من المقرر أن تعقد القمة العربية في بغداد خلال آذار "مارس" 2012 بعد أن تأجل انعقادها عام 2011 بسبب ظروف ثورات الربيع العربي، ويبدو أن حكام بغداد يصرون على استضافة القمة في بغداد لتجميل صورة النظام ولحسابات مصلحية، ليس بينها مصلحة الأمة العربية.
آخر قمة عربية عقدت في بغداد خلال شهر مايو "آيار" 1990 قبيل غزو الكويت، وكانت ثاني قمة عربية ببغداد بعد قمة 1978 التي جمدت عضوية مصر بالجامعة العربية بسبب زيارة السادات للقدس المحتلة، ونقلت مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، في حين أن قمة 1990 أعادت مصر للجامعة.
وتريد السلطة الحاكمة في بغداد اليوم أن تستضيف قمة عربية جديدة لأول مرة منذ 22 عاما، وسط أجواء لا تشجع على عقدها حالياً، لأسباب موضوعية من جهة، وعدم عقدها في بغداد لأسباب عديدة، من جهة أخرى.
فمن الناحية الموضوعية، فإن العرب اليوم أبعد ما يكونون عن الاتفاق، والقمم العربية غالباً كانت مخيبة للآمال، والرأي العام، سواء في العراق أم في البلدان العربية، متردد بشأنها وتثور تساؤلات عن جدوى هذه القمة في هذا الوقت، وفي بغداد بالذات. كما أن أكثر من خمس دول عربية حصلت فيها تغييرات الربيع العربي وما زالت أمورها الداخلية لا تسمح لرؤسائها بحضور قمة في هذه الظروف بالذات.
نائب الأمين العام للجامعة العربية أحمد بن حلي الذي زار بغداد على رأس وفد الجامعة العربية، أعلن أن القمة العربية المقبلة ستنعقد في العاصمة العراقية في 29 اذار/ مارس المقبل. وتأتي زيارة الوفد، كما أعلن، لوضع اللمسات الأخيرة على التحضيرات اللوجستية والفنية والإدارية لعقد القمة. بعد إصرار الجامعة العربية والجانب العراقي على عقدها في موعدها، نظرا للظروف التي تمر بها المنطقة العربية، خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي تقتضي انعقاد القمة العربية في موعدها من دون تأجيل.
لكن أسئلة كثيرة تثار حول هذه القمة وجدواها ومدى رغبة القادة العرب في زيارة بغداد ومدى ترحيب العراقيين بهذه الزيارة.!!
العراق ما زال يعيش أوضاعاً أمنية غير مستقرة، بل تصل أحياناً لحد الخطيرة، والدور الإيراني في العراق ليس خافياً ولا مستتراً، وأكدته تصريحات أكثر من مسؤول إيراني آخرهم قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني، وكذلك تصرفات وتصريحات السفير الإيراني في بغداد التي أثارت اشمئزاز قطاعات واسعة من الشعب العراقي لما تحمله من صلف ووقاحة وتدخل في الشأن الداخلي العراقي. ومع ذلك فإن التأثير الإيراني على نظام الحكم الحالي في العراق واضح وجلي.
نوري المالكي يريد انعقاد القمة في بغداد لغايات عديدة، منها محاولة تلميع صورته عربياً، وكذلك لإنقاذ الحليف الإيراني الآخر، بشار الأسد من السقوط، لأن سقوط نظام بشار الأسد يعد كارثة في المقاييس الإيرانية ومن لف مع إيران.
والإيرانيون من جانبهم يريدون عقد القمة في بغداد لأن ذلك يوفر لهم قنوات اتصال مع الأنظمة العربية وهي تقع ضمن مجالهم الحيوي، ولسحب البساط من تحت أقدام الأتراك!!
وعلى الصعيد العراقي، تفتقر بغداد العاصمة إلى بنية تحتية تؤهلها لاستضافة لقاء بهذا المستوى، والناس ما زالت تعاني من تقطع أوصال بغداد، ومن استمرار التفجيرات المجهولة، وأعمال الاغتيال والتهجير، ورداءة الخدمات واضمحلال البنية التحتية للخدمات. كما أن الأمن فيها ما زال قلقا لم يستتب، وما زالت القذائف تسقط على المنطقة الخضراء حيث سيعقد المؤتمر المرتقب.
سياسات حكام بغداد الرعناء قطعت أوصال العلاقات العراقية العربية، وبات العرب ينظرون نظرة الشك إلى حكام بغداد وتصرفاتهم وسياساتهم الممالئة لإيران، وبخاصة موقف حكومة المالكي من نظام بشار الأسد، ووقوفهم بالضد من إرادة الشعب السوري بالتغيير لدواع طائفية معلومة.
كما أن موقف حكومة المالكي من مملكة البحرين وانحيازها إلى أعمال الفتنة الطائفية التي تمارسها جماعات موالية لإيران داخل البحرين، جعلت موقف البحرين ومعها دول مجلس التعاون الخليجي موقف شك وريبة، بل استنكار لمواقف الحاكمين في بغداد، ومعلوم الموقف العدائي الذي يقفه المالكي ضد المملكة العربية السعودية وبشكل صريح وأحيانا مبطن.
