من معاني الكتاب التي تعلمها من جبريل عليه السلام .
وقد ورد من الروايات ما يدل على أن من الصحابة رضي الله عنهم من حضر تلك العرضة كزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم .
قال أبو عبد الرحمن السلمي:(24) قرأ زيد بن ثابتً على رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف.(25)
وَعَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيُّ الْقِرَاءتَيْنِ تَعُدُّونَ أَوَّلَ؟ قَالُوا: قِرَاءةَ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: لا بَلْ هِيَ الآخِرَةُ، كَانَ يُعْرَضُ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَهُ عَبْدُ اللهِ فَعَلِمَ مَا نُسِخَ مِنْهُ وَمَا بُدِّلَ.(26)
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَكَانَتْ قِرَاءةُ عَبْدِ اللهِ آخِرَ الْقِرَاءةِ.(27)
وَعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ(28) أنه قال: القراءة التي عُرِضَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه - هذا القراءة التي يقرأها الناس.(29) يعني بذلك قراءة زيد بن ثابت رضي الله عنه .
وعن سَمُرة رضي الله عنه قال: عُرض القرآنُ على رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة.(30)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها.(31)
وذكر النووي عن بعض أهل العلم أنه لا يُدرى أي القراءات كانت العرضة الأخيرة.
قال النووي: قال غيره (يعني النحَّاس): … ولا يُدرى أي هذه القراءات كان آخر العرض على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .ـ(32)
ويردُّ هذا القولَ ما مرَّ بنا من الآثار الصحاح التي تدل على أن قراءة زيد بن ثابت وقراءة عبد الله بن مسعود كانت آخر عرضة عرضها النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام .
المبحث الثالث: أثر العرضة الأخيرة في جمع القرآن
كانت العرضة الأخيرة للقرآن الكريم هي المرجع والأساس لقراءة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كما كانت الفيصل بينهم إذا تنازعوا في شيء من كتاب الله تعالى ، ولَمَّا أرادوا جمع القرآن الكريم كانت هي أيضًا أساس هذا الجمع، فقد اتفقوا على كتابة ما تحققوا أنه قرآن مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.(33)
وقد مرَّ بنا في المبحث السابق بعض الآثار التي تدل على أن القراءة التي يقرؤها الناس -وهي القراءة التي جمع عليها القرآن- هي ما عرض في العرضة الأخيرة، وفي هذا دلالة على أثر هذه العرضة الأخيرة في جمع القرآن.(34)
قال أبو عبد الرحمن السلمي: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه.(35)
وقال أيضًا: قرأ زيد بن ثابتٍ على رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سُمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابتٍ؛ لأنه كتبها لِرَسُـول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف.(36)
وقال البغوي:(37) يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة، التي بُيِّن فيها ما نُسِخ وما بَقِي.(38)
وعن محمد بن سيرين عن كَثِير بن أفلَحَ قال: لَمَّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار ، فيهم أُبَيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الرَّبعَةِ التي في بيت عُمَرَ، فجِيء بِها، قال: وكان عثمانُ يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخَّروه، قال محمد: فقلت لكَثِيرٍ -وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يُؤَخِّرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت أنَّهم إنَّما كانوا يُؤَخِّرونه لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة، فيكتبونَها على قوله.(39)
وهكذا فقد كانت هذه العرضة عمدة هذه الأمة في معرفة القرآن، إذ إنَّها قد جمعت ما ثبتت تلاوته من الكتاب الحكيم، وأخرجت ما ثبت نسخه.

(1) رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي (1/40) ح 6، ومسلم في صحيحه كتاب الفضائل بَاب كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ (15/68) ح 2308.
(2) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/659-661) ح:4997 ، و 4998.
(3) هو الفقيه الحنفي محمد زاهد الكوثري، جركسي الأصل، ولد بالأستانة سنة 1296هـ، له اشتغال بالأدب والسير، وله تعليقات كثيرة على كتب الفقه والحديث والرجال، وكذلك له مؤلفات عديدة في مختلف ميادين الشريعة. توفي بمصر سنة 1371هـ. الأعلام للزركلي (6/129).
