« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: هنا (الفايسبوك وتويتر) ... صوت الثورة الشعبية! (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: أفغانستان (آخر رد :النسر)       :: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى! (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: عشريّة النّصر والتّأييد (آخر رد :النسر)       :: علماء الدين‏:‏ الحاكم يجب أن يكون نزيها شريفا عادلا (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام العامة
> استراحة التاريخ



في رحاب الجغرافيا .

استراحة التاريخ


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-Aug-2011, 10:37 PM   رقم المشاركة : 226
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

الأساطير الكونية

المهندس فايز فوق العادة

عاشت آلهة اليونان القدماء على جبل أوليمبوس. كان اليونانيون يعتقدون إذ ذاك أن جبل أوليمبوس هو أعلى جبل في العالم وأن الكائنات الفانية لا تستطيع الوصول إليه، ذكر هوميروس أن الثلوج لا تهطل على أوليمبوس ولا تعصف به الرياح وأن نسيماً عليلاً يتموج حوله وأن الآلهة كانوا ينعمون بالجبل وأن نعيمهم أبدي. بالمثل اعتقد قدماء اليابانيين أن الآلهة تعيش على قمم الجبال العالية خاصة جبل فيوجي ياما، يدّعي الكثيرون ممن يروون أن كائنات كونية على متن الصحون الطائرة قد اختطفتهم أنهم نُقلوا إلى عوالم تلك الكائنات وأن تلك العوالم كانت عوالم خاصة ليس فيها مرض أو موت ولا تطالها الكائنات الفانية. لا يُدعى إلى تلك العوالم إلا الأناس الخاصون جداً.
نقرأ في أدبيات الصحون الطائرة إن الغرباء الكونيين كانوا يختطفون أناساً متميزين من الناحية المورثية لإجراء تهجين بين البشر وبين سلالات الكائنات الكونية، نجد ما يوازي ذلك في الأساطير، كانت آلهة الأقوام القديمة تجنح إلى تخليق كائنات فيها من خصائص الآلهة ومن خصائص البشر. نذكر مثلاً أن زيوس اتخذ لنفسه عدداً من الزوجات من أصول إنسانية، كانت "نيوب" أولى تلك النساء ورزق منها بابن أسماه آرغوس كان وسطاً بين الآلهة وبين البشر، إن الجديد في أسطورة الصحون الطائرة هو التلقيح الاصطناعي لأعراس بشرية وأخرى كونية، إن هذا الجديد ليس جديداً ألبتة، إنه المسقط التكنولوجي للأسطورة القديمة.
احترف آلهة اليونان فن التنكر والتخفي، عندما أُغرم الإله زيوس بأوروبا تنكر في هيئة ثور كي يستطيع الاقتراب منها بينما كانت تلعب بالقرب من الشاطئ.
أُعجبت أوروبا بالثور الجميل وامتطت ظهره لدى انحنائه أمامها، ما كان من زيوس إلا أن طار بها مختفياً بين الغيوم، هكذا استطاع اختطاف أوروبا، بالمثل إن معظم شهادات الصحون الطائرة تلتقي فيما يشبه عمليات اختطاف يقوم بها الطاقم على متن الصحن الطائر. إن أفراد الطاقم شبه متخفين ولا يظهرون إلا أمام المميزين. تُمحى في هذه الحالة ذاكرة أي شخص التقى بفرد أو أكثر من تلك الطواقم، إنها نفس الأسطورة القديمة لكن في حلة جديدة، كانت كاهنات معبد دلفي في اليونان القديمة يتلقين الرسائل من الآلهة، ما أشبه اليوم بالأمس: يفيد الشهود في حالة الصحون الطائرة بأنهم تلقوا دعوات مماثلة هذه المرة ليس من آلهة اليونان القديمة بل من الغرباء الكونيين حيث تتضمن الدعوات مواعيد للقاء ونقل الرسائل. إن علينا أن نرسل هؤلاء الشهود إلى معبد دلفي لإجراء مقارنة بين آليات الاتصالات القديمة لكاهنات دلفي وآليات اتصالاتهم المعاصرة، يزعم بعض الشهود لظواهر الصحون الطائرة أن من أهداف الغرباء الكونيين إنقاذ كوكب الأرض مما ينتظره من كوارث صنعية ناجمة عن الحروب والتلوث والمجاعات ومن كوارث طبيعية كالزلازل والفيضانات، هذا إلى أن الغرباء الكونيين قد يحرصون أولاً على نجدة المميزين الذين يتناقلون المعلومات والرسائل معهم.
تكشف لنا عودة سريعة إلى التاريخ المغرق في القدم أن آلهة اليونان وآلهة الأقوام الأخرى كانت تجري تدخلات مماثلة في حالات الكوارث بعد أن تسدي النصح وتنبه وتحذر، وكما كانت بعض الآلهة خيرة في الأساطير القديمة، بينما آلهة أخرى شريرة، يجد من يراجع الملفات المكدسة لشهادات الصحون الطائرة أن بعض الغرباء الكونيين طيبون ومن دعاة الخير، بينما يجنح غرباء كونيون آخرون إلى الشر والاختطاف والقتل العمد. ألا يعكس ذلك ثنائية الخير والشر المتأصلة في أعماق اللاشعور الإنساني!
تمثل فترة الاختطاف على متن الصحن الطائر وقتاً ضائعاً بالنسبة للمُختَطفين.
هل نجد ما يقابل ذلك في الأساطير القديمة؟ تصور الحكايات السلتية في أيرلندة وجود عالم مفارق في المقابر والأماكن المقفرة، تؤكد تلك الحكايات أن لا أهمية للوقت على الإطلاق في ذلك العالم، فهناك قد تكافئ الدقيقة أياماً وأشهراً وسنوات في العالم المعتاد، على العكس، قد تقابل الدقيقة من عالمنا أشهراً وسنوات في العالم المفارق، تتحدث الحكايات السلتية عن كمال العالم المفارق حيث يتوفر الطعام بشكل دائم وحيث تنعدم التعاسة وينتفي الشقاء.
إن قاطني العالم المفارق خالدون لا يعرفون المرض أو الموت. تروي الأساطير السلتية أن عدداً من الناس الفانين ولجوا العالم المفارق عنوة في بعض الأحيان وبدعوات خاصة من الآلهة في أحيان أخرى.
لجأ قاطنو العالم المفارق أحياناً إلى بني البشر للدفاع عن عالمهم وكانت مكافأة كل مدافع من هؤلاء امرأة من سلالة الآلهة، يقع المراجع لملفات الصحون الطائرة على روايات مشابهة. إن عالم الغرباء الكونيين عالم متعال يطمح بنو البشر أن يجدوا فيه الخلاص من الأمراض والتلوث والنكبات، من جانب آخر، ادّعى بعض شهود الصحون الطائرة أن تهجيناً جرى مع الغريبات الكونيات بغية تدعيم وتقوية السلالات الكونية، يحدث شيء مماثل على كوكب الأرض الآن، ففي المجتمعات الصناعية استقر التزايد السكاني بل وأخذت بعض الشعوب بالتناقص مما حدا بحكومات تلك البلدان إلى فتح باب الهجرة أمام القادمين من سكان المناطق النائية في الدول النامية بغية تدعيم وتقوية الأوضاع الديمغرافية في تلك البلدان.
اعتقدت الشعوب القديمة أن أرضاً للموتى تقع وراء البحار البعيدة وأن الشمس لا تستطيع اختراق تلك الأرض وأن الحياة كانت معدومة تماماً هناك، وعندما بدأ المكتشفون رحلاتهم وجابوا أرجاء الأرض تحركت أرض الموتى لتصبح في باطن الأرض حيث تصل بعض الأنهار إلى ذلك الباطن، نجد بالمثل أن الصحون الطائرة بدأت بالتوافد من كوكب الزهرة ومن كوكب المريخ ،لا بل ومن كوكب المشتري.
وعندما اكتشف الفلكيون أن الكواكب المذكورة لا تؤوي الحياة، ابتعد مصدر الصحون الطائرة ليصبح وراء المجموعة الشمسية في عمق المجرة، نتوقف عند إمكانية محتملة لنشأة الأسطورة، لو سألنا رائد فضاء معاصر عن الشمس لأفادنا أنه كان يرى الشمس تضيء من بعيد، وبينه وبينها ظلمة دامسة، بينما الأرض في جواره مضاءة، يقوم الغلاف الجوي للأرض بتحويل الطاقة الشمسية إلى ضوء وحرارة من هنا كان بحثنا عن النور والضوء والخير في الاتجاه الأعلى.
أما الاتجاه الأسفل، أي نحو سطح الأرض، فهو اتجاه الظلمة والموت. إن سماء كوكب عطارد مظلمة لعدم وجود غلاف جوي هناك، بينما يعكس سطح عطارد الطاقة الشمسية في شكل ضوء، نتخيل تواجد كائنات في كوكب عطارد، إنه تخيل يناقض الواقع لاستحالة استمرار حياة في الظروف بالغة القسوة لكوكب عطارد، على الرغم من ذلك نتخيل، تنظر كائنات عطارد نحو سطح عطارد مصدر الضوء، بذا يكون ذلك السطح مصدر النور والخير، بينما تكون سماء عطارد المعتمة مصدر الظلمة والموت.
نتطرق في النهاية إلى واقعة غير مألوفة نعلم أن ذرة الهيدروجين تتكون من بروتون وإلكترون، إن لكل من هذين الجسيمين لفّاً ذاتياً خاصاً به، يتبادل الجسيمان اتجاهي اللف بشكل مستمر، تنطلق أثناء التبادل موجة راديوية طولها 21 سنتمتراً وتواترها 1420 ميغا هرتز.
نظراً لأن الهيدروجين هو العنصر الأكثر توفراً في الكون، فإن موجات من هذا النوع تعم أرجاء الكون، لكن الموجة لا تصل في حزمة ضيقة، شأنها شأن كل الموجات، بل تلتقط في حزم عريضة تضم موجات كثيرة أخرى، إن عزل الموجة في حزمة ضيقة يتطلب مداخلة صنعية، الأمر أشبه هنا بتوليف جهاز التلفاز على قناة معينة، حدث يوم الخامس عشر من آب من العام 1977 أن وقع العلماء على موجة التبادل الراديوية المذكورة في حزمة بالغة الضيق، كانت الموجة قادمة من أعماق الفضاء من جوار نجم يقع على مسافة 220 سنة ضوئية عن الشمس، السنة الضوئية هي وحدة لقياس المسافات الكونية تكافئ المسافة التي يقطعها الضوء في سنة زمنية كاملة مرتحلاً بسرعته المعهودة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، تساوي السنة الضوئية حوالي عشرة ملايين مليون كيلو متراً، يعني ما تقدم أن الموجة الملتقطة كانت قد قضت في رحلتها نحو الأرض حوالي مئتين وعشرين سنة زمنية.
يقدر العلماء طاقة مصدر الموجة بحوالي ألفي مليون واط.
نستطيع تفسير الموجة بافتراض وجود حضارة كونية متقدمة بالقرب من ذلك النجم، إن الحضارة تعرف المعلومات الخاصة بالهيدروجين التي أتينا على ذكرها.
رغبت الحضارة أن تبلغ عن وجودها لكل الكائنات المحتملة في الكون، فكان أن قامت بتوليف موجة الهيدروجين في حزم ضيقة وبثها في كل الاتجاهات، أما عن طبيعة هذه الحضارة ومقاصدها فالأمر مختلف تماماً، بشكل مشابه، قد تجد الأساطير القديمة تفسيرات كونية محتملة تتضمن بعض الأساطير تفسيراً كونياً مباشراً، نذكر على سبيل المثال وليس الحصر ما وقع عليه ألبرتو تولي رئيس الجناح المصري في متحف الفاتيكان فقد وجد كسرة من نص يعود إلى عهد تحوتمس الثالث الذي حكم مصر القديمة وعاش حوالي 1500 قبل الميلاد، يفيد النص بأن النساخين شاهدوا كرة من نار تهبط من السماء وأن لهب الكرة كان ذا رائحة كريهة، بقي تحوتمس وجنوده يراقبون هذا المشهد إلى أن ارتفعت كرة النار محلقة في اتجاه الجنوب واختفت عن الأنظار، أما أساطير المايا فتروي أن الإله كويتز لكواتل قد جاء من بلد مجهول من بلاد الشمس المشرقة يرتدي ثياباً بيضاء وقد أطلق لحيته وعلّم البشر كل العلوم والفنون والتقاليد وخلف وراءه قوانين في غاية الحكمة، وعندما أكمل الإله مهمته عاد إلى البحر وكان يبشر بتعاليمه في طريق تجواله ومن هناك استقل سفينة نقلته إلى نجم الشعرى اليمانية.
قد تجد معظم الأساطير تفسيراً كونياً لها، الأمر الذي يبرر النظر إليها باعتبارها أساطير كونية.

المراجع:
1- Darling, d.: the extra terrestrial encyclopedia 2000: three rivers press: new york.
2- carliss William r.: handbook of unusual phenomena: 1995 : gramercy books: new york.
3- Asimov, Isaac: new guide to science: 1984: basic books.
4- carllis, William r. mysterious universe: 1979: source book project.




المصدر : الباحثون - العدد 50 آب 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-Aug-2011, 09:37 AM   رقم المشاركة : 227
مسلمة
مشرفة
 
الصورة الرمزية مسلمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

وقد ذكرت اسماء بعض النجوم فى القرآن الكريم

فسبحان من خلق فابدع واتقن وقدر

جزاك الله خيرا

اقتباس:
رفع الله قدرك و بارك فيك أختي

واياكم اخى ابو خيثمة

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 مسلمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Aug-2011, 12:26 AM   رقم المشاركة : 228
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

تقبل الله طاعتك أختي و أعاده عليك باليمن و الخير و البركات













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 20-Aug-2011, 07:36 AM   رقم المشاركة : 229
مسلمة
مشرفة
 
الصورة الرمزية مسلمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

واياكم ...آمين

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 مسلمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Oct-2011, 05:45 PM   رقم المشاركة : 230
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

الجغرافيا و الجغرافي

د. زيد الرماني

بالأمس القريب، كان المدى الأرضي هو بالتحديد، موضوع أبحاث الجغرافيا. أما اليوم فالجغرافيا تتلقى الاتهام من كل صوب، يأخذون عليها أنها بقيت قائمة أساساً على الوصف من غير أن تقدم تفسيراً علمياً، وأنها ليست مطمئنة. ألم تقم الجغرافيا العلمية نفسها على غزوات جانبية وبعثات، لا إلى الأراضي التي لا بشر فيها، بل إلى أراض مجاورة، وآهلة بالناس.

وبالفعل، فقد كرست على أنها جغرافية أبحاث، قريبة من مجالات الجيولوجيا والبدولوجيا والانثروبولوجيا. وثمة جغرافيون يقدمون مستندات جديدة للدعوى، بالقحط المعرفي الملاحظ عند الجغرافيين أو كما يقول آخرون: تخبطهم المعرفي.

ومن الحق القول أنه بين الجغرافيين الخلَص يجري تجنب المناقشات التي من شأنها أن تزعزع الثقة بوحدة الجغرافيا. وقد ذهب بعضهم إلى حد القول بأن الجغرافيا، بعد أن فقدت اعتبارها، ينبغي أن تمحى أمام علم واجب إنشاؤه: علم المدى. والحال أن المعرفة العلمية للمدى قد عرفت أهمية استراتيجية كبرى. فالمدى، أكثر منه في أي وقت مضى، هو موضع تفاريق وتناقضات وخلافات ومنافسات: إنه موضع الرهان بين الأنظمة الكبرى الاقتصادية والسياسية، التي تتنازع السيطرة على الأرض.

إن ما ينقص الجغرافيون هو ما يمكن أن نسميه - تجاوزاً - المعيار، أو بأكثر بساطة المبدأ والمنطلق. فرضية للعمل قادرة على أن تحقق تفاهماً عريضاً فيما بينهم. فلقد روى أندريه منييه ببراعة قصة الفكر الجغرافي.

إن على الجغرافيا أن تتثقف بالنظريات المتعلقة بتنظيم المجموعات الحية المركبة. بيد أن البحث عن قوانين قطعية متماثلة تسود ظواهر مختلفة أمر لا اعتراض عليه. ولكن ثمة مخاطر ينبغي تحاشيها. أولها خطر التلخيص التبسيطي.

وهنا نتساءل عن ضرورة إقامة الجغرافيا على المعيار الذي تبنته العلوم الاجتماعية اليوم أم على رؤى مستقبلة مأمولة مبنية على التكامل المعرفي والتوزع المعلوماتي، شاملة كل المسارات ذات العلاقة...

بيد أننا نرى أنه آن الأوان الآن لأن نهتم بالثقافة الجغرافية في منتدياتنا...

شبكة الألوكة













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Oct-2011, 05:49 PM   رقم المشاركة : 231
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

الجغرافيا العربية المعاصرة بين سندان الحصار ومطرقة البحث عن الذات
مولاي المصطفى البرجاوي

أظنُّ أنَّ هناك أسئلةً تتبادر إلى ذهن أغلب طلبةِ شُعبة الجغرافيا في الوطن العربيِّ مِن قبيل:
• هل يُمكن الحديثُ عنِ الجغرافيا كعِلمٍ مُستقلٍّ بذاته، بعد تزايُدِ الأصوات التي تنظر إليها بعينِ الحقارة.

• منذُ الفِكرة التي لفَظَها المتخصِّصُ في علوم "الأبستومولوجيا التكوينية" الفرنسي جان بياجي، الذي اعتبرها "لقيطة العلوم"، ولكن في المقابل ألاَ تُشكِّل الجغرافيا المنبعَ لكلِّ المعارف والعُلوم، أو "ملتقى الطرق" (Carrefour)، الذي تتقاطع فيه كلُّ العلوم؛ على حدِّ تعبير أبي الجغرافيا الفَرنسي بيير جورج (Pierre George)؟

وقبل ذلك، أَلَمْ تكنِ الجغرافيا موظفةً بشكلٍ في غزوات رسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - من خلال التَّعرُّف على المَنطقة (تضاريسيًّا وديمغرافيًّا..) من خلال ما يُسمَّى بالحملات الاستكشافيَّة (السرايا)؟

• السؤال الثَّاني: هلْ يُمكن الحديثُ عن وجود الجغرافيا التَّطبيقيَّة في الوطن العربيِّ، رَغمَ المجهودات المبذولة من طَرَفِ أهلها (الجغرافيِّين العرب)، أمْ مُعْضِلةُ اجترار الأطروحات الغربيَّة وآلياتها هو السَّائد؟

• مفهوم الجغرافيا والمجال الجغرافي:
تُعدُّ المعرفةُ، أو نظريةُ المعرفة - كما يُطلَق عليها في الأوساط الفلسفيَّة - قضيةً كبرى، مِحوريَّة في كلِّ اتِّجاهٍ ومذهبٍ، ونِحلةٍ وعِلمٍ؛ إذ بسببها يُمكن أن نَحْفِر في جذور كلِّ مذهبٍ فكريٍّ، وعِلمٍ من العلوم؛ لاستخراج مبادئِه المَنطقيَّة ومنطلقاتِه الفلسفية؛ ليَسهُلَ بعدَ ذلك تصوُّرُه والحكم عليه، فهي مِن المعرفة بمنزلة الأُمِّ، ومن العلوم بمنزلة الجَذْر.

وسعيًا منَّا إلى الأخذ بالمنهج العِلميِّ في تَتبُّعِ الإطار والسِّياق العام للجغرافيا، يكون مِنَ الأَوْلى الوقوفُ على جملةٍ مِنَ المفاهيم الجغرافيَّة، وأهم تقاطعاتها المجاليَّة:
• تعريف الجغرافيا:
تعدَّدت تعاريفُ الجغرافيا، لو أحصيناها لوجدْنا العشرات، ولكنْ نسوق التَّعريفَ الواردَ في الطبعة المختصرة مِنَ الموسوعة البِريطانيَّة، التي تُعرِّف الجغرافيا على أنَّها: "العِلم الذي يَصِفُ ويُحلِّل التَّحولاتِ المكانيةَ للظواهرِ البشريَّة، والطبيعية على سطحِ الأرضِ، وتَرتبط الجغرافيا بالأرضِ وعُلومها، كما تَرتبطُ أيضًا بالعلوم الإنسانيَّة".

• مفهوم المجال الجغرافي وأهم تقاطعاته:
بقراءةٍ مُتأنِّيةٍ لأغلب البحوث المنجزة، والدِّراسات العربيَّة التي تَمَّ تأليفُها، نجدها تَدورُ رَحاها حولَ التَّعريفات التَّالية للمجال الجغرافيِّ:
1- عرَّفه جون تريكار (J.Tricart) بسطح الأرض برُمَّتِه.

2- وهناك تعريفٌ محدودٌ، وضَعه ماكس صور (Max Sorre)، حيث أطلق المجالَ الجغرافيَّ على المناطق المُستغلَّةِ مِن طَرَف السُّكَّان، ويَستثني بعضَ المناطق غير المستغلَّة استغلالاً كافيًا؛ مثل المناطق القُطبيَّة، والغابات الاستوائيَّة، وبعضِ الصَّحاري.

3- وهناك تعريفٌ ثالثٌ أكثرُ ضيقًا للجغرافيِّ (J.Gottman)، وهو: المجال المأْهول بالسُّكَّان.