الخلاصة، أن العرب لا يريدون عقد القمة الحالية في بغداد، ونوري المالكي غير عابئ بمشاعر أغلبية العرب، وإن قضي الأمر وعقدت فمن المتوقع أن يقبر المالكي الجامعة هذا العام، بالطريقة التي قبر بها الديمقراطية المزعومة في العراق. فالمالكي كشر عن أنيابه في أول يوم خرج فيه الأمريكيون وبدأ يعيد ترتيب العراق بشكل مقلق للجميع، لا للعراقيين فقط. ومن دون اهتمام للرأي العام المحلي والعربي شن حربا على ثلاث زعامات قبيل استضافته القمة، وساند نظام بشار متحديا عواطف معظم الشعب العربي، ودعمه ليس مجرد كلام بل بالمال، والعتاد، ومشتقات النفط، والمساندة الدبلوماسية. وهناك تسريبات عن إرسال مقاتلين شيعة للدفاع عن النظام السوري عبر أراضي العراق، ولا شك أن انعقاد القمة في بغداد استهانة بتضحيات الشعب السوري.
والعراقيون، بالرغم من أن حكومة بغداد تدعي أنها أنفقت 400 مليون دولار لإعادة تأهيل فنادق للقمة الموعودة، وتبليط شوارع وتطوير صالة الشرف بالمطار، لا يعلم إلا الله كيف أنفقت الأموال في بلد يعد الأول في الفساد بشهادة منظمة الشفافية العالمية، العراقيون لا يريدون قمة عربية اليوم على أراضيهم برغم اعتزازهم بعروبتهم وترحيبهم بالأشقاء العرب، لأن حضور الأشقاء يعطي الحكومة الطائفية الحالية عربون البقاء ومشروعية لجرائمها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان.
مرحبا بالزعماء العرب في بغدادهم، بغداد العروبة، ولكن ليس في هذه الظروف، ولا في ظل الاحتلال الإيراني للعراق الذي خلف الاحتلال الأمريكي، فالعراقيون متعطشون للقاء إخوتهم في العروبة، ولكنهم لا يريدون أن تكون القمة العربية صك براءة لنوري المالكي عن جرائمه ضد العراقيين، ومواقفه المخجلة تجاه القضايا العربية. وسيبقى دينا في أعناقنا يوم تعود بغداد كما كانت، لنستقبلكم بالأحضان في بلدكم الثاني، ولكن ليس الآن!!!
ما تم انجازه لا يتناسب ومكانة النجف الاشرف" الفساد الحكومي يؤجّل مشروع النجف عاصمة للثقافة الإسلامية
بغداد - قررت بغداد تأجيل مشروع النجف عاصمة للثقافة الإسلامية، بحسب ما أفاد متحدث باسم نائب رئيس الوزراء لوكالة فرانس برس، وذلك بعدما نأت المراجع الدينية في المدينة عن المشروع بسبب ما رأته انه "فساد مالي واداري".
وقال فيصل عبدالله المتحدث باسم نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني رئيس اللجنة الحكومية المكلفة بمشروع النجف "تم تأجيل مشروع النجف عاصمة للثقافة الإسلامية بناء على رغبة بعض الجهات المعنية".
ورفض عبدالله اعطاء تفاصيل اضافية او تحديد موعد جديد للمشروع الذي كان من المفترض ان تبدا الاحتفالات به في منتصف اذار/مارس المقبل.
من جهته، قال المتحدث باسم المرجع الشيعي بشير النجفي الشيخ علي بشير لفرانس برس ان "للنجف مكانة سامية تحتاج الى جهود مخلصة خالصة من الفساد الاداري والمالي".
واضاف ان هذه الجهود يجب ان تهدف الى "اعطاء النجف حقها وهذا ما لم يتحقق، لذلك رات المرجعية الدينية اما ان يتم تاجيل المشروع لحين استكمال الاستعدادات بالشكل الذي يليق بالنجف الاشرف، او انه لن يتم استقبال الضيوف المشاركة في المشروع من قبل المرجعية الدينية".
وشدد على ان "ما تم انجازه لا يتناسب ومكانة النجف الاشرف ولا يتناسب واهمية المشروع".
بدورها، اكدت مصادر مقربة من المرجعيات الدينية في النجف "150 كلم جنوب بغداد" ان "هذا الامر تم ابلاغه للجنة الخماسية التي شكلها مجلس الوزراء".
واوضحت المصادر ان "من بين اهم الاسباب التي دعت المرجعية الدينية الى اتخاذ هذا الموقف هو وجود فساد مالي كبير بالاضافة الى التلكؤ في انجاز المشاريع المخصصة للمشروع".
ونشر الموقع الرسمي للمشروع بيانا صادرا عن وزارة الثقافة اعلن فيه مدير العلاقات الثقافية في الوزارة عقيل المندلاوي تاجيل المشروع "لشهر او شهر ونصف".
وبرر قرار التأجيل بان "الافتتاح يتزامن مع انعقاد القمة العربية" في العراق والتي من المقرر ان تبدأ اعمالها في 29 آذار/مارس المقبل.