(4) الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها للدكتور حسن ضياء الدين عتر ص 267، نقلاً عن مقالات الكوثري ص 6- مطبعة الأنوار المحمدية.
(5) فتح الباري (8/658).
(6) البرهان في توجيه متشابه القرآن ص 16، والبرهان في علوم القرآن (1/259).
(7) فتح الباري (8/658).
(8) البرهان في علوم القرآن (1/257).
(9) ومن قراءته صلى الله عليه وسلم بخلاف ترتيب المصحف: ما رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها بَاب اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا … الحديث. صحيح مسلم مع شرح النووي (6/61) ح 772.
(10) رواه أحمد في مسنده: مسند بني هاشم (1/382) ح 2043، (1/537) ح3003، ورواه البيهقي في جامع شعب الإيمان (5/196-197)، وعبد بن حميد في المنتخب (1/553) ح 646.
(11) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم ـ (8/659) ح 4998.
(12) رواه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام (6/728) ح 3624 ، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة بَاب فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلاة وَالسَّلام (16/5-7) ح 2450.
(13) الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها ص 267، نقلاً عن مقالات الكوثري ص 6- مطبعة الأنوار المحمدية.
(14) فتح الباري (8/660).
(15) سورة المائدة، من الآية 3.
(16) رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه (1/129) ح 45.
(17) من الآية 278 من سورة البقرة.
(18) رواه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن، باب } وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ{ (8/52) ح 4544.
(19) سورة البقرة، من الآية 281.
(20) احتج لذلك البخاري بالحديث السابق، فبوَّب بِهذه الآية، وأورد تحتها ذلك الحديث. قال الحافظ: ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس، فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخر آية نزلت على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم : } وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ{ ، وأخرجه الطبري من طرق عنه… قال: وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا؛ إذ هي معطوفة عليهن. فتح الباري (8/53)، وانظر تفسير الطبري (3/114-115)، والإتقان (1/77-78).
(21) من الآية 282 من سورة البقرة.
(22) تفسير الطبري (3/115)، قال السيوطي: مرسل صحيح الإسناد. الإتقان (1/78).
(23) الإتقان في علوم القرآن (1/78).
(24) هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي، تابعي جليلٌ، ولد في حياة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وقرأ القرآن على عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو مقرئ الكوفة، ظل يقرئ الناس بمسجدها الأعظم أربعين سنة. معرفة القراء الكبار (1/52-53)، وشذرات الذهب (1/92).
(25) شرح السنة للإمام البغوي (4/525-526)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/237).
(26) رواه أحمد في مسنده، مسند بني هاشم (1/598) ح 3412، ورواه النسائي في السنن الكبرى كتاب فضائل القرآن (3/7)، وكتاب المناقب (4/36).
(27) رواه أحمد في مسنده: مسند بني هاشم (1/535) ح 2992.
(28) عبيدة السلماني الفقيه الْمُرادي الكوفي، أحد الأعلام، أسلم عام الفتح، ولا صحبة له، وأخذ عن علي وابن مسعود، وكان يقرئ الناس، ويفتيهم. توفي سنة 72 على الصحيح. سير أعلام النبلاء (4/40)، وشذرات الذهب (1/78).
(29) رواه البيهقي في دلائل النبوة (7/155-156).
(30) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. مستدرك الحاكم (2/230)، ورواه البزار في مسنده، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (7/154).
(31) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/395).
(32) صحيح مسلم بشرح النووي (6/100).
(33) الإتقان في علوم القرآن (1/142).
(34) وانظر: الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها ص 270-271.
(35) شرح السنة للإمام البغوي (4/525)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/237).
(36) شرح السنة للإمام البغوي (4/525-526)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/237).
(37) الشيخ الإمام القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، المفسر، صاحب التصانيف، كان إمامًا في الفقه والتفسير، زاهدًا قانعًا باليسير. توفي سنة 516هـ. سير أعلام النبلاء (19/439)، وشذرات الذهب (4/48).
(38) شرح السنة (4/525).
