 |
|
 |
|
لعنة توت طاردت كارتر
.. عندما هتف المصريون لـ مرقص حنا!
بقلم: د. زاهي حواس
|
|
 |
|
 |
برغم أن تعبيرات
لعنة المومياء, ولعنة الفراعنة, ولعنة توت عنخ آمون) قد ظهرت منذ اكتشاف خبيئة المومياوات والكشف عن مقبرة الملك الذهبي الصغير. فإنه حتي الآن, مازال هذا الموضوع حديث العامة في كل مكان. ومازالت الصحف والبرامج التليفزيونية العالمية تثير القصص والحكايات عن الحوادث التي وقعت لعلماء الآثار من لعنة الفراعنة, وهناك بعض الحقائق التي حدثت وأضيف إليها خيال وإثارة جعلت الناس في كل مكان يؤمنون بأن هناك لعنة تسمي: لعنة الفراعنة.
لقد ظهرت هذه الأسطورة وانتشرت بعد كشف مقبرة توت عنخ آمون عن طريق الأثري الإنجليري هيوارد كارتر الذي ظل يعيش في استراحته بوادي الملوك باحثا عن مقبرة الفرعون الذهبي الصغير وبتمويل من اللورد كارنارفون, وهناك كثيرون لا يعرفون أن اللورد فكر في التخلي عن البحث عن مقبرة الفرعون الذهبي قبل نهاية موسم حفائر1921 ـ1922 وقبل الكشف عن المقبرة بفترة قليلة, وذلك بعد أن قام كارتر بالحفائر في هذه المنطقة لفترة تصل إلي أربع سنوات وأنفق اللورد الكثير من أمواله للبحث عن هذه المقبرة. وخلال صيف عام1922 أخبر كارنارفون كارتر بأنه لن يمول هذا الكشف بعد الآن. وكان كارتر يتوقع هذا, لذلك قرر أن يتحمل مصاريف الموسم التالي أملا في الكشف عن المقبرة, وعندما عرف كارنارفون بذلك أشفق علي كارتر ووافق علي ان يمول الحفائر بشرط ان يكون هذا الموسم هو الأخير فقط.
وقبل حضور كارتر من انجلترا إلي مصر, أشتري عصفور كناريا ووضعه في قفص وأحضره معه إلي مصر, وعندما وصل إلي وادي الملوك ومعه العصفور قابل العمال ورئيس العمال. وهنا نظر الريس أحمد دردير ريس العمال الذي أحضره من بلدته قفط ومعه العمال المدربون علي الحفائر. وقال: إن هذا العصفور سوف يجلب لنا الحظ يا جناب المدير. وابتسم كارتر وكأنه يود أن تتحقق النبوءة ويكتشف المقبرة هذا العام فهي الفرصة الأخيرة أمامه للعمل في وادي الأسرار الغامض الغريب.
وبدأ كارتر وعماله الحفائر في اليوم التالي مباشرة. وتم تركيز العمل في المنطقة الواقعة بالقرب من مقبرة الملك رمسيس السادس الذي حكم مصر بعد توت عنخ آمون بنحو200 سنة وكانت هذه المنطقة هي الموقع الوحيد الذي لم يحفره كارتر في السنوات السابقة, وكان كارتر قد عثر عام1917 علي مجموعة من بقايا الأكواخ التي سكنها العمال الذين شيدوا هذه المقابر العظيمة. وقبلها عثر دافيز عام1907 علي حفرة مقبرة صغيرة أطلق عليها فيما بعدKV44 عثر بداخلها علي أوان فخارية واسم توت عنخ آمون منقوش علي قطعة من الكتان,
وكذلك بقايا جنائزية, بالإضافة إلي قناع مذهب صغير, وقد كان هذا هو الدليل المهم لإقناع كارتر بوجود المقبرة في هذا المكان, ولم يحاول أن يحفر داخل هذه الأكواخ لأنه رأي أنها لن تصل إلا إلي مقبرة رمسيس السادس. لذلك قام بتسجيل هذه الأكواخ وأمر العمال بأن يحفروا بعيدا عنها غير مدرك أنه بهذا يبتعد عن مقبرة الملك الذهبي. واستمر العمال في الحفائر. تارة يغنون الأغاني الشعبية الشهيرة وتارة يظلون صامتين كصمت الوادي الرهيب, ويبدأون العمل في الصباح الباكر مع برودة الجو الشديدة تعقبها حرارة شديدة في وسط النهار, والغبار الناتج عن الحفائر يغطي الوجوه الباحثة عن المقبرة المفقودة لأن كل الأدلة التي جمعها كارتر أثبتت وجود هذه المقبرة في الوادي, ولزم كارتر خيمته. قليل الكلام عابس الوجه. وكان العمال يلتمسون له العذر لأن المقبرة لم يعثر عليها للعام الخامس.
ويبدو أن الحظ بدأ يبتسم للعالم الإنجليزي, كان ذلك في هذا اليوم الذي سوف يظل عيدا للآثار وهو اليوم الرابع من نوفمبر1922. أما قصة الكشف فقد جاءت عندما وصل الصبي الذي يحضر الماء للعمال كل يوم داخل جرة علي ظهره للحفائر. وبدأ الصبي في إنزال الجرة ليضعها علي الأرض بعد أن غطي فتحتها العليا, وبدأ أيضا في حفر فجوة علي الأرض لكي تسند الجرة, وبينما يقوم بالحفر وجد درجة سلم من الحجر الجيري, وعلي الفور ترك الجرة علي الأرض وجري حتي وصل إلي خيمة كارتر ليخبره بما عثر عليه, وجري كارتر وراء الصبي علي أمل ان تكون هذه الدرجة هي مدخل مقبرة الملك توت عنخ آمون,
وصل كارتر إلي الموقع المجاور للحفائر أسفل مقبرة الملك رمسيس السادس وهي المنطقة التي أمر العمال بعدم الحفر فيها وعندما وقعت عيناه علي الموقع بدأت عيناه تلمعان وظهر الفرح علي وجهه, وهنا تأكد ان حلمه قد تحقق وأنه عثر علي المقبرة التي ظل يحلم بها طوال حياته وظل يبحث عنها في الوادي خمسة مواسم كاملة من الحفائر. وبدأ في تنظيف درجات السلم ووجده بالفعل يقود إلي مقبرة بابها مغلق بعدة أختام ومنها ختم حراس الجبانة, ومن هنا عرف كارتر انه أمام واحدة من المقابر الملكية وكان شبه متأكد أنها مقبرة توت عنخ آمون, وذهب كارتر إلي خيمته وبدأ في كتابة البرقية التي سوف يرسلها إلي اللورد كارنارفون وهذا هو نصها: أخيرا عثرنا علي اكتشاف مدهش بالوادي, مقبرة رائعة مغلقة بأختام الجبانة. سوف نفتحها حين حضورك.
وبعد أن طوي البرقية ليعطيها لأحد العمال ليرسلها نظر كارتر إلي حيث يوجد عصفور الكناريا فوجده قتيلا داخل القفص واعتقد أن ثعبانا قد لدغ العصفور الذي جلب له الحظ. وهنا خرجت أول علامة من علامات لعنة الفراعنة وبدأت المتاعب فعلا تصيب العالم الإنجليزي.
وجاء اللور كارنارفون إلي مصر ومعه ابنته السيدة ايفلين هيربرت في يوم23 نوفمبر1922 وبينما كان اللورد وابنته يشاهدان العمال أثناء الحفائر للكشف عن المقبرة كانت المفاجأة العثور علي اسم توت عنخ آمون لأول مرة علي الأختام المنتشرة علي الباب. ولاحظ كارتر أن ختم المقبرة نزع وأعيد ختمها مرة أخري بواسطة حراس الجبانة, ومن هنا عرف ان المقبرة تمت محاولة سرقتها بعد دفن الملك, بل تلتها محاولة ثانية لسرقة مقبرة الملك توت. ولكن يبدو أن الحظ قد ساعد علي كشفها كاملة لم تمس من قبل. وفي يوم26 نوفمبر1926 قام كارتر بعمل ثقب في باب المقبرة وكان ممسكا بشمعة وقرب عينيه من الثقب وفجأة سكت عن الكلام, ومن خلفه كان يقف اللورد كارنارفون ويسأله بلهفة عما يراه. ورد عليه كارتر: أشياء رائعة أشياء رائعة فكل ما أراه أمامي من الذهب, وعندما دخل كارتر المقبرة وشاهد طريقة وضع الآثار أدرك للوهلة الأولي أن اللصوص قد دخلوا المقبرة من قبل ولكن القدر تدخل لإنقاذها من السرقة.
وحظي هذا الكشف بقدر كبير من الاهتمام لأن هذه المقبرة هي الوحيدة التي كشف عنها سليمة بجميع محتوياتها حيث عثر داخلها علي ما يقرب من5000 قطعة أثرية من ملابس ومجوهرات وأثاث وأسلحة وعجلات حربية وأدوات استخدمها الملك في حياته وأخري أعدت للاستعمال في العالم الآخر وقناع ذهبي رائع وكرسي للعرش تحفة فنية لا تتكرر.
وكل قطعة أثرية تعطينا بعد دراستها فكرة عن حياة هذا الفرعون الصغير. بل وتعطينا بعد دراستها تفاصيل عن هذه الحياة وعن قصة الحب والغرام بينه وبين رفيقة حياته وزوجته الملكة عنخ إس إن با آتون والتي غيرت اسمها بعد ذلك عند انتقالهم إلي طيبة إلي عنخ إس إن آمون وهناك العديد من القطع الأثرية التي كانت مخصصة لأخناتون ووضع اسم توت عنخ آمون بدلا منه, وجزء كبير من القطع الأثرية يحمل الطرز الفنية للفن الآتوني وأخري لفن طيبة. وجذب هذا الكشف انتباه العالم كله, وتناقلت أسلاك البرق أحداث الكشف يوما بعد يوم وأصبح وادي الملوك مركزا صحفيا يقيم فيه العديد من الصحفيين بغية الحصول علي أي أخبار, ولكن اللورد باع حق النشر فقط إلي جريدة لندن تايمز البريطانية. وقد كان هذا سببا مباشرا لمشاكل عديدة واجهها كارتر واللورد مع الحكومة المصرية لأنهما اعتبرا مقبرة توت عنخ آمون إنجليزية وليست مصرية,
وعاملا الصحفيين والضيوف معاملة سيئة جدا, بل منع كارتر بعض المصريين من دخول المقبرة وأصيب اللورد بصدمة عندما عرف أنه ليس من حقه الحصول علي أية قطع أثرية من المقبرة ولن تكون هناك عملية قسمة لأن القانون يمنع القسمة إذا كانت المقبرة قد اكتشفت كاملة ولم تمس, وهذا ما دفع اللورد وكارتر إلي سرقة العديد من القطع من داخل المقبرة وقد شهد علي ذلك كتاب توماس هوفنج عن الكشف وهو. مدير متحف المتروبوليتان السابق ومازال علي قيد الحياة حتي الآن, وكذلك ما عثر عليه مخبأ داخل قلعة اللورد في انجلترا. وقد جاء العديد من القصص والروايات التي أكدت للناس في كل مكان وجود لعنة الفراعنة ومنها عندما أحبت ايفلين ابنة اللورد العالم كارتر ووقعت في غرامه ولكنه كان مشغولا بالكشف عن المقبرة ولذلك لم يعرها انتباها وبدأت تثير الوقيعة والمشاكل بينه وبين أبيها. واستطاع مرقص باشا حنا الوزير المسئول في ذلك الوقت عن الآثار أن يطرد كارتر من مصر لعناده وإصراره علي عدم دخول المصريين لزيارة المقبرة. ولذلك خرجت مظاهرات عديدة في الشوارع تهتف لمرقص باشا حنا وتقول يحيا وزير توت عنخ آمون.
وقد استطاع الكاتب الكبير محسن محمد في كتابه سرقة ملك مصر أن يحصل علي الوثائق والأدلة التي تثبت سرقة الملك توت عنخ آمون ومقبرته والقصص التي أثيرت حول هذا الموضوع. ولكن لعنة الفراعنة بدأت أسطورتها الحقيقية في نهاية فبراير1923 أثناء قيام كارنارفون بحلاقة ذقنه حيث لدغته بعوضة أدت إلي أصابته بتسمم دموي وهناك قصص أخري أن حية الكوبرا قد لدغته ومات اللورد في مصر في يوم5 إبريل عام1923 بعد الكشف بنحو خمسة أشهر, وجاء موت اللورد فرصة لاختلاق العديد من القصص والروايات حول لعنة الفراعنة.
بعض هذه القصص حقائق حدثت بالمصادفة وربطت بلعنة الفراعنة مثلما روي من أن اللورد كان داخل حجرته بفندق سميراميس بالقاهرة وبدأ النور يطفأ ثم يعود مرة أخري ثم مات اللورد. وهذا بلا شك ليس له صلة باللعنة وإنما صلته الوثيقة بإدارة الكهرباء والغاز حيث كانت شبكة الكهرباء ضعيفة في ذلك الوقت, وأن اللورد عندما فاضت روحه إلي السماء مات كلبه داخل قلعته بانجلترا في نفس الوقت. وهذه لم تكن قصة حقيقية لأن التليفونات والاتصالات لم تكن تسمح بإثبات هذه الحالة ولكن الكاتبةMarieCorelli كتبت أنها توقعت ان اللورد كارنارفون سوف يموت من لعنة الفراعنة ونشرت قصصا وحكايات مثيرة عن لعنة الفراعنة.. ومازال للحديث بقية بإذن الله.
الأهرام - 43349 السنة 129-العدد 2005 اغسطس 13 8 من رجب 1426 هـ السبت