 |
اقتباس: |
 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تحليل إخباري
في السودان.. مسمار آخر في نعش الوحدة الطوعية!
كتب: عطية عيسوي - الأهرام |
|
 |
|
 |
|
دقت المواجهات الدموية التي شهدتها منطقة أبيي الغنية بالبترول في الأسابيع الأخيرة مسمارا جديدا في نعش حلم الوحدة الطوعية الذي كان يراود بعض أبناء الجنوب والحريصين علي بقاء السودان دولة موحدة بعد اتفاق السلام الذي تم توقيعه في9 يناير2005 وأنهي رسميا21 عاما من الحرب الأهلية.
فالتداعي الأخطر لأعنف معارك شهدتها المنطقة الأسبوع الماضي منذ توقيع اتفاق السلام هو تعزيز رغبة الجنوبيين في الانفصال عندما يدلون برأيهم في استفتاء تقرير المصير المقرر إجراؤه عام2011, فقد كان هناك أمل أن تندمل جراح الحرب الأهلية في النفوس وأن يقتنع الجنوبيون أو معظمهم بأن أسباب الحرب ودواعي السعي للانفصال ستكون قد زالت بانتهاء الفترة الانتقالية التي تسبق الاستفتاء, وبالتالي يصوتون لصالح بقاء الجنوب موحدا مع الشمال, لكن العثرات التي وقع فيها اتفاق السلام عند تنفيذه ومرور أكثر من نصف الفترة الانتقالية دون تحسن ملموس في مستوي المعيشة وإعادة إعمار ما خربته الحرب واستمرار الاشتباكات المسلحة بين الطرفين أو علي الأقل بين أنصارهما أدت كلها إلي الاقتناع بأنه لا جدوي من البقاء في سودان موحد.. فانعدام الثقة مازال راسخا في نفوس الغالبية العظمي من الجنوبيين الذين تم طوال فترة الحرب الأهلية ترسيخ مفهوم خاطئ في نفوسهم هو أن أبناء الشمال( العرب) يستأثرون بكل السلطة والثروة ومشروعات التنمية علي حساب أبناء الجنوب( الأفارقة) وأنهم استولوا حتي علي عائد البترول الذي يتم انتاجه من أراضيهم واستخدامه في شراء السلاح لمحاربتهم أيام الحرب الأهلية, بل إن كثيرين من قادتهم قالوا صراحة: إن الأفضل لهم أن يكونوا رأسا لإفريقيا علي أن يظلوا ذيلا للعالم العربي في إشارة إلي الانفصال المحتمل.
لا أظن أن المعارك الأخيرة التي أدت إلي مصرع العشرات من أبناء الشمال والجنوب وتدمير وإحراق80% من بيوت ومحال أبيي وتشريد50 ألفا من سكانها ستؤدي إلي انهيار أو إلغاء اتفاق السلام في المدي القريب.. فالحركة الشعبية الحاكمة للجنوب تدرك جيدا أنها حققت بالسلام مالم تستطع تحقيقه بالحرب طوال عقدين من الزمان, ألا وهو تقرير المصير للجنوب في استفتاء عام وإذا تم إلغاء الاتفاق سيضيع هذا المكسب المهم ولن تستطيع تحقيقه مرة أخري ولو ظلت تحارب50 سنة أخري. لذلك فهي تراهن علي الوصول بالسفينة إلي بر الأمان مهما واجهت من عواصف حتي يتم الاستفتاء, ويتحقق الهدف المتفق عليه مع الشماليين دون أن يعطوهم أية ذريعة للتراجع عن الاتفاق, كما أن هذه الاشتباكات الدموية وغيرها تصب في مصلحة الساعين للانفصال حيث يعتبرونها دليلا آخر علي صعوبة العيش في دولة واحدة مع الشمال. وعلي الجانب الآخر, ومع أن كثيرا من الشماليين قادة ومواطنين ـ غير راضين عن حق تقرير المصير الذي حصل عليه الجنوبيون, إلا أنهم يدركون هم أيضا أن الخرطوم لم تستطيع طوال21 عاما إخماد التمرد في الجنوب الذي كان يستنزف من قدرتهم مليون دولار يوميا وبالتالي ليس من مصلحتهم إلغاء الاتفاق أو انهيار عملية السلام في الجنوب في الوقت الذي يواجهون فيه تمردا خطيرا آخر في دارفور يستنزف قواهم كما أن انهيار الاتفاق ـ إذا حدث ـ سيكون فألا سيئا لاتفاق السلام الذي أنهي التمرد في شرق السودان قبل عامين وسيعرضه لخطر الانهيار.
مشكلة أبيي التي تقع علي مسافة800 كيلو متر جنوب الخرطوم وتقبع فوق5% من بترول السودان انها مطمع حقيقي للشماليين والجنوبيين لا يمكن التخلي عنه بسهولة للطرف الآخر وإلا يكون القادة قد ظهروا أمام شعبهم بأنهم فرطوا في الحقوق, وأضاعوا ثروة بترولية ثمينة, والجانب الآخر من المشكلة أن أبيي تسكنها قبيلة دينكا نقوك الجنوبية الإفريقية وقبيلة المسيرية العربية وكل منهما ترفض ضم المنطقة إلي الشمال أو الجنوب. المسيرية تخشي أن تضيع حقوقها في بحر الأفارقة إذا تم ضم المنطقة إلي الجنوب.. والدينكا تصر علي عودتها إلي الجنوب قائلة إنها أرضها تاريخيا وأن المسيرية ليس لهم فيها سوي حق الرعي الذي اكتسبوه بحكم العادة منذ لجأوا بقطعان ماشيتهم للرعي فيها وقت الجفاف عندما يضرب مناطقهم الأصلية كل عام. وهذا هو سبب الاحتكاكات التي تحولت إلي اشتباكات دموية في الأسابيع الأخيرة بين أبناء القبيلتين وأنصارها من المسلحين في الحركة الشعبية أو في الميليشيات المسلحة الموالية لحكومة الخرطوم, وعلي ذلك يصعب علي الحكومة أو الحركة اتخاذ قرار بالتخلي عن المنطقة لأنه إذا جرؤت علي ذلك فلن تقبل به الدينكا ولا المسيرية, فهذه قبائل لها أعرافها وقوانينها التي تعلو عادة علي قوانين الدولة.
اتفاق السلام ينص علي تشكيل لجنة من الخبراء من الطرفين ومن طرف دولي محايد لتحديد حدود أبيي وفقا لما كانت عليه عام1905 عندما تم ضمها إداريا إلي ولاية غرب كردفان الشمالية علي أن يكون حكمها ملزما للطرفين.
وعندما قررت اللجنة بعد عدة أشهر أن أبيي تتبع ولاية بحر الغزال في الجنوب اعترض حزب المؤتمر ـ الشريك الأكبر في حكومة الخرطوم علي القرار قائلا: إنها تجاوزت حدود تفويضها وصلاحياتها التي تنحصر في تحديد حدود أبيي فقط وليس إصدار حكم بتبعيتها للجنوب أو الشمال. اللجنة قالت إن قبائل الدينكا استوطنوها منذ أواسط القرن الثامن عشر لكنها لم تستطع تحديد حدودها في عام1905 لعدم وجود وثائق أو خرائط تثبت بوضوح تبعيتها للجنوب. وبينما تمسكت الحركة الشعبية بالقرار ومعها قبيلة الدينكا والأمم المتحدة والولايات المتحدة أصر حزب المؤتمر الحاكم ومعه قبيلة المسيرية علي رفضه, وبينما قالت الدينكا إن القرار جاء بمثابة إقرار بحق يجب أن يعود إليهم, قالت المسيرية إنها ستلجأ إلي كل الوسائل للحفاظ علي حقوقها في المنطقة. فالدينكا يشكلون70% من سكان المنطقة والمسيرية30% حسب آخر إحصائية متوافرة.. والمسيرية تقول: إنه من الظلم أن يتم تقسيم المنطقة إلي شمال زراعي لهم وجنوب غني بالبترول للدينكا وفقا لرؤية اللجنة.
وهكذا أصبحت أبيي شوكة مؤلمة في جنب السودان شماله وجنوبه, ولا يبدو في الأفق ما يشير إلي قرب استخراجها منه قبل أن يتقيح الجرح ويقضي علي الجسد. ويبدو أنها تحتاج إلي شجاعة غير عادية من القيادات لحسم مستقبلها, وإقناع سكانها بما يتم الاتفاق عليه, وكان يمكن تفادي سفك الدماء التي أريقت لو تم إبعاد العسكريين من الطرفين عنها والاكتفاء بالقوة المشتركة التي نص عليها اتفاق السلام(6 آلاف جندي) حتي يتم تقرير مستقبلها في استفتاء منفصل عام2011 وكان يمكن الاتفاق علي اعتبارها منطقة تكامل وتواصل بين الشمال والجنوب سواء بقي السودان موحدا أو انفصل الجنوبيون واقتسام ثروتها البترولية وفقا لعدد السكان في السودان ككل حتي نتفادي علي الأقل صعوبة حل مشكلة قبيلتي الدينكا والمسيرية فيها حيث لا يمكن إقناع أي منهما بضمها إلي الشمال أو الجنوب بالمعروف وإنما بالقوة وبتضحيات بشرية ومادية كبيرة إذا تم. ولكن ضيق الأفق وغياب الرؤية البعيدة مازالا يخيمان علي عقول أولي الأمر!