(39) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:50 AM   رقم المشاركة : 13
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الباب الثاني
جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
الفصل الأول: الأسباب الباعثة على جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر رضي الله عنه
الفصل الثاني: أول من جمع القرآن من الصحابة رضي الله عنهم
الفصل الثالث من قام بالجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه
الفصل الرابع: منهج ومزايا جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن
الفصل الخامس: دفع الاعتراض على أبي بكر في جمع القرآن ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
الفصل الأول
الأسباب الباعثة على جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر رضي الله عنه
1 - لحوق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى 2 - انقضاء زمن نزول القرآن الكريم 3 - وقعة اليمامة لم يُجمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد لعدم توفر الدواعي ولوجود الموانع التي سبق ذكرها، فلما انتفت هذه الموانع، ووجدت الأسباب الداعية إلى جمع القرآن في كتاب واحد فعل ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت أهم هذه الأسباب:
1 - لحوق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى
كان وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المسلمين أمانًا لهم من حصول الخلاف فيما بينهم، كما كان وجوده صلى الله عليه وسلم أمانًا من ضياع شيء من القرآن، كما سبق بيانه في أسباب عدم جمع القرآن الكريم في صحف أو مصاحف في عهده صلى الله عليه وسلم .
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّصلى الله عليه وسلم قال: … وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ.(1)
ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة ربه إلى الأمة، وأتم الله به صلى الله عليه وسلم شرائع دينه الذي اختاره للناس علمًا وعملاً، وأقام به الملة العوجاء، وكان الموت نَهاية كل حي، فقد اختار الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لجواره في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية.
ومنذ اللحظة الأولى لوفاته صلى الله عليه وسلم بدأ الخلاف بين المسلمين، فكان أول شيء يَختلفون فيه: هل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا؟ ثم تتابع الخلاف بين الأمة في غير الأمور المعلومة بالضرورة من دين الله، إذ ليس فيهم معصوم مؤيد بالوحي بعده صلى الله عليه وسلم .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ،(2) فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم . قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلاَّ ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُذِيقُكَ اللهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ.
فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلاَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَقَالَ: } إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{،(3) وَقَالَ: } وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ{،(4) قَال:َ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ …
قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِي اللهُ عَنْهَا: شَخَصَ بَصَرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى ثَلاثًا… الحديث. قَالَتْ: فَمَا كَانَ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلاَّ نَفَعَ اللهُ بِهَا؛ لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا، فَرَدَّهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: } وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ{.(5)
وقد كان فقد النبي صلى الله عليه وسلم أعظم ما منيت به الأمة الإسلامية من المصائب.
فعن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لِيُعَزِّ المُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِم: المُصِيبَةُ بِي.(6)
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: ما أُصِبْنا بعدها بِمصيبة إلاَّ هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم .ـ(7)
ومع انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى توقف الوحي، فانتفى المانع الذي من أجله لم يجمع القرآن في مصحف واحد في زمنه صلى الله عليه وسلم ، وانضمَّ إلى ذلك ما سيأتي من أسباب، فقد كانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أول الأسباب الداعية إلى جمع القرآن الكريم في زمن الصدِّيق رضي الله عنه .
2 - انقضاء زمن نزول القرآن الكريم
مرَّ بنا أنَّ القرآن لم يجمع في كتاب واحد على عهد رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم لِما كان يَتَرَقَّبُهُ من نزول الوحي،(8) ومعلومٌ أن الوحيَ إنَّما كان ينزل مفرَّقًا على ما يناسب الحوادث والمسائل، وقد كان ينسخ من السورة الآياتُ أو تزاد عليها، فلو أن القرآن جمع في كتاب واحد ثم طرأ نسخٌ أو زيادة لزم إعادة الكتابة مرة أخرى، فحصل بذلك مشقة عظيمة، فلمَّا انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم خبرُ السماء، أُمِن نزول شيء من القرآن يتغير معه ترتيب الآيات في السور، أو نقص أو زيادة بعضها.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم . فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا.(9)
فكان انقضاء نزول القرآن سببًا لجمعه في كتابٍ واحد؛ حفاظًا عليه من الضياع والتبديل.