بالرغم مِن تَعدُّد التَّعاريف، فالمجال الجغرافيُّ: "هو الإطار الماديُّ، والقاعدة الأرضيَّة الملموسة التي تَدور عليها البَشريَّة، وتُنظِّم فوقَه العَلاقاتِ في انسجامٍ مُنظَّمٍ مع الأنظمة البِيئيَّة".

• المجال الجغرافي مجال بحث مشترك:
هذا المجالُ مجالُ بحثٍ مُشترَكٍ بينَ علومٍ بشريَّة وطبيعيَّة، وإذا تركْنا – جانبًا - العلومَ الطبيعيَّة والبيئيَّة التي تَأخذُ المجالَ الجغرافيَّ مَيدانًا لها، نجد العلومَ الإنسانيَّة والاجتماعيَّة التي تَهتمُّ بهذا المجال تَتطوَّر، ويزدادُ عددُها بشكلٍ مستمرٍّ، وقد وجدتُ الجغرافيا نفسَها مُضطرَّةً إلى تغيير أُسلوبها، ومُرغَمةً على التَّفتُّح والمجابهة؛ ذلك أنَّ علومًا أخرى أصبحتْ تُنافسها مُنافسةً شرسةً وقَويَّةً داخلَ ما كانت تَعتبرُه مَيدانًا خاصًّا بها، ومِن أَهمِّ مُنافسيها - نذكر بالدِّرجة الأولى -: عِلم الاقتصاد، وعِلم الاجتماع.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ علماءَ الاقتصادِ استطاعوا أن يَفرِضوا مجالَهم، بعدَما تَبيَّن عجزُ الجغرافيِّين عن تَهيئة وتَحديدِ إطارٍ إقليميٍّ يُرضيهم، ويُرضي التَّحليلَ الاقتصاديَّ الحديث.

ويتَّخذُ المجالُ الاقتصاديُّ أشكالاً مختلفةً حسبَ الهدف الذي يَرمي إليه الباحث، فتارةً بـ "مجال التخطيط"، وتارةً يُدعى بـ "المجال المستقطب"، وهو المجال الذي يدورُ النَّشاطُ فيه حولَ قُطبٍ اقتصاديٍّ، أو جُغرافيٍّ مُعيَّنٍ (مثلاً: مؤسَّسة اقتصاديَّة، مدينة...)، بعكس المجالِ الجغرافيِّ الذي يَتميَّز بتبايُنِ تركيباتِه وبنياته؛ نتيجةَ عمل الإنسان، فإنَّ المجال الاقتصاديَّ لا يستحقُّ أيَّ اهتمامٍ، إذا كان لا يُلبِّي حاجياتِ الإنسان الضروريَّةَ، ولا فائدةَ في تنظيمه إذا كانتْ إنتاجيتُه ضعيفةً، أو منعدمةً؛ معنى ذلك أنَّ المجالَ الاقتصاديَّ لا يدرس المجال إلاَّ إذا كانتْ هناك نَفعيَّة وإنتاجيَّة، فهو مجالٌ يأخذ بعينِ الاعتبار ما يُمكن تقييمه ماديًّا حسبَ توزيع الأسواقِ، وقوانين الإنتاجِ والاستهلاكِ، وتنظيم المبادلاتِ التي لا تَعرِف أيَّ عقباتٍ سوى تلك التي تَضعُها أمامَها الأسعارُ ونفقاتُ الإنتاج.

أمَّا عنِ المجال الاجتماعيِّ، فهو كذلك ناتجٌ عنِ الكشفِ الذي قام به الجُغرافيُّون في المَيدان الاجتماعيِّ، وأهمُّ إطارٍ تَبلوَّر فيه اللِّقاء في المجال لَدَى الجغرافيِّين وعلماءِ الاجتماع هو نِطاقُ ما نُسمِّيه بالعَلاقات الرِّيفيَّة - الحَضريَّة؛ وهي عَلاقاتٌ يطغى عليها الطَّابع الاجتماعيُّ (المجتمع الرِّيفيُّ يختلف عن المجتمع الحضريِّ، والزِّراعيُّ يختلف عن المجتمع الرَّعويِّ...). وكلُّ مجال جغرافيٍّ يَستغلُّه الإنسانُ يُعتبر عندَ علماء الاجتماع إطارًا للعيش.

وهكذا استطاع علماءُ الاجتماع - بفضلِ هذه المفاهيم - أنْ يفرضوا اتجاهاتِهم النَّظريَّةَ على الجغرافيِّ، الذي لم يجدْ بدًّا مِن مسايرتِهم، ومحاولة التَّعايُش والتَّكامُل في مجالٍ لم تستطعْ أَيَّةُ مادَّةٍ عِلميَّة منفردة أن تُسيطر عليه؛ ذلك أنَّ تنظيمَ المجال الجغرافيِّ يتطلب مُساهمةَ كلِّ العلوم التي لها عَلاقةٌ بالإنسان، والطَّبيعة، والاقتصاد، والمجتمع، وغيرها...

من هنا يأتي سؤالٌ يَفرض نفسَه بقوَّةٍ: هل تُشكِّل الجغرافيا – فعلاً - إطارًا للتَّكامُل، أمْ تتطفَّل على مجالاتٍ علميَّةٍ أخرى؛ لِتُكَوِّن لنفسِها عِلمًا مستقلاًّ؟

• الجغرافيا بين إشكالية العلم والوجود:
تَتبَّع الجغرافيُّ المغربيُّ فضيلةُ الدكتور محمد بلفقيه آراءَ وتَصوُّراتِ الحاقدين على الجغرافيا، الذين أنكروا عليها صِفةَ العِلم، ونعتوها بِلَقيطةِ العلوم، وصَوَّروها في شَكلِ ثوبٍ مُرقَّعٍ رتقته أيادي التَّقليد، يأتي في طليعة هؤلاءِ - كما ذكرتُ - جان بياجي مؤسس" الأبستومولوجيا التكوينية"، ثم الجغرافيُّ الفَرنسيُّ جيل سوطير Gilles Sautter":
فالأَوَّل: يَعتبر الجغرافيا مجرَّدَ موضوعٍ معرفيٍّ، تَقتصِر مهمَّتُه على وصفِ الأرض ومَن عليها؛ ولكن الأدْهَى من ذلك جُرأة بياجي في إقصاءِ الجغرافيا مِن لائحة الأبستومولوجيا (المَعرِفيَّة) لتصنيف العلوم؛
يعني هذا في رأي بياجي: أنَّه لا يُمكن أن تكونَ للجغرافيا أبستومولوجيا خاصَّة، ما دامت تعتمد على أبستومولوجيا التَّخصُّصات التي تتعامل معها وتُوظِّفُها.

• أما جيل سوطير في كتابه: "إشكالية الجغرافيا المجال الجغرافي"، فقد كتب مقالاً لاذعًا، استهلَّه بما يلي: " لم يَعُدْ للجغرافيا وجودٌ، لقد قُضي عليها، وبشكلٍ غريبٍ، بأمر السُّلطة العِلميَّة، وأيّ سُلطة؟ سُلطة عالِمٍ ذاع صيتُه، وصار مَرجعًا للمثقَّفين الجُغرافيِّين، ثم استطرد قائلاً: "أمَّا اليوم، فالجغرافيا تُلغى بموجب مرسومٍ إداريٍّ..."

لكنَّ الجغرافيَّ الكويتيَّ الدكتور محمَّد علي فرا لم يقفْ مكتوفَ اليدين، حيثُ أبدى غَيْرتَه على الجغرافيا، ودافع عنها قائلاً: " فالبعض ممَّن يُنكر على الجغرافيا صِفةَ العلم، ويعتقد أنَّها موضوعٌ معرفي، مهمَّته تزويدُ النَّاس بالثَّقافة العامَّة، وما يَحوي مِن ظواهرَ عديدةٍ؛ كالبُلدان والمُدن، والأنهارِ والجبال، والهضاب والسُّهول، ونحوه وحتَّى نُدرك مدى المغالطةِ في مِثل هذا القول، ومقدار التَّجنِّي على عِلمنا مِن قِبَلِ أُناسٍ يَجهلون طبيعةَ الجُغرافيا وأهدافَها وغاياتِها، وجدْنا من الأنسب أن نبدأَ هذا البحثَ بمقدِّمةٍ عن ماهية العِلم، ومفهومه، ومناهجه، ومقاصده؛ ليتأكَّدَ منها كلُّ مَن يُريد التَّأكُّدَ بأنَّ الجغرافيا عِلمٌ طالما التزمت بالمنهجِ العِلميِّ الذي تسير عليه كلُّ فروع العِلم العام".

هنا يُطرح سؤالٌ من جديدٍ: إلى أيِّ حدٍّ هذا الطَّرحُ صحيح؟
ثم مِن جهةٍ أخرى: هل ما زالَ فضيلةُ الدكتور متشبِّثا برأيه، خاصَّةً بعدَ النَّكسات التي عرفتْها الجغرافيا في الوطن العربيِّ، وللإشارة: هذه المقولة تعود إلى سنة 1980 في مقاله المشهور لَدى أغلب الجغرافيِّين العرب: علم الجغرافيا، دراسة تحليلية نقديَّة في المفاهيم والمدارس والأبحاث الحديثة في البحث الجغرافيِّ، ما إنجازات الجغرافيِّين العرب في حلِّ مشكلة الجغرافيا؟ هل مهمَّتُها ستبقى - فقط - التُّعرُّف على مميزات البُلدان المختلفة جغرافيًّا؟ أَم أنَّ هناك عواملَ أخرى مختلفةً ساهمت في تكريس الأزمة التَّعلميَّة - التَّعليميَّة لهذا التَّخصُّص؟

• الجغرافيا التَّطبيقيَّة في الوطن العربي: النُّخبة التابعة:
تُعدُّ الجغرافيا - أو بالأحرى الجغرافية التَّطبيقيَّة - في الوطن العربيِّ من الموادِّ التي فَقدتْ بريقَها، وسُحِب البساطُ من تحت أقدامها، وبدأتْ تنحني بين الفَينة والأُخرى لعاصفة الإقصاءِ خشيةَ اقتلاعِها، وتنتظر أنْ يُدَّق آخِرُ مِسمارٍ في نعشها، ليس هذا قدحًا في الجغرافيا وآلياتها، أو أحكامًا مطلقة؛ ولكنَّ دورَها الهزيل في الميدان يُثبت ذلك؛ من خلال – مثلاً - دراسةِ أيِّ مشروعٍ، أو القدوم على دراسةِ أي مَنطقةٍ جغرافيَّة، ما نجد حاضرًا بقوَّةٍ سوى ميكانيزمات وآليات العلوم الأخرى، وقِسْ على ذلك علومَ العمران والسوسيولوجيا، وعلمَ الإحصاء والتَّهيئة المجاليَّة والتَّخطيط، ولا يكاد يظهر دَورُ الجغرافيا البسيط، إلاَّ في الوصف، وهذه الآلية البالية/القديمة تكاد هي الأخرى تكونُ مشتركةً، أو صنيعة الموادِّ الأدبيَّة، ولا علاقةَ للجغرافية بها.

وهو موقف عبر عنه Antoine S.BAILLY وزميله Jean Bernard Racine في كتابه LES Géographes ont-ils jamais trouvé le Nord?: "الجغرافيا مادة لا أبستومولوجيا لها ولا إشكالية واضحة، ولا نظريةَ ولا مُسلمة، وربَّما بدون مشروعٍ... مادة ستفقد قريبًا مستمعيها بعدَ أن فَقدتْ قُراءَها، وليس بقريبٍ ذلك اليوم الذي نتلقَّى فيه التَّهنئة على قدرة ترويجنا لكتاب الجغرافيا؛ كما توفق في ذلك بعض المُؤرِّخين، فمتى تُباع الجغرافيا في محطَّات القطار؟ ألا يكون اهتمامُ الجغرافيِّين بالوصف قد صدَّهم عن العمل؟ فلو تَدبرتَ الأمرَ لوجدتَهم لم يبتكروا شيئًا، غير علمٍ لا يَنفع، وجهل لا يَضرُّ... فهل يُساعدنا هذا الوعيُ بما أصابنا مِن وهنٍ على الخروج مِن هذه العُزلةِ، والاندراج من جديدٍ في الواقع الاجتماعيِّ؟ وهل يعثر بعدَ ذلك تلاميذُنا على وظائفَ بسهولةٍ؟".

من خلالِ قراءةِ هذه المقولةِ الرَّقراقة، واستحضارٍ للواقع المُزري للجغرافيا، أو بالأحرى الضَّعف والهَوان الذي تَتخبط فيه الأُمَّة العربيَّة، نستشفُّ ما يلي (وكأنها قراءةٌ استشرافيَّة لواقع جغرافيتنا في الوطن العربيِّ/ للإشارة، فقد تمَّ تأليف هذه الموسوعة منذ 1978):
• التَّهميش المطبق من قبل وزارات التربية والتَّعليم في العالَم العربيِّ لهذه المادَّة "العِلميَّة" في الوظائف العموميَّة والخاصَّة.

• قِلَّة اهتمام باقي القطاعات الاقتصاديَّة بها، في هذا المِضمار نجدُ التَّركيز مُنصبًّا على مادة الاقتصاد والمحاسبة.

• أمَّا في العلوم العسكريَّة التي كان مِن الأَوْلى الاستعانة بها لتحديد المواقع، فالتَّهميش فيها حَدِّث عنه ولا حرجَ، (للتوسع في الموضوع: الرجوع لكتاب الجغرافي والمؤرخ الفرنسي YEVES Lacoste: La Géographie ça sert d’abord à faire la guerre)

• المشكلة الكُبرى بالنِّسبة لهذه المادة، وخاصَّة في بُلدان المغرب العربيِّ، من خلال السَّيرورة التَّعليميَّة - نجدُها تُدرس باللُّغة العربيَّة في المستويات المتدنِّية والمتوسطة؛ لكن في حالة الرَّغبة في متابعة الدِّراسة العُليا يطرح "مشكل عويص"، يتمثل في جَهْل بني جِلدتنا من النُّخبة التَّعليميَّة باللُّغة الأُمِّ، وانقضاضهم على اللُّغات الأجنبيَّة؛ ممَّا يُعرِّض شريحةً واسعة من الطلبة غير المفرنسين؛ للاقتصار على المستويات المتوسطة المعرَّبة.

والسُّؤال المطروح في هذا الباب:
هلْ هي خطَّةٌ "مفبركة" مِن قِبَلِ النُّخبة الجغرافيَّة العربيَّة للظُّهور بمظهر التَّعالُم؟ أم هو العجزُ عن تدارك الموقفِ من خلالِ تعريب الجغرافيا، وخاصَّةً في هذه المرحلة التي أصبحْنا عالةً على الغرب في كلِّ شيءٍ، حتَّى في ثقافته؟
من جهةٍ أخرى: لماذا لا يَتمُّ الاقتداءُ بالأُنموذج السُّوري البارع في مَيدان الطب؟!

• انصياع وغياب حُريَّة الإبداع الجغرافيِّ عندَ النخبة الجغرافيَّة العربيَّة، وذلك بتبنِّي ما يُسمَّى في علوم التربية "بالنقل الديداكتيكي "، ويظهر ذلك جليًّا في الكتب المدرسيَّة العربيَّة التي تعتمد التَّرجمة الحرفيَّة للمراجع والكتب المدرسيَّة الغربيَّة.

السُّؤال المطروح: مَن الذي يَحول دونَ ابتكارِ الآليات الجغرافيَّة التي تتماشى وطُموحاتِ الأُمَّة العربيَّة التي تتوق إلى غدٍ أفضلَ، تنعدم فيها التَّبعيَّة المُطلقة للغرب؟
إنَّ انعدام الوعيِ بذواتنا، وأَزمة فُقدان الثِّقة بقدراتنا على الفعل، والتَّغيير لما هو آتٍ من الضَّفة الأخرى .

• يجعل قُدرتَنا على الفعل والمشاركة الإيجابيَّة في صُنع القرارِ، وإحداثِ برامجَ تعليميَّةٍ جديدةٍ وطموحة

• ضعيفةً ومُغلَّفة بالانتظاريَّة، وقد تساءَل غوستاف لوبون في كتابه "حضارة الهند": كيف استطاع البريطانيُّون ببضعة آلاف من الجنودِ أن يستعمروا الهندَ ذاتَ الملايين العديدة؟! وأجاب: عند تشريح جُمجمة الهندي لا نراها مختلفةً عن جُمجمة الانجليزي؛ ولكنَّ الفرق هو الإرادة: الثَّبات والعَزْم في قَومٍ، والضَّعف والاستكانة في آخرين.

بعبارةٍ موجزةٍ: إنَّ الأُمَّة التي تعيش، وتَقتاتُ على فُتات موائد الغَير، لا يُمكن أن تصنع نصرًا، أو أن تبنيَ مِصرًا؛ بل ستظلُّ أُمَّةً ضعيفةً هزيلةً، تابعةً، لا متبوعة. ورحم اللهُ الشَّاعر العربيَّ إذ يقول:
وَلاَ يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِِه
إِلاَّ الأذَلاَّنِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتِدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ
وَذَا يُشَجُّ فَلاَ يَرْثِي لَهُ أَحَدُ
• لكنَّ الأدْهَى والأمَرَّ لهذا التَّخصُّص الفريد مِن نوعه في الوطن العربيِّ هو تفريخُ العَطالة، أو قُلْ: جيوش من الكفاءات المُعطَّلة، خاصَّة في تَخصُّص الجغرافيا التي تَتناسل يومًا بعد يومٍ، ولا تجد مَن يَحتضنها.

وهنا نعاود الكرَّةَ من جديدٍ: مَن السَّبب، وما السَّبب في هذا التَّخافُت والتَّلاشي؟ هل البرمجة التَّعليميَّة لمادة الجغرافيا غير المتوازنة (الوسائل التَّعليميَّة العتيقة المُوظَّفة في تدريس المادة)؟ أَمْ غِياب تَكافؤ الفُرص؟ أمْ أنَّ الجغرافيا في العالَم العربيِّ لا تتناسب مع المحيط السوسيو اقتصادي للبُلدان العربيَّة؟ (وهنا أفتح قوسًا؛ لأُشيرَ أنَّه في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وبعض دُول الاتِّحاد الأوربي، هناك طريقةٌ فريدةٌ وعملاقة في تدريس مواد الجغرافيا؛ وذلك بالجمع بينَ النَّظريِّ والتَّطبيقيِّ، ليس على مستوى الأوراق في الفَصل، ولكن في المَصنع والمجتمع و"السوكوسوشات" اليابانيَّة (مصانع عائمة)، هاهنا، يُمكن الحديثُ عن الجغرافية التَّطبيقيَّة) أمْ...

لكن يظلُّ هذا مجرَّدَ رأيٍ شخصيٍّ، قابل للتَّصويب والمُناقشة، ولكلٍّ وجهةٌ هو مُولِّيها، ولكلٍّ شاكلتُه في الموضوع، وأترك للقُرَّاء الكِرام الكلمةَ للتَّعقيبِ، والتَّقويم لهذه المداخلة التي لا تخلو - بطبيعة الحال- كأيِّ عملٍ بشريٍّ من بعض الهفوات، والله المُوفِّق للصَّواب.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Oct-2011, 05:49 PM   رقم المشاركة : 232
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

الجغرافيا العربية المعاصرة بين سندان الحصار ومطرقة البحث عن الذات
مولاي المصطفى البرجاوي

أظنُّ أنَّ هناك أسئلةً تتبادر إلى ذهن أغلب طلبةِ شُعبة الجغرافيا في الوطن العربيِّ مِن قبيل:
• هل يُمكن الحديثُ عنِ الجغرافيا كعِلمٍ مُستقلٍّ بذاته، بعد تزايُدِ الأصوات التي تنظر إليها بعينِ الحقارة.

• منذُ الفِكرة التي لفَظَها المتخصِّصُ في علوم "الأبستومولوجيا التكوينية" الفرنسي جان بياجي، الذي اعتبرها "لقيطة العلوم"، ولكن في المقابل ألاَ تُشكِّل الجغرافيا المنبعَ لكلِّ المعارف والعُلوم، أو "ملتقى الطرق" (Carrefour)، الذي تتقاطع فيه كلُّ العلوم؛ على حدِّ تعبير أبي الجغرافيا الفَرنسي بيير جورج (Pierre George)؟

وقبل ذلك، أَلَمْ تكنِ الجغرافيا موظفةً بشكلٍ في غزوات رسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - من خلال التَّعرُّف على المَنطقة (تضاريسيًّا وديمغرافيًّا..) من خلال ما يُسمَّى بالحملات الاستكشافيَّة (السرايا)؟

• السؤال الثَّاني: هلْ يُمكن الحديثُ عن وجود الجغرافيا التَّطبيقيَّة في الوطن العربيِّ، رَغمَ المجهودات المبذولة من طَرَفِ أهلها (الجغرافيِّين العرب)، أمْ مُعْضِلةُ اجترار الأطروحات الغربيَّة وآلياتها هو السَّائد؟

• مفهوم الجغرافيا والمجال الجغرافي:
تُعدُّ المعرفةُ، أو نظريةُ المعرفة - كما يُطلَق عليها في الأوساط الفلسفيَّة - قضيةً كبرى، مِحوريَّة في كلِّ اتِّجاهٍ ومذهبٍ، ونِحلةٍ وعِلمٍ؛ إذ بسببها يُمكن أن نَحْفِر في جذور كلِّ مذهبٍ فكريٍّ، وعِلمٍ من العلوم؛ لاستخراج مبادئِه المَنطقيَّة ومنطلقاتِه الفلسفية؛ ليَسهُلَ بعدَ ذلك تصوُّرُه والحكم عليه، فهي مِن المعرفة بمنزلة الأُمِّ، ومن العلوم بمنزلة الجَذْر.

