 |
|
 |
|
مسلمو سريلانكا .. في مواجهة صَنَمين!
إسلام اون لاين
مصطفى الأزهري 28/5/1427
24/06/2006 |
|
 |
|
 |
يعاني المسلمون في سريلانكا ـ ومنذ فترة بعيدة ـ من صراعات وانتهاكات يتعرضون لها من الهندوس البوذيين، بسبب تمسكهم بالاستقلال وحفاظهم على هويتهم الإسلامية، ورفض المسلمين هناك أن يكونوا ذيلاً للحكومة أو طرفاً مع متمردي التاميل في حربهم ضدها؛ مما يؤكد حرصهم الشديد على الحفاظ على ملامح الشخصية السريلانكية المسلمة واستقلال قضيتهم في مواجهة العدوان الهندوسي الوثني الغاشم عليهم؛ مما جعلهم يدفعون الثمن غالياً من قتل وتشريد وهدم للمساجد ومنازل، وفي هذه السطور نحاول التعرف على محنة المسلمين في سيريلانكا وأبعادها.
بداية تقع سيريلانكا في الجنوب الشرقي من الهند، وتتكون من جزيرة سيلان الواقعة مباشرة في شبه القارة الهندية؛ إذ لا يفصل بينهما سوى مضيق بحري ضيق يُعرف بمضيق بالك، وتبلغ مساحتها (65.610) ألف كم، بما في ذلك جزيرة كاسشاتيفو الصغيرة، والتي ضُمّت إلى سريلانكا في يونيو عام 1974 بعد تخطيط الحدود بينها وبين الهند.
ويبلغ عدد سكان البلاد حوالي (20) مليون نسمة، 75% منهم سيهاليون، (18) منهم تاميل، 8 % مسلمون أغلبهم قبائل عربية وفدت إلى الجزيرة، ويصل عددهم إلى (1.6) مليون مسلم يسكنون المناطق الشمالية والشرقية من الجزيرة، ويشكلون ثالث أكبر عرقية في البلاد، وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من المسلمين تعيش في مناطق التاميل، إلا أنهم يتحدثون بلهجات المناطق التي وفدوا منها، ولم يتأثروا بالثقافة التاميلية.
وقد كانت مناطق المسلمين من أكثر المناطق تضررًا بسبب زلزال تسونامي الذي ضرب بنجلاديش في العام الماضي وخلف بها أكثر من (30) ألف قتيل، أكثر من نصفهم من المسلمين، حيث عانت هذه المناطق تدميرًا كبيرًا خصوصًا مدن برينكو مالي وباتيكالوا وشبه جزيرة جافناوتا ليامنر وبوتالان واهبارى، وتعود جسامة الكارثة إلى ضعف الإمكانيات والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعانيها البلاد، بسبب الحرب الأهلية المشتعلة هناك بين الحكومة ونمور التاميل في شبه جزيرة جافنا، والتي يدفع المسلمون وحدهم الثمن الغالي لها؛ إذ كانت منازل المسلمين ومساجدهم ومدارسهم هدفًا ثابتًا لكل هجمات نمور التاميل، والتي كان آخرها الهجوم الغاشم على أحد المساجد التاريخية بسبب رفض الأقلية المسلمة تأييد الثوار في نزاعهم مع الحكومة.
ابتزاز مسلمي سيريلانكا
وقد تسببت هجمات التاميل في تشريد (100) ألف مسلم من المناطق الشمالية، حولت المسلمين إلى لاجئين في أراضيهم؛ إذ يزعم التاميليون أن المسلمين يتعاونون مع الحكومة السريلانكية على الرغم من حرص المسلمين على النأي بأنفسهم عن هذا الصراع، وقد أبدت جهات عديدة استياءها من دفع المسلمين لفاتورة الصراع، وأدانت تعرضهم لمحاولات ابتزاز من التاميل خصوصًا التجار، ورجال الأعمال وفرض أموال عليهم لتمويل الهجمات ضد الحكومة، ودعت إلى إضراب عام في المنطقة الشمالية في البلاد، إلا أن ذلك لم يخفف من وتيرة هجمات الثوار على أماكن تجمع المسلمين ومساجدهم ومؤسساتهم وزاد من أجواء عدم الثقة بين الطرفين.
ويرجع عدم تأييد المسلمين لانفصال مناطق التاميل إلى مخاوفهم من التهميش السياسي والاقتصادي، الذي سيصيبهم وسيوقعهم بين فكي الكماشة، بين القوميتين الأكثر في البلاد، وسيفقد المسلمين المكاسب السياسية التي حققوها في السنوات الأخيرة، التي كان أبرزها مشاركة حزب مؤتمر مسلمي سريلانكا في الائتلاف الحاكم الذي يتزعمه الرئيس (ماهندار رجاباكسي)، وحصولهم على (14) مقعدًا في البرلمان، وهو ما أثار حنق الثوار التاميل عليهم.
مواجهة النفوذ الصهيوني
ولا تقف النجاحات التي حققها المسلمون عند هذا الحد، حيث يؤدون دورًا مؤثرًا في البلاد ، وقد مكنهم هذا النفوذ السياسي من إغلاق قسم رعاية المصالح الإسرائيلية، والذي كان جزءًا من السفارة الأمريكية خصوصًا بعد افتضاح أمر المساعدات العسكرية والفنية والمالية التي تقدمها الاستخبارات الصهيونية لثوار نمور تاميل إيلام، وهذا ما يفسر الرفض السريلانكي لقبول أي معونات صهيونية عندما ضربت كارثة تسونامي البلاد العام الماضي، ولم يدرك الكثير من العرب أن هذا الموقف يعبر عن مصالح الحكومة الحالية وسعيها لتضييق الحصار على ثوار نمور التاميل، وليس حبًا في دعم المواقف القومية العربية كما ادعى بعضهم.
ورغم تحقيق المسلمين العديد من المكاسب؛ إلا أنهم فشلوا حتى في انتزاع موافقة الحكومة على إعطائهم الحكم الذاتي، ورصد ميزانيات خاصة لإصلاح ما أفسدته مذابح النمور التاميل؛ لدرجة أن هذه الهجمات قد دمرت أكثر من (200) مسجد تاريخي في مناطق المسلمين، وعلاوة على ضرورة إقناع الحكومة بتمويل ميزانيات لمواجهة تداعيات زلزال القرن الذي راح ضحيته (11) ألف مسلم، ودمرت مناطقهم ومزارعهم بالكامل ومشاريع الصيد التي يملكونها، بمليار دولار لتعويض المتضررين عن كارثة العصر، فزلزال تسونامي جعل المسلمين هناك بين مطرقة الزلزال وبين سندان الهجمات الإرهابية لنمور التاميل الذين ذبحوا واغتصبوا وقتلوا آلافًا من المسلمين في السنوات الأخيرة، كان آخرها مذبحة حدثت في أحد المساجد الكبرى في شبه جزيرة جافنا حيث صوب الثوار بنادقهم نحو المصلين المسلمين في صلاة الجمعة، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بإحراق المسجد على من فيه.
الدعم الإسلامي
ويعاني مسلمو سريلانكا من فقدان دعم العالم الإسلامي ومساندته من قبل الحكومات أو المنظمات الإغاثية بعد أن كان لهذه المنظمات الخيرية دور مؤثر في مناطق المسلمين، حيث استغلت هذه المنظمات حالة الدفء السياسي بين الحكومة والمسلمين في إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية ومكاتب تحفيظ القرآن، ودعموا الجامعة التنظيمية كبرى الجامعات الإسلامية في البلاد، وأمدوها بأمهات الكتب، ولكن أحداث 11 سبتمبر 2001 جاءت بما لا يشتهيه الطرفان؛ إذ غادرت هذه المنظمات الأراضي السيريلانكية.
لا تنفي المجازر التي يتعرض لها المسلمون والصعوبات الاقتصادية أنهم اقتنصوا حقوقًا، مثل إنشاء محاكم خاصة بهم وقضاء شرعياً ملتزماً بتعاليم الإسلام، ولهم وجود مكثف في برامج التليفزيون الرسمي والصحف، وصدر قرار جمهوري باعتبار أعيادهم أعياداً رسمية، وتم إنشاء العديد من المؤسسات الإسلامية إلا أن هذه المؤسسات لم تفلح في رفع الوعي الديني الضعيف لمسلمي سريلانكا؛ إذ إن اللغة تؤثر في إجادتهم لقراءة القرآن الكريم والسنة النبوية وجعْل وعيهم وإلمامهم بتعاليم الإسلام ضعيف، ولكن افتتاح فرع للجامعة الإسلامية في سريلانكا قد يعالج هذه المشكلة، ويضع حلولاً جذرية لها.