3 - وقعة اليمامة(10)
ما إن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتقل الأمر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى ارتد كثير من العرب، ومنع كثير منهم ما كان يؤديه من الزكاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار الزكاة خراجًا أو ضريبة كانت مفروضة للنبي صلى الله عليه وسلم .
وادعى بعض الأدعياء من العرب النبوة، فاضطلع أبو بكر بِمهمة قتال هؤلاء المرتدين ومانعي الزكاة ومدعي النبوة.
وكان من أعتى أدعياء النبوة مسيلمة الكذاب،(11) وكان قومه بنو حنيفة قد التفوا حوله واتبعوه.
وكان بنو حنيفة يسكنون اليمامة، فأرسل إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيشًا بقيادة عكرمة بن أبي جهل، وأمده بشرحبيل بن حسنة، وانْهزم عكرمة أول الأمر، ثم جاءهم خالد بن الوليد بِمدد وقاد الجيش إلى النصر.
وكانت موقعة اليمامة سنة إحدى عشرة من الهجرة النبوية، وقُتِل فيها مسيلمة الكذاب، وكثير مِمَّن كان معه، لَمَّا حوصروا في الحديقة التي عرفت فيما بعد بِحديقة الموت، فقد قتل فيها من بني حنيفة نحو سبعة آلاف رجل، وكان جملة القتلى من بني حنيفة ومن معهم أكثر من عشرين ألف رجلٍ، وبلغ القتلى من الصحابة نحو ستين وست مائة رجلٍ، وكان جملة القتلى من المسلمين نحو ستين وتسعمائة رجلٍ.(12) وقيل بلغ القتلى من الصحابة نحو خمسين وأربعمائة رجل، وبلغت جملة القتلى من المسلمين مائتين وألف رجلٍ.(13)
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا، أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ. قَالَ: وَكَانَ بِئْرُ مَعُونَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم ، وَيَوْمُ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.(14)
وعن سعيد بن المسيب قال: قُتِل من الأنصار يوم اليمامة سبعون.(15)
إذا كان هذا هو عدد القتلى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم اليمامة، فلا شك أن الكثير منهم كان مِمَّن حفظ القرآن، إما كله أو بعضه، فيكون الْمجموع حافظًا لكل القرآن.
قال عمر رضي الله عنه في كلامه لأبي بكر حاثًّا إياه على جمع القرآن: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ.(16)
قال الحافظ في الفتح: وهذا يدل على أن كثيرًا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جَمَعَهُ، لا أن كل فرد جَمَعَهُ.(17)
ولا شك أن أكثر هؤلاء القتلى كان مِمَّن حفظ شيئًا من القرآن، غير أن المشهور أن القتلى من الحفاظ يومئذ كان سبعين رجلاً.(18)
راعت هذه الكارثة العظيمة –كارثة فقد حفَّاظ كتاب الله تعالى- عمرَ الفاروقَ رضي الله عنه ، فهرع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطلب منه أن يسرع إلى حفظ الكتاب بجمعه مكتوبًا، حتى لا يذهب بذهاب حُفَّاظه.
فمع موت كثيرٍ من الحفاظ، أصبح من الْمخوف الْمحتمل أن تفقد إحدى القطع التي كُتِبَ القرآن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن الْمحتمل أيضًا أن يستشهد الذين يحفظون الْمكتوب في هذه القطعة، فيترتب على الأمرين معًا ضياع الْمكتوب فيها.
فتردد أبو بكر أول الأمر، لأنه كَرِهَ أن يجمع القرآن على وجهٍ يُخالف ما فعله النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من جمع القرآن، حيث اكتفى صلى الله عليه وسلم بتدوين القرآن على الجلود والعظام والعسب وغير ذلك، ولم يجمعه في صحفٍ أو مصاحف، فقد كَرِهَ أن يُحِلَّ نفسه محلَّ مَنْ تَجَاوَزَ احتياطُه للقرآن احتياطَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .
ولكن عمر ما زال يراجعه حتى شرح الله صدره لهذا الأمر، فدعا زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وطلب منه أن يقوم بجمع القرآن، فتردد زيد رضي الله عنه لنفس الأمر الذي تردد له أبو بكر أول الأمر، وما زال أبو بكر يراجعه حتى شرح الله صدره له، فشرع في العمل متهيبًا وَجِلاً من عظم المسؤولية.
قال الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه ، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، قال: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقال: أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقال: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ. قال: أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ فَقال: عُمَرُ هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ. فَقال أَبُو بَكْر:ٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ؟ فَقال أَبُو بَكْر:ٍ هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِه: } لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ{ إِلَى آخِرِهِمَا. وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.(19)
ولقد كانت هذه الوقعة أهم الأسباب التي اكتملت بِها الحاجة إلى جمع القرآن، ودفعت الصحابة إلى هذا العمل، لَمَّا رأَوْا أن مصلحة الدين، وحفظ الكتاب الحكيم لا تتم إلا به.

(1) رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة بَاب بَيَانِ أَنَّ بَقَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمَانٌ لأَصْحَابِهِ وَبَقَاءَ أَصْحَابِهِ أَمَانٌ لِلأُمَّةِ. صحيح مسلم مع شرح النووي (16/82-83) ح 2531.
(2) بضم السين والنون، أو بضم السين وسكون النون، يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ، موضع معروف بالمدينة النبوية، إلى الجنوب من المسجد النبوي، كانت فيه منازل بني الحارث بن الخزرج. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/407).
(3) سورة الزمر، الآية 30.
(4) سورة آل عمران، الآية 144.
(5) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذًا خليلاً. (7/23-24)، الأحاديث: 3667-3670.
(6) رواه الإمام مالك في الموطأ: كتاب الجنائز 16، باب جامع الحسبة في المصيبة 14، حديث رقم 41. موطأ الإمام مالك رواية يحيى الليثي- طبعة دار الشعب ص 162.
(7) رواه البيهقي في دلائل النبوة باب ما جاء في عظم المصيبة التي نزلت بالمسلمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (7/267).
(8) وهو المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الأول. راجع صفحة 56 وما بعدها.
(9) رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أم أيمن ح 2454. صحيح مسلم مع شرح النووي (16/9-10)، والبيهقي في دلائل النبوة باب ما جاء في عظم المصيبة التي نزلت بالمسلمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (7/266).
(10) اليمامة: قريةٌ من نجد بوادي حنيفة، وهي القرية المسماة اليوم بالجُبَيْلة قرب العيينة. معجم البلدان (5/505).
(11) هو مسيلمة بن حبيب الحنفي، وقال ابن هشام مسيلمة بن ثمامة، ويكنى أبا ثمامة، وهو المعروف بمسيلمة الكذاب، ادعى النبوة، وكان قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين. قتل في حديقة الموت يوم اليمامة من حروب الردة. انظر السيرة النبوية لابن هشام (4/164،182)، وشذرات الذهب (1/23)، والكامل في التاريخ (2/243-248).
(12) تاريخ الأمم والملوك - الطبري (2/283)، والبداية والنهاية (6/330)، وتاريخ الإسلام للذهبي في جزء حوادث سنة 11-40 هـ ص 73، والكامل في التاريخ (2/243-248).
(13) شذرات الذهب (1/23).
(14) رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد، انظر الصحيح مع الفتح (7/433) ح4078.
(15) رواه البيهقي في دلائل النبوة باب عدد من استشهد من المسلمين يوم أحد (3/277).
(16) رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن، انظر الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/626) ح 4986.
(17) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(18) ذكر الحافظ في الفتح أن القتلى من القراء كانوا سبعين، فتح الباري (8/668)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (1/199-204).
