جاء "هاري ترومان" من المجهول حاملا "سندويتش هوت دوجز" وزجاجة "كوكاكولا" ليصبح نائباَ للرئيس "روزفلت" في انتخابات 1944 ٬ ويشاء السميع العليم ان يموت الرئيس في 2 ابريل 1945 ويصبح المحامي النكرة القادم من "ميسوري" هو رئيس اقوی واول وحش نووي في التاريخ.. الغريب انه لم يكن يعلم ان بلاده قد امتلكت هذا السلاح٬ بل لم يكن يعلم شيئا عن وجوده فقد كان في نظر "روزفلت" وكبار معاونيه اتفه من يطلع علی الأسرار العليا٬ رغم كونه نائب الرئيس!! فلم يعرف مثلا شيئا مما دار بين "روزفلت" و "تشرشل" و"ستالين" من نقاشات واتفاقيات سرية في مؤتمري "طهران" ثم "يالطا" ولا كيف يدار العالم خلال الحرب وخطط اعادة تشكيله بعدها.. لقد تمتع بمظاهر المنصب دون طموح للمشاركة في تحمل مسؤولياته فالرئيس يعمل وفيه الكفاية ولندع الملك للمالك.
وعندما اقسم "ترومان" يمين الرئاسة وجد ان اول عمل سيقوم به هو لقاء "تشرشل" و"ستالين" في "بوتسدام" بضواحي "برلين" المهزومة حيث كان يعقد مؤتمر لترتيب احتلال المانيا وتقسيم اوروبا٬ والعمل لانهاء مقاومة اليابان ـ كل هذا دفعة واحدة.
اما عن تشرشل فهو حليف٬ ومطرود من الحكم باغلبية "يعني لا خطر منه ولا خوف" ولكن ماذا عن البعبع "ستالين" الذي يلقي بظله المخيف علی اوروبا والعالم؟
طلب "ترومان" من ينصحونه سياسياً واستراتيجياً وبينهم جاء خبير نفسي كي يدله علی اسلم طريقة للتعامل مع هذا الدب الروسي.. كل واحد من الخبراء قال ما عنده من خبرات ومعلومات عن "ستالين" ولما جاء دور الخبير النفسي قال لترومان:
ــ "ياسيادة الرئيس الامر بسيط فانت اطول من جوزيف ستالين ببوصة ونصف٬ وعندما تلقاه سيشعر بانك اعلی منه مما سيضمن سيطرتك عليه نفسيا٬ مما يسهل عليك تطبيقه ووضعه في جيبك".
لم يكن في الدنيا من هو اسعد من "ترومان" الغشيم بهذه الوصفة التي ستحقق له الهيمنة علی اقطاب العالم٬ ليصبح عملاق العمالقة٬ واصطحب معه مستشاريه ومعاونيه وبينهم هذا الخبير السيكلوجي الناصح٬ وبعد جلسة اللقاء الاولی في المؤتمر لوحظ ان ترومان خرج محتقن الوجه. والغيظ يطق شرراً من زجاج نظارته فاسرع مستشاره النفسي نحوه يسأله:
ــ ماذا حدث؟ هل سيطرت عليه بطول قامتك ياسيادة الرئيس؟
فصرخ في وجهه:
ــ ان ابن الزانية لم يعطني فرصة لقد سلم علي دون ان ينهض من فوق مقعده.
ومنذ هذه اللحظة كان قدر العالم ان يشهد صراعاً احمق يدور حول نقطة واحدة وهي ان يثبت "هاري ترومان" لجوزيف ستالين انه أطول منه قامة٬ ولكن هذا لم يقع ابدا فلم يهتز رجل روسيا٬ ولم ينهض من فوق مقعده لاحد حتی غدره عزرائيل.
ويقول "ونستون تشرشل" في مذكراته انه اتفق مع "هاري ترومان" علی اخراج درامي لاعلان نبأ قصف اليابان بالسلاح النووي٬ ليحصلوا علی اكبر المغانم من "ستالين" بالابتزاز والتلويح بسلاح يضمن لهم التفوق الحاسم.. ولكن الروسي البارد الاعصاب٬ فوت عليهم هذه الفرصة٬ وسمع النبأ بابتسامة ساخرة كأنه لا يعنيه في شيء!!
وقرار ضرب "هيروشيما" و"نجازاكي" نفسه لم يستغرق من ترومان اكثر من دقيقتين للمناقشة٬ وثلاث ثوان للتوقيع٬ ونام في تلك الليلة كالعادة نوما عميق بعد "عشوة" فلاحي ثقيلة!!
في أيامه الأولی داخل البيت الابيض٬ زاره "حاييم ويزمان" رئيس المنظمة الصهيونية العالمية لكي يذكره بوعده الذي قطعه علی نفسه بمساعدة الدولة الصهيونية٬ اذا ساعده النواب الصهاينة في الوصول الی مركز نائب الرئيس.. وها هو الان بفضل إله الحظ الصهيوني وقد أصبح الرئيس نفسه .. وكرر "وايزمان" شكاوی الصهاينة من صداقة وتعهدات سلفه "فرانكلين روزفلت" بالملك "عبدالعزيز آل سعود" وذلك الاعجاب المتبادل الذي جمع الرجلين الكبيرين٬ والذي يعتبر خطرا علی مستقبل بني اسرائيل٬ كما نوه بما وقع لليهود تحت وطأة هتلر خلال الحرب وقبلها ومماطلة الانجليز في تفسير وتنفيذ "وعد بلفور".
لم يكن هذا الرئيس بالصدفة مؤهلا للتعامل مع احد اقطاب دهاليز "لعبة الأمم" وزعيم اقدم منظمة سرية دولية٬ تلعب علی كل الحبال٬ وتسخر كل القوی لمصلحتها ولا تتورع عن ذرف الدموع٬ او سفك الدماء وادعاء المثاليات٬ او تقديم الرشی٬ كل ما يعرفه هو تأثير المال اليهودي٬ والنفوذ الصهيوني في سياسة الولايات المتحدة واهمية الصهاينة وصحافتهم في صناعة منصب الرئيس وقرارات ومجلس الشيوخ٬ وهذا هو كل ما يهمه كسياسي محلي محدود الفكر والاهداف.. لهذا وعد "وايزمان" وعدين كل منهما اشد شؤما من وعد "بلفور".
الاول: بإرسال كل يهودي في اوروبا يرغب في الهجرة لفلسطين رغم العدد المحدود الذي نص عليه الكتاب الابيض البريطاني.
الثاني: ان الولايات المتحدة الامريكية ستكون اول دولة في العالم تعترف بالكيان الصهيوني فور اعلانه.
وفي الحال اشفع كلماته بالافعال فأرسل في يونيو 1945 بعد شهر واحد من توليه الرئاسة٬ "شوفوا السرعة"٬ بمندوبة "الايرل. جي . هاريسون" ليحصي عدد اليهود المستعدين للسفر الی ارض الميعاد٬ فسافر الرجل علی اول طائرة واحصی وعد٬ ودقق وتأكد المفروض انه طاف بكل اقطار القارة المحطمة ومعظم مدنها واعد تقريره في اقل من ثلاثة اشهر٬ وقدمه في اغسطس محددا عدد اليهود المشردين الذين يجب ترحيلهم من اوروبا فورا الی فلسطين٬ بما لا يقل عن مئة الف!! ووقع الرقم كالصاعقة علی رأس العرب والانجليز معهم ورفع الفلسطينيون راية الكفاح٬ ورفع الانجليز كتابهم الابيض. ولكن "هاري ترومان" كان هو المالك لكل الخيوط فبقمحه تتغذی بريطانيا الجائعة٬ وبدولاراته تبني اوروبا جدرانها وسقوفها وعرف هو ذلك واستعمله بوقاحة٬ ضد المنطق وضد العدل.
وهكذا الاقدار بعضنا يمر عابراً٬ وبعضنا يجعل الدنيا افضل اما ترومان فتكفيه صلوات اليابانيين ولعنات المسلمين.
Alarab Online. © All rights reserved.