الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين محمد بن عبد الله, وبعد:-
النهضة عكس الانخفاض والهبوط, فهي الارتقاء والارتفاع والسمو. والإنسان بطبيعته لا يحب الهبوط والانحطاط بل يحب السمو والعلو والارتقاء باستثناء المشوهين فكريا (المحافظين والمنتفعين). وهذا الإنسان يطلب النهضة والنهوض ويبحث عنها ليحصل عليها ويعيش في أجوائها.
ويعتبر الانحطاط آفة ومرض للشعوب والأمم وشيء غير طبيعي لأن الانحطاط يعني الهاوية والسقوط لتلك الشعوب والأمم في علاقاتها وتأثيرها بين الدول أو الأمم الأخرى. فالانحطاط آفة لا يرضاها الإنسان الذي شاهد أو سمع عن السمو والارتقاء. أما الإنسان الذي تربى في ضنك الحياة وفي ظلال الدولارات فأن الانحطاط عنده يكون بمثابة دمه الذي يجري في عروقه.
لقد كان المجتمع في الجاهلية الأولى يسوده الانحطاط بمعنى الكلمة فتم عبادة الأصنام, والقتل, ودفن المولود من البنات, وممارسة الفواحش, والقمار والربا وغير ذلك من الأمور. ويقي ذلك الأمر حتى أنزل الله شريعته على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). فبدأت الصراعات الفكرية من بيان بطلان عبادتهم وتسفيه آلهتهم وفي المقابل كان الرد بأن عبادة الأصنام ما هي إلا للتقرب إلى الله زلفا.
لقد قام عليه السلام بتغيير الانحطاط من خلال تغيير الأفكار والمفاهيم التي كانت في عقول قريش, وذلك لأن سلوك الناس من أفعال وأقوال تصدر من أفكارهم ومفاهيمهم التي يحملونها ويعتقدونها. كما قام عليه السلام بتغيير طريقة تفكيرهم من خلال إيجاد الحجة والبرهان. فكانت النهاية هو تغيير واقع الدار إلى دار إسلام وإيمان.
إن ا لانحطاط الفعلي للأمة الإسلامية قد أصابها عندما فقدت دولتها الدولة العثمانية العلية على يد مجرم العصر اليهودي الدونمي مصطفى كمال أتا تورك عام 1924م حيث تم إلغاء الخلافة وإعلان الدولة العلمانية على أنقاض الخلافة الإسلامية في اسطنبول.
لقد كان سقوط الدولة الإسلامية ليس بسبب ضعف الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية, وإن كنا لا نفصلها ولكن تلك الأمور ليست السبب الرئيسي في سقوطها حيث أن السبب الرئيسي هو وجود الأفكار والمفاهيم التي تم غرسها في عقول الأمة من عروبة وقومية ووطنية واستقلال وأقلية وأعجمية وجمهورية وملكية وديمقراطية وعلمانية وبعثية واشتراكية
وغير ذلك من تلك الأفكار والمفاهيم التي شرخت الأمة وفرقتها إلى دول وفرق وطوائف متعددة
فذلك كردي وآخر فرعوني وذلك فارسي وآخر حبشي وبربري... .
لقد كانت الحرب الثقافية أنجع الحروب وأشدها قوة وبأس تجاه الأمة, فتم تحميل الأمة أفكار ما أنزل الله بها من سلطان, حتى وصل الأمر إلى التبعية للغرب واللجوء إليه في الصغائر والكبائر فأصبحنا نناشد عصبة الأمم ومجلس الأمن واللجنة الرباعية والأسرة الدولية.
لقد وصلت الأمة إلى حال لا يوصف من الانحطاط والتردي فهاهي بلاد المسلمين تحتل من كل جانب, وتحكم بنظام الغاب الرأسمالي, ويقتل شيوخها وأولادها, وتنتهك أعراض نسائها, وتنهب خيراتها وثرواتها ومقدراتها.
فكان لا بد بعد ذلك أن تقوم الأمة بعملية النهضة والسمو والارتقاء لأن ركود الأمة وعدم التغيير يعني الجمود والاندثار والانقراض.
إن التغيير لا يكون إلا بتغيير الأفكار والمفاهيم عند الأمة, لأن سلوكها لن يصلح إلا إذا صلح فكرها وطريقة تفكيرها, وان تلك المفاهيم التي لا بد من غرسها في عقول الناس يجب أن تكون منبثقة من مبدأ الأمة التي تعتنقه وتتبناه. لأن النهضة الصحيحة هي النهضة القائمة على أساس مبدئي وليست نهضة قائمة على أساس ماكينات وآلات وسيارات وطائرات.
فالنهضة هي الارتفاع الفكري فقط , وأما الارتفاع الاقتصادي فانه ليس بنهضة
وكذلك فإن النهضة لا تقوم على أساس الأخلاق بدليل المدينة المنورة فهي عالية الأخلاق إلا أنها غير ناهضة وفي نفس الوقت لو شاهدنا فرنسا أحط البلدان اخلاقا نجد أنها ناهضة.
ان العمل للنهضة يعني تحويل الدار من دار كفر إلى دار إسلام وإيمان, والطريقة في تنفيذ ذلك يكون بالالتزام بطريقة الرسول عليه السلام الذي قام بتغيير الدار من دار كفر إلى دار إسلام. لقد صار الرسول محمد عليه السلام بطريقة ربانية وذلك من خلال توجيهات الوحي الذي ينزل على رسول الله. فكانت تلك الطريقة عبارة عن أحكام شرعية لنا نتمسك بها إذا أردنا أن نبني النهضة ونعمل على إعادة دولة الإسلام التي تطبق دين الله.
ان على عشاق النهضة ان يبادروا إلى إزالة آفة الانحطاط من خلال تبيان الأحكام الشرعية للناس ورسم الخط المستقيم بجانب الخطوط المعوجة, وإيجاد الوعي السياسي عند الأمة على قضاياها ومصيرها .
حامد شاهين( الزنكي )