(19) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن باب } لقد جاءكم رسول من أنفسكم … { انظر الصحيح مع شرحه فتح الباري (8/194) ح 4679، وفي كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن، (8/626) ح 4986.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:53 AM   رقم المشاركة : 14
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثاني
أول من جمع القرآن من الصحابة
1 - أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول من جمع القرآن الكريم 2 - ما جاء أن أول من جمع القرآن علي بن أبي طالب رضي الله عنه 3 - ما جاء أن أول من جمع القرآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه 4 - ما جاء أن أول من جمع القرآن سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه 1 - أبو بكر الصديق أوَّل من جمع القرآن الكريم
دلَّت عامَّة الروايات على أن أول من أمر بجمع القرآن الكريم من الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن مشورة عمر بن الخطاب، وأن الذي قام بِهذا الجمع هو زيد ابن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم .ـ(1)
فمن ذلك ما مرَّ بنا من حديث زيد بن ثابت، وقوله: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقال: أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقال: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ… الحديث.(2)
ومن ذلك ما رواه ابن أبي داود بسند حسنٍ عن عبْدِ خَيْرٍ عن علِيٍّ رضي الله عنه قال: رحمةُ اللهِ على أبي بكرٍ؛ كانَ أعظمَ الناسِ أجرًا في جمع المصاحفِ، وهو أوَّل من جمع بين اللَّوْحَيْنِ.(3)
قال الحافظ ابن حجر: أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" بإسنادٍ حسنٍ.(4)
وقال السيوطي: بسندٍ حسنٍ.(5)
غير أنه قد وردت روايات تدل على أن أول من قام بِهذا الجمع غير أبي بكر، فمن ذلك:
2- ما جاء أن أول من جمع القرآن عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه
- عن محمد بن سيرين قال: لَمَّا تُوُفِّي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أقسمَ عليٌّ أن لا يرتدي برداء إلا لِجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل.(6)
قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظًا، فمراده بِجمعِه حفظُه في صدره…، وما تقدم من رواية عبدِ خَيْرٍ عن عَلِيٍّ أصحُّ، فهو المعتمد.(7)
- عن عكرمة قال: لَمّا كان بعد بيعةِ أبي بكر رضي الله عنه ، قعد عليُّ بن أبي طالبٍ في بيته، فقيل لأبي بكرٍ: قد كره بيعتكَ. فأرسل إليه فقال: أكرهت بيعتي؟ فقال: لا، والله. قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يُزاد فيه، فحدَّثت نفسي أن لا ألبَسَ ردائي إلا لصلاةٍ حتى أجمعه. فقال أبو بكر: فإنك نعمَ ما رأيتَ.(8)
وهذا الحديث فيه انقطاعٌ، فعكرمة وُلِدَ سنةَ خمسٍ وعشرين من الهجرة،(9) والحادثة المذكورة من تأخر عليٍّ في بيعة أبي بكر وقعت سنة إحدى عشرةَ.
كما أن فيه رائحة التشيع، إذ فيه أن المسلمين -وأكثرهم إذ ذاك من الصحابة- كانوا يزيدون في كتاب الله ما ليس منه، وحاشا لأصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا ذلك.
وبتقدير صحته يُمكن أيضًا حمله على الجمع في الصدر، والحفظ عن ظهر قلب كما مرَّ، أو على أنه أراد أن يجرِّد مصحفه مِمَّا ليس من القرآن، كالتفسير والأحكام.
كما أنه قد قيل إنَّ جَمْعَ عليٍّ رضي الله عنه كان أشبه بكتاب علم، جمع فيه غير القرآن مع القرآن، وإذن فصُورتُه غير صورة الجمع البكري، وغرضُه غير غرضِهِ.
فقد روى هذا الخبر ابن أشتة في كتاب المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين قال: فطلبتُ ذلك الكتاب، وكتبتُ فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه.(10)
3 - ما جاء أن أول من جمع القرآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عن الحَسَن أن عُمَر بن الخطاب سألَ عن آيةٍ من كتاب الله، فقيل: كانت معَ فلانٍ، فقُتل يوم اليمامة. فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف.(11)
وإسناد هذا الأثر منقطع،(12) والظن أنَّها لا تعدو رواية البخاري التي أسلفناها، والتي تقرِّر أنَّ عمر هو فعلاً صاحب فكرة الجمع الأول، وأنه أشار بِها على أبي بكر، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره لها.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا منقطع، فإن كان محفوظًا حُمِل على أن المراد بقوله: فكان أول من جمعه، أي: أشار بجمعه في خلافة أبي بكر، فنُسِب الجمع إليه لذلك.(13)
4 - ما جاء أن أول من جمع القرآن سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه
عن ابن بريدة، قال: أول من جمع القرآن في مصحفٍ سالمٌ مولى أبي حذيفة، أَقْسَمَ لا يرتدي برداء حتى يجمعه، فجمعه.(14)
وهذا من غريب ما ورد في أول من جمع القرآن.