واختار مؤتمر منظمة الثقافة الاسلامية الذي انعقد في اذربيجان عام 2009 النجف عاصمة للثقافة الاسلامية في 2012، وقد رصدت الحكومة العراقية حوالى نصف مليار دولار لهذا المشروع.
وفي ايلول/سبتمبر الماضي، اعلن عدد من المسؤولين المشاركين في فعاليات المشروع انسحابهم منه، وتحدثوا عن تاخير في تنفيذ الخطط المرتبطة بالمشروع، وايضا عن "نظام مالي معقد" يحكم المشروع.
واعلن مجلس محافظة النجف قبل نحو اسبوع انه لا يتحمل مسؤولية فشل المشروع الذي شهد تقلبات وصراعات ادت الى تغيير العديد من المسؤولين، واخرها اعفاء وكيل وزارة الثقافة الاقدم جابر الجابري من رئاسة المشروع وتشكيل لجنة حكومية خماسية برئاسة الشهرستاني.
وكان المتحدث باسم الحكومة العراقية علي الدباغ قال لفرانس برس في مقابلة الاثنين ان "التحضيرات ليست كافية".
وتابع "نحن نواجه صعوبات وعقوبات، ولا ننكر ان هناك مشاكل".
ويذكر ان العراق احتل المرتبة ال175 من بين 182 دولة في مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية للعام 2011.
تميل "المؤسسة" الأمريكية تاريخياً، في سياستها الخارجية في دول من نمط "العراق"، إلى اتباع أسلوبين متناقضين ومتداخلين في نسج العلاقة وترسيخها بين المطالب "التكتيكية" والمصالح "الاستراتيجية":
الأول هو، حصيلة هندستها الوراثية الإمبراطورية، الميل إلى التعاون وتوريط "القوى الإقليمية" للحفاظ على الشأن الداخلي للعراق "نموذجاً". وتصليد سويته السياسية في الإقليم.
الثاني هو، نتاج خبراتها المعقدة في إدارة شؤون الحكم، تفضيلها اللوجيستي في الاعتماد والتعاون مع شخصية مركزية قوية ضمن إطار نخب "غير متجانسة" تحظى دائماً بالرعاية والإسناد، وتمنع دورياً حصول تفككها، ودمجها باستمرار ضمن حالة دقيقة وحرجة من التفاهم "المشترك"، للوصول إلى غرض الاستقرار السياسي والأمني المريب!
من هنا فإن "الأزمة" الأخيرة، وهي مستدامة بكل المعاني، لا تختلف "آلياً" عن سابقاتها، وإنما تستدعي حرصاً وحضوراً أكثر، لا سيما أن إدارة "أوباما" لم ترث فقط تعقيدات الإدارة السابقة، وإنما نهلت من مخزونها الكثير من مفاهيم التعامل السياسي المحلي والإقليمي. ولم يكن مستغرباً أبداً أن تندلع هذه "الأزمة" بمجرد رجوع الوزير الأول من سفرته "الفاصلة" إلى واشنطن ومسارعته إلى شن حملة "منهجية" على الشركاء في "العملية السياسية"، والتصريح مباشرة بأن الوقت أصبح غير مناسب لاستمرار الوضع "السابق"، وأن على "البعض" منهم، وهو يقصد الكل، أن لا "يأخذوا مساحة جديدة بعد الانسحاب الأمريكي ما عجزوا عن أخذه قبل".
بهذا فقد "شخص" الوزير الأول "الرموز"، وطريقة "المعالجة" لا تؤثر أبداً على الهدف المركزي وإنما هي جزء من "اللوحة الضوئية" لتاريخ الصراعات بين "المكونات".
بيد أن عناصر "الكوندومينيوم" من دول الجوار غير العربية، قد سارعت إلى "المساهمة" في إطفاء الحرائق، ومحاولة التأكيد على دورها "الجديد" من خلال "التنصل" المنافق من مسؤولياتها السابقة. ومن الملاحظ أن هذه الدول قد فضحت نياتها "الكاذبة" في تسويق فكرة الحفاظ على "وحدة" العراق عبر الادّعاء بالاصطفاف "السياسي" مع كل "المكونات"، وبدون إثارة الضجة المفتعلة حول طبيعة "الصراع" الأساسية والمصالح "التاريخية" لهذه الدول، بالارتباط مع المصالح "الداخلية للمكونات" وكتلها السياسية.
أما عصب المناورات الجديدة فهو الإصرار على النجاح الإقليمي في مساعدة الإدارة الأمريكية وهي في سباتها "الانتخابي" وكبحها من أن تتدخل بطريقة مواربة تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
ومن الملاحظ هنا أن الموقف الإيراني، وهو الحاسم في الكوندومينيوم، بقي ملتبساً بالنسبة للعديد من القوى السياسية، ماعدا تصريحات "قاسم سليماني" الحادة، حول النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، التي وصفها المالكي بالغبية وعلاوي بالواقعية، والتي أنكرها سفير طهران في بغداد. لكن الموقف "التركي"، وهو ثانوي وضعيف لحد الآن، بدأ يكشر عن أنيابه، فانغمس القادة الترك في إعادة أقوالهم القديمة حول العلاقات التركية- العراقية الخاصة تاريخياً، وصاحب ذلك تهديدات سافرة باتجاه الوزير الأول مع بعض التلميحات "الطوائفية" البغيضة.
وإذا كانت إيران قد ساندت قبل عدة سنوات بعض المشاريع ذات الطابع "التقسيمي"، ومنها "فدرالية الوسط والجنوب" التي كان ينادي بها "المجلس الأعلى" بقيادة عبد العزيز الحكيم، فإنها الآن باتت مقتنعة بأن "التشيع السياسي" حالياً بقيادة "التحالف الوطني" قادر على إنجاز الحكم بإطار "الأغلبية الطوائفية" ومحاولة تحجيم "الأطراف الكردية" جهد الإمكان مع التهميش التكتوني "للتسنن السياسي" وتفكيك تنظيماته اليومية.
أما تركيا فهي تظهر جاهزة لدورها "الجديد" منذ التفاهم الكامل مع الاحتلال الأمريكي خلال تجربة انتخابات عام 2010 النيابية، وتبنيها بالكامل مشروع "السبيكة السنية المطعمة بالعلمانية العلاوية" من خلال قائمة "العراقية"، ومحاولتها الانفراد بتأييد أحد أقطابها، من الموصل، وهو "أسامة النجيفي" رئيس البرلمان الحالي والاستمرار في رعاية هذه الصيغة وتطويرها من أجل ملء الفراغ بعد "الخروج الأمريكي" المزعوم ومواجهة النفوذ "الإيراني" الطاغي والمتنامي.
لكن العناد وضيق الأفق للوزير الأول، وعدم قدرته على التفاهم "حتى" مع أقرانه في "التحالف الشيعي" قد فتح ثغرة "دفرسوار" خطيرة في مسيرة العبور "الشيعي" نحو السلطة.
استثمرت تركيا هذا الخلل إلى حدود لئيمة ومناسبة ومقنعة لدى العديد من أوساط العداء لسياسة الوزير الأول، لا سيما في التربة "الشيعية" الغاضبة عليه، وعلى تصرفاته الفردية المستبدة اليومية، والنهج الإقصائي لبعض العناصر "الثقافية" المعروفة بعلاقاتها الجيدة مع "الحوزة"، بل وإهماله المتعمد لآراء المرجعية، وعدم الاكتراث باقتراحاتها الخاصة نحو إيجاد الحلول السريعة للأزمة المستفحلة في البلاد.
لقد بادرت "تركيا" فوراً إلى دعوة "عمار الحكيم" إلى أنقرة لمناقشته حول جذور الأزمة ومضاعفاتها، وجزمت من خلال صحافتها اليومية على مسؤولية المالكي شخصياً في التراجع عن اتفاقية "أربيل" حول المشاركة في الحكم، وحمّلته مخاطر تفرده السياسي ورفضه المكابر في التعاون الجاد مع بقية "المكونات" الأساسية للعملية السياسية.
وهنا يحق لنا، ومن خلال المصادر "الشيعية" الخاصة، ومنها بعض "الفئات" المنسحبة من حزب "الدعوة" والمختلفة مع مواقف "المالكي" المتشنجة، أن نقرأ أوراق الشاي المهربة، إلى أن تركيا استطاعت خداع "الحكيم" وأن تطرح إمكانية إعادة "تحميل" التحالف "الشيعي" وكتابة علاقات داخلية مرنة، توفر الفرص السانحة للإطاحة بالوزير الأول والسعي الحثيث لأن يكون لـ"الحكيم" دوره المركزي في صناعة "الوزير الأول" البديل.
ومن الواضح أن "التفكيك" التركي لا يستهدف "التحالف الشيعي" بذاته، مؤقتاً، وإنما حاليا خلق أوضاع صالحة لدفع القيادات "الشيعية" الأخرى، ومن داخل "دولة القانون" المالكية، لسحب الثقة عن الوزير الأول والتلويح بكونه المعوق الأساسي لاستمرار "التحالف الشيعي" في حكم البلاد بالشراكة مع "المكونات" الأخرى.
ومن الجلي أيضاً أن الخطوة التركية ليست بعيدة عن واقع "الحال" في صفوف "التحالف الشيعي" وبعض العناصر القيادية البارزة فيه. فقد سجل "عادل عبد المهدي" رأيه علناً في جريدته اليومية "العدالة" بأن المعالجة الناجحة للأزمة لا يمكن تحقيقها إلا بثلاثة "توجهات": القبضة، الرعاية، أو المشاركة.
أما زميله ورئيس التحالف "إبراهيم الجعفري" فقد كان صريحاً بالكلام عن الخلاف الدائر في صفوف التحالف بين رأي "دولة القانون" حول حكومة "الأغلبية السياسية" وبين موقف "الائتلاف الشيعي" الذي يرغب باستمرار حكومة "الشراكة"، وحصراً تحت سقف "الكوندومينيوم" الإقليمي.
و"الجعفري" أيضاً يحبذ الوصول إلى "مقايضة" تركية-إيرانية حول العراق والمنطقة، وذلك بأن تقوم تركيا بالانفكاك عن ملف "الشرق الأوسط"، مقابل أن تتخلى إيران عن الوزير الأول. من هنا فإن الموقف التركي، في حالة إخفاق المقايضة، مرشح نحو التشجيع الكلي "للمكون السني" على المضي قدماً في تشكيل "الأقاليم" للضغط على الوزير الأول من "جهة" ولدفع إيران إلى الغرق كلياً في مستنقع الخلافات "الشيعية" البينية!
ومن خلال سياق هذه الاحتدامات السياسية "الدورية" باستطاعة المرء أن يتوصل إلى استنتاجات حذرة في مناخات التهديدات والتهديدات المضادة، ومنها نهاية "العملية السياسية" أو "إعادة كتابة الدستور" أو حتى السير بمشاريع "الأقلمة" إلى أشواطها البعيدة. فمن خلال الرسالة الأمريكية "الحادة" برفضها شعار حكم "الأغلبية السياسية" تراجعت كتلة "التحالف الوطني" عن دعمها للوزير الأول في خطواته الهجومية وطرحت إمكانية اللجوء إلى "الطاولة المستديرة"، وهي مبادرة عمار الحكيم المتكررة، التي تطورت إلى فكرة "المؤتمر الوطني" العام حيث بات الآن في وضع متراجع، لا سيما أن "دولة القانون" قد اقترحت إعادة تسميته بـ"اللقاء السياسي" العام.
علماً أن هناك فارقاً "فكرياً" بين "الفهم" الأمريكي السياسي الملتبس لحكم "الأغلبية الطوائفي" وبين "الفهم" العراقي الطوائفي المبتذل لحكم "الأغلبية السياسي" الذي توعد به الوزير الأول.
وإذا كانت القائمة "العراقية" قد ردت بمزيج من الهدوء والتشنج على عاصفة الوزير الأول، فإنها وتبعاً لمسيرة حالتها الداخلية المرتبكة فشلت في تحديد "مفصلية" الصراع ولم تدرك أهمية تعبئة "الشارع" في ظل الضغوطات الإقليمية الضارية.
وبدون شك فإن القوى "الكردية" تبدو أكثر "المكونات" سعادة الآن في إعادة تدوير عجلات الصراع لصالح أهدافها في صياغة علاقاتها مع بغداد، وخصوصاً في خلافاتها حول "المناطق المستقطعة"، التي كانت سابقاً متنازعا عليها، وكذلك حول عقودها النفطية ومحاولتها اقتناص الفرص للتلويح بمخاطر الوضع الراهن ورغبتها في عقد مؤتمر عام للمناطق الكردية الأربع في الشرق الأوسط.
وحدها قلوب الناس المعذبة في العراق تمتلك القوة والحسم لإثبات مصداقية هذه "النخب" العجفاء!.
لم ينجلِ غبار انسحاب القوات الأمريكية من العراق بعد، حتى تصاعد غبار التناطح المشع تخندقا بين شركاء العملية السياسية التي استخلفها المحتل الأمريكي لحكم العراق، ليغطي على كل الأغبرة المشعة منها وغير المشعة، والتي يكتظ بها الوضع القائم في العراق، والذي لا يبشر إلا بالمزيد من الأغبرة الهابة على بلاد اجتيحت مصداتها من كل حدب وصوب!
إذا كان لجمهوريتهم المفدرلة دستور يفتخرون به، وعملية سياسية وطنية وديمقراطية كما يدعون، وإذا كان الشعب، كل الشعب، معهم بدليل الملايين التي صوتت لهم كما يدللون، وإذا أقاموا قواعد ثابتة لدولة القانون كما يرددون، وإذا هم مخلصون للشعارات التي يرفعون، إذن على ماذا يتناطحون؟!
إذا كان جميعهم متفقين على إدانة الأعمال الإرهابية التي تريد إشعال حرب طائفية في العراق، والتي تشنها خلايا القاعدة العابرة للحدود بالتناغم مع اختراقات المجندين من أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية الساعية لنفس الهدف، وإن اختلفت المنطلقات، فلماذا يرهب بعضهم بعضا؟
"التحالف الوطني" الذي انحدر للسلطة منه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، يطرح نفسه أمام نفسه وأمام الآخرين كواجهة تمثل شيعة العراق، وهو يسعى لتكتيل الشيعة خلفه برغم اختلافات أطراف التكتل ذاتها على نسب حصصها، والتحالف الكردستاني ممثلا احتكاريا لأكراد العراق، أما تحالف العراقية فتتخندق به الواجهة السنية، برغم أن رئيسها علاوي ليس بسنّي، وبرغم وجود حالة من التطعيم الطائفي التي أعطت تحالفه نوعا من التميز، هذه الاصطفافة الطائفية والعنصرية السائدة، هي بمثابة دستورغير مكتوب للعملية السياسية التي أقامها بريمر، وهي سارية المفعول منذ أيام مجلس الحكم وحتى الآن، على اعتبار أن هؤلاء هم من يمثلون مكونات العراق، وبالنتيجة لا نجد من يمثل المواطن العراقي باعتباره إنسانا ينتمي إلى هذه الأرض المسماة عراق، وله حقوق وعليه واجبات، بمعزل عن أي هوية أخرى.
بسبب من النزعة الاستقلالية المعلنة والمصحوبة بالضمانات الأمريكية فإن التحالف الكردستاني ليس بغريم مباشر للتحالف الوطني أو تحالف العراقية، إلا فيما يخص المناطق المتنازع عليها وحصصه من واردات النفط، ولذلك ليس له تطلع ندي للإمساك بتلابيب الحكم في بغداد.
أما التحالف الوطني والعراقية فهما يتنازعان على حكم بغداد، وبالتالي حكم ما تبقى من العراق السني الشيعي، ويبدو أن تحالف العراقية قد اقتنع بأن أي انتخابات قادمة، وعلى نفس أسس التمثيل المكوناتي السائد، ستعيد إنتاج نفس النتيجة القائمة حاليا وهذا يعني تواصل الحكم من نفس الكتلة المكوناتية المتحولة إلى كتلة برلمانية! مما يعني حكم دائم للتحالف الشيعي وإن اختلفت تسمياته أو اختلفت أسماء رؤساء الوزراء المنحدرين منه- جعفري أو مالكي أو عادل عبد المهدي أو بيان جبر- لذلك راحت أبرز قيادتها تناور باتجاه إضعاف موقع رئيس الوزراء خشية من نجاحه في تكريس النتيجة المتوقعة لأي عملية انتخابية مستقبلية، وبما يعني منطقيا قمع أي محاولة لتغيير هذا المنوال الواقعي والافتراضي أيضا، بالطرق الانتخابية أو بالطرق الانقلابية.
فعندما نرى الهاشمي مؤيدا ومؤججا للمطالبات بإقامة الأقاليم في المحافظات السنية فإنه يحاول محاصرة رئاسة الوزراء طائفيا بطريقة دستورية، ومن نفس المنطلق يفعل النجيفي أو العيساوي، لأن الأقلمة بالنسبة لهم تعني إضعاف المركز لمصلحة الأطراف، بالضبط كما هو حال إقليم كردستان، وهنا فإن هؤلاء لا يثقون أصلا بوجود مؤسسات دولة حقيقية تتمتع بخاصية فصل السلطات وهذا ما يدلل على هشاشة العملية برمتها، فمن يسيطر على رئاسة الوزراء سيسيطر بالتالي على العصب المركزي للحكم في بغداد، وهو بالتالي يسيطر على الجيش والأمن والمخابرات ورويدا رويدا يسيطر على الإعلام وعلى كل المفوضيات التي يفترض بها الاستقلال التام عن الحكومة، كمفوضية الانتخابات والنزاهة، حتى القضاء بحكم ضعفه البنيوي وتسرب ديناميكية المحاصصات إليه فإنه مؤهل للتبعية الانسيابية للسلطة التنفيذية.
ربما يقول قائل بأن لنظام المحاصصة إيجابية وهي توزيعها للمناصب، وبالتالي منعها لانبثاق سلطة شمولية، لكن واقع الحال يقول بأن صاحب الحصة الأكبر يكون قادرا على جعل سلطته شمولية أيضا، وذلك عندما تطغى حصصه وفي كل المفاصل على حصص الآخرين، فحتى لو كان رئيس الأركان كرديا مثلا ووزير الدفاع سنيا، لكن قيادات العمليات، عمليات بغداد والبصرة والموصل، الذين يرتبطون برئيس الوزراء مباشرة والذي هو نفسه القائد العام للقوات المسلحة، فإنها تجعل منهما مجرد موظفين لا دور حقيقيا لهما!
الأزمة التي تعصف بالعملية السياسية القائمة والتي انبثقت بقوة بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق هي أكبر وأعمق من كونها أزمة الهاشمي المتهم بالإرهاب وأزمة المطلك الذي نحاه المالكي من منصبه، أو أزمة علاوي الباحث عن دور بصلاحيات تناصف صلاحيات المالكي، إنها أزمة منطلقات ومقاصد وغايات ووسائل، فالمنطلقات تغيّب المكون الوطني لمصلحة المكون الطائفي والعنصري الذي يجير هو الآخر لمصلحة من يستعين بالأجنبي لتكريس سلطته وإن على إقليم من أقاليم العراق المفدرل إلى إقطاعيات تحاكي زمن ما قبل قيام الدولة الوطنية، وبهذا الخصوص فإن ما عند السفير الأمريكي في بغداد وقاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني ما يملي فراغات المعادلة.
لقد بلغ بهم صلف المحاصصة المكوناتية حد سحب نظام التقاسم على الاحتفال بالمناسبات العامة، فللشيعة حصتهم المتمحورة على رزنامة الإمام علي والحسين وآل بيته "عليهم السلام" وقبلتها كربلاء والنجف، أما السنة فحصتهم تنحصر في رزنامة النبي "صلى الله عليه وسلم"، وتحديدا مولده وهجرته ووفاته، وقبلتها جامع الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان في الأعظمية، وأما حصة الأكراد بالمناسبات المتعاشقة في هوى كل العراقيين فتتجسم باحتكار الاحتفال بعيد النوروز، وكأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليس جدا للحسين! وكأن ربيع النوروز ليس بغداديا ولا بصريا ولا حتى موصليا! هذا الربيع الذي هو "دورة السنة" والذي من أجله كان أجدادنا العراقيون القدامى يوقدون الشموع ويطلقونها مشتعلة على كرب النخيل لتسبح في مياه الفراتين معلنة استبشارها بحلول موسم الخصب والنماء!
ربما يعقدون اتفاقات جديدة بينهم تخفف من حدة التناطح القائم، لكنها لن تكون قادرة على اجتثاثه إلا باجتثاث منطلقات العملية السياسية ذاتها، لقد قال أبناء العراق قولتهم بتلك المنطلقات البائسة ومنذ السنوات الأولى لانبثاقها، قالها عثمان العبيدي على جسر الأئمة، وقالها قيصر الجنابي، وقالها اليوم نزهان الجبوري وعلي السبع، وقالها كاكة حمة، وقالتها قبل هؤلاء جميعا مقاومة شعبنا الباسلة لكل أشكال الاحتلال والتقسيم.
لدعم علم المصريات في العراق حملة مصرية لإحياء مكتبة آشور بانيبال العراقية
القاهرة - أبدت مؤسسات ثقافية مصرية استعدادها لإحياء مشروع مكتبة آشور بانيبال العراقية المتخصصة في علوم الآثار والدراسات المسمارية والتي تنسب إلى آخر الملوك الآشوريين.
وتنسب المكتبة الى آشور بانيبال الذي حكم بين عامي 669 و627 قبل الميلاد تقريبا وكان يعنى بالعلوم والثقافة وأسس مكتبة في مدينة الموصل بشمال البلاد وكانت على هيئة ألواح من الطين المحروق وتضم علوما وأساطير.
وظهرت فكرة تأسيس مكتبة حديثة متخصصة في علوم الآثار والدراسات المسمارية باسم مكتبة آشور بانيبال عام 2001 ولكن المشروع توقف بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003 ثم تجدد المشروع منذ سنتين.
وقال محمد ابراهيم وزير الدولة المصري لشؤون الآثار في بيان إن الوزارة تسهم في حملة مصرية تهدف إلى جمع أكبر عدد من الكتب المصرية وإهدائها للمكتبة "كي يكون لمصر إسهام في هذا المشروع الثقافي والحضاري".
وأضاف عقب لقائه يوم الاثنين بعميد كلية الآثار بجامعة الموصل علي الجبوري أنه سيهدي المكتبة مجموعة من إصدارات الوزارة من الكتب التي تتناول الحضارة المصرية القديمة منذ مرحلة ما قبل الاسرات الفرعونية "نحو 3100 قبل الميلاد" حتى العصر القبطي.
وقال البيان ان الحملة تلقى دعما من مؤسسات مصرية منها دار الكتب والوثائق المصرية والجمعية الجغرافية المصرية والهيئة المصرية العامة للكتاب ومكتبة الاسكندرية التي جمعت لمكتبة آشور بانيبال نحو 2000 كتاب الى الآن.
وقال بيان لمكتبة الاسكندرية ان الجبوري استعرض مع مسؤولين مصريين نتائج الاكتشافات الاثرية عن بقايا المكتبة القديمة وضرورة التعاون المصري العراقي "لدعم علم المصريات في العراق" مضيفا أن هناك متخصصين مصريين في دراسة حضارات العراق القديمة والفنون والاثار الاسلامية في العراق. "رويترز"
من ضمن جملة الحجج التي اتخذها الكثير من مؤيدي الحرب على العراق هي ديكتاتورية النظام السابق، والمقابر الجماعية التي كان للإيرانيين أيام الثمانيات من القرن الماضي نصيب كبير في دفن العراقيين فيها. وجاءت بعدها حرب الكويت أيضًا، ليمارس الأمريكان أبشع الجرائم الإنسانية بحق العراقيين، إذ دفن الكثير من الجنود وهم أحياء تحت الدبابات الأمريكية , وبعد ذلك جاء الغزو الأمريكي ليأتي بالديمقراطية والحرية بشكلها الجديد على موديل القرن الواحد والعشرين ليرتكب الكثير من جرائم الحرب والإبادة الجماعية من خلال أفعاله العسكرية المباشرة أو من خلال تشجيعه للكثير من المليشيات والعصابات لترتكب جرائمها في الداخل العراقي على مرأى ومسمع من القوات الأمريكية، والحجة أن هذا أمر داخلي وحرب أهلية ونزاع طائفي، ولا يخفى على العاقل دور إيران المستمر إلى يومنا هذا في هذه الأحداث. ولذا نجد أنه من بعد الاحتلال الأمريكي إلى يومنا هذا تم اكتشاف أكثر من 426 مقبرة جماعية، ضمت رفات الكثير من العراقيين الأبرياء، إضافة إلى الكثير من المقابر التي لم يتم الكشف عنها لحد الآن , وآخر تلك المقابر التي أطلعتنا عليها الصحف ووسائل الأعلام المختلفة، هي تلك المقبرة التي تم اكتشافها في محافظة ديالى، والقريبة من الحدود الإيرانية، والتي شهدت تصفية جذرية للمكون السني من 2003 ولحد الآن، ولإيران حصة كبيرة من تلك الجرائم والإبادة لأبناء سنة العراق من أبناء هذه المحافظة , فلقد تم اكتشاف 36 مقبرة جماعية في هذه المحافظة فقط، تضم أكثر من 600 جثة، وبالتأكيد ستشهد الأيام القادمة اكتشاف الكثير من تلك المقابر. مدير منظمة حقوق الإنسان في العراق طالب الخزرجي قال: إن الأجهزة الأمنية عثرت منذ عام 2008 وحتى اليوم على 36 مقبرة جماعية منتشرة في مناطق متفرقة من المحافظة"، مبينًا أنه تم فتح بعض تلك المقابر بموجب قرار رسمي صادر من القضاء العراقي. وأضاف الخزرجي أن 32 مقبرة تعود لضحايا "الإرهاب" الذين قتلوا على يد التنظيمات المسلحة خلال فترة التدهور الأمني الذي حدث بين 2006-2008، مشيرًا إلى أن "تلك المقابر تحتوي على 360 جثة، بعضها يعود لنساء وأطفال، ويتركز وجودها في جنوب وشرق بعقوبة". وأكد الخزرجي أنه تم العثور على ثلاث مقابر جماعية أخرى، في مناطق جنوب بهرز (8 كم جنوب بعقوبة)، تضم جثث كثير من أبناء تلك المحافظة، قتلوا بزعم انتمائهم إلى تنظيم القاعدة، كما يدعي الخزرجي، والحقيقة أنهم ما قتلوا إلا لأنهم سنة، وأشار الخزرجي إلى أن "تلك المقابر تحتوي على أكثر من 263 جثة". وأضاف الخزرجي أن الأجهزة الأمنية عثرت أيضًا في منطقة السادة (8 كم شمال شرق بعقوبة) على مقبرة تضم رفات ثلاثة أطفال قتلوا بنيران قوات الاحتلال الأمريكي، موضحًا أن "هذه المقبرة تم فتحها من قبل اللجان المختصة بعد الحصول على الموافقات القضائية". وتوقع الخزرجي "وجود مقابر جماعية أخرى لا تزال مجهولة المكان في الوقت الحاضر"، مبينًا أن "أعمال العنف أسهمت في اختفاء آلاف المدنيين". وكانت وزارة حقوق الإنسان العراقية أعلنت خلال العام الماضي العثور على 400 مقبرة جماعية بعد سقوط النظام السابق عام 2003، لافتة في الوقت نفسه، إلى أنها لن تستطيع فتح أكثر من عشر مقابر في السنة، لكونها بحاجة إلى جهود كبيرة في إخراج الجثث والتعرف على هوية أصحابها. وأعتقد أن علة تصريح وزارة حقوق الإنسان بعدم القدرة على فتح مقابر أكثر هو السعي لعدم إثارة ضغينة الكثير من العراقيين الذين فقدوا أحباءهم وأبناءهم بعد الغزو الأمريكي، وليس لعدم قدرة الوزارة على فتح تلك المقابر. والجدير بالذكر أن أكبر مقبرة جماعية تم اكتشافها بعد الغزو الأمريكي، والتي تعتبر أكبر مقبرة جماعية في تاريخ العراق المعاصر، تضم 4020 جثة، معظمها لنساء وشباب ورجال وشيوخ وأطفال من أبناء قضاء المحمودية وما حولها. وذكر شهود عيان من السكان المحليين أنهم ضحايا اختطاف وذبح الميليشيات الطائفية التابعة للنظام الإيراني من أمثال بدر، وأحد أجنحة حزب الدعوة، وميليشيا جيش المهدي في عامي 2005 و 2006. وأوضحت مصادر قريبة من التحقيق في المقبرة الجماعية أن آمر اللواء 45 من الفرقة السادسة رفض فتح مقبرة جماعية للجثث في جامع الأمين لتضاف إلى مقبرة سابقة اكتشفت قبل ساعات وضمت 114 جثة من شباب مدينة المحمودية. يذكر أن الأحداث الطائفية التي شهدها العراق في الفترة من 2006- 2008 شهدت تصفية جماعية لأبناء المكون السني العراقي، وخاصة في المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد، في خطة مدروسة لإبادة المكون السياسي، تمهيدًا للتغيير الديمغرافي الذي يشهده العراق، وسيطرة المكون الشيعي من أبناء العراق بالتعاون مع القوى الإيرانية على مقدرات الشعب العراقي، وحرمان وتهجير أبناء السنة من العراق. إن قضية المقابر الجماعية في العراق في ظرف عراق اليوم مفتوحة ولن تغلق، لأن عمليات الإبادة مستمرة، خاصة في ضوء سياسة الديكتاتور الجديد الذي يحكم العراق بسياسية الحديد والنار.
هناك مثل عراقي شائع لا