وسعيًا منَّا إلى الأخذ بالمنهج العِلميِّ في تَتبُّعِ الإطار والسِّياق العام للجغرافيا، يكون مِنَ الأَوْلى الوقوفُ على جملةٍ مِنَ المفاهيم الجغرافيَّة، وأهم تقاطعاتها المجاليَّة:
• تعريف الجغرافيا:
تعدَّدت تعاريفُ الجغرافيا، لو أحصيناها لوجدْنا العشرات، ولكنْ نسوق التَّعريفَ الواردَ في الطبعة المختصرة مِنَ الموسوعة البِريطانيَّة، التي تُعرِّف الجغرافيا على أنَّها: "العِلم الذي يَصِفُ ويُحلِّل التَّحولاتِ المكانيةَ للظواهرِ البشريَّة، والطبيعية على سطحِ الأرضِ، وتَرتبط الجغرافيا بالأرضِ وعُلومها، كما تَرتبطُ أيضًا بالعلوم الإنسانيَّة".

• مفهوم المجال الجغرافي وأهم تقاطعاته:
بقراءةٍ مُتأنِّيةٍ لأغلب البحوث المنجزة، والدِّراسات العربيَّة التي تَمَّ تأليفُها، نجدها تَدورُ رَحاها حولَ التَّعريفات التَّالية للمجال الجغرافيِّ:
1- عرَّفه جون تريكار (J.Tricart) بسطح الأرض برُمَّتِه.

2- وهناك تعريفٌ محدودٌ، وضَعه ماكس صور (Max Sorre)، حيث أطلق المجالَ الجغرافيَّ على المناطق المُستغلَّةِ مِن طَرَف السُّكَّان، ويَستثني بعضَ المناطق غير المستغلَّة استغلالاً كافيًا؛ مثل المناطق القُطبيَّة، والغابات الاستوائيَّة، وبعضِ الصَّحاري.

3- وهناك تعريفٌ ثالثٌ أكثرُ ضيقًا للجغرافيِّ (J.Gottman)، وهو: المجال المأْهول بالسُّكَّان.

بالرغم مِن تَعدُّد التَّعاريف، فالمجال الجغرافيُّ: "هو الإطار الماديُّ، والقاعدة الأرضيَّة الملموسة التي تَدور عليها البَشريَّة، وتُنظِّم فوقَه العَلاقاتِ في انسجامٍ مُنظَّمٍ مع الأنظمة البِيئيَّة".

• المجال الجغرافي مجال بحث مشترك:
هذا المجالُ مجالُ بحثٍ مُشترَكٍ بينَ علومٍ بشريَّة وطبيعيَّة، وإذا تركْنا – جانبًا - العلومَ الطبيعيَّة والبيئيَّة التي تَأخذُ المجالَ الجغرافيَّ مَيدانًا لها، نجد العلومَ الإنسانيَّة والاجتماعيَّة التي تَهتمُّ بهذا المجال تَتطوَّر، ويزدادُ عددُها بشكلٍ مستمرٍّ، وقد وجدتُ الجغرافيا نفسَها مُضطرَّةً إلى تغيير أُسلوبها، ومُرغَمةً على التَّفتُّح والمجابهة؛ ذلك أنَّ علومًا أخرى أصبحتْ تُنافسها مُنافسةً شرسةً وقَويَّةً داخلَ ما كانت تَعتبرُه مَيدانًا خاصًّا بها، ومِن أَهمِّ مُنافسيها - نذكر بالدِّرجة الأولى -: عِلم الاقتصاد، وعِلم الاجتماع.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ علماءَ الاقتصادِ استطاعوا أن يَفرِضوا مجالَهم، بعدَما تَبيَّن عجزُ الجغرافيِّين عن تَهيئة وتَحديدِ إطارٍ إقليميٍّ يُرضيهم، ويُرضي التَّحليلَ الاقتصاديَّ الحديث.

ويتَّخذُ المجالُ الاقتصاديُّ أشكالاً مختلفةً حسبَ الهدف الذي يَرمي إليه الباحث، فتارةً بـ "مجال التخطيط"، وتارةً يُدعى بـ "المجال المستقطب"، وهو المجال الذي يدورُ النَّشاطُ فيه حولَ قُطبٍ اقتصاديٍّ، أو جُغرافيٍّ مُعيَّنٍ (مثلاً: مؤسَّسة اقتصاديَّة، مدينة...)، بعكس المجالِ الجغرافيِّ الذي يَتميَّز بتبايُنِ تركيباتِه وبنياته؛ نتيجةَ عمل الإنسان، فإنَّ المجال الاقتصاديَّ لا يستحقُّ أيَّ اهتمامٍ، إذا كان لا يُلبِّي حاجياتِ الإنسان الضروريَّةَ، ولا فائدةَ في تنظيمه إذا كانتْ إنتاجيتُه ضعيفةً، أو منعدمةً؛ معنى ذلك أنَّ المجالَ الاقتصاديَّ لا يدرس المجال إلاَّ إذا كانتْ هناك نَفعيَّة وإنتاجيَّة، فهو مجالٌ يأخذ بعينِ الاعتبار ما يُمكن تقييمه ماديًّا حسبَ توزيع الأسواقِ، وقوانين الإنتاجِ والاستهلاكِ، وتنظيم المبادلاتِ التي لا تَعرِف أيَّ عقباتٍ سوى تلك التي تَضعُها أمامَها الأسعارُ ونفقاتُ الإنتاج.

أمَّا عنِ المجال الاجتماعيِّ، فهو كذلك ناتجٌ عنِ الكشفِ الذي قام به الجُغرافيُّون في المَيدان الاجتماعيِّ، وأهمُّ إطارٍ تَبلوَّر فيه اللِّقاء في المجال لَدَى الجغرافيِّين وعلماءِ الاجتماع هو نِطاقُ ما نُسمِّيه بالعَلاقات الرِّيفيَّة - الحَضريَّة؛ وهي عَلاقاتٌ يطغى عليها الطَّابع الاجتماعيُّ (المجتمع الرِّيفيُّ يختلف عن المجتمع الحضريِّ، والزِّراعيُّ يختلف عن المجتمع الرَّعويِّ...). وكلُّ مجال جغرافيٍّ يَستغلُّه الإنسانُ يُعتبر عندَ علماء الاجتماع إطارًا للعيش.

وهكذا استطاع علماءُ الاجتماع - بفضلِ هذه المفاهيم - أنْ يفرضوا اتجاهاتِهم النَّظريَّةَ على الجغرافيِّ، الذي لم يجدْ بدًّا مِن مسايرتِهم، ومحاولة التَّعايُش والتَّكامُل في مجالٍ لم تستطعْ أَيَّةُ مادَّةٍ عِلميَّة منفردة أن تُسيطر عليه؛ ذلك أنَّ تنظيمَ المجال الجغرافيِّ يتطلب مُساهمةَ كلِّ العلوم التي لها عَلاقةٌ بالإنسان، والطَّبيعة، والاقتصاد، والمجتمع، وغيرها...

من هنا يأتي سؤالٌ يَفرض نفسَه بقوَّةٍ: هل تُشكِّل الجغرافيا – فعلاً - إطارًا للتَّكامُل، أمْ تتطفَّل على مجالاتٍ علميَّةٍ أخرى؛ لِتُكَوِّن لنفسِها عِلمًا مستقلاًّ؟

• الجغرافيا بين إشكالية العلم والوجود:
تَتبَّع الجغرافيُّ المغربيُّ فضيلةُ الدكتور محمد بلفقيه آراءَ وتَصوُّراتِ الحاقدين على الجغرافيا، الذين أنكروا عليها صِفةَ العِلم، ونعتوها بِلَقيطةِ العلوم، وصَوَّروها في شَكلِ ثوبٍ مُرقَّعٍ رتقته أيادي التَّقليد، يأتي في طليعة هؤلاءِ - كما ذكرتُ - جان بياجي مؤسس" الأبستومولوجيا التكوينية"، ثم الجغرافيُّ الفَرنسيُّ جيل سوطير Gilles Sautter":
فالأَوَّل: يَعتبر الجغرافيا مجرَّدَ موضوعٍ معرفيٍّ، تَقتصِر مهمَّتُه على وصفِ الأرض ومَن عليها؛ ولكن الأدْهَى من ذلك جُرأة بياجي في إقصاءِ الجغرافيا مِن لائحة الأبستومولوجيا (المَعرِفيَّة) لتصنيف العلوم؛
يعني هذا في رأي بياجي: أنَّه لا يُمكن أن تكونَ للجغرافيا أبستومولوجيا خاصَّة، ما دامت تعتمد على أبستومولوجيا التَّخصُّصات التي تتعامل معها وتُوظِّفُها.

• أما جيل سوطير في كتابه: "إشكالية الجغرافيا المجال الجغرافي"، فقد كتب مقالاً لاذعًا، استهلَّه بما يلي: " لم يَعُدْ للجغرافيا وجودٌ، لقد قُضي عليها، وبشكلٍ غريبٍ، بأمر السُّلطة العِلميَّة، وأيّ سُلطة؟ سُلطة عالِمٍ ذاع صيتُه، وصار مَرجعًا للمثقَّفين الجُغرافيِّين، ثم استطرد قائلاً: "أمَّا اليوم، فالجغرافيا تُلغى بموجب مرسومٍ إداريٍّ..."

لكنَّ الجغرافيَّ الكويتيَّ الدكتور محمَّد علي فرا لم يقفْ مكتوفَ اليدين، حيثُ أبدى غَيْرتَه على الجغرافيا، ودافع عنها قائلاً: " فالبعض ممَّن يُنكر على الجغرافيا صِفةَ العلم، ويعتقد أنَّها موضوعٌ معرفي، مهمَّته تزويدُ النَّاس بالثَّقافة العامَّة، وما يَحوي مِن ظواهرَ عديدةٍ؛ كالبُلدان والمُدن، والأنهارِ والجبال، والهضاب والسُّهول، ونحوه وحتَّى نُدرك مدى المغالطةِ في مِثل هذا القول، ومقدار التَّجنِّي على عِلمنا مِن قِبَلِ أُناسٍ يَجهلون طبيعةَ الجُغرافيا وأهدافَها وغاياتِها، وجدْنا من الأنسب أن نبدأَ هذا البحثَ بمقدِّمةٍ عن ماهية العِلم، ومفهومه، ومناهجه، ومقاصده؛ ليتأكَّدَ منها كلُّ مَن يُريد التَّأكُّدَ بأنَّ الجغرافيا عِلمٌ طالما التزمت بالمنهجِ العِلميِّ الذي تسير عليه كلُّ فروع العِلم العام".

هنا يُطرح سؤالٌ من جديدٍ: إلى أيِّ حدٍّ هذا الطَّرحُ صحيح؟
ثم مِن جهةٍ أخرى: هل ما زالَ فضيلةُ الدكتور متشبِّثا برأيه، خاصَّةً بعدَ النَّكسات التي عرفتْها الجغرافيا في الوطن العربيِّ، وللإشارة: هذه المقولة تعود إلى سنة 1980 في مقاله المشهور لَدى أغلب الجغرافيِّين العرب: علم الجغرافيا، دراسة تحليلية نقديَّة في المفاهيم والمدارس والأبحاث الحديثة في البحث الجغرافيِّ، ما إنجازات الجغرافيِّين العرب في حلِّ مشكلة الجغرافيا؟ هل مهمَّتُها ستبقى - فقط - التُّعرُّف على مميزات البُلدان المختلفة جغرافيًّا؟ أَم أنَّ هناك عواملَ أخرى مختلفةً ساهمت في تكريس الأزمة التَّعلميَّة - التَّعليميَّة لهذا التَّخصُّص؟

• الجغرافيا التَّطبيقيَّة في الوطن العربي: النُّخبة التابعة:
تُعدُّ الجغرافيا - أو بالأحرى الجغرافية التَّطبيقيَّة - في الوطن العربيِّ من الموادِّ التي فَقدتْ بريقَها، وسُحِب البساطُ من تحت أقدامها، وبدأتْ تنحني بين الفَينة والأُخرى لعاصفة الإقصاءِ خشيةَ اقتلاعِها، وتنتظر أنْ يُدَّق آخِرُ مِسمارٍ في نعشها، ليس هذا قدحًا في الجغرافيا وآلياتها، أو أحكامًا مطلقة؛ ولكنَّ دورَها الهزيل في الميدان يُثبت ذلك؛ من خلال – مثلاً - دراسةِ أيِّ مشروعٍ، أو القدوم على دراسةِ أي مَنطقةٍ جغرافيَّة، ما نجد حاضرًا بقوَّةٍ سوى ميكانيزمات وآليات العلوم الأخرى، وقِسْ على ذلك علومَ العمران والسوسيولوجيا، وعلمَ الإحصاء والتَّهيئة المجاليَّة والتَّخطيط، ولا يكاد يظهر دَورُ الجغرافيا البسيط، إلاَّ في الوصف، وهذه الآلية البالية/القديمة تكاد هي الأخرى تكونُ مشتركةً، أو صنيعة الموادِّ الأدبيَّة، ولا علاقةَ للجغرافية بها.

وهو موقف عبر عنه Antoine S.BAILLY وزميله Jean Bernard Racine في كتابه LES Géographes ont-ils jamais trouvé le Nord?: "الجغرافيا مادة لا أبستومولوجيا لها ولا إشكالية واضحة، ولا نظريةَ ولا مُسلمة، وربَّما بدون مشروعٍ... مادة ستفقد قريبًا مستمعيها بعدَ أن فَقدتْ قُراءَها، وليس بقريبٍ ذلك اليوم الذي نتلقَّى فيه التَّهنئة على قدرة ترويجنا لكتاب الجغرافيا؛ كما توفق في ذلك بعض المُؤرِّخين، فمتى تُباع الجغرافيا في محطَّات القطار؟ ألا يكون اهتمامُ الجغرافيِّين بالوصف قد صدَّهم عن العمل؟ فلو تَدبرتَ الأمرَ لوجدتَهم لم يبتكروا شيئًا، غير علمٍ لا يَنفع، وجهل لا يَضرُّ... فهل يُساعدنا هذا الوعيُ بما أصابنا مِن وهنٍ على الخروج مِن هذه العُزلةِ، والاندراج من جديدٍ في الواقع الاجتماعيِّ؟ وهل يعثر بعدَ ذلك تلاميذُنا على وظائفَ بسهولةٍ؟".

من خلالِ قراءةِ هذه المقولةِ الرَّقراقة، واستحضارٍ للواقع المُزري للجغرافيا، أو بالأحرى الضَّعف والهَوان الذي تَتخبط فيه الأُمَّة العربيَّة، نستشفُّ ما يلي (وكأنها قراءةٌ استشرافيَّة لواقع جغرافيتنا في الوطن العربيِّ/ للإشارة، فقد تمَّ تأليف هذه الموسوعة منذ 1978):
• التَّهميش المطبق من قبل وزارات التربية والتَّعليم في العالَم العربيِّ لهذه المادَّة "العِلميَّة" في الوظائف العموميَّة والخاصَّة.

• قِلَّة اهتمام باقي القطاعات الاقتصاديَّة بها، في هذا المِضمار نجدُ التَّركيز مُنصبًّا على مادة الاقتصاد والمحاسبة.

• أمَّا في العلوم العسكريَّة التي كان مِن الأَوْلى الاستعانة بها لتحديد المواقع، فالتَّهميش فيها حَدِّث عنه ولا حرجَ، (للتوسع في الموضوع: الرجوع لكتاب الجغرافي والمؤرخ الفرنسي YEVES Lacoste: La Géographie ça sert d’abord à faire la guerre)

• المشكلة الكُبرى بالنِّسبة لهذه المادة، وخاصَّة في بُلدان المغرب العربيِّ، من خلال السَّيرورة التَّعليميَّة - نجدُها تُدرس باللُّغة العربيَّة في المستويات المتدنِّية والمتوسطة؛ لكن في حالة الرَّغبة في متابعة الدِّراسة العُليا يطرح "مشكل عويص"، يتمثل في جَهْل بني جِلدتنا من النُّخبة التَّعليميَّة باللُّغة الأُمِّ، وانقضاضهم على اللُّغات الأجنبيَّة؛ ممَّا يُعرِّض شريحةً واسعة من الطلبة غير المفرنسين؛ للاقتصار على المستويات المتوسطة المعرَّبة.

والسُّؤال المطروح في هذا الباب:
هلْ هي خطَّةٌ "مفبركة" مِن قِبَلِ النُّخبة الجغرافيَّة العربيَّة للظُّهور بمظهر التَّعالُم؟ أم هو العجزُ عن تدارك الموقفِ من خلالِ تعريب الجغرافيا، وخاصَّةً في هذه المرحلة التي أصبحْنا عالةً على الغرب في كلِّ شيءٍ، حتَّى في ثقافته؟
من جهةٍ أخرى: لماذا لا يَتمُّ الاقتداءُ بالأُنموذج السُّوري البارع في مَيدان الطب؟!

• انصياع وغياب حُريَّة الإبداع الجغرافيِّ عندَ النخبة الجغرافيَّة العربيَّة، وذلك بتبنِّي ما يُسمَّى في علوم التربية "بالنقل الديداكتيكي "، ويظهر ذلك جليًّا في الكتب المدرسيَّة العربيَّة التي تعتمد التَّرجمة الحرفيَّة للمراجع والكتب المدرسيَّة الغربيَّة.

السُّؤال المطروح: مَن الذي يَحول دونَ ابتكارِ الآليات الجغرافيَّة التي تتماشى وطُموحاتِ الأُمَّة العربيَّة التي تتوق إلى غدٍ أفضلَ، تنعدم فيها التَّبعيَّة المُطلقة للغرب؟
إنَّ انعدام الوعيِ بذواتنا، وأَزمة فُقدان الثِّقة بقدراتنا على الفعل، والتَّغيير لما هو آتٍ من الضَّفة الأخرى .

• يجعل قُدرتَنا على الفعل والمشاركة الإيجابيَّة في صُنع القرارِ، وإحداثِ برامجَ تعليميَّةٍ جديدةٍ وطموحة

• ضعيفةً ومُغلَّفة بالانتظاريَّة، وقد تساءَل غوستاف لوبون في كتابه "حضارة الهند": كيف استطاع البريطانيُّون ببضعة آلاف من الجنودِ أن يستعمروا الهندَ ذاتَ الملايين العديدة؟! وأجاب: عند تشريح جُمجمة الهندي لا نراها مختلفةً عن جُمجمة الانجليزي؛ ولكنَّ الفرق هو الإرادة: الثَّبات والعَزْم في قَومٍ، والضَّعف والاستكانة في آخرين.

بعبارةٍ موجزةٍ: إنَّ الأُمَّة التي تعيش، وتَقتاتُ على فُتات موائد الغَير، لا يُمكن أن تصنع نصرًا، أو أن تبنيَ مِصرًا؛ بل ستظلُّ أُمَّةً ضعيفةً هزيلةً، تابعةً، لا متبوعة. ورحم اللهُ الشَّاعر العربيَّ إذ يقول:
وَلاَ يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِِه
إِلاَّ الأذَلاَّنِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتِدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ
وَذَا يُشَجُّ فَلاَ يَرْثِي لَهُ أَحَدُ
• لكنَّ الأدْهَى والأمَرَّ لهذا التَّخصُّص الفريد مِن نوعه في الوطن العربيِّ هو تفريخُ العَطالة، أو قُلْ: جيوش من الكفاءات المُعطَّلة، خاصَّة في تَخصُّص الجغرافيا التي تَتناسل يومًا بعد يومٍ، ولا تجد مَن يَحتضنها.

وهنا نعاود الكرَّةَ من جديدٍ: مَن السَّبب، وما السَّبب في هذا التَّخافُت والتَّلاشي؟ هل البرمجة التَّعليميَّة لمادة الجغرافيا غير المتوازنة (الوسائل التَّعليميَّة العتيقة المُوظَّفة في تدريس المادة)؟ أَمْ غِياب تَكافؤ الفُرص؟ أمْ أنَّ الجغرافيا في العالَم العربيِّ لا تتناسب مع المحيط السوسيو اقتصادي للبُلدان العربيَّة؟ (وهنا أفتح قوسًا؛ لأُشيرَ أنَّه في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وبعض دُول الاتِّحاد الأوربي، هناك طريقةٌ فريدةٌ وعملاقة في تدريس مواد الجغرافيا؛ وذلك بالجمع بينَ النَّظريِّ والتَّطبيقيِّ، ليس على مستوى الأوراق في الفَصل، ولكن في المَصنع والمجتمع و"السوكوسوشات" اليابانيَّة (مصانع عائمة)، هاهنا، يُمكن الحديثُ عن الجغرافية التَّطبيقيَّة) أمْ...

لكن يظلُّ هذا مجرَّدَ رأيٍ شخصيٍّ، قابل للتَّصويب والمُناقشة، ولكلٍّ وجهةٌ هو مُولِّيها، ولكلٍّ شاكلتُه في الموضوع، وأترك للقُرَّاء الكِرام الكلمةَ للتَّعقيبِ، والتَّقويم لهذه المداخلة التي لا تخلو - بطبيعة الحال- كأيِّ عملٍ بشريٍّ من بعض الهفوات، والله المُوفِّق للصَّواب.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-Nov-2011, 02:58 PM   رقم المشاركة : 233
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

بحثاً عن كواكب أرضية أخرى - ت. حازم محمود فرج

يعتقد العلماء أننا قد نكون على مرمى عقد فقط من اكتشاف كواكب مثل كوكبنا الأرضي في نظم شمسية أخرى- بل وربما اكتشاف دلائل على الحياة.

عندما أنجزت مركبة غاليليو عملية عبور قرب كوكبنا عام 1990 لتكسب دفعاً ثقالياً في طريقها إلى كوكب المشتري، كانت تحاول في الوقت ذاته أيضاً، وعلى تلك المسافة القريبة من الأرض، أن تجيب عن سؤال مثير: هل يوجد حياة على الأرض؟ إن كارل ساغان ، الذي دفع ناسا وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لتمرين معدات غاليليو للتعامل مع "نقطتنا الزرقاء الباهتة " لم يقصد هذا كسؤال ثانوي. بالنسبة إليه، كان بحثاً علمياً جاداً عميق المضامين. لقد رغب بمعرفة ما إذا كانت شواهد الحياة على الأرض يمكن كشفها بوضوح من مسافات بعيدة. لقد حظي مسعى ساغان باهتمام متجدد ورغبة ملحة مع اكتشاف منظومات كوكبية حول أكثر من 160 نجماً مجاوراً، وأدى إلى تطوير وسائل وطرق البحث عن حياة غير أرضية. ولكي نكون متأكدين، فإن معظم كواكب النجوم الأخرى exoplanets المكتشفة حتى اليوم من خلال تأثيرها الثقالي على نجمها الأم، سواء كان بخفوت ضوء النجم عندما يعبر الكوكب من أمامه أو من خلال تكبير الضوء القادم من نجم في خلفية المشهد، هي على الأرجح عمالقة غازية كالمشتري وزحل، ويستبعد احتمال إيوائها حياة كما نعرفها. لكن بعض هذه الكواكب الغريبة المشابهة لكوكب المشتري ربما يرافقها أشقاء أقل كتلة ــ ربما حتى كواكب بعيدة مماثلة لكوكب الأرض. إن انخفاضاً متكرراً في سطوع نجم بمجرد جزء من عشرة آلاف جزء يمكن أن يشير إلى وجود كوكب. ومن المقرر لمسبارين فضائيين ــ هما بعثة منظار كورو التي ترأسها فرنسا الذي أطلق في نهاية عام 2006، وأيضاً بعثة منظار كبلر التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، الذي أطلق بتاريخ 7 آذار عام 2009، أن يبحثا تحديداً عن مثل هذه البصمة الضوئية لكواكب شبه أرضية حول 100 ألف نجم في منطقة جوارنا في المجرة.
إن اكتشاف كوكب بحجم كوكب الأرض هو أمر، لكن اكتشاف إشارات تنبئ بحياة هو أمر آخر تماماً. وبالإضافة إلى بعثتي كبلر وكورو، تخطط كل من ناسا وإيسا ESA لأن تتابعا البحث عن طريق مراصد فضائية أكثر طموحاً. ستكون المهمة التالية هي بعثة وكالة ناسا المسماة SIM PlanetQuest، وهي بعثة خُطّط مبدئياً لإطلاقها عام 2015. ثم ستكون بعثة ناسا الأخرى باسم مكتشف الكواكب الأرضية (TPF)، وبعثة وكالة الفضاء الأوربية المسماة داروين. من المخطط لهاتين البعثتين أن تكشفا وجود كوكب شبه أرضي خارج النظام الشمسي وتلتقطا صوراً له. وما هو أكثر أهمية، أن تقوم كلتا البعثتين، TPF وداروين، بتحليل طيف الضوء الضعيف للكوكب إلى قوس قزح طيفي كامل من الألوان للبحث عن دلائل حياة فيه. يأمل مصممو البعثتين تحقيق هذا الإنجاز المهم بعملية إلغاء الوهج الشديد للنجم الأم. إنهم سيفعلون هذا بدمج أرصاد عدة مناظير في مصفوفة ما أو بإعتام النجم باستخدام قناع فائق التصميم، لا ينفذ الضوء، ضمن المنظومة البصرية.
وبالنظر إلى التعقيدات التقانية والتكاليف الباهظة للمهمة، فإن وكالتي الفضاء قد توحدان في آخر الأمر جهودهما وتمويلهما لإطلاق بعثة واحدة مشتركة بدلاً من مرصدين متنافسين.
وفيما يبعد تاريخ إطلاق كل من TPF وداروين مدة عقد تقريباً - وكذلك عدد آخر من البعثات التقانية البارزة - فإن عدة مجموعات علمية تعمل منذ مدة على تحديد، وبدقة، أية بصمات للحياة هي التي يجب أن يبحثوا عنها. ويرشدهم في محاولتهم الكبيرة هذه، مثال واحد فقط للكوكب الذي يؤوي الحياة: الأرض.

لقد قدمت تجربة ساغان مع مركبة غاليليو بداية مؤكدة. فقد كشفت مجموعة معدات المسبار عدة إشارات منبئة بكوكب يعج بالحياة. كشفت غاليليو غلافاً جوياً غنياً بالأكسجين يحوي تراكيز عالية من الميثان أكثر مما يمكن توقعه من نشاط جيولوجي بمفرده. كما سجلت آثاراً في الطيف الأرضي خاصة بجزيء الكلوروفيل الذي يلعب دوراً في عملية التركيب الضوئي عند النباتات.
وفي وقت أحدث، قام فريقان من علماء الفلك بتكرار أرصاد مركبة غاليليو بطريقة، أو حيلة، مثيرة للاهتمام. كان أحد الفريقين يقوده ويسلي تراوب (من مركز هارفارد - سميثسونيان لفيزياء الفلك) وكذلك نيفيل ولف (من جامعة أريزونا)، بينما قاد الفريق الآخر لوك آرنولد (من مرصد أوت بروفانس) وكذلك جان شنايدر (من مرصد باريس في فرنسا).
وإذ لم يكن لديهم مركبة فضائية بعيدة في الفضاء بما يكفي، فقد أخذوا طيوف إشعاع سطوع الأرض - أي وهج ضوء الشمس المنعكس عن كوكبنا والساقط على الطرف غير المضاء من القمر. وبينما رأت غاليليو منطقة محدودة فقط من سطح الأرض، فإن سطوع الأرض يقدم طيفاً متكاملاً عبر كامل الوجه المرئي للأرض، وهو مشهد أكثر شبهاً لما ستراه من عالم غريب بعيد. وبدقة كافية، فقد حدد الفريقان الأمريكي والفرنسي ملامح طيفية تعود إلى بخار الماء والأكسجين والأوزون.
وكما يشير تراوب، فإن إشارات الحياة هذه لابد أنها كانت قابلة للكشف لفترات مهمة من تاريخ كوكب الأرض، أكثر طولاً بكثير من الفترة التي آوت فيها الحياة العاقلة عليها. لقد حافظ كوكبنا على غلاف جوي غني بالأكسجين لمدة 2 بليون سنة تقريباً، وأظهر طيفه آثار الكلوروفيل منذ ظهور أولى النباتات البرية قبل نحو 500 مليون عام. وكما يقول ولف، فإن: "أية حضارة متقدمة اهتمت بالبحث عن الحياة كانت ستعرف أن الحياة قد وجدت على الأرض لوقت طويل جداً".
ثم سيحاول فريقهما تحديد كيف يتغير طيف سطوع الأرض مع دوران الكوكب ليأتي بمناطقه المختلفة أمام المراقبة، ومع تغير غطاء السحب أيضاً. وقد قام كل من إريك فورد وإديون تيرنر (من جامعة برنستون) وسارة سيفر (من مؤسسة كارنيغي في واشنطن) بحساب نماذج التغيرات التي يمكن رؤيتها مع دوران الأرض.

وللكيمياء روايتها
تمهد هذه الأرصاد المبكرة وحسابات الإشارات الدالة على الحياة لتخطيط جادٍ لبعثتي TPF وداروين. في العام 2002، كلف مختبر الدفع النفاث (JPL) التابع لوكالة ناسا مجموعة من العلماء، ضمت تراوب وولف وسيفر، بتقييم الأهمية النسبية لمؤشرات حيوية كوكبية متنوعة من أجل تقديم النصح حول استراتيجيات الرصد على مسبار TPF.
وبما لا يبعث على الدهشة، فإن من بين أكثر المؤشرات الحيوية وثوقية التي حددتها دراسة TPF كانت جزيئات الأكسجين (O2) الذي هو ناتج ثانوي لعملية التركيب الضوئي الذي تقوم به النباتات على كوكب الأرض. وكذلك ابن عم الأكسجين، غاز الأوزون (O3)، الذي هو فعلاً أسهل رصداً في الطيف رغم أنه أقل وجوداً بكثير. إن جزيئات الأكسجين لا تبقى مفردة لفترة طويلة، فهي تتحد بسهولة مع مركبات أخرى، مثل السيليكون في الحجارة، في عملية تعرف باسم التأكسد. ويشرح تراوب: "وهكذا، فمن أجل الاحتفاظ بكمية كبيرة من الأكسجين في غلاف الكوكب الجوي، فيجب أن يكون هناك إنتاج متواصل له". والحياة كما نعرفها هي مصدر ممتاز للأكسجين.
ترى، هل يعني هذا أن اكتشاف الأكسجين أو الأوزون في طيف كوكبي هو إشارة واضحة جداً لوجود حياة عليه؟ ليس بالضرورة، كما يقول جيمس كاستينغ (من جامعة ولاية بنسلفانيا) وهو عضو آخر في مجموعة عمل TPF على المؤشرات الحيوية وخبير ذائع الصيت في شؤون الأغلفة الغازية الكوكبية، ويشير: "إننا نعلم بوجود عمليات غير بيولوجية يمكنها إنتاج غلاف غازي غني بالأكسجين".
أحد هذه الأمثلة هو كوكب الزهرة المعروف بتأثير دفيئته الزجاجية الجامح. إن تحطم جزيئات الماء (H2O)، التي يتبعها هروب سريع للهيدروجين في الفضاء، يعوض باستمرار الأكسجين في غلافه الغازي. مثال آخر سيكون كوكب يغطيه الجليد، وجسيم بما يكفي ليحتفظ بأكسجينه. ستمنع القشرة المتجلدة الأكسجين من التفاعل مع المعادن على السطح، وهكذا تبقيه في الغلاف الجوي.
ومع أن العلماء هم بحاجة للحذر أمام مثل هذه النقاط الإيجابية الزائفة إلا أن تعيين كل من الأكسجين أو الأوزون في كوكب نجم آخر سيكون "مهماً ومشوقاً جداً"، كما يختتم تقرير المؤشرات الحيوية لبعثة TPF.
ويعتقد كريس تشيبا (وهو عالم كواكب في معهد SETI في ماونتن بولاية كاليفورنيا) أن العملية الواضحة لاكتشاف الحياة بوسائل الاستشعار عن بعد ستكون بالغة الصعوبة. وهو يعتقد أن تمييز مؤشرات حيوية حقيقية من التي يمكن أن تنشأ من عمليات غير بيولوجية هي بعيدة عن أن تكون ضعيفة، وخصوصاً إذا كانت معلومات العلماء قليلة عن ظروف سطح الكوكب. ويقول تشيبا: "لكن ذلك لا يعني إنه لا يجب علينا القيام بمحاولة فعل ذلك".
ولعل أكثر الأدلة إقناعاً بشأن الحياة على عالم بعيد سيكون اكتشاف مؤشرات حيوية متعددة. إحدى المحاولات تتمثل في اكتشاف الأكسجين أو الأوزون بالإضافة إلى الماء السائل، مجتمعاً مع سويات مرتفعة من ثنائي أكسيد الفحم، الذي تزفره الحيوانات، أو الميثان الذي تطلقه على الأرض بكتيريا لاهوائية توجد في حقول الأرز ومستنقعات النباتات، ومناطق التندرة. ويقول مالكوم فريدلند (عالم مشروع داروين في وكالة الفضاء الأوربية) إن "الإجماع العام هو إنه إذا وجدنا مجموعة من هذه المؤشرات الحيوية سوية في وقت واحد، فإن ذلك سيكون مؤشراً قوياً جداً على وجود الحياة". وبالطبع، فإن اكتشاف هذه البصمات لن يفرق بين بكتريا بدائية وكائنات معقدة غريبة. إن هذا سيحتاج إلى إشارة من نوع مختلف.

كواكب شبه أرضية - ولكن مع اختلاف
ويبدي بعض العلماء قلقهم أن الحياة في عالم آخر ستكون شديدة الاختلاف لدرجة أن المؤشرات الحيوية التي تحدد الحياة الأرضية قد تكون عديمة المعنى تقريباً. ويوافق تراوب إنه "من الخطورة بمكان التعميم اعتماداً على مثال واحد". ومن ناحية أخرى، فهو يفترض أن الحياة في أي مكان ستحظى بعدة قواسم مشتركة، ويشرح قائلاً: "بالرغم من جميع تصوراتنا، فإننا لم نتوصل بعد إلى بديل مقنع لكيميائية الماء والكربون كأساس للحياة. ولذلك فلا أرى سبباً للمضي في البحث عن أشياء أكثر غرابة، على الأقل الآن".
بالطبع، يمكن أن يكون هناك الكثير من أشكال الحياة التي لن تترك أو تظهر تسجيلها على مجمل طيف كوكب ما، مثل البكتيريا تحت التربة أو عميقاً في فوهات ينابيع الماء الحارة في أعماق المحيط. وقد يكون صعباً اكتشاف المؤشرات الحيوية على السطح ــ مثل اليخضور على الأرض ــ إذا كانت السحب تغطي معظم الكوكب.
إن اكتشاف عوالم تؤوي حياة تختلف عما هو على أرضنا هو أحد أهداف عمل مختبر الكواكب الافتراضي (VPL)، وهو مشروع تبلغ كلفته عدة ملايين من الدولارات وتموله ناسا وترأسه فيكي ميدوز (من JPL). يتألف فريقها من 28 باحثاً من اختصاصات مختلفة كالإحصاء والكيمياء والحيوية. وهم يطورون نماذج محاكاة حاسوبية متطورة تحاكي بيئات وطيوف مجال عريض لكواكب صخرية مع متعضيات حيّة، أو بدونها. وتقول: "إننا نقوم بنمذجة الحياة كما نعرفها ــ ولكن ليس بالضرورة وفق الميزان الذي لدينا هنا على الأرض".
إن خطة ميدوز طموحة: بناء النماذج الأولى لكواكب شبه أرضية تجمع تأثيرات - وكذلك العلاقات المتبادلة - بين الحرارة النجمية، والمناخ، والكيمياء، والجيولوجيا، وعلم الأحياء. وبمجرد وضع هذه النماذج في مواضعها فإنها ستقارنها وزملاؤها أولاً بكواكب الزهرة والأرض والمريخ. ثم، في مرحلة تالية، سيعيدون تركيب الصورة التي كان يمكن أن تأخذها الأرض كما تبدو من مسافة بعيدة، قبل أن يغتني غلافها الغازي بالأكسجين. وفي نهاية المطاف، يخطط الباحثون "للّعب بالوصفة"، محاولين تراكيب مختلفة من الحجم والتركيب والحرارة كي يتحروا تأثيراتها على الحياة وبالعكس. وتقول ميدوز إنه من أجل استكشاف المجال الحراري الذي يمكن أن تنشأ الحياة فيه، على سبيل المثال، فـ"سنقوم بنمذجة كل شيء من عوالم شديدة البرودة إلى عوالم محترقة".
إن هذا كله جزء من الواجب البيتي الذي يحتاج العلماء إلى إكماله في تحضيرهم لليوم الذي سنكون فيه قادرين على التقاط الوهج الضعيف لعالم بعيد وفك شيفرة حياته. وعندما يأتي ذلك اليوم، فسيكون هناك فرصة لأن نرى كوكبنا - وأنفسنا أيضاً - تحت ضوء جديد تماماً.
**
البحث عن الحياة: بديل أرخص وأسرع
سيكون على أبحاث اكتشاف الحياة على كوكب شبيه بالأرض حول نجم آخر أن تنتظر على الأرجح إلى حين إطلاق بعثة داروين أو بعثة TPF بعد عقد أو أكثر من الآن. ولكن إذا كنا محظوظين، فإنه توجد فرصة لفعل ذلك في وقت أقرب كثيراً وأرخص كلفة، كما يقول ميشيل مايكل جورا (من جامعة كاليفورنيا بولاية لوس آنجلس). وفي الحقيقة، فإن المناظير الأرضية الحالية هي الآن في إطار التصدي لهذه المهمة، بافتراض تلبية كثير من شَرطيات "إذا" الأخرى.
عندما يعبر كوكب شبيه بالمشتري أمام نجم شبيه بالشمس، كما يرى المشهد من الأرض، فإنه يغطي نحو 1 بالمائة من النجم ويسبب انخفاضاً مكافئاً في سطوعه. وحتى شهر حزيران من عام 2006، كان قد أمكن رصد عشر حالات عبور مشابهة لكواكب نجوم أخرى.
ولكن ماذا لو كانت كتلة النجم الأم تقل كثيراً عن كتلة الشمس، ولنقل له نحو عشر كتلتها؟ إن نجماً كهذا، ويدعى بقزم M- المتأخر late- M dwarf، له قطر صغير يقرب من قطر كوكب المشتري. وإذا أمكن لنجم كهذا أن يؤوي كوكباً شبيها بالمشتري في مدار ضيق بحيث يرى جانبياً من الأرض، فإننا يمكن أن نرى النجم الأم يتعرض لكسوف كلي، كما يشير جورا.
وما هو أكثر، إذا ضم هذا النظام الافتراضي كوكباً ثانياً أيضاً، فإن ضوءه الضعيف المنعكس قد يزداد جزئياً أثناء الكسوف الكلي. ويقول جورا، الذي ينظر إليه زملاؤه إنه يفكر حقاً بطريقة مبتكرة: "إن ذلك سيعطينا فرصة لقياس طيوف ألوانه كي نكشف بصمات حياة". وبالطبع، وكما يسلم جورا نفسه، فإن فرص موافقة جميع الظروف المناسبة تماماً هي ضئيلة بالمقابل. وبداية، فإن الفلكيين لا يعرفون مدى وفرة - أو ندرة- وجود نجوم منخفضة الكتلة تؤوي كواكب قريبة منها شبيهة بالمشتري.
وقد ركزت أبحاث الكواكب الحالية باستخدام قياسات سرعة نصف قطرية على النجوم الشبيهة بالشمس، بدلاً من أبناء عمومتها التافهة. ومرد ذلك، جزئياً، إلى انحياز لفكرة مركزية الأرض، ولكن أيضاً بسبب أن النجوم الأقل كتلة هي أخفت إضاءة بقدر مهم، وهذا ما يجعل الأرصاد الطيفية الأكثر دقة أكثر صعوبة. وقد يقدم لنا مسح جديد للسرعات نصف القطرية يستهدف تحديداً النجوم الأخف كتلة أول دليل. ويستخدم ثلاثة علماء (هم بول باتلر من مؤسسة كارنيغي في واشنطن، وجيوفري مارس من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفرد آدامز من جامعة ميتشيغن) منظار ماجلان في لاس كامباناس في تشيلي، وهو منظار يبلغ قطر مرآته 6.5 متراً، من أجل مسح 100 نجم قزم من النمط M، بحثاً عن كواكب شبيهة بالمشتري. ومن الممكن أيضاً أن واحداً من بين أكثر من 20 عملية بحث جارية حول العالم عن حالات عبور كواكب أمام نجومها سوف يكشف كسوفاً كلياً يكاد يكون كاملاً لنجوم منخفضة الكتلة.
وبالنسبة للآن، يتوقع جورا أن يشهد ما نسبته ربما واحد فقط من بين كل 100 ألف نجم منخفض الكتلة كسوفاً كلياً بفعل كوكب عملاق قريب منه. إن فهرسة ومراقبة تلك النجوم الكثيرة المنخفضة الكتلة للبحث عن كوكب شبيه بالمشتري يعبر أمامها ومسبباً كسوفاً له ومع كوكب أرضي مرافق هو أمر بعيد المنال عن أن يكون مهمة سهلة.
ويفترض جورا: "بينما نرى أن احتمالات النجاح هي غير مؤكدة إلى درجة كبيرة، وأن عمليات الرصد تثبت تحديها التقاني، فإننا على الأقل لا نحتاج أن ننتظر عقداً للبدء في البحث عن حياة حول نجوم أخرى".

بقلم: راي جاياواردهانا
عن مجلة Astronomy
* المؤلف:

راي جاياواردهانا Ray Jayawardhana: أستاذ مساعد في علم الفلك في جامعة تورنتو. يعمل على استكشاف أصل وتنوع الأنظمة الكوكبية باستعمال بعض أكبر مناظير العالم.




المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-Nov-2011, 03:17 PM   رقم المشاركة : 234
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

الانفجار الكبير قيد الاختبار - موسى ديب الخوري

بعد بضعة أجزاء قليلة من الثانية الأولى بعد الانفجار الكبير، كانت درجة حرارة الكون تصل إلى عدة آلاف المليارات من الدرجات، وكانت اللبنات الأولية للمادة لا تزال غير متصلة. هذا أقله ما كان يعتقده الفيزيائيون منذ نحو ثلاثين سنة. لكن النتائج الأولية التي تم الحصول عليها مع مسرع الجسيمات RHIC، في بروكهافن قرب نيويورك، تثبت العكس. فاللبنات الأولية كانت قد بدأت التفاعلات، مع أن الكون البدئي كان لا يزال شبيهاً بسائل لا يبدي أية لزوجة أو حالات تفاعل تقريباً.
كان الفيزيائيون يحلمون بمثل هذه التجربة منذ ثلاثين سنة. وبفضل المسرعات العملاقة للجسيمات استطاعوا أخيراً رصد المادة كما كانت تبدو بعد بضع لحظات من الانفجار الكوني الكبير. إنه نجاح يقلب الكثير من التصورات حول بدايات الكون!
ماذا كان يشبه الكون بعد بضعة أجزاء من المليون من الانفجار الكبير؟ لقد أدى الانفجار الأصلي إلى توسع الكون، وهذا هو السبب الذي يعطي لعلماء الكونيات الرجوع بالزمن ورؤية هذه التخوم السحيقة. لكن ليس ثمة مرصد يمكن أن يرينا مثل هذه الأبعاد السحيقة، ليجيب على تساؤلاتنا. والحل الوحيد كما يقدر الفيزيائيون هو أن يعيدوا على الأرض خلق الظروف التي كانت سائدة في الكون منذ نحو 14 مليار سنة. ويقدر فريق من العلماء الدوليين يعمل حول مسرع الجسيمات RHIC في بروكهافن، قرب نيويورك، إنه توصل إلى خلق هذه الظروف متوجاً عملاً مكثفاً من الأبحاث كان قد بدأ منذ نحو ثلاثين سنة. والنتيجة التي يخلص إليها هؤلاء هي أن الفيزيائيين الذين كانوا يعتقدون حتى الآن أن الكون كان في بداياته غازيّاً مخطئون! فهذا الكون البدئي كان يشبه بالأحرى سائلاً ذا خواص مميزة، طالما أن لزوجته كانت شبه معدومة.
منذ بداية القرن العشرين، كان من المعروف أن الذرة تتألف من إلكترونات ومن نواة، وأن النواة تتألف من نيوكليونات هي البروتونات والنوترونات. وفي عام 1963 افترض الفيزيائي الأمريكي جيل ـ مان Murray Gell-Mann وجود الكواركات، اللبنات الأساسية للنيوكليونات. وتترابط الكواركات بواسطة القوة الشديدة، وهي إحدى أربع قوى أساسية تحكم الكون. وتحمل هذه القوة الشديدة جسيمات أولية أخرى تسمى الغليونات. وهي تستحق فعلاً تسميتها بالقوية طالما أن الكواركات أو الغليونات لا توجد في حالة حرة: فهذه القوة من الشدة بحيث تظل هذه الجسيمات مجتمعة مثنى أو ثلاث في جسيمات أو كينونات مركبة.

"حساء" من المادة
غير أن للتفاعل الشديد أيضاً ميزة منافية للحدس والتوقع بالنسبة للفيزيائيين: فعلى عكس القوى الأخرى، مثل التفاعل الكهرطيسي على سبيل المثال، فإنها تضعف مع تناقص المسافة بين الجسيمات. وقد أثبتت هذه الخاصية في بداية السبعينات، ونال مكتشفوها في عام 2004 جائزة نوبل (الأمريكيون غروس وويلزك وبوليتزرDavid Gross, Frank Wilczek, David Politzer). ويمكن الاستنتاج من هذه الخاصية إنه إذا كانت المسافة بين الكواركات والغليونات قصيرة جداً فإن هذه الأخيرة تكون حرة تماماً. وتبيّن الحسابات أن الشروط الضرورية لذلك هي درجة حرارة تصل إلى آلاف مليارات الدرجات وكثافة طاقة تكون أعلى بعشر مرات من كثافة طاقة المادة العادية. وهذا يوافق تماماً الشروط التي كانت سائدة في الكون بعد بضعة أجزاء من مليون من الثانية بعد الانفجار الكبير! والنتيجة أن الكواركات في تلك اللحظة كانت حرة، وكانت تشكل حساء من المادة يسمى أيضاً "بلازما الكواركات والغليونات". وبعد توسع وابتراد كافيين للكون إنما تجمعت الكواركات لتشكل الجسيمات التي نعرفها اليوم.
بعد فترة طويلة من نشر العلماء الثلاثة غروس وويلزك وبوليتزر نتائج أعمالهم، استطاع العالمان الإيطالي جيان كارلو ويك Gian Carlo Wick والصيني تسونغ داو لي Tsung-Dao Lee الوسيلة لإنتاج هذه الظروف الجهنمية للكون البدئي: وهي ترتكز على تصادم إيونات مؤلفة من عدة مئات من النكليونات، مثل الذهب أو الرصاص، بسرعات قريبة من سرعة الضوء. إن الانفجار الذي سينتج عن ذلك سوف يحرر طاقة هائلة إلى حد أن النكليونات ستنصهر تاركة للكواركات والغليونات إمكانية الحركة الحرة.
إن مدة حياة هذه البلازما قصيرة جداً: جزء من مليون من مليار من مليار من الثانية على أبعد تقدير. وهذا يعني أن هذه البلازما لا تكون مستقرة لفترة طويلة كافية لكي تدرس بشكل مباشر. ومع ابتراد البلازما فإن تولد جسيمات مع ذلك وفق قانون أينشتين الشهير الذي يضع التكافؤ بين الطاقة والكتلة. أن مواصفات وسمات هذه الجسيمات هي التي يجب دراستها لأنها تحفظ في ذاكرتها "آثار" تشكل البلازما.

السرعة والانطلاق
في بداية التسعينات أطلقت المنظمة الأوروبية للبحث النووي، CERN، قرب جنيف، برنامجاً واسعاً من أجل رصد أو رؤية بلازما الكواركات والغليونات. وسمحت سبع تجارب بجمع معلومات مصدرها الـ SPS، وهو مسرع على امتداد عدة كيلومترات يحرر طاقة مقدارها 17 جيغا إلكرتونفولط في الموضع الذي تتصادم فيه نوى الرصاص. إن كلاً من هاتين التجربتين، النوعيتين إنْ على المستوى الأداتي والبنائي أو على المستوى الفيزيائي الذي تسمح بدراسته، كان متوقعاً لها أن تكشف عن سبعة آثار لتشكل البلازما من الكواركات والغليونات التي تنبأ بها النظريون.
في 10 شباط من عام 2000 نشر لوشيانو مياني Luciano Maiani، وكان في حينه مديراً لمركز البحث النووي الأوروبي CERN، مقالاً يعلن فيه أنه تم تخليق بلازما الكواركات والغليونات، وأن البراهين على وجودها أصبحت حاسمة. وبيّنت هذه البراهين أن الكواركات كانت بدلاً من أن تكون منطوية في جسيمات أكثر تعقيداً متحررة وتنتقل بحرية وفقاً لتنبؤات النظريين. كانت القياسات تشير بوضوح إلى وجود حالة من المادة غير معتادة أو مألوفة، واتفق مجتمع الفيزيائيين على هذه النقطة. لكن الفيزيائيين انقسموا حول ما إذا كان قد تم فعلاً تخليق بلازما مؤلفة كما يفترض فقط من الكواركات والغليونات. بالمقابل، فإنه لم يكن من المستبعد أن تكون الظاهرات الملاحظة في الـ CERN عبارة عن "فجوات" في القياس، والتي يمكن أن تُفسّر بواسطة نماذج لا تتطلب تشكل بلازما من الكواركات والغليونات. وبعبارة أخرى، فإن البراهين الحاسمة التي أطلقها الـ CERN لم تكن حاسمة تماماً. وقد رأى بعضهم في هذا التسرع من إدارة الـ CERN رغبتهم بربط اكتشاف البلازما بمختبرهم، لأن هذا المختبر كان قد خصص وأنفق مبالغ طائلة على هذه الغاية، بل وأيضاً وبشكل خاص لأن المسرع RHIC كان لا بد أن يدخل في العمل بعد بضعة أشهر فقط، في ربيع عام 2000.
ولما كانت المستويات التقنية رفيعة جداً في المسرع المصادم الأمريكي ويعِد بالتالي بنتائج جيدة، فقد كان الفيزيائيون الذين يحضرون التجارب فيه مقتنعين حتى قبل وضعه في الخدمة أنهم على موعد مع رؤية البلازم فيه. ويتألف هذا المسرع المصادم RHIC من حلقتين محيط كل واحدة منهما 3.8 كلم حيث تمرّ فيه حزمتان (نوى الذهب أو بروتونات). وتتلاقى هذه الأخيرة في أربعة مواضع. وفي كل من هذه النقاط أقيم كاشف قادر على تحديد هوية نحو 10000 جسيم من طبيعة مختلفة يتولدون إثر التصادم. ويقوم كل من الكواشف الأربعة بالقياسات نفسها مما يسمح بالتأكد من قابليتها للنسخ. غير أن الميزة الرئيسية للـRHIC بالنسبة لتجربة الـCERN هي قدرته. فهو يستطيع الوصول إلى طاقة 200 غيغا إلكترونفولط، وهي أعلى بكثير من التي يقدر النظريون أنها ضرورية لتحرير الجسيمات الأولية.

دفق من الجسيمات
لم تتأخر أولى النتائج في الظهور. لكن كان لا بد من انتظار خمس سنوات مع ذلك لكي يعلن مسؤولو الـRHIC أهمّ النتائج التي حصلوا عليها. وكانت هذه النتائج مفاجئة بحيث أمضى الفيزيائيون هذه الفترة الزمنية وهم يتحققون منها.
هل تمت مشاهدة بلازما الكواركات والغليونات؟ نعم، يجيب الفيزيائيون! باستثناء أن هذه البلازما لم تكن كما كانوا يتخيلونها تماماً. فقد اكتشفوا أن الأيونات بعد التصادم تتراكب بشكل تام تقريباً، مشكّلة منطقة تغطية أشبه باللوزة. فالجسيمات تفلت من مناطق الضغط الأكثر ارتفاعاً وتتبع بعد ذلك معاً مسارات خاصة جداً. تسمى هذه الظاهرة الجماعية بـ "دفق الجسيمات"، بما أنها تشبه حركة سائل ما.
لكن التشابه يتوقف هنا. لأنه على عكس السوائل العادية التي تخفي فيها الحركة الجماعية حركات عشوائية لكل جزيء، فإن الجسيمات المتشكلة عند التصاد تتبع في مجموعات حركات مرتبة ومنظمة. ويذكّر هذا السلوك قليلاً بحركة أرتال أو صفوف الأسماك التي تستجيب أو تتحرك كأنها بنية أو سمكة واحدة عندما يطرأ تغيّر ما في محيط حركتها. وهنا أيضاً يتوقف تشبيهنا عند هذه النقطة. ذلك إنه في حالة بلازما الكواركات والغليونات تكون الجسيمات مختلفة عن بعضها بعضاً. فهي يمكن أن تكون مؤلفة من الكواركات أو من مكافئاتها من المادة المضادة، وأن تكون كتلها مختلفة وأن تكون مؤلفة من كواركات مختلفة بطبيعتها.

سائل شبه كامل
لكي نفهم أصل هذه الظاهرة، فكر الفيزيائيون بتقسيم معدل دفق الجسيمات على عدد الكواركات التي تشكل كلاً من هذه الجسيمات: وكان المعدل دائماً هو نفسه مهما كان الجسيم المعتبر. واستنتج العلماء من ذلك أن التفاعلات بين الكواركات هي التي تنتج الدفقات بشكل رئيسي. وتقلب هذه النتيجة توقعات النظريين طالما أنه، وفقاً للتعريف الذي أسس عليه البحث عن البلازما، كانت الكواركات والغليونات حرة من أي تفاعل. ففي الحالة التي يفترض أن تكون هذه الكواركات حرة فيها لا نجدها حرة تماماً، ولهذا فإن الفيزيائيين يحفظون اليوم تسمية بلازما الكواركات والغليونات تجاوزاً وبسبب العادة. وثمة اكتشاف مهم ثان هو أن البلازما عبارة عن سائل شبه كامل. ويمكن وصف سلوكه فعلياً بالمعادلات التي تصف الغازات والسوائل ذات اللزوجة الضعيفة جداً وذات القدرة على الوصول بشكل سريع جداً إلى توازن حراري. وقد أعلن سام أرونسون Sam Aronson نائب مدير مختبر بروكهافن في تصريح لإعلان مجمل هذه النتائج: "إن اللزوجة الفائقة الضعف لهذا السائل تجعل منه السائل الأكثر كمالاً الذي أمكن ملاحظته يوماً."
وبفضل التقنيات التي تم تطبيقها في RHIC لتحديد دفق المادة، فقد أمكن التحقق من القياسات التي أنجزت في مركز البحوث النووية الأوروبي CERN في التسعينات من القرن الماضي وفق معايير جديدة. وهي تبيّن أن الجسيمات تتبع أيضاً مسارات منظمة مع وجود سرعات أقل من تلك التي في RHIC. لكن الاختلاف الأساسي هو أن مفهوم السائل أو التوازن الحراري لا يمكن ربطهما بمادة الـ CERN. وفي الحقيقة، فإن النماذج التي تصف ديناميكية السوائل غير قادرة على أخذ هذه القياسات بعين الاعتبار إلا إذا وضعت قيم لها ليس لها أي معنى فيزيائي. وهكذا فإن الـ RHIC وحده يقدم طاقة كافية لتشكل هذا السائل شبه الكامل.
وحتى بالنسبة لفيزيائي، فإنه من الصعب تصور ضخامة الكثافة التي يمكن الوصول إليها عند تصادم الإيونات الثقيلة. وقد لوحظت إحدى هذه النتائج في الـ RHIC: وهي تتمثل بنتاج متراجع جداً من مقذوفات الجسيمات ذات الطاقة العالية جداً المشكلة لحظة أكثر التصادمات عنفاً. وقد رأينا أن الكواركات تتفاعل عند تصادم الأيونات الثقيلة، وخاصة الكواركات العالية الطاقة. وتفلت هذه الكواركات من البلازما، لكنها تترافق بسيل من الجسيمات تكون هي أيضاً عالية الطاقة. ولهذا يجب أن تحصل إنتاجات كبيرة من مقذوفات الجسيمات العالية الطاقة في التصادمات العنيفة جداً. لكن ما تم رصده هو على العكس نقص في عدد هذه الانقذافات.
منذ اكتشاف ظاهرة نقص الانقذافات والجدل دائر حول تفسيرها، ولا يزال العلماء في بدايات فهمها. وكان ثمة تفسير قد طرح منذ عام 1982 على يد الفيزيائي النظري الأمريكي جيمس بيوركن James Bjorken. فللإفلات من الطوق النووي الهائل كما يرى هذا العالم تجتاز انقذافات الجسيمات المتولدة عن تصادم الإيونات الثقيلة "البلازما"، وبما أن هذه الأخيرة تكون كثيفة جداً فإن هذه الانقذافات تترك جزءاً من طاقتها فيها. وتكون نتيجة هذه الخسارة بالطاقة نقصاً في إنتاج هذه الانقذافات في الطاقات العالية جداً، والتي تكون أكبر كلما كانت كثافة الوسط أكبر. وعندما تكون الكثافة منخفضة بدرجة كافية بحيث لا تخلخل إصدار الجسيمات، فإن إنتاج الجسيمات العالية الطاقة لا يكبح، وهو الأمر الذي تمت ملاحظته في الـ RHIC عند تصادم نوى الذهب والنوى الأخف والأقل طاقة.
وثمة تفسير متمم هو تفسير الفيزياء المسماة فيزياء الإشباع. وكان قد طور هذه الفيزياء كل من لاري مكلاران Larry McLerran وديمتري خرزيف Dimitri Kharzeev، وهما فيزيائيان نظريان من مختبر بروكهافن، وتعود نظريتهما إلى أقل من عشر سنوات، وتقول بوجود حالة خاصة من المادة تسمى "تكاثف الزجاج الملون". ويمكن لأي جسيم أن يؤدي إلى تشكل مثل هذه المادة، شرط أن تخضع لطاقات حدية فائقة. ويتعلق الأمر بـ "كثافة" لأن هذا الوضع سيكون عبارة عن توضع متراكم كثيف جداً للغليونات. وهي "ملونة" نسبة إلى خاصية كوانتية للغليونات تسمى "الشحنة اللونية". وأخيراً فإن المادة زجاجية لأن خصائصها تذكّر بخصائص هذه المادة التي يمكن القول عنها بطريقة من الطرق إنها "صلبة" أو "متخثرة". وفي الواقع فإن حركة الغليونات في عملية التكاثف تكون كما لو أنها "مجمدة" بسبب تمدد الزمن المستند للسرعة العالية جداً للتصادمات.

طاقة الغليونات
يقدر كل من خرزيف ومكلران إنه تم في الـ RHIC، مباشرة بعد تصادم الإيونات، خلق تكاثف الزجاج الملون: وهو يتألف من عدد كبير من الغليونات، وتبلغ كثافة طاقته مقداراً هائلاً. ولا تظهر أولى الكواركات إلا في مرحلة ثانية، وذلك بفضل صيرورات تحول طاقة الغليونات إلى كواركات. وفي هذه اللحظة إنما تتخذ البلازما شكلها. فتكاثف الزجاج الملون يبني مرحلة سابقة للبلازما، موفراً بذلك الشروط الضرورية لتشكلها: عدد هائل من الغليونات وكثافة مناسبة من الطاقة. ووفق النظريين فإن هذه الشروط ضرورية لكنها غير كافية مع ذلك: فالتكاثف لا يولِّد بلازما إذا لم تكن الكثافة كبيرة جداً بمقدار كاف.
إن علاقة ذلك مع منع الانقذافات تكمن في ظاهرة الإشباع الذي هو أصيل في طبيعة التكاثف الفيزيائية. إن الغليونات التي تكون في البداية كثيرة جداً تتفاعل فيما بينها، لكنها تصبح كثيرة إلى حد أن عددها لا يتزايد بعد مضي فترة معينة. غير إنه من المفترض أن تتحول الغليونات إلى كواركات، وعلى هذه الأخيرة لكي تتحرر من البلازما أن تتحول إلى انقذافات من الجسيمات. بالنتيجة، إذا وصل إنتاج الغليونات إلى حد الإشباع، فإن الكواركات تتشكل في كميات أقل، وبالتالي يتراجع عدد الانقذافات أيضاً. ذلك هو في إطار فيزياء الإشباع أصل منع أو تناقص الانقذافات، الذي يحصل في آن واحد في تكاثف الزجاج الملون وفي بلازما الكواركات والغليونات.

فيزياء الإشباع
لقد نصح النظريون العلماء التطبيقيين والتجريبيين في الـ RHIC لكي يقوموا بتحديد براهين على وجود التكاثف. وهم يفسرون ذلك بأنه لا بد من مراقبة إنتاج انقذافات الطاقات العالية، إنما ليس في التصادمات الأكثر عنفاً، لأن كثافة البلازما تكون من الكبر بحيث تسود على أية صيرورة أخرى وخاصة ظهور التكاثف. بالمقابل، في تصادمات أقل عنفاً تكون ظاهرة البلازما مقلصة بل وحتى غير موجودة، ويمكن بالتالي عندها رصد ورؤية ظاهرة منع أو فقدان الانقذافات. وهكذا فقد ركز التجريبيون أعمالهم على تصادمات ذات شدة معتدلة. وقد رأوا فعلاً ظاهرة الفقدان بشكل متوافق مع تنبؤات فيزياء الإشباع: وهي ظاهرة لها حظوظ كبيرة بأن تكون نتيجة لوجود التكاثف، طالما أن الظروف لم تكن مجتمعة لتخليق البلازما.
إن فيزياء الإشباع لا تزال في بداياتها، لكن العلماء يطبقون منذ الآن مفهوم التكاثف على فيزياء الكون البدئي الذي بدأنا لتونا نعتاد على أنه كان كوناً سائلاً. وفي الواقع، فقد تنبأت فيزياء الإشباع هذه بشكل صحيح بفقدان أو منع الانقذافات، كما وبظاهرات أخرى مثل عدد الجسيمات الناجم عن التصادم. مع ذلك، لا يزال من الصعب على المستوى الكوزمولوجي تحديد وفهم تضمينات تجارب تصادم الإيونات الثقيلة، لأن النماذج المتعلقة بتشكل الكون والبلازما والتكاثف لا تصف ولا تتنبأ تماماً بالأمور نفسها. ويقع على كاهل النظريين اليوم قبول هذا التحدي الجديد محاولين وضع نموذج أشمل للكون البدئي.
إن ما يمكن أن نؤكده اليوم وفق الأبحاث والتصريحات التي يدلي بها العلماء هو أنه أن كانت التجارب المقبلة ستؤكد وجود تكاثف الزجاج الملون، فإن النتائج سوف تكون هامة جداً بالنسبة لفيزياء الجسيمات الدقيقة. ولما كان هذا التكاثف يوافق شكلاً "عالمياً أو كونياً" للمادة، بشكل مستقل عن الكينونة التي تحتويها، فإن فهمه سوف يسمح بوصف خصائص كافة الجسيمات الخاضعة لطاقات عالية، وبحل مسائل جوهرية مثل تخلق الجسيمات نفسها. بل وفهم أصل كل مادة وكل إشعاع.


المراجع

- (HEAO 1. GSFC. NASA) –
- http://heasarc.gsfc.nasa.gov/docs/he...ons/heao1.html
- http://www.lefigaro.fr/sciences/2010...aboratoire.php
- Le plasma de quarks et de gluons en laboratoire
- Jean-Yves Grossiord (IPNL) - Article paru dans Images de la physique 2002.
- H. Alfvkn, JOURNAL DE PHYSIQUE ColZoque C7, supplkment au no 7, Tome 40, Juillet 1979, page C7- 1; Plasma in laboratory and space.





المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-Nov-2011, 03:17 PM   رقم المشاركة : 235
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

الانفجار الكبير قيد الاختبار - موسى ديب الخوري

بعد بضعة أجزاء قليلة من الثانية الأولى بعد الانفجار الكبير، كانت درجة حرارة الكون تصل إلى عدة آلاف المليارات من الدرجات، وكانت اللبنات الأولية للمادة لا تزال غير متصلة. هذا أقله ما كان يعتقده الفيزيائيون منذ نحو ثلاثين سنة. لكن النتائج الأولية التي تم الحصول عليها مع مسرع الجسيمات RHIC، في بروكهافن قرب نيويورك، تثبت العكس. فاللبنات الأولية كانت قد بدأت التفاعلات، مع أن الكون البدئي كان لا يزال شبيهاً بسائل لا يبدي أية لزوجة أو حالات تفاعل تقريباً.
كان الفيزيائيون يحلمون بمثل هذه التجربة منذ ثلاثين سنة. وبفضل المسرعات العملاقة للجسيمات استطاعوا أخيراً رصد المادة كما كانت تبدو بعد بضع لحظات من الانفجار الكوني الكبير. إنه نجاح يقلب الكثير من التصورات حول بدايات الكون!
ماذا كان يشبه الكون بعد بضعة أجزاء من المليون من الانفجار الكبير؟ لقد أدى الانفجار الأصلي إلى توسع الكون، وهذا هو السبب الذي يعطي لعلماء الكونيات الرجوع بالزمن ورؤية هذه التخوم السحيقة. لكن ليس ثمة مرصد يمكن أن يرينا مثل هذه الأبعاد السحيقة، ليجيب على تساؤلاتنا. والحل الوحيد كما يقدر الفيزيائيون هو أن يعيدوا على الأرض خلق الظروف التي كانت سائدة في الكون منذ نحو 14 مليار سنة. ويقدر فريق من العلماء الدوليين يعمل حول مسرع الجسيمات RHIC في بروكهافن، قرب نيويورك، إنه توصل إلى خلق هذه الظروف متوجاً عملاً مكثفاً من الأبحاث كان قد بدأ منذ نحو ثلاثين سنة. والنتيجة التي يخلص إليها هؤلاء هي أن الفيزيائيين الذين كانوا يعتقدون حتى الآن أن الكون كان في بداياته غازيّاً مخطئون! فهذا الكون البدئي كان يشبه بالأحرى سائلاً ذا خواص مميزة، طالما أن لزوجته كانت شبه معدومة.
منذ بداية القرن العشرين، كان من المعروف أن الذرة تتألف من إلكترونات ومن نواة، وأن النواة تتألف من نيوكليونات هي البروتونات والنوترونات. وفي عام 1963 افترض الفيزيائي الأمريكي جيل ـ مان Murray Gell-Mann وجود الكواركات، اللبنات الأساسية للنيوكليونات. وتترابط الكواركات بواسطة القوة الشديدة، وهي إحدى أربع قوى أساسية تحكم الكون. وتحمل هذه القوة الشديدة جسيمات أولية أخرى تسمى الغليونات. وهي تستحق فعلاً تسميتها بالقوية طالما أن الكواركات أو الغليونات لا توجد في حالة حرة: فهذه القوة من الشدة بحيث تظل هذه الجسيمات مجتمعة مثنى أو ثلاث في جسيمات أو كينونات مركبة.

"حساء" من المادة
غير أن للتفاعل الشديد أيضاً ميزة منافية للحدس والتوقع بالنسبة للفيزيائيين: فعلى عكس القوى الأخرى، مثل التفاعل الكهرطيسي على سبيل المثال، فإنها تضعف مع تناقص المسافة بين الجسيمات. وقد أثبتت هذه الخاصية في بداية السبعينات، ونال مكتشفوها في عام 2004 جائزة نوبل (الأمريكيون غروس وويلزك وبوليتزرDavid Gross, Frank Wilczek, David Politzer). ويمكن الاستنتاج من هذه الخاصية إنه إذا كانت المسافة بين الكواركات والغليونات قصيرة جداً فإن هذه الأخيرة تكون حرة تماماً. وتبيّن الحسابات أن الشروط الضرورية لذلك هي درجة حرارة تصل إلى آلاف مليارات الدرجات وكثافة طاقة تكون أعلى بعشر مرات من كثافة طاقة المادة العادية. وهذا يوافق تماماً الشروط التي كانت سائدة في الكون بعد بضعة أجزاء من مليون من الثانية بعد الانفجار الكبير! والنتيجة أن الكواركات في تلك اللحظة كانت حرة، وكانت تشكل حساء من المادة يسمى أيضاً "بلازما الكواركات والغليونات". وبعد توسع وابتراد كافيين للكون إنما تجمعت الكواركات لتشكل الجسيمات التي نعرفها اليوم.
بعد فترة طويلة من نشر العلماء الثلاثة غروس وويلزك وبوليتزر نتائج أعمالهم، استطاع العالمان الإيطالي جيان كارلو ويك Gian Carlo Wick والصيني تسونغ داو لي Tsung-Dao Lee الوسيلة لإنتاج هذه الظروف الجهنمية للكون البدئي: وهي ترتكز على تصادم إيونات مؤلفة من عدة مئات من النكليونات، مثل الذهب أو الرصاص، بسرعات قريبة من سرعة الضوء. إن الانفجار الذي سينتج عن ذلك سوف يحرر طاقة هائلة إلى حد أن النكليونات ستنصهر تاركة للكواركات والغليونات إمكانية الحركة الحرة.
إن مدة حياة هذه البلازما قصيرة جداً: جزء من مليون من مليار من مليار من الثانية على أبعد تقدير. وهذا يعني أن هذه البلازما لا تكون مستقرة لفترة طويلة كافية لكي تدرس بشكل مباشر. ومع ابتراد البلازما فإن تولد جسيمات مع ذلك وفق قانون أينشتين الشهير الذي يضع التكافؤ بين الطاقة والكتلة. أن مواصفات وسمات هذه الجسيمات هي التي يجب دراستها لأنها تحفظ في ذاكرتها "آثار" تشكل البلازما.

السرعة والانطلاق
في بداية التسعينات أطلقت المنظمة الأوروبية للبحث النووي، CERN، قرب جنيف، برنامجاً واسعاً من أجل رصد أو رؤية بلازما الكواركات والغليونات. وسمحت سبع تجارب بجمع معلومات مصدرها الـ SPS، وهو مسرع على امتداد عدة كيلومترات يحرر طاقة مقدارها 17 جيغا إلكرتونفولط في الموضع الذي تتصادم فيه نوى الرصاص. إن كلاً من هاتين التجربتين، النوعيتين إنْ على المستوى الأداتي والبنائي أو على المستوى الفيزيائي الذي تسمح بدراسته، كان متوقعاً لها أن تكشف عن سبعة آثار لتشكل البلازما من الكواركات والغليونات التي تنبأ بها النظريون.
في 10 شباط من عام 2000 نشر لوشيانو مياني Luciano Maiani، وكان في حينه مديراً لمركز البحث النووي الأوروبي CERN، مقالاً يعلن فيه أنه تم تخليق بلازما الكواركات والغليونات، وأن البراهين على وجودها أصبحت حاسمة. وبيّنت هذه البراهين أن الكواركات كانت بدلاً من أن تكون منطوية في جسيمات أكثر تعقيداً متحررة وتنتقل بحرية وفقاً لتنبؤات النظريين. كانت القياسات تشير بوضوح إلى وجود حالة من المادة غير معتادة أو مألوفة، واتفق مجتمع الفيزيائيين على هذه النقطة. لكن الفيزيائيين انقسموا حول ما إذا كان قد تم فعلاً تخليق بلازما مؤلفة كما يفترض فقط من الكواركات والغليونات. بالمقابل، فإنه لم يكن من المستبعد أن تكون الظاهرات الملاحظة في الـ CERN عبارة عن "فجوات" في القياس، والتي يمكن أن تُفسّر بواسطة نماذج لا تتطلب تشكل بلازما من الكواركات والغليونات. وبعبارة أخرى، فإن البراهين الحاسمة التي أطلقها الـ CERN لم تكن حاسمة تماماً. وقد رأى بعضهم في هذا التسرع من إدارة الـ CERN رغبتهم بربط اكتشاف البلازما بمختبرهم، لأن هذا المختبر كان قد خصص وأنفق مبالغ طائلة على هذه الغاية، بل وأيضاً وبشكل خاص لأن المسرع RHIC كان لا بد أن يدخل في العمل بعد بضعة أشهر فقط، في ربيع عام 2000.
ولما كانت المستويات التقنية رفيعة جداً في المسرع المصادم الأمريكي ويعِد بالتالي بنتائج جيدة، فقد كان الفيزيائيون الذين يحضرون التجارب فيه مقتنعين حتى قبل وضعه في الخدمة أنهم على موعد مع رؤية البلازم فيه. ويتألف هذا المسرع المصادم RHIC من حلقتين محيط كل واحدة منهما 3.8 كلم حيث تمرّ فيه حزمتان (نوى الذهب أو بروتونات). وتتلاقى هذه الأخيرة في أربعة مواضع. وفي كل من هذه النقاط أقيم كاشف قادر على تحديد هوية نحو 10000 جسيم من طبيعة مختلفة يتولدون إثر التصادم. ويقوم كل من الكواشف الأربعة بالقياسات نفسها مما يسمح بالتأكد من قابليتها للنسخ. غير أن الميزة الرئيسية للـRHIC بالنسبة لتجربة الـCERN هي قدرته. فهو يستطيع الوصول إلى طاقة 200 غيغا إلكترونفولط، وهي أعلى بكثير من التي يقدر النظريون أنها ضرورية لتحرير الجسيمات الأولية.

دفق من الجسيمات
لم تتأخر أولى النتائج في الظهور. لكن كان لا بد من انتظار خمس سنوات مع ذلك لكي يعلن مسؤولو الـRHIC أهمّ النتائج التي حصلوا عليها. وكانت هذه النتائج مفاجئة بحيث أمضى الفيزيائيون هذه الفترة الزمنية وهم يتحققون منها.
هل تمت مشاهدة بلازما الكواركات والغليونات؟ نعم، يجيب الفيزيائيون! باستثناء أن هذه البلازما لم تكن كما كانوا يتخيلونها تماماً. فقد اكتشفوا أن الأيونات بعد التصادم تتراكب بشكل تام تقريباً، مشكّلة منطقة تغطية أشبه باللوزة. فالجسيمات تفلت من مناطق الضغط الأكثر ارتفاعاً وتتبع بعد ذلك معاً مسارات خاصة جداً. تسمى هذه الظاهرة الجماعية بـ "دفق الجسيمات"، بما أنها تشبه حركة سائل ما.
لكن التشابه يتوقف هنا. لأنه على عكس السوائل العادية التي تخفي فيها الحركة الجماعية حركات عشوائية لكل جزيء، فإن الجسيمات المتشكلة عند التصاد تتبع في مجموعات حركات مرتبة ومنظمة. ويذكّر هذا السلوك قليلاً بحركة أرتال أو صفوف الأسماك التي تستجيب أو تتحرك كأنها بنية أو سمكة واحدة عندما يطرأ تغيّر ما في محيط حركتها. وهنا أيضاً يتوقف تشبيهنا عند هذه النقطة. ذلك إنه في حالة بلازما الكواركات والغليونات تكون الجسيمات مختلفة عن بعضها بعضاً. فهي يمكن أن تكون مؤلفة من الكواركات أو من مكافئاتها من المادة المضادة، وأن تكون كتلها مختلفة وأن تكون مؤلفة من كواركات مختلفة بطبيعتها.

سائل شبه كامل
لكي نفهم أصل هذه الظاهرة، فكر الفيزيائيون بتقسيم معدل دفق الجسيمات على عدد الكواركات التي تشكل كلاً من هذه الجسيمات: وكان المعدل دائماً هو نفسه مهما كان الجسيم المعتبر. واستنتج العلماء من ذلك أن التفاعلات بين الكواركات هي التي تنتج الدفقات بشكل رئيسي. وتقلب هذه النتيجة توقعات النظريين طالما أنه، وفقاً للتعريف الذي أسس عليه البحث عن البلازما، كانت الكواركات والغليونات حرة من أي تفاعل. ففي الحالة التي يفترض أن تكون هذه الكواركات حرة فيها لا نجدها حرة تماماً، ولهذا فإن الفيزيائيين يحفظون اليوم تسمية بلازما الكواركات والغليونات تجاوزاً وبسبب العادة. وثمة اكتشاف مهم ثان هو أن البلازما عبارة عن سائل شبه كامل. ويمكن وصف سلوكه فعلياً بالمعادلات التي تصف الغازات والسوائل ذات اللزوجة الضعيفة جداً وذات القدرة على الوصول بشكل سريع جداً إلى توازن حراري. وقد أعلن سام أرونسون Sam Aronson نائب مدير مختبر بروكهافن في تصريح لإعلان مجمل هذه النتائج: "إن اللزوجة الفائقة الضعف لهذا السائل تجعل منه السائل الأكثر كمالاً الذي أمكن ملاحظته يوماً."
وبفضل التقنيات التي تم تطبيقها في RHIC لتحديد دفق المادة، فقد أمكن التحقق من القياسات التي أنجزت في مركز البحوث النووية الأوروبي CERN في التسعينات من القرن الماضي وفق معايير جديدة. وهي تبيّن أن الجسيمات تتبع أيضاً مسارات منظمة مع وجود سرعات أقل من تلك التي في RHIC. لكن الاختلاف الأساسي هو أن مفهوم السائل أو التوازن الحراري لا يمكن ربطهما بمادة الـ CERN. وفي الحقيقة، فإن النماذج التي تصف ديناميكية السوائل غير قادرة على أخذ هذه القياسات بعين الاعتبار إلا إذا وضعت قيم لها ليس لها أي معنى فيزيائي. وهكذا فإن الـ RHIC وحده يقدم طاقة كافية لتشكل هذا السائل شبه الكامل.
وحتى بالنسبة لفيزيائي، فإنه من الصعب تصور ضخامة الكثافة التي يمكن الوصول إليها عند تصادم الإيونات الثقيلة. وقد لوحظت إحدى هذه النتائج في الـ RHIC: وهي تتمثل بنتاج متراجع جداً من مقذوفات الجسيمات ذات الطاقة العالية جداً المشكلة لحظة أكثر التصادمات عنفاً. وقد رأينا أن الكواركات تتفاعل عند تصادم الأيونات الثقيلة، وخاصة الكواركات العالية الطاقة. وتفلت هذه الكواركات من البلازما، لكنها تترافق بسيل من الجسيمات تكون هي أيضاً عالية الطاقة. ولهذا يجب أن تحصل إنتاجات كبيرة من مقذوفات الجسيمات العالية الطاقة في التصادمات العنيفة جداً. لكن ما تم رصده هو على العكس نقص في عدد هذه الانقذافات.
منذ اكتشاف ظاهرة نقص الانقذافات والجدل دائر حول تفسيرها، ولا يزال العلماء في بدايات فهمها. وكان ثمة تفسير قد طرح منذ عام 1982 على يد الفيزيائي النظري الأمريكي جيمس بيوركن James Bjorken. فللإفلات من الطوق النووي الهائل كما يرى هذا العالم تجتاز انقذافات الجسيمات المتولدة عن تصادم الإيونات الثقيلة "البلازما"، وبما أن هذه الأخيرة تكون كثيفة جداً فإن هذه الانقذافات تترك جزءاً من طاقتها فيها. وتكون نتيجة هذه الخسارة بالطاقة نقصاً في إنتاج هذه الانقذافات في الطاقات العالية جداً، والتي تكون أكبر كلما كانت كثافة الوسط أكبر. وعندما تكون الكثافة منخفضة بدرجة كافية بحيث لا تخلخل إصدار الجسيمات، فإن إنتاج الجسيمات العالية الطاقة لا يكبح، وهو الأمر الذي تمت ملاحظته في الـ RHIC عند تصادم نوى الذهب والنوى الأخف والأقل طاقة.
وثمة تفسير متمم هو تفسير الفيزياء المسماة فيزياء الإشباع. وكان قد طور هذه الفيزياء كل من لاري مكلاران Larry McLerran وديمتري خرزيف Dimitri Kharzeev، وهما فيزيائيان نظريان من مختبر بروكهافن، وتعود نظريتهما إلى أقل من عشر سنوات، وتقول بوجود حالة خاصة من المادة تسمى "تكاثف الزجاج الملون". ويمكن لأي جسيم أن يؤدي إلى تشكل مثل هذه المادة، شرط أن تخضع لطاقات حدية فائقة. ويتعلق الأمر بـ "كثافة" لأن هذا الوضع سيكون عبارة عن توضع متراكم كثيف جداً للغليونات. وهي "ملونة" نسبة إلى خاصية كوانتية للغليونات تسمى "الشحنة اللونية". وأخيراً فإن المادة زجاجية لأن خصائصها تذكّر بخصائص هذه المادة التي يمكن القول عنها بطريقة من الطرق إنها "صلبة" أو "متخثرة". وفي الواقع فإن حركة الغليونات في عملية التكاثف تكون كما لو أنها "مجمدة" بسبب تمدد الزمن المستند للسرعة العالية جداً للتصادمات.

طاقة الغليونات
يقدر كل من خرزيف ومكلران إنه تم في الـ RHIC، مباشرة بعد تصادم الإيونات، خلق تكاثف الزجاج الملون: وهو يتألف من عدد كبير من الغليونات، وتبلغ كثافة طاقته مقداراً هائلاً. ولا تظهر أولى الكواركات إلا في مرحلة ثانية، وذلك بفضل صيرورات تحول طاقة الغليونات إلى كواركات. وفي هذه اللحظة إنما تتخذ البلازما شكلها. فتكاثف الزجاج الملون يبني مرحلة سابقة للبلازما، موفراً بذلك الشروط الضرورية لتشكلها: عدد هائل من الغليونات وكثافة مناسبة من الطاقة. ووفق النظريين فإن هذه الشروط ضرورية لكنها غير كافية مع ذلك: فالتكاثف لا يولِّد بلازما إذا لم تكن الكثافة كبيرة جداً بمقدار كاف.
إن علاقة ذلك مع منع الانقذافات تكمن في ظاهرة الإشباع الذي هو أصيل في طبيعة التكاثف الفيزيائية. إن الغليونات التي تكون في البداية كثيرة جداً تتفاعل فيما بينها، لكنها تصبح كثيرة إلى حد أن عددها لا يتزايد بعد مضي فترة معينة. غير إنه من المفترض أن تتحول الغليونات إلى كواركات، وعلى هذه الأخيرة لكي تتحرر من البلازما أن تتحول إلى انقذافات من الجسيمات. بالنتيجة، إذا وصل إنتاج الغليونات إلى حد الإشباع، فإن الكواركات تتشكل في كميات أقل، وبالتالي يتراجع عدد الانقذافات أيضاً. ذلك هو في إطار فيزياء الإشباع أصل منع أو تناقص الانقذافات، الذي يحصل في آن واحد في تكاثف الزجاج الملون وفي بلازما الكواركات والغليونات.