قال السيوطي: إسناده منقطعٌ أيضًا، وهو محمولٌ على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبي بكرٍ رضي الله عنه .ـ(15)
ووصف الآلوسي(16) قول السيوطي هذا بأنه عثرةٌ لا يُقال لها لعًا،(17) لأن سالِمًا قُتِل في وقعة اليمامة التي كان موت الحُفَّاظ فيها هو سبب الجمع.(18)
والصواب -والله أعلم- أن أوَّلية أبي بكر في جمع القرآن أولية خاصةٌّ، إذ قد كان للصحابة رضي الله عنهم مصاحف كتبوا فيها القرآن قبل جمع أبي بكر، وهذا لا يعكر صفو القول بأن أول من جمع القرآن هو الصدِّيق رضي الله عنه ، لأن مصاحف الصحابة الأخرى إنَّما كانت أعمالاً فردية، لم تظفر بِما ظفر به مصحف الصدِّيق من دقَّة البحث والتحرِّي، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حدَّ التواتر، ومن إجماع الأمة عليها، إلى غير ذلك من الْمزايا التي كانت لمصحف الصدِّيق.
فلا يضير مع كل هذه الْمزايا أن يُروى أن عليًّا أو عمر أو سالِمًا كان أول من جمع القرآن، فقُصارى تلك الروايات أنَّها تثبت أن بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، ولكنها لا تُعطي هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية، ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للمصحف الذي جمع على عهد أبي بكر رضي الله عنه . (19)

(1) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 353-354.
(2) سبق تخريجه، قريبًا.
(3) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب جمع القرآن. ص 11-12.
(4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(5) الإتقان في علوم القرآن (1/165).
(6) كتاب المصاحف، باب جمع علي بن أبي طالب القرآن في المصحف. ص 16، وذكره ابن كثير في فضائل القرآن، وقال: فيه انقطاع. فضائل القرآن ص 45.
(7) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(8) رواه ابن الضريس في فضائل القرآن ص 76-77.
(9) انظر تهذيب الكمال (20/291-292).
(10) كتاب المصاحف لابن أشتة مفقود، وقد ذكر هذا الخبر السيوطي في الإتقان (1/166).
(11) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه القرآن في المصحف. ص 16.
(12) لأن الحسن لم يسمع من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد ولد لسنتين بقيتا من خلافته رضي الله عنه ، انظر تهذيب الكمال (6/95-97). قال السيوطي في هذا الأثر: إسناده منقطع. انظر الإتقان في علوم القرآن (1/166).
(13) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).
(14) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 353.
(15) الإتقان في علوم القرآن (1/166).
(16) أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين الآلوسي، ولد سنة 1273هـ، الإمام المؤرخ الأديب الداعية المصلح المجاهد، تصدر للتدريس، وحارب البدع، صاحب التصانيف المفيدة، وأعظمها روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، توفي سنة 1342هـ. الأعلام للزركلي (7/172).
(17) يُقال للعاثر: لعًا لكَ، دعاءٌ له بأن ينتعش. قال كعب بن زهير:
فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍ ولا قائـلٍ إمَّا عثَرْتَ لـعًا لكـَا
انظر: الصحاح للجوهري (لعا) (6/2483)، وشرح قصيدة كعب بن زهير (بانت سعاد) لابن هشام الأنصاري ص 34.
(18) روح المعاني (1/22).
(19) مناهل العرفان في علوم القرآن (1/254-255).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:55 AM   رقم المشاركة : 15
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثالث
من قام بالجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه
مرَّ فيما سبق أن الذي أشار بجمع القرآن كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأن أبا بكر ندب لِهَذِهِ المهمة زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه .
وقد بين أبو بكر الصديق رضي الله عنه أسباب اختياره زيدَ بن ثابت في الحديث الذي أسلفناه، حيث قال له: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ.(1)
وقد ورد أيضًا أن زيد بن ثابت كان قد حضر العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، كما مرَّ.
أضف إلى ذلك أن زيد بن ثابت كان ممن جمع القرآن حفظًا في صدره في حياة رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم .
فَعَنْ قَتَادَة قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ.(2)
فتبين أن أبا بكر رضي الله عنه إنَّما اختار لِهذه المهمة الشاقة زيد بن ثابت للأسباب الآتية3)
1 - أنه كان شابًّا، وفي ذلك خصال توافق غرض الصديق، حيث إن الشابَّ أقوى وأجلدُ على العمل الصعب من الشيخ، كما أن الشابَّ لا يكون شديد الاعتداد برأيه، فعند حصول الخلاف يسهل قبوله النصح والتوجيه.(4)
2 - أن زيد بن ثابت كان معروفًا بوفرة عقله، وهذا مِمَّا يؤهله لإتْمام هذه المهمة الجسيمة.
3 - أنه كان غير متهم في دينه، فقد كان معروفًا بشدة الورع، والأمانة وكمال الخلق، والاستقامة في الدين.
4 - أنه كان يلي كتابة الوحي لرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ويرى إملاء رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فكان يشاهد من أحوال القرآن ما لا يشاهده غيره، وهذا يؤهله أكثر من غيره ليكتب القرآن، ويجمعه.
5 - أنه كان حافظًا للقرآن الكريم عن ظهر قلب، وكان حفظه في زمن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم على العرضة الأخيرة.
6 - أنه فيما روي كان مِمَّن شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، كما مرَّ علينا.(5)
وقد كان زيد بن ثابت رضي الله عنه جديرًا بِهذه الثقة، ويدل على ذلك قوله لَمَّا أمره أبو بكر بجمع القرآن: فَوَاللهِ! لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ.(6)
قال ابن حجر: وإنَّما قال زيد بن ثابت ذلك لِما خَشِيَهُ من التقصير في إحصاء ما أُمِر بجمعه، لكن الله تعالى يسر له ذلك، كما قال تعالى: } ولقد يسرنا القرآن للذكر{.(7)
وشرع زيد بن ثابت يَجمع القرآن من الرقاع واللخاف والعظام والجلود وصدور الرجال، وأشرف عليه وعاونه في ذلك أبو بكر وعمر وكبار الصحابة.(8)
فقد شارك في العمل في هذا الجمع عدد من كبار الصحابة، منهم عمر بن الخطاب وأُبَيُّ بن كعب، وغيرهما.
فعن عروة بن الزبير قال: لَمَّا استحرَّ القتل بالقراء يومئذٍ، فَرِق أبو بكرٍ على القرآن أن يضيعَ، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.(9)
وعن أبي العالية عن أُبَيِّ بن كعب أنَّهم جَمعوا القرآن في مصحفٍ في خلافة أبي بكرٍ، فكان رجالٌ يكتبون، ويُملي عليهم أُبَيُّ بن كعبٍ ….(10)
وبِهذه المشاركة أخذ هذا الجمع الصفة الإجْماعية، فقد اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم ، وتعاونوا على إتْمامه على أكمل وجه.

(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) رواه البخاري في كتاب المناقب باب مناقب زيد بن ثابت ح 3810. صحيح البخاري مع فتح الباري (7/159)، وفي فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 5004 (8/663)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بن كعب. انظر صحيح مسلم مع شرح النووي (16/19) ح 2465.
(3) وانظر في ذلك أيضًا: مقدمة كتاب المباني ص 25، الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها ص 271.
(4) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 369.
(5) في مبحث العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، وهو المبحث الثاني من الفصل الرابع من الباب الأول.
(6) سبق تخريجه قريبًا.
(7) من الآية 17 من سورة القمر. وانظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/629).
(8) مناهل العرفان في علوم القرآن (1/250).
(9) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع أبي بكر القرآن في المصاحف ص 12، قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات مع انقطاعه. فتح الباري (8/630).
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع أبي بكر القرآن في المصاحف ص 15. وفي باب خبر قوله تعالى : } لقد جاءكم رسول { ص 38،ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن باب فيما نزل من القرآن بمكة وما نزل بالمدينة













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
القرآن, جمع, كيف

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 07:47 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع