« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ثبات الإيمان (آخر رد :الذهبي)       :: مكتبة التاريخ العثماني المصورة pdf (آخر رد :أبو سليمان العسيلي)       :: صيانة العلم (آخر رد :الذهبي)       :: السلام عليكم لم ادخل المنتدى منذ سنه (آخر رد :ابنة صلاح الدين)       :: عناويننا على مواقع التواصل تحسبا (آخر رد :ابنة صلاح الدين)       :: مصر القديمة وبداية نشأة العمران عليها (آخر رد :الذهبي)       :: أبطال حول الرسول (آخر رد :اسد الرافدين)       :: مقاصد الشرع في زكاة الفطر (آخر رد :الذهبي)       :: بل نسب إبليس (آخر رد :الذهبي)       :: صور لها معنى (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 22-Nov-2005, 01:03 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو سليمان العسيلي

 




افتراضي الاصلاحات العثمانية والاصلاحات الاميركية مقـارنــة سـياسـيــة - ثقـافـيــة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د.عبد الرؤوف سنو
عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية

عندما طالب قيصر روسيا في القرن التاسع عشر بتقسيم الدولة العثمانية كونها اصبحت "رجل اوروبا المريض"، عارضته في ذلك كل من بريطانيا وفرنسا. كان القضاء على الدولة العثمانية يؤدي برأي هاتين الدولتين الى اندلاع حرب اوروبية حول ممتلكاتها، والى خسارتهما سوقاً تجارية ومركزاً اقتصادياً مهماً. من هنا، فضلت بريطانيا وفرنسا الضغط على الدولة العثمانية من اجل القيام باصلاحات داخلية وتحديث قوانينها عبر اقتباسها نظم الغرب ومعارفه وديموقراطية مؤسساته لعل ذلك يعطيها جرعة من الحياة تبقي عليها سوقاً تبعية مفتوحة لمنتجاته واستثماراته المالية.

ومن جهتها، رأت الدولة العثمانية ان الاصلاح قد يخفف عنها الضغوط الخارجية ويوقف تاليا التدخل في شؤونها الداخلية. فبدأت في اواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر حقبة من الاصلاحات اطلق عليها رسميا تسمية "التنظيمات العثمانية"، التي تميزت بأنها لم تستمد مصدرها من الشريعة الاسلامية، بل اعتمدت قوانين وضعية مستوحاة من التجربة الاوروبية.

قبل مرحلة التنظيمات وخلالها، كانت الدولة العثمانية فقدت سيادتها من الناحية العملية لمصلحة الغرب. وجرى التعبير عن ذلك بالامتيازات الاجنبية والحماية الاوروبية للطوائف الدينية في السلطنة، وحصول الاجانب على حقوق مساوية لرعايا الدولة العثمانية، وقبول الباب العالي بالغاء مؤسسات اسلامية واستبدالها بمؤسسات اوروبية في مجالات التعليم والقضاء والجيش والتجارة والاقتصاد. وتوّجت الدولة العثمانية خطوات العلمنة باصدارها الدستور العثماني عام ،1876 وهو اول دستور وضعي مأخوذ عن الدساتير الاوروبية يعمل به في العالم الاسلامي.

ولم يقتصر التحديث وفقا للنمط الاوروبي على اسطنبول وحدها، اذ سرعان ما ركبت قطاره، بضغط اوروبي، ولايات عربية كتونس ومصر. الا ان صدور قوانين رسمية (تنظيمات) عملت على تغريب المجتمع الاسلامي، تسبب في شرخ داخلي وفرز بين تيارين: اقلية نخبوية متأثرة بثقافة الغرب تعمل على علمنة المجتمع والسياسة، واكثرية ساحقة معارضة للغرب يقودها رجال الدين ترى ان الاصلاحات المفروضة من الخارج مخالفة للشريعة الاسلامية وتهدم بنيان المجتمع الاسلامي وحضارته.

هذا ما كان عليه المشهد السياسي حتى الحرب العالمية الاولى: دولة عثمانية ممثلة للاسلام في العالم، في صدام متواصل مع الغرب الكاره لها دينياً وحضارياً تحاول الوقوف على رجليها من خلال اصلاحات تضخها اليها اوروبا المسيحية. وبالرغم مما طرأ من تغييرات في الخرائط والنظم السياسية والعلاقات الدولية منذ ذلك الحين، فان منطلقات الاحداث التي تدور اليوم واهدافها ومحركاتها تتشابه الى حد بعيد مع ما دار في القرون المنصرمة. فما الذي تبدل اذا، ومن هم اللاعبون الاساسيون اليوم، الذين يمارسون ادوار الامس بأدوات الحاضر ومفاهيمه؟

على صعيد الزعامة العالمية، حلّت الولايات المتحدة محل اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، واقصت الاتحاد السوفياتي عن الثنائية القطبية بعد عام ،1991 وهي تستبيح اليوم الشعوب العربية والاسلامية ومؤسساتها، اي تلعب الدور نفسه الذي مارسته اوروبا تجاه الدولة العثمانية وممتلكاتها (البلدان العربية) على الصعد الايديولوجية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية. منذ ذلك الحين، تحوّل الاسلام عدواً للولايات المتحدة، بعدما زال خطر الشيوعية عن العالم "الحر". ومن المقولات في هذا الصدد، ان الادارة الاميركية تحتاج الى عدو خارجي لمحاربته وتاليا الى تجييش الرأي العام في الداخل والخارج خلف مشاريعها الامبريالية في العالم، بما فيها تلك التي تستهدف العالمين العربي والاسلامي للسيطرة عليهما وعلى ثرواتهما تحت شعار القضاء على "الارهاب" الاسلامي.

علامَ يدل هذا؟ بكل بساطة على ان الاسلام المتمثل بالدولة العثمانية، والذي كان مستهدفاً في العصر الحديث، مجتمعاً وسياسة واقتصاداً وحضارة، لا يزال هو نفسه المستهدف في القرن الحادي والعشرين، مع فارق ان مركز القوة قد تحوّل من اوروبا الى الولايات المتحدة كندٍّ جديد للاسلام، الذي لم يعد يتمثل بدولة واحدة، كما كان في القرن التاسع عشر (الدولة العثمانية)، وانما بعدد كبير من الدول الاسلامية والعربية.

هل هناك اذاً نقاط تشابه وتقاطع بين احداث الامس واليوم؟ (...)

تتشابه الاصلاحات العثمانية مع مثيلاتها الاميركية في انها معنية اول بموضوع واحد، وهو الاسلام، وفي كونها اصلاحات مفروضة بالقوة من الخارج، وهي تطرح الشعارات نفسها: الدفاع عن حقوق الانسان، والديموقراطية وتنمية مؤسسات المجتمع المدني، ومحاربة الفساد، وكذلك في انها تأتي من ثقافة ومجتمع ونظم وتجارب تاريخية مغايرة لتلك التي تشهدها المجتمعات الاسلامية. ان من يستهدف الاسلام هو الغرب، سواء كان اوروبيا في القرون الماضية، ام اميركيا في الوقت الراهن. والمستهدف، دائما هو "دار الاسلام": الدولة العثمانية في العصر الحديث، والدول والانظمة العربية التي ورثتها في ولاياتها العربية. (...)

وكما رفعت اوروبا في القرون الماضية شعار حماية الاقليات الدينية والاثنية وسخرتها لمصالحها السياسية، وطالبت الباب العالي باصلاحات تصب في مصلحة اليهود والاكراد والارمن والمسيحيين في بلاد الشام والبلقان على حساب سيادة الدولة، كذلك الحال، تتعامل الولايات المتحدة في العراق مع طوائف واثنيات، وترفع شعار الدفاع عن اليهود والاكراد والسودانيين الجنوبيين والبوسنيين من منظار مصالحها القومية.

وعندما كانت اوروبا تطالب الدولة العثمانية باصلاحات، كانت تعمل في الوقت نفسه على تفكيك السلطنة، وقضم ممتلكاتها (...).

في الحقيقة، لم تكن اوروبا تريد اصلاحات فعلية في الدولة العثمانية، وانما كانت بصدد التحضير لوفاة الرجل المريض والاعداد لجنازته. كانت تدرك ان لا رجاء من اصلاح الفاسد. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن اوروبا اصلاح الدولة العثمانية وهي تقضم ممتلكاتها وفق سياسة مبرمجة، وتتدخل في شؤونها الداخلية وتمتص اقتصادها بفعل الامتيازات، وتحرض رعاياها عليها؟ لقد عارض العثمانيون الاصلاحات الآتية من الخارج، باستثناء قلة منهم متأثرة بثقافة الغرب ونظمه الاجتماعية. كان الشعب العثماني ورجال الدين يرفضون استيراد اصلاحات معلبة والقيام بتطعيم ثقافي لا يتقبله مجتمعهم الاسلامي (...).

وكما في الماضي، هناك اليوم رفض عربي، انظمة وجماهير، للاصلاحات الآتية من الخارج. فالجماهير العربية ناقمة على السياسة الاميركية، وهي ترفض الاصلاحات التي ترسلها اليهم فوهات المدافع وصواريخ الطائرات الاميركية والاسرائيلية. وبدورهم يرفض معظم الحكام العرب هذه الاصلاحات لانهم يعرفون انها لن تكون لمصلحتهم ولا لانظمتهم الوراثية. وهم يتذرعون ويشترطون ان يسبق ذلك حل عادل للقضية الفلسطينية ولمسألة العراق، وهو امر لن يحدث طالما هناك عجز عربي وتسلط اسرائيلي وانحياز اميركي. ومن حجج الانظمة العربية لرفض الاصلاحات: ان استنهاض الشعوب لا يأتي بمشاريع جاهزة من الخارج، لان منهج التغيير لا يتم الا في نطاق القيم السياسية الثقافية والدينية للامة.

ان اكثر الذرائع الاميركية التي ترفعها الولايات المتحدة اليوم في وجه العالمين العربي والاسلامي تتمثل في غياب الديموقراطية والحرية والمساواة الاجتماعية، وفي تهميش المجتمع المدني، وفي انتهاكات حقوق الانسان، وفي رجعية القضاء ونظم التعليم العربية والاسلامية. وهذه الذرائع هي نفسها تقريبا التي رفعها الاوروبيون في السابق ضد الدولة العثمانية مطالبين اياها بالقيام باصلاحات اجتماعية وسياسية واقتصادية.

عندما اصدر العثمانيون "خطي شريف كلخانة" عام ،1839 واصدر التونسيون "عهد الامان" عام ،1857 اشتمل الاول على "الامنية الكاملة" التي ضمنت لغير المسلمين امنية الروح والعرض والناموس والمال. وتعهد المرسوم باصلاح الادارة والقضاء لمنع انتهاك حقوق الرعية. وتعززت هذه البنود مرة اخرى في "خطي همايون" عام .1856 اما "عهد الامان"، فبني على الحرية والعدل ولزوم توافرهما لبلوغ الانسان النجاح. هذا عدا نصوص المساواة بين المسلمين وغير المسلمين امام القانون، وان يكون للاجانب حقوق التونسيين.

بعد ولوج الدولة العثمانية طريق الاصلاح ورفع شعار حقوق الانسان، اخذت اوروبا تكثف من ضغوطاتها على الباب العالي لمصلحة رعاياه المسيحيين. (...)

واليوم تطبّل أجهزة الدعاية الأميركية عن غياب الديموقراطية وتهميش المجتمع المدني في العالمين العربي والاسلامي، وتركز على الانتهاكات لحقوق الانسان. أثناء حكم صدام حسين، رفعت الولايات المتحدة شعار حقوق الانسان، وكيف ان النظام العراقي يعمل على إبادة الأكراد. ولا تزال أصداء تدخّل واشنطن ضد محاكمة سعد الدين ابرهيم تتردد في الشارع المصري. وفي الشأن السوداني، ترفع الولايات المتحدة شعار حماية السودانيين الجنوبيين من اعتداءات حكومة الخرطوم وميليشياتها، والكل يعلم ان الاهتمامات الاميركية بجنوب السودان تعود اساسـاً الى ثرواته النفـطية (...).

تعتقد الولايات المتحدة ان محاربة "الارهاب الاسلامي" انما يبدأ بعلمنة القضاء واعتماد الليبرالية وقيام حياة برلمانية صحيحة ووضع دساتير عصرية. ومناهج ومؤسسات وكادرات تعليمية جديدة متأثرة بالثقافة الاميركية والديموقراطية. وقد سبقت أوروبا الولايات المتحدة الى فرض ذلك على الدولة العثمانية. وفي هذا السياق، يلفت تقرير أميركي الى غياب الديموقراطية السياسية في السعودية لناحية اعتماد الشرع دستوراً للبلاد، وعدم ضمان القانون الأساسي الذي صدر عام 1993 لحرية الدين او المعتقد.

من المعروف ان التنظيمات العثمانية سلخت الدعاوى الجزائية من القضاء الشرعي العثماني وأنشأت محاكم تجارية ومدنية وجنائية مختلطة على الطراز الغربي. كما سمحت لقضاة أوروبيين بالعمل في ساحة القضاء العثماني، عندما كانت القضايا تتعلق بحقوق الأجانب. وفي كل شاردة وواردة، كان السفراء والقناصل الاوروبيون يرسلون بعثات الاستقصاء الى عمق الاراضي العثمانية ويتدخلون في القضاء. كانت هناك اتهامات اجنبية لرجال الدين العثمانيين، بصفتهم المؤتمنين على الشريعة، بأنهم يحركون حالة التعصّب والعداء المنتشرة ضد الغرب في اوساط الشعب العثماني. وبإنشاء مجلس عالٍ للقضاء عام ،1854 وصدور "نظام المعاملات المدنية" (مجلة أحكام عدلية) بين الأعوام 1869 و،1876 حُرم رجال الدين العثمانين من حقهم في التشريع وممارسة دورهم (...).

وتحت مظلة التنظيمات إياها، استطاعت الارساليات التبشيرية الاجنبية ان تحصل على حرية أوسع لعملها، بعدما وجدت نفسها، عن قصد أو دون قصد، جزءاً من سياسة دولها في المنطقة. كان همّ أوروبا الرئيسي الى جانب الاقتصاد والسياسة، تدعيم مراكزها الثقافية في السلطنة عبر نشر التعليم وتأمين حرية المعتقد وحرية الارتداد، والسماح لغير المسلمين بممارسة شعائرهم الدينية وبناء معابدهم. وبعبارة أخرى، كان الغرب المسيحي يريد تحقيق مساواة كاملة بين أهل الذمة والمسلمين، أي نزع صفة "الأمة صاحبة السيادة" عن مسلمي السلطنة. فاستُخدم التبشير للتنصير والتغريب، لكن ذلك ادى الى خلق ازدواجية ثقافية في المجتمع العثماني بخلفيات سياسية: ولاءات ثقافية - سياسية للطوائف غير الإسلامية مرتبطة بالخارج، مقابل ثقافة اسلامية داعمة للموقف الإسلامي العام المعادي للاستعمار. وفي عام ،1847 أبعد المسجد عن وظيفة التعليم التقليدية من خلال انشاء "نظارة المعارف العمومية".

لقد عملت دول الاستعمار الأوروبي على تغيير مناهج التعليم ومؤسساته في مناطق سيطرتها في البلدان العربية لتجريد المجتمع الاسلامي من ثقافته. ان ممارسات فرنسا في الجزائر هي نموذج لسياسة الاستعمار ضد الثقافة العربية - الاسلامية: "فَرْنَسةْ" الجزائريين ومنعهم من استعمال لغتهم العربية، وضرب التعليم الرسمي والقضاء على المدرسة الاسلامية. لقد قالها اللورد بالمرستون بصراحة عام :1832 "ان منع انهيار تركيا يفرض علينا دفعها في اتجاه الحضارة المسيحية".

واليوم، ترى الولايات المتحدة ان عولمة التربية والتعليم في العالمين العربي الاسلامي كفيلة بإحداث نقلة نوعية نحو "أمركة" الثقافة الاسلامية والقضاء على جذور الارهاب. وهمّها متجه نحو إلغاء المناهج المعادية للسامية، أو تلك التي تدعو الى الأفكار الأصولية، اضافة الى إبراز دور الحضارة الغربية في التقدم الإنساني.

لقد قدمت لجنة اميركية مذكرة الى جهاز الأمن القومي الاميركي تحت عنوان "الجوانب النفسية للارهاب الاسلامي"، طالبت فيها بتغيير مناهج التعليم والإعلام في البلدان العربية، وخصوصاً تلك التي تدعو الى كراهية الاميركيين واليهود. وفي المؤتمر الذي عقد أخيراً في الأردن، كان هناك كلام اميركي على منهج تعليمي جديد في البلدان العربية مجرّد من الأصولية الاسلامية. باختصار، تريد الولايات المتحدة "أمركة" الدين الاسلامي وتغيير العلوم الدينية للاسلام وأفكاره وفرائضه وأحكامه ونظمه الاجتماعية. وقد طُلب الى الاردن تطبيق وثيقة حول حقوق الانسان التي تنص في مادتيها 16 و18 على تساوي المرأة بالرجل عند زواجهما وأثناء الزواج وعند انحلاله. لكن الاتهامات الاميركية الموجهة الى السعودية تبقى الأكثر وضوحاً وشدة: رجال الدين وأئمة المساجد والخطباء والعامة في المملكة هم الأشد تعصّباً; التصدير الوهابي للكراهية تجاه الولايات المتحدة، والممول سعودياً، غطى الكرة الأرضية; ان نسبة 30% الى 50% من مناهج المدارس الثانوية السعودية تقوم على أساس المبادئ الدينية; ان الكتب المدرسية الحكومية تحتوي على لغة تهجمية قائمة على التمييز ضد اليهود والمسيحيين، وتشجع على الجهاد كنوع من التعصّب. كما ان هناك اتهامات اميركية لمناهج التعليم الفلسطينية بأنها تروج للعنف والعداء للسامية.

لقد كانت ردود الفعل العثمانية على علمنة التعليم، بروز تيار اصلاحي اسلامي رأى ان اصلاح السلطنة يكون من خلال العودة الى تراثها وأنظمتها الشرقية، لأن فيها عناصر قوتها الحقيقية المتمثلة بالشريعة والحضارة الاسلاميتين. أما المواقف العربية من "أمركة" الثقافة العربية والإسلامية، فتراوح بين مهادن لها ورافض لأي مساس بالثقافة والقيم الاسلامية.

ففي ليبيا صرّح أخيراً مدير مركز التخطيط الثقافي، بأن مناهج الجامعات والمدارس الليبية لا تتضمن مواد تحريضية على الولايات المتحدة والغرب. وفي مصر، يخطط الحزب الديموقراطي الحاكم لعقد مؤتمر حول التعليم في أيلول المقبل، وذلك بعدما قررت مصر اصلاح التعليم. وتقوم الولايات المتحدة بتمويل المشروع المصري للاصلاح التربوي في إطار الشراكة الاميركية مع دول الشرق الأوسط. وقد تم اخيراً ارسال معلمين مصريين في بعثات الى الولايات المتحدة للتدريب على نقل القيم الاميركية الى المجتمع المصري. في المقابل، يرى المعارضون لتعديل مناهج التعليم، ان الهدف من ذلك هو احتواء الأمة الاسلامية والسيطرة عليها ثقافياً وفكرياً واقتصادياً وعسكرياً. اما في الكويت، فقد احتج نواب في البرلمان على الولايات المتحدة لدعوتها وزارة التعليم الكويتية الى حذف بعض اجزاء من منهج التربية الاسلامية بحجة انها تدعو الى العنف ومحاربة الأديان.

وبالعودة الى المشهد الاقليمي المنصرم، نذكّر بما حدث اثناء تطبيق الدولة العثمانية للاصلاحات المفروضة عليها، اذا لم تتوانَ الدول الاوروبية ودوائرها السياسية والتبشيرية التشهير بالعثمانيين ووصفهم بـ"برابرة، همجيين، سفاحين، اعداء الحضارة والانسانية، متعصبين، محمديين الخ..." ولا تختلف النعوت بحق العرب والمسلمين اليوم كثيراً في الخطابين الاعلامي والسياسي الاميركيين عما كانت عليه في الماضي: سفاحين، ارهابيين، متطرفين، متعصبين، طماعين، قذرين، مسرفين، مترفين، أميّين ديكتاتوريين، مفجري طائرات، عبيد مال، شيوخ نفط، غير أمناء، راكبي جمال، بدو، قبائل، مضطهدي المرأة، الحريم، راقصات عاريات، سيدات جميلات.

يبقى الاقتصاد هو الأهم ضمن الأهداف الثلاثية الأميركية في المنطقة (الاقتصاد، الديموقراطية السياسية والاجتماعية، التعليم). في الماضي، وتحديداً تحت مظلة الامتيازات والتنظيمات، عملت اوروبا على تأمين مصالحها تحت شعار حرية التجارة، وضمان السوق العثمانية أمام صناعاتها والاستحواذ على المواد الخام. وشهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر انخراط الدولة العثمانية في سوق الرأسمالية العالمية وتدفق الرأسمال الأجنبي الى البلاد. وبالنسبة الى الولايات المتحدة، يأتي النفط والغاز في مقدم مصالحها الحيوية للهيمنة على الاقتصاد العربي. فهي تتعامل مع العرب على أنهم برميل نفط يجب أن يكون تحت اشرافها.

وبرأينا، لا تقل اهمية النفط للولايات المتحدة عن أهمية قناة السويس بالنسبة الى بريطانيا. لقد عملت بريطانيا على منع أية قوة غريبة من السيطرة على القناة. ومن أجلها احتلت مصر عام ،1882 وشنت العدوان عليها عام .1956 ان ما تفعله واشنطن اليوم يشبه الى حد كبير ما قامت به بريطانيا في القرن التاسع عشر، وهو الامساك بالاقتصاد العالمي. لهذا، احتلت الولايات المتحدة العراق، وتمددت عسكرياً في دول الخليج وآسيا الوسطى وافغانستان والبلقان، وتروّج لتوسيع أطر الشراكة معها.

ان الاصلاحات البنيوية التي ينعم بها الغرب ودوله اليوم والخطط الاقتصادية والتنموية والنظم الديموقراطية التي يرتع الاميركيون والاوروبيون في جنّات نعيمها، لم تفرض عليهم من الخارج، أياً كان هذا الخارج، وهم لم يرغموا على اعتمادها بقوة المدفع. عندما قررت اليابان التحديث، استفادت من تجربتها مع الاستعمار الأميركي، لكنها صاغت حداثتها في إطار قيمها وثقافتها وتقاليدها وحاجات مجتمعها، تحت قيادة أباطرة المتنورين، دون تقليد الغرب او قبول ما يفرضه عليها.

ونحن العرب في هذه البقعة من العالم لسنا نسيج وحدنا. صحيح اننا ابناء حضارة عربية - اسلامية متجذّر ولها مكوناتها وخصائصها، لكننا لا نخرج عن قوانين البشر وطبائعهم، ولا عن قوانين العقد الناظم لاجتماعهم الثقافي. فصلاح أمرنا في مختلف مراحل تاريخنا، هو نتاج مبادرتنا الداخلية وثمرة تبدّل أحوالنا. نحن، الشعوب العربية، نريد الاصلاح الديموقراطي قبل حكامنا وجلادينا. ونحن وحدنا الأعرف بخصوصيات مجتمعاتنا وطبيعة مشكلاتنا ومواضع النقص أو القصور في مؤسساتنا ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لا بل الدينية، فليتوقف الغرب إذن، والولايات المتحدة تحديداً، عن دعم الفاسد من حكامنا، ونحن كفيلون بتحقيق الاصلاح المنشود، ليس ارضاء للغرب، بل لأن تطورنا ودخولنا العصر يحتم علينا تنفيذ الاصلاحات والتحسينات. على الولايات المتحدة، التي تنتج الديموقراطية في الداخل، أن تنسجم مع المبادئ التي ترفعها ولا تصدّر الظلم والقهر وإرهاب الدولة الى الخارج، فانتهاك جنودها حقوق الأنسان، وممارساتهم في سجن "أبو غريب"، هو مسلسل "بورنو" فاضح جداً لشعارات الحرية والديموقراطية الاميركية التي ترفع لواءها ادارة بوش؟













التوقيع

 أبو سليمان العسيلي غير متواجد حالياً رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مقـارنــة, الاميركية, الا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 08:49 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
تصميم موقع