1524- "المستكشفون" الفرنسيون للعالم الجديد:
ممن يُذكر من الفرنسيين الذين استكشفوا العالم الجديد: جاك كارتير . ولد كارتير في عام 1491 في بلدة سانت مالو في فرنسا، ولا يعرف عنه حياته كثيراً قبل إبحاره إلى العالم الجديد في عام 1534 حيث قطع المحيط الأطلسي في مدة عشرين يوماً فقط. نزل جاك في جزيرة قريبة من "نيوفاوندلاند" (في كندا)، واتجه منها شمالاً حيث دخل مضيق بيلي آيل، ثم أبحر في خليج سانت لورنس، وكان ينتقل من مكان لآخر حتى وصل إلى خليج شالور وشبه جزيرة كاسبه حيث رأى هناك خمسين زورقاً تحمل هنوداً من قبائل الميكماك (Micmac) حيث رحبوا به وقابلوه بهذه الكلمات: "نابْيُو تُونْدامِنْ أَصُورْتَهْ" وتعني: "نريد أن نعمل صداقة". في اليوم الثاني تبادل الفريقان البضائع التجارية بينهم واحتفلوا. ولكن كارتير خاب أمله عندما تحقق أن خليج نهر سانت لورنس لن يوصله إلى الصين! وقد التقى كارتير بمائتين من قبائل الهورون Huron وكان قائدها المدعو "دونّاكونّا". وعندما عاد كارتير – فيما بعد – إلى فرنسا اصطحب معه ولدين لدوناكونا وهما "دوماغايا" وتايْغناغني" إلى فرنسا وتعلما الفرنسية وأصبحا مترجمين ثم رجعا معه.
توغل كارتير ورجاله في اليابسة حيث وصل إلى مكان مرتفع سماه مونت ريال (مونتريال) أي الجبل الملكي. وعندما اضطر أن يبقى في المنطقة خلال فترة الشتاء، مرض رجاله بمرض الاسقربوط وكذلك مرض دوماغايا بنفس المرض، لكنه تعافي منه. وقد أخبر "الهورونيون" كارتير ورجاله بأن ذهباً وكنوزاً أخرى توجد شمالاً في أرض تدعى "ساغْوِني" لعلمهم أن الفرنسيين يحبون سماع القصص، وكان الهورونيون مسرورين بسرد هذه القصص عليهم، وهي مجرد قصص لا غير.
وكان في نية كارتير أن يقوم بحملة أخرى للبحث عن ساغْوِني، لكن لم يتحقق له ذلك إلا في عام 1541 بسبب الحرب الفرنسية-الإسبانية. في هذه الحملة، لم يكن كارتير قائداً لها بل رجل آخر يدعى جان-فرانسوا دي لا روك. زار كارتير (سْتاداكونا)، وبنى حصناً قريباً من ساغوني. وقد جمع رجالُه ما ظنوا أنه ماساً وذهباً، لكن في الحقيقة كانا فلزين آخرين: كوارتز، وبايرايت الحديدي (ويدعى أيضاً ذهب الغبي). اتجه كارتير غرباً، لكنه عاد وقضى وقت الشتاء في حصنه الذي بناه. اضطر كورتير فيما بعد أن يعود متخفياً إلى فرنسا بعد هلاك كثير من رجاله. قضى كارتير بقية حياته في سانت مالو حتى مات في عام 1557 عن عمر يناهز 66 عاماً.
--
ومن المستكشفين الفرنسيين أيضاً كان جان ريبو Jean Ribault. في عام 1562 أُرسِل ريبو من فرنسا ليستكشف شبه جزيرة فلوريدا ويؤسس فيها مستعمرة جديدة. أبحر ريبو في ثلاث سفن تحمل على متنها 150 شخصاً من الفرنسيين البروتستانت. تريد فرنسا أن تكون لها قدم في الأرض الجديدة وأن تطرد المستوطنين الإسبان منها.
نزل ريبو قرب منطقة سانت أوغسطين، ثم اتجه شمالاً حيث وجد النهر الذي دعي بعد بنهر سانت جونز. وعند فم ذلك النهر بنى ريبو تذكاراً حجرياً لتخليد زيارته ولادعاء ملكية الأرض لفرنسا.
بعد ذلك، تابع ريبو مسيره شمالاً حتى وصل إلى مكان في ولاية (كارولينا الجنوبية) حالياً، حيث أطلق عليه اسم (بورت رويال). في هذا المكان بنى البروتستانت الفرنسيون حصناً دعوه باسم تشارلزفورت (حصن تشارلز) تكريماً لملكهم. وعندما بدأت المؤن تقترب من النفاذ أبحر ريبو عائداً إلى فرنسا ليأتي بالمزيد منها.
لكن، لسوء حظه ريبو، اندلعت الصراعات الدينية في فرنسا فلم يستطع أن يجمع الأموال لأجل المؤن. ولهذا لجأ ريبو إلى إليزابيث ملكة إنكلترا في ذلك الوقت ، فقبضت عليه وألقته في سجن لندن بسبب أنه أسس مستعمرة فرنسية في أراض "إسبانية".
خلال فترة سجن ريبو، أرسِل رينيه دي لودنيير لنجدة البروتستانت الفرنسيين في تشارلزفورت في كارولينا الجنوبية، وانطلق مع حوالي 304 من البروتستانت الفرنسيين الذين كانوا متحمسين لإقامتهم في العالم الجديد وممارستهم حريتهم الدينية فيه، فقد كانت حياتهم في فرنسا صعبة.
عندما وصلوا إلى مصب نهر جونز في فلوريدا، نزلوا هناك وبنوا حصناً مثلث الشكل للتحصن فيه ودعوه بحصن كارولين. انتعشت المستعمرة في البداية، فكانت تأتيها السفن الفرنسية محملة بالماشية والمؤن والأدوات اللازمة، وكان على متنها الفلاحون والصناع والنساء والأطفال.
انطلق لودنيير متوغلاً داخل أراضي فلوريدا. استطاع في البداية أن يكوّن علاقات طيبة مع هنود قبائل "تيموكْوان"، ومالبثت أن نفذت مؤن الفرنسيين ولم يعد بمقدورهم الحصول على الطعام من السكان الأصليين. وبدأ بعض المستوطنين يفقدون ثقتهم بقيادة لودنيير، فسرقوا بضع زوارق واتجهوا جنوباً ليصبحوا قراصنة يغيرون على السفن الإسبانية الممتلئة بالكنوز. لقد أصبحت المستعمرة الفرنسية في معضلة بعد أن قرر معظم مستوطنيها الرجوع إلى فرنسا.
بعد أن أطلق سراح ريبو من سجن لندن أرسله ملك فرنسا إلى أمريكا برفقة 500 جندي. قرر ريبو أن ينقذ ويأخذ فورت كارولين.
في تلك الأثناء وصل إلى فلوريدا "مستكشف" إسباني يدعى "بيدرو مننديز دي آفيليز". كانت نية هذا المستكشف طرد الفرنسيين من فلوريدا، فبنى حصناً في سانت أغسطين، جنوب فورت كارولين، وجهز رجاله لخوض المعركة.
حاول ريبو أن يسيطر على سانت أغسطين، لكن سفنه دمرتها عاصفة شديدة. اتجه مننديز مع رجاله شمالاً ودمر حصن كارولين. ثم بعد ذلك، بحث مننديز عن ريبو وبقايا السفن المحطة وقتله وبقية البحارة الفرنسيين. أما لودنيير فاستطاع الهروب إلى فرنسا بعد أن جرح في الهجوم الإسباني وكتب أحداث تجربته المحزنة. مات لودنيير في عام 1582.
وبهذا انتهت مغامرات الفرنسيين في تأسيس أي مستعمرة أخرى في فلوريدا، حيث سيطر عليها الإسبان لفترة من الزمن.
يتبع إن شاء الله..