فيزياء الإشباع
لقد نصح النظريون العلماء التطبيقيين والتجريبيين في الـ RHIC لكي يقوموا بتحديد براهين على وجود التكاثف. وهم يفسرون ذلك بأنه لا بد من مراقبة إنتاج انقذافات الطاقات العالية، إنما ليس في التصادمات الأكثر عنفاً، لأن كثافة البلازما تكون من الكبر بحيث تسود على أية صيرورة أخرى وخاصة ظهور التكاثف. بالمقابل، في تصادمات أقل عنفاً تكون ظاهرة البلازما مقلصة بل وحتى غير موجودة، ويمكن بالتالي عندها رصد ورؤية ظاهرة منع أو فقدان الانقذافات. وهكذا فقد ركز التجريبيون أعمالهم على تصادمات ذات شدة معتدلة. وقد رأوا فعلاً ظاهرة الفقدان بشكل متوافق مع تنبؤات فيزياء الإشباع: وهي ظاهرة لها حظوظ كبيرة بأن تكون نتيجة لوجود التكاثف، طالما أن الظروف لم تكن مجتمعة لتخليق البلازما.
إن فيزياء الإشباع لا تزال في بداياتها، لكن العلماء يطبقون منذ الآن مفهوم التكاثف على فيزياء الكون البدئي الذي بدأنا لتونا نعتاد على أنه كان كوناً سائلاً. وفي الواقع، فقد تنبأت فيزياء الإشباع هذه بشكل صحيح بفقدان أو منع الانقذافات، كما وبظاهرات أخرى مثل عدد الجسيمات الناجم عن التصادم. مع ذلك، لا يزال من الصعب على المستوى الكوزمولوجي تحديد وفهم تضمينات تجارب تصادم الإيونات الثقيلة، لأن النماذج المتعلقة بتشكل الكون والبلازما والتكاثف لا تصف ولا تتنبأ تماماً بالأمور نفسها. ويقع على كاهل النظريين اليوم قبول هذا التحدي الجديد محاولين وضع نموذج أشمل للكون البدئي.
إن ما يمكن أن نؤكده اليوم وفق الأبحاث والتصريحات التي يدلي بها العلماء هو أنه أن كانت التجارب المقبلة ستؤكد وجود تكاثف الزجاج الملون، فإن النتائج سوف تكون هامة جداً بالنسبة لفيزياء الجسيمات الدقيقة. ولما كان هذا التكاثف يوافق شكلاً "عالمياً أو كونياً" للمادة، بشكل مستقل عن الكينونة التي تحتويها، فإن فهمه سوف يسمح بوصف خصائص كافة الجسيمات الخاضعة لطاقات عالية، وبحل مسائل جوهرية مثل تخلق الجسيمات نفسها. بل وفهم أصل كل مادة وكل إشعاع.


المراجع

- (HEAO 1. GSFC. NASA) –
- http://heasarc.gsfc.nasa.gov/docs/he...ons/heao1.html
- http://www.lefigaro.fr/sciences/2010...aboratoire.php
- Le plasma de quarks et de gluons en laboratoire
- Jean-Yves Grossiord (IPNL) - Article paru dans Images de la physique 2002.
- H. Alfvkn, JOURNAL DE PHYSIQUE ColZoque C7, supplkment au no 7, Tome 40, Juillet 1979, page C7- 1; Plasma in laboratory and space.





المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-Nov-2011, 03:19 PM   رقم المشاركة : 236
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

لغز نجم الشعرى اليمانية - المهندس فايز فوق العادة

الشعرى اليمانية نجم أبيض مزرق، يقع على مسافة 8.7 سنة ضوئية عن الشمس، إنه خامس أقرب النجوم إلى الشمس، السنة الضوئية، كما هو معروف، وحدة لقياس المسافات الكونية، إنها المسافة التي يقطعها الضوء في سنة زمنية كاملة مرتحلاً بسرعته المعهودة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، تكافئ السنة الضوئية حوالي عشرة مليون مليون كيلو متر، يساوي قطر الشعرى اليمانية مليونين ونصف المليون من الكيلومترات، بينما يعادل سطوعه الفعلي ثلاثة وعشرين ضعفاً سطوع الشمس.
وُصف النجم من قِبل قدماء اليونان والرومان بأنه أحمر اللون، قارنه هوميروس في الإلياذة بدرع آشيل، بينما أكد البابليون بأنه يشع كالنحاس، بعد ذلك بعدد من القرن وتحديداً في القرن العاشر الميلادي، قام الفلكي العربي عبد الرحمن الصوفي بتوصيف كل الأضواء في القبة السماوية، لكنه لم يذكر أبداً أن الشعرى اليمانية أحمر اللون.
نتطرق هنا إلى أساطير شعب الدوغون في مالي بغرب إفريقيا والتي تعود إلى عدة آلاف من السنوات قبل الميلاد، سجلت الأساطير المذكورة وجود نجم ثقيل يدور حول نجم الشعرى اليمانية الذي يُشار إليه بالحرف A.
إنه وصف دقيق للنجم الذي اكتشفه الفلكيون المعاصرون وأسموه الشعرى اليمانية B، الشعرى اليمانية B هو قزم أبيض، أي نجم انهار انهياراً ثقالياً شديداً وغدت مادته متراصة على نحو فائق وأصبحت كثافته عالية جداً، تضيف أساطير الدوغون أن الشعرى اليمانية B يتحرك في مدار بيضوي حول الشعرى اليمانية A مكملاً دورة واحدة في خمسين سنة أرضية، تؤكد الدراسات المعاصرة هذا الأمر، تذكر أساطير الدوغون أن الشعرى اليمانية B يُنجز دورة حول نفسه في سنة أرضية واحدة، لم يستطع الفلكيون تحديد هذه المدة ويعتقدون أن ما أوردته أساطير الدوغون في هذا السياق صحيحاً، واقع الأمر أن الشعرى اليمانية B هو نجم خافت تستحيل رؤيته بالعين المجردة، رُصد لأول مرة في العام 1862 باستخدام أكبر مرصد فلكي في ذلك الوقت.. تم تصوير الشعرى اليمانية B لأول مرة في العام 1970.
بدأ الفلكيون حديثهم عن الأقزام البيض في العام 1920 وفي العام 1928 طُرح نموذج نظري يفسر الجذب الثقالي الشديد الذي يفرضه القزم الأبيض على جواره.
قبل أن يبلغ النجم طور القزم الأبيض، يمر في مرحلة العملقة الحمراء، إذ يكبر ويتضخم آتياً على كل ما حوله ويتميز إذ ذاك بلونه الأحمر، هل كان الشعرى اليمانية B عملاقاً أحمر عندما وصفه اليونان والرومان بأنه أحمر اللون؟، إن المدة الزمنية الفاصلة بين اليونان والرومان لا تتعدى عدداً من القرون، أما فترة تحول النجم من عملاق أحمر إلى قزم أبيض فلا تقل عن مئة ألف سنة.
تعادل كتلة الشعرى اليمانية B كتلة الشمس، بينما سطوعه جزء من أربعمئة جزء من سطوع الشمس، أما كثافته فهي مليون ضعف كثافة الشمس. أيُعقل أن يكون الشعرى اليمانية B قد أنهى فترة العملقة الحمراء، في فترة قصيرة نسبياً بالمقياس الكوني؟ يناقض ذلك كل ما نعرفه عن عدد كبير من العمالقة الحمر والأقزام البيض التي رصدها وبحثها العلماء بعمق كبير، ماذا وأن العيون قد تطورت بسرعة بدءاً من اليونان والرومان حتى عبد الرحمن الصوفي بما يفسر المفارقة الكبيرة الخاصة برؤية لون مختلف للشعرى اليمانية، لكن ذلك يناقض حقيقة أن هناك اتفاقاً بين اليونان والرومان وعبد الرحمن الصوفي وكل البشر في عصرنا بأن المريخ أحمر اللون.
كما وأن نجم قلب العقرب الذي يبعد 520 سنة ضوئية عن الشمس، هو نجم أحمر اللون بدوره.
كُشف النقاب عن أساطير الدوغون في العام 1931 ولم تكن معروفة قبل ذلك، لم يكن نجم الشعرى اليمانية الموضوع الفلكي الوحيد الذي تضمنته أساطير الدوغون إذ تطرقت الأساطير إلى القمر ووصفته بأنه جاف وميت أشبه بدم جاف ميت كما ثبتت وجود حلقات حول كوكب زحل، أشارت أساطير الدوغون إلى حقيقة دوران الأرض وكواكب أخرى حول الشمس وكذلك دوران الأرض حول نفسها.
نعلم أن النموذج القديم التاريخي الذي ساد عند كل الشعوب حتى قدوم كوبرنيكوس كان قد صوّر الأرض كمركز للكون حيث تدور الشمس والقمر ومختلف الأجسام حولها.
تحدثت أساطير الدوغون عن وجود أربعة أقمار للمشتري.
لعلها الأقمار الرئيسية للمشتري فقد وصل عدد الأقمار التابعة للمشتري حتى الآن إلى 63 قمراً، على الرغم من ذلك يقرر بعض الفلكيين أن أقمار المشتري هي في الأصل أربعة أقمار، أما الأقمار الأخرى فهي توابع عابرة يلتقطها المشتري في أطوار معينة من حركته ثم يعود ويحررها من قبضته في أطوار تالية، إنها مجرد كويكبات تائهة لا تثبت على حال، لقد وسعت أساطير الدوغون امتدادات مجرة درب التبانة إلى تشكيل لولبي متلاطم من النجوم. لابد من أن نذكّر بأن معرفتنا بمجرة درب التبانة والمجرات الأخرى إنما تحققت في مطلع القرن العشرين.
ميزت أساطير الدوغون بين النجوم وبين الكواكب التي تدور حولها، تحدثت تلك الأساطير بشكل واضح عن نجوم في درب التبانة أبعد من الشمس.
عرفت قبائل الدوغون الدورة الدموية واكتشفت أن الغذاء يذهب إلى الدم وأن الهواء يلعب دوراً في إنعاش الجسم، ثابر الفلكيون المعاصرون ولمدة طويلة على رفض أي إمكانية لوجود نجم ثالث يدور حول النجمين الشعرى اليمانية A والشعرى اليمانية B. وإثر التقدم التكنولوجي العاصف في أواخر القرن العشرين، حدثت المفاجأة الكبرى في العام 1995 عندما تم اكتشاف النجم المرفوض ودعي الشعرى اليمانية C. أما أساطير الدوغون فقد تحدثت عن وجوده منذ آلاف السنوات.
نقرأ في أساطير الدوغون عن وجود حضارات كونية مختلفة على كواكب تدور حول نجوم أخرى غير الشمس.
تفيدنا تلك الأساطير بقدوم كائنات كونية من كوكب يدور حول الشعرى اليمانية إلى كوكب الأرض لبناء حضارة جديدة، تصف الأساطير ذلك الكوكب بأنه أرض الأسماك وتشير إلى يوم هبوط تلك الكائنات على الأرض بيوم الأسماك، كما يبدو كانت تلك الكائنات مائية وهبطت المركبة التي أقلتهم شمال شرق بلاد الدوغون وترافق هبوطها بأصوات غريبة، وُصفت المركبة بأنها مركبة صغيرة انفصلت عن مركبة بعيدة كبيرة، تضيف أساطير الدوغون أن الكائنات تحركت نحو الماء بعد هبوطها على الأرض.
يفيدنا علماء الكونيات المعاصرون بوجود حزام للحياة حول كل نجم، تسود في ذلك الحزام شروط مناسبة لبروز الحياة وارتقائها، تغطي تلك الشروط حالات فيزيائية واسعة ضرورية للحياة كدرجات الحرارة وشدة الإضاءة وثبات معدلات دفق الطاقة وسواها.
يمتد حزام الحياة حول الشمس من الحدود القريبة لمدار الأرض حول الشمس وحتى ما قبل تخوم مدار المريخ، أما حزام الحياة حول نجم الشعرى اليمانية A فيتميز بأنه أكبر بكثير من حزام الحياة حول الشمس، نحاول انطلاقاً من هذه الحقيقة إلقاء بعض الأضواء على أساطير الدوغون.
نفترض وجود كوكب يدور حول نجم الشعرى اليمانية A.
يشاهد الشعرى اليمانية B من هذا الكوكب بحجم ظاهري أقل من الحجم الظاهري للشمس في سماء الأرض، يعني أقل من الحجم الظاهري للشمس في سماء الأرض، يعني ذلك إن الكوكب يتعرض لحرارة كبيرة الأمر الذي يجعل بخار الماء المكوِّن لغلافه الجوي، نعلم اليوم أن الهيدروجين هو أكثر العناصر توفراً في الكون والماء أكثر المركبات تواجداً في الكون، لقد اكتُشف الماء في سديم الجبار على بعد 1900 سنة ضوئية عن الشمس.
يعلل ذلك تصورنا عن كوكب غني ببخار الماء يدور حول نجم الشعرى اليمانية A لاشك أن الكائنات المفترضة على الكوكب كائنات مائية من الثدييات تطفو كي تتنفس وربما أن تلك الكائنات تلجأ لتخزين الهواء لفترات شأنها شأن الدلافين والحيتان على كوكب الأرض.
تروي أساطير الدوغون أن الكائنات الزائرة كانت تتنفس من فتحة قرب الترقوة وأنها كانت مكونة من قسمين: قسم أسفل مثل الأسماك وقسم أعلى مثل البشر.
من يدري لعل أسطورة حورية البحر قد انحدرت من محاكاة تاريخية لهيئات تلك الكائنات الزائدة؟!.
إن كوكباً كالكوكب الذي افترضناه لا يواجه انفجاراً سكانياً ذلك أن الكتل المائية تتسع لأعداد كبيرة من الكائنات بعكس اليابسة، يتجاوز عدد الدلافين في محيطات وبحار الأرض ضعف عدد البشر.
لابد هنا من إضافة فرض آخر مفاده أن الكائنات التي تصورناها كانت تتمتع بمقدرة فائقة في الرياضيات، هكذا وعلى الرغم من كونها كائنات مائية تستطيع الحركة على اليابسة فإن المقدرة المذكورة جعلتها تحيط بالكون وتعرفه دونما حاجة لأرصاد تفصيلية، لعل تلك الكائنات قد تعودت الارتحال عبر الفضاء دون أية معاناة من انعدام الجذب الثقالي فدافعة أرخميدس في الماء تخفف كثيراً من آثار الجذب الثقالي للكوكب الذي تعيش عليه الكائنات المتخيلة.
هنا على الأرض يتم تدريب رواد الفضاء على حالة انعدام الوزن في أحواض مائية عميقة للإفادة من دافعة أرخميدس على النحو المذكور، لربما أن توابعهم الصنعية مائية وهي أسهل في تصنيعها وأدائها من التوابع غير المائية، تستخدم الدلافين في بحار ومحيطات الأرض أسنانها كمستقبلات للمعلومات ذلك أنها تطلق وتتلقى الموجات الرادارية، إن صفوفاً كثيرة من الكائنات الحية الأرضية المائية وغير المائية تستخدم الأدوات.
تشير أساطير الدوغون إلى أن أسنان الكائنات الزائرة كانت من طابع خاص.
ومن أساطير الدوغون إلى أساطير السومريين
تحكي تلك الأساطير أنه في السنة الأولى من حكم ألوراس ظهر في الخليج العربي العربي على حدود بابل حيوان اتسم بالحكمة اسمه أونز، اعتاد ذلك الكائن أثناء النهار مناقشة الناس وتعليمهم الأبجدية والفن وكل المعارف الأخرى لكنه لم يكن ليتناول الطعام في ذلك الأوان، لقد نقل إليهم طريقة بناء البيوت وإشادة المعابد وتدبيج القوانين وشرح لهم مبادئ الهندسة كما أفادهم التمييز بين مختلف البذور ودربهم على جني الثمار، باختصار قام بإرشادهم إلى كل ما يهذب السلوك ويحقق إنسانية الإنسان، أما عند المغيب فكان يذهب إلى البحر ليقضي الليل فيه.
ننتقل إلى أساطير قبائل المايا التي بنت حضارة في أميركا الوسطى منذ قرون طويلة تروي أساطير المايا أن الإله "كويتز لكواتل" قد جاء من بلد مجهول من بلاد الشمس المشرقة يرتدي ثياباً بيضاء وقد أطلق لحيته وقد علّم البشر كل العلوم والفنون والتقاليد وخلّف وراءه قوانين في غاية الحكمة. يُقال إن عرانيس الذرة كانت تنمو بوحي منه وتصير في مثل حجم الإنسان وإن القطن يصبح ملوناً تماماً. وعندما أكمل الإله مهمته عاد إلى البحر وكان يبشّر بتعاليمه في طريق تجواله ومن هناك استقل سفينة نقلته إلى نجمة الصبح، أما نجمة الصبح وفق قبائل المايا فهي نجم الشعرى اليمانية.
وفق الأساطير المصرية القديمة النبي هرمس أتى إلى الأرض ليبني المدنية ثم عاد إلى موطنه وراء النجوم.
تفيد أساطير الشيروكي من الهنود الحمر في أميركا أنهم عندما قدموا للمنطقة التي سكنوها اكتشفوا وجود كائنات غريبة نصف مائية عيونها قمرية لا تستطيع الرؤية في النهار.
ننهي هذا البحث بعيداً عن الأساطير، فقد سقط صحن طائر في خليج شاغ في كندا في العام 1967.. لبث الصحن في قاع البحر عدة أيام، ثم تحرك تحت الماء مسافة 250 كيلو متراً، حيث التحق به هناك صحن طائر آخر وغطس إلى جانبه تحت سطح الماء، بعد ساعات طفا الصحنان وحلقا في الجو واختفيا في أجواز الفضاء بعد ذلك.
اعترفت الحكومة الكندية بالحادث وقدمت تقريراً كاملاً عن تفاصيله.

المراجع
1- moore, Patrick: astronomy, facts and feats 1983: Guiness superlatives limited.
2- temple, Robert: the Sirius mystery 1998: st. martin's prees.
3- sagan, carl (editor): communication with extraterrestrial intelligence: 1973: MIT press.
4- abell, george: exploration of the universe 1969: holt, Rinehart Winston.





المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-Dec-2011, 07:06 PM   رقم المشاركة : 237
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

اكتشاف كوكب شبيه بالأرض يدور حول نجم يبعد 600 سنة ضوئية و يوجد على سطحه ماء













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 04:09 PM   رقم المشاركة : 238
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

حياك الله

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 04:10 PM   رقم المشاركة : 239
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

حياك الله

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 04:11 PM   رقم المشاركة : 240
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: في رحاب الجغرافيا .

توحي نظريات التضخم الكوني، والوتر، والثابت الكوني، أن الكون يحتوي
على أشياء أكثر بكثير مما يوجد في الجزء المرئي منه.


قبل أكثر من 400 عام، أُحرق الراهب الدومينيكي جيوردانو برونو(1) على الخازوق لادِّعائه بأقوال هرطقية: أن كوننا غير محدود ويحتوي على عدد لانهائي من العوالم. لكن علماء الكون الذين يجادلون اليوم في موضوع مشابه- هو أن كوننا مجرد كون واحد من أكوان عديدة تشكل "كوناً متعدداً multiverse" أكبر حجماً - يأملون في مصير أفضل، بل وحتى بجائزة نوبل. وهناك إقرار متزايد بين الفيزيائيين والفلكيين أن هذه الفكرة، بقدر ما تبدو غريبة، فقد تكون صحيحة كذلك.
تبرز صورة آتية من علم الكون والأرصاد الفلكية وفيزياء الجسيمات، هي أن الكون يحتوي على الكثير والمزيد مما يمكننا رؤيته. إن الكون ليس مجرد فضاء شاسع، يمتد بعيداً وراء الجزء المرئي منه. فقد يكون مكوناً من مناطق متمايزة كبيرة بصورة رأسية لها ملامح متنوعة ومتعددة الصفات لدرجة كبيرة. ومن أجل جميع الأهداف العملية، فإن هذه العوالم يمكن اعتبارها أكواناً منفصلة ضمن كون متعدد أكبر يضمها جميعاً.
وفيما يوجد مسبقاً أفكار وتصورات عن أكوان متوازية أو متعددة، فإن مقاربة فكرية واعدة تعكس ما يدعوه نيما أركاني- حامد (عالم الفيزياء في جامعة هارفارد) باجتماع وتضافر العناصر والمعلومات التي تدفعنا نحو فكرة الكون المتعدد. تضم هذه المعلومات: القياسات التي تشير إلى أن توسع الكون يتسارع؛ اختبارات تجريبية تعزز سيناريو الكون التضخمي؛ نظريات تضخم أبدي توحي بعدد لانهائي من الانفجارات العظيمة؛ وتطورات حديثة في نظرية الوتر التي تظهر كيف نتصور أكواناً بخصائص وصفات مختلفة تماماً. وبشكل كلي، فإن هذه التطورات تدعم الافتراض القائل إنه، وبحسب أكبر المقاييس، فإن التنوع، وليس التماثل، هو ما يميز كوننا.
إذا تأكد هذا، فإن هذه النظرة ستجبر العلماء على توسعة الثورة الكوبرنيكية، وفقاً لرأي مارتن ريز (من جامعة كامبريدج) الذي يقول: "لقد انتقلنا من التفكير بعوالم مختلفة ضمن كوننا إلى التفكير بأكوان مختلفة تماماً".

أفقٌ بعيدٌ تحت النظر
لنبدأ عند أبسط المستويات، نحن نعرف أن الكون يمتد بعيداً وراء حدود مناظيرنا. في الوقت الحالي، يبعد "أفقنا" نحو 14 بليون سنة ضوئية(2) (في الواقع نحو 40 بليون سنة ضوئية، باعتبار أن المادة التي شاهدناها قد ابتعدت أكثر). وندعو الكرة التي لها نصف القطر هذا بحجم هبل.
أن الراصدين الموجودين على مسافة 100 بليون سنة ضوئية يسكنون في حجم هبل مختلف تماماً عما لدينا هنا، كما يلاحظ ماكس تيغمارك من معهد ماساتشوستس للتقانة(3) (MIT). وحتى الآن، تظهر قياسات إشعاع الخلفية الكونية (CMB)، أن الكون يبدو مسطحاً بدقة تصل إلى درجة 1 بالمائة. ويقول تيغمارك، إذا تبين أن الفضاء منحن، فإن قطر انحنائه هو أكبر بقدر 10 مرات على الأقل من الأفق. وهذا يعني أن كوننا يحوي على الأقل 1000 حجم هبل منفصل.
وبحسب نظرية التضخم، يبقى الكون مسطحاً إلى الأبد. بعبارة أخرى، أن الكون غير محدود، وأن هناك أشياء غريبة يمكن حدوثها في الفضاء غير المحدود. تظهر دراسة قام بها كل من غومي غاريغا (من جامعة برشلونة) وألكساندر فيلينكن (من جامعة تافتس) أن كوناً كهذا سيكون له عدد غير محدود من الأكوان القابلة للرصد أو "المناطق - O". ولكل من مناطق - O المحدودة مكانياً عدد محدود من التواريخ الممكنة. هكذا نرى أن التاريخ يكرر نفسه، مرة بعد أخرى.
ويذكر غاريغا وفيلينكن: "عندما تخطر في ذهنك فكرة أن حادثاً مريعاً ربما حدث، فإنه يمكنك الوثوق إنه قد حدث في بعض مناطق- O. وإذا كنت قد نجوت بصعوبة من حادث ما، فإنك ما كنت لتحظى بمثل هذا الحظ في المناطق الأخرى التي لها التاريخ السابق ذاته".

ويرى فيلينكن أن هذا الأمر محبط لدرجة ما لأنه يفترض أننا لسنا ذوي منزلة خاصة. لكنه يعتبر هذا منطقاً محكماً: إذا كان العدد الكلي من التواريخ الممكنة محدوداً وعدد المناطق غير محدود، فلن يكون هناك من نتيجة أخرى لاستخلاصها. هكذا لن يكون تيغمارك، الذي نال عقداً للتدريس في معهد MIT في العام 2005، حزيناً أو مكتئباً من احتمال عدم نيله عقد التدريس في أكوان أخرى. وما هو أغرب، إنه يؤمن حقاً بمثل هذه الأفكار.
ونراه يقول:"عندما تتجاوز المقاييس البشرية، فيجب توقع حدوث أمور معاكسة للبديهة، وأن ذلك هو تماماً ما رأيناه في القرن الماضي. فإذا انطلقت بسرعة كبيرة جداً، فإن الزمن سوف يتباطأ. وإذا صنعت نجماً هائلاً - فستحصل في نهاية حياته على ثقب أسود. وإذا قمت بتصغير شيء إلى قدر صغير جداً، فسيمكن له أن يوجد في مكانين في أن واحد. أنا أتوقع تماماً أن تكون الطبيعة الحقيقية للواقع غريبة التصور ومعاكسة لشعور البديهة، ومن هنا اعتقادي بهذه الأشياء المجنونة".
وإذا أردت شيئاً مجنوناً حقاً، فتأمل هذه: أن حادثة التضخم، التي هي هنيهة نمو انفجاري بدأت وانتهت قبل أن يصبح كوننا بعمر 10-30 ثانية، لم تنته حقاً بعد. بالطبع هي توقفت في منطقتنا نحن، لتمكن من ولادة الفقاعة الكونية (أو المنطقة - O) التي ندعوها عالمنا. لكن العملية مستمرة في مكان آخر دون مراقبة، لتنتج فقاعات كونية جديدة باستمرار.
إن الديمومة، والتي هي صفة في كل نماذج التضخم تقريباً، تحدث بسبب كون عملية التضخم تقودها مادة غير مستقرة (تدعى بالفراغ الزائف) تتحلل مع الوقت. لكن هذه المادة تتمدد بسرعة هي أكبر حتى من سرعة تحللها، ولذلك فالتوسع ينتصر، والتضخم لا ينتهي أبداً.

أكوان فقاعية
يحدث التضخم الدائم نوعاً من الكون أكثر اختلافاً عن الكرة البسيطة التي تصورناها ذات مرة. بدلاً من ذلك، لنفكر بالجبنة السويسرية. يمثل كل ثقب فيها كوناً فقاعياً، وتمثل الجبنة الفضاء بين الفقاعات، وهي تتوسع بأسرع من سرعة الضوء. ليس بوسع الفقاعات أن تغدو أبعد وأبعد فقط عن بعضها، بل أن فقاعات جديدة تستمر بالتشكل في قطعة الجبن- هي نتيجة انفجارات عظيمة Big Bangs جديدة تظهر بسرعة ضمن سلسلة تفاعل لا تنتهي. إن التضخم الدائم لا ينتج كتلة جبن بالغة الضخامة فقط، بل أيضاً كوناً متعدداً.

كم هي درجة إقناع هذا السيناريو؟
يقول الآن غوث، الذي يعتبر بنحو عام إنه صاحب نظرية التضخم: "دون شك، فالكثير سيدعونه مثالاً كرتونياً (لضعفِهِ)؛ لكنه في رأيي يبدو معقولاً جداً". لقد كانت نظرية التضخم على الدوام ناجحة جداً في تقديم التنبؤات - من قبيل التسطح، والتجانس، وثبات المقاييس- بالنسبة لذلك الجزء الذي يمكن أن نراه من الكون، ويتابع :"إننا يجب أن نأخذ على محمل الجد تنبؤاتها النظرية لأجزاء الكون التي لا يمكننا رؤيتها".
ويضيف تيغمارك، أنهم كعلماء: "لا نقوم بفحص الفكرة العامة للكون المتعدد. إننا ندرس التضخم - النظرية الرياضياتية التي تتنبأ بكون متعدد وجميع أنواع المادة الأخرى". لقد اجتازت نظرية التضخم جميع الاختبارات التجريبية حتى الآن، لكن الفكرة تواجه تحديات أكثر قسوة وأكثر صرامة ستأتي في وقت لاحق من هذا العقد، وما بعده.
ويقول ريز: "ليس لدينا فكرة بعد ما إذا كان هناك كون واحد أو أكثر". ومع ذلك، فقد بدا واثقاً بما يكفي في مؤتمر علمي عقد عام 2003 في جامعة ستانفورد، من وجود الكون المتعدد ليقول إنه يراهن بحياة كلبه على النظرية. وذهب آندريه ليند (من جامعة ستانفورد) أبعد من ذلك، بقوله إنه سيراهن بحياته هو عليها.


عوالم من العوالم
دعونا نفترض أن نظريات التضخم الأبدي وأصحابها - فيلينكن، وليند، وغوث - هم على حق، وأن الأكوان يتم إنتاجها في خط تجميع. ترى، هل تكون هذه الأكوان عصية التمييز، مثل سيارات فورد من الطراز T التي أنتجت قبل 80 عاماً، أم هل هناك بعض الاختلاف؟ يقول فيلينكن: "هذا سؤال يجب أن تواجهه الفيزياء في صميمها". ويقترح فيلينكن أن الإجابة ربما تأتي من فكرة جديدة تدعى بـ"منطقة نظرية الوتر".
تأتي هذه المنطقة - وهي العبارة التي صاغها ليونارد ساسكايند (الفيزيائي في جامعة ستانفورد) - بدرجة كبيرة من حقيقة أن نظرية الوتر تتطلب وجود 9 أو 10 أبعاد مكانية وبعد واحد للزمان، وهو ما يعني أن الأبعاد الستة أو السبعة المكانية الإضافية يجب أن تكون مخفية - منضوية بشكل بنطال (أو كعكة)(4) على سبيل المثال، أو ملتفة بأشكال أكثر تعقيداً.
أن هذا الكم يمكن تحقيقه بعدد تقديري من الطرق يبلغ 10500 طريقة، كل منها تمثل ترتيباً مستقراً للزمكان يدعى بالفراغ. ومع أن نظرية الوتر لها مجموعة تغطيها من القوانين، إلا أن القوانين المحددة التي تحكم كل فراغ - وكذلك فراغ الطاقة، وعدد الأبعاد، وأنواع الجسيمات والقوى - تعتمد على هندسة الأبعاد الإضافية. وفي الواقع، فإن السيناريو يسمح لعدد ضخم من العوالم أو الأكوان التي يمكن تصورها كوديان تتوزع عشوائياً، وتتوضع على ارتفاعات مختلفة قليلاً في انتشار عبر مشهد هائل من الاحتمالات.
إن الأكوان المتعددة التي تقدمها نظرية الأوتار ليس لها علاقة بالتضخم. ومع ذلك، فالفكرتان تكملان بعضهما. ويشرح لنا جوزيف بولتشينسكي (من جامعة كاليفورنيا بولاية سانتا باربارا) أن :"التضخم الدائم يظهر لك كيف تنشئ أكواناً متعددة؛ وتظهر لك المنطقة كيف يمكن لهذه الأكوان أن تحظى بفيزياء مختلفة".
ومع أن هذه الأقوال تعكس صورة متحدة وسعيدة لأصحابها، إلا أننا لا نرى الجميع مبتهجاً بها. ويعتبر بول شتاينهاردت (من جامعة برينستون)، وهو أحد رواد نظرية التضخم، أن مفهوم المنطقة يشكل خطوة للوراء في الفيزياء، ويقول: "لقد أملنا في أن تخبرنا نظرية الوتر كيف يعمل التضخم حقاً. وبدلاً من ذلك، فهي تقول لنا إن الكون، وعلى مستواه الكبير، هو أكثر تعقيداً بكثير مما تخيلناه على الإطلاق، وذلك لحصول التضخم بعدد كبير من الطرائق التي تختلف من منطقة لأخرى".
ويخالفه ساسكايند قائلاً: "ليس من شيء مفاجئ في النظريات التي لها الكثير من الحلول. في أي حالة يوجد فيها الكثير من الحدود المتغيرة، يمكنك توقع عدد كبير من الحلول لها". ومثلما نقبل بنظريات بيولوجية تسمح بوجود ملايين الأنواع الحية المختلفة، فربما علينا القبول بنظريات فيزيائية تسمح بوجود العديد من حالات الفراغ المختلفة.
لقد أمل الفيزيائيون أن تتمكن نظرية الأوتار من تفسير عالمنا بحل واحد، وليس بمجموعة حلول. وقد أيد بولتشينسكي، مع آخرين، هذه النظرة، لكنه الآن يحاول الاحتفاظ بعقل منفتح، ويقول: "إن عملنا هو أن نعرف الطبيعة كما هي، وليس أن نملي عليها كيف تتصرف".
عند هذه المرحلة، سيكون من السابق لأوانه اعتبار نظرية المنطقة أمراً حقيقياً. إن فهمنا لنظرية الوتر ما زال "أولياً" كما يعترف بولتشينسكي. ويقول: "إننا نتعلم، دورياً تقريباً، شيئاً جديداً مدهشاً في فترة وسطية تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات؛ وهذا يبيّن لنا أننا لا نملك الصورة الكاملة. ومع ذلك، فإن الأدلة لصالح نظرية المنطقة تتعاظم، وقد حان الوقت لنبدأ في أخذ الفكرة جدياً".

الطاقة السوداء
إن إحدى أقوى الحجج التي تأتي في صالح منطقة نظرية الوتر تتصل بطاقة الفضاء الفارغ - طاقة الفراغ، أو "الطاقة السوداء". أن التفسير القياسي المعتمد لهذه الطاقة هو أنها تحافظ على قيمة مفردة ثابتة عبر الفضاء - لتكوّن بذلك ما دعاه آينشتاين بالثابت الكوني. والمشكلة هي أن الفيزيائيين لا يعرفون كيف يحسبون الثابت الكوني من مبادئ أولى - هي السمة المميزة لنظرية قوية. إن أبسط الحسابات تقدم لنا قيمة هي أكبر بقدر 10120 مرة من القيم التي تم قياسها - ويشير ساسكايند: "هذا أسوأ اختلاف عرفناه مطلقاً بين نظرية وتجربة".
ربما تأتي الإجابة من جمع منطقة نظرية الأوتار، التي تظهر كيف يمكن للثابت الكوني أن يتنوع، مع "مبدأ الأنتروبية". يفترض الأخير أن الثابت الكوني يمكن أن يكون متحولاً مثلما هو الطقس- شيء ما يمكن أن يتغير من مكان لآخر في الكون، أكثر من كونه ثابتاً حقيقياً في الطبيعة.
وإذا كان مجال واسع من القيم هو شيء ممكن بالنسبة للثابت، فلن يكون مدهشاً أننا نحيا في كون له ثابت كوني صغير، كون يمكن أن يوجد فيه نجوم وكواكب. وبنفس الطريقة، فليس مدهشاً أننا نحيا على كوكب الأرض بدلاً من الزهرة أو بلوتو، حيث سنتعرّض إما للشي أو التجمد.
إن قيمة موجبة كبيرة للثابت الكوني ستنتِج تسارعاً كونياً هائلاً، ولن تتشكل المجرات بذلك أبداً. وبشكل معاكس، فإن قيمة سالبة كبيرة ستتسبّب في انهيار الكون على نفسه فوراً، ولن يوجد أحد ليتأمل في مشكلة الثابت الكوني.
وقد يكون هناك" تفسير سحري" للثابت الكوني- آلية مازال علينا اكتشافها، كما يقول العالم آركاني- حامد. إن البديل هو جدل بيئي يتطلب وجود العديد من البيئات المختلفة. ولحس الحظ، فإن نظرية المنطقة توفر "زيليونات" (أي أعداد لا حصر لها) منها، كما يضيف. ويقول: "بافتراض أن الحل الأنتروبي (المبدأ البشري) هو الشيء الوحيد الذي يعمل في هذه اللحظة، فهذا يقيم معنى للبحث إلى أين تقود هذه الفكرة".
وإلى حد ما، فهي تؤدي إلى مشكلة. فمبدأ الأنتروبية مكروه إلى درجة كبيرة ويثير ردود فعل قوية. ونرى ديفيد غروس (عالم فيزياء في جامعة كاليفورنيا بولاية سانتا باربارا) كارهاً الفكرة، ويدعوها بالـ "فيروس" الذي يصعب التخلص منه. إن قلة من العلماء يظهرون بطولة في مبدأ الأنتروبية، مع أن الكثير منهم سلّم بفكرة أننا قد نكون نراوح مكاناً فيه.


أكوان الفرصة الأخيرة
يعترض تيغمارك على التقليد المتبع في اعتبار حجج مبدأ الأنتروبية "محاولة أخيرة" تجعله يبدو وكأنه لدينا خيار. ويقول أن أية نظرية عليها أن تواجه مفاعيل الانتقاء، بما في ذلك توجهات منحازة تصدر من حقيقة أن الكون الذي نرصده، يجب أن يكون قابلاً للحياة - ويضيف قائلاً: "وتلك هي الحالة سواء كنت تدعوها ’أنتروبية‘ أم لا".
ويوافق جون بيكوك (من جامعة أدنبرة) قائلاً إن مبدأ الأنتروبية هو "ليس انسحاباً من الفيزياء، بل تقدم نحوها". وبمجرد أن يعتبر علماء الكون بشكل جدي احتمال أن طاقة الفراغ يمكن أن تختلف من مكان لآخر- وأن وسائط، أو عوامل، أخرى اعتبرت ثابتة ربما تتباين كذلك - فسيكون عليهم العمل على اكتشاف الآلية المسؤولة عن هذا التنوع. إن هذا يمكن أن يقودنا نحو فيزياء جديدة. ويقول بيكوك: "وفي هذه العملية، ربما نتعلم أشياء عن الكون".
ولكن حتى لو كان المبدأ الأنتروبي صحيحاً، فهل يمكنه حقاً تفسير أيّ شيء؟ وهل يمكن أن يساعدنا في تقديم تنبؤات حقيقية؟
في عام 1987 قدم ستيفن واينبرغ (من جامعة تكساس) بحثاً وظّف فيه تفكيراً استنتاجياً من نمط المبدأ البشري (الأنتروبية) ليتنبأ بقيمة صغيرة، لا تبلغ حدّ الصفر، للثابت الكوني. وقد خلص أنه إذا كان الثابت الكوني يمكنه أن يأخذ مجالاً من القيم، فلربما إنه لن يضبط نفسه على قيمة الصفر تماماً. ويلاحظ بولتشينسكي: "إن القيمة التي نقيسها الآن للثابت الكوني هي ما تنبأ به واينبرغ بدقة. وسيكون أمراً عظيماً إذا لم يكن ذلك بحادثة المرة الواحدة، وأنه ثمة أشياء أخرى يمكننا التنبؤ بها".
ويقول ليند، سيكون صعباً استعمال مبدأ الأنتروبية لتحديد أية عوالم، أو أكوان، هي الأكثر احتمالاً. تكمن الصعوبة في قياس الاحتمالات لمجموعات لانهائية الكبر، ويقول: "يوجد الكثير من الطرائق التي يمكن بها إحصاء اللانهائيات، ونحن لا نعرف أيها المفضل".
ويوافق ساسكايند أنه سيمضي وقتٌ طويل قبل أن نتمكن من استخدام مبدأ الأنتروبية بطريقة تنبؤية، قائلاً: "في الوقت الحالي، إنه يخبرنا عما يجب أن لا نفعل أكثر مما يجب علينا أن نفعل". وعلى سبيل المثال، كما يقول، ربما يجب علينا أن لا نستمر في محاولة تفسير سبب كون الثابت الكوني على ما هو عليه:"عندما يكون التفسير الوحيد الممكن هو إنه في كون ينطوي على عدد كبير من الاحتمالات، فنحن نحيا في تلك البيئة التي تدعم أسباب الحياة".
ثمة الكثير من نسخ مبدأ الأنتروبي التي وثق بصحتها، ولذلك فهي لا تلبي المقاييس العلمية، كما يشير فيلينكن. ويقول، قبل أن يتمكن مبدأ الأنتروبي من أخذنا بعيداً، فإننا سنحتاج بيانات إحصائية تدعم التنبؤات التي يمكن اعتبارها قابلة للاختبار.
ولكن حتى لو نجح ذلك الجهد، فثمة حدود للمدى الذي يمكن أن نصل إليه كما يشير. ويقول: "يبدو الأمر وكأن كل ما يمكننا التنبؤ به هو توزيع الاحتمالية، لنقول، على سبيل المثال، بثقة تبلغ 90% ما هي قيمة متوسط المجال التي يمكن أن يأخذها الثابت الكوني". وإن محاولة حصر التنبؤ بأكثر من ذلك قد يكون مستحيلاً.
وبينما قد يجد البعض هذا شيئاً مخيباً، كما يقول فيلينكن، لو لم يتعلق الأمر بصورة كون متعدد حجج الأنتروبية فلن يكون هناك لدينا من أدوات أو وسائل للتفكير في بنية الكون في ما وراء أفقنا. ويضيف قائلاً إنه يوجد الآن احتمال جديد مشوق قائلاً: "بالقيام بالقياسات والأرصاد في منطقتنا نحن يمكننا اختبار تنبؤاتنا لما يقع وراءها".
*****

مفردات من لغة الكون:

مبدأ الأنتروبية (المبدأ البشري) Anthropic principle:
نحن نرى الكون على ما هو عليه، لأنه لو كان مختلفاً لما وجدنا فيه .. ولما رأيناه.

الثابت الكوني Cosmological constant:
في الأصل، كانت هذه مصطلح رياضي استخدمه آلبرت آينشتاين كي يعطي الزمكان صفة الثبات. وفي وقت أحدث، أخذ معنى الإشارة إلى تسارع التوسع الكوني الذي تسببه الطاقة المعتمة.

الطاقة المعتمة Dark Energy:
طاقة متبقية في الفضاء تسبب تسارع التوسع الكوني. تدعى أحياناً بطاقة الفراغ vacuum energy.

التسطح Flatness:
الكون المسطح (أو المنبسط) هو ذلك الكون الذي يكون فيه الزمكان على الحد الفاصل بين التوسع الدائم والانهيار النهائي.

التضخم Inflation:
هي حادثة التوسع المفاجئ والسريع للكون المرئي التي حصلت في حقبة مبكرة من تاريخ الكون. وهي حادثة تضخم حجم الكون فيها بعامل قدره 1030 أو أكثر في فترة قدرها 10-33 ثانية.

المنطقة - O O- region:
هي الكون المرصود (أو المرئي)، الذي قد يكون مجرد جزء صغير من كون أكبر.

ثبات المقاييس والاتجاهات scale invariance:
ثبات شكل طيف إشعاع الخلفية الكونية وتماثله تقريباً على كافة المقاييس الكونية.

نظرية الوتر String theory:
نظرية تنص على أن الوحدات، أو الكينونات، الأساسية هي ليست جسيمات، بل حلقات، أو عقد، شبه خيطية دقيقة من الطاقة. يتوافق اهتزاز حلقات متخالف مع جسيمات أولية مختلفة. وللأوتار بعد طولي فقط، دون أي بعد آخر.



*****


*المؤلف:


ستيف ناديس Steve Nadis: مؤلف وكاتب علمي لمجلة Astronomy. يسكن في كامبريدج، ماساتشوستس.

*************
هوامش للمترجم:
1- برونو، جيوردانو Bruno, Giordano (1548-1600): فيلسوف وعالم فلك إيطالي، خالف سلطة البابا بتأييده أفكار كوبرنيكس العلمية. أعدم حرقاً.
2- سنة ضوئية light year: المسافة التي يقطعها الضوء في الفراغ، وتساوي 10 تريليون كيلومتر تقريباً (أو 6 تريليون ميل تقريباً).
3- معهد ماساتشوستس للتقانة Massachusetts Institute of Technology (MIT).
4- من قبيل الإشارة إلى أمثلة أشكال هندسية يذكرها العلماء لتمثيل عالم كثير الأبعاد.





المصدر : الباحثون العدد 54 كانون الأول 2011













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الجغرافيا, رحاب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 05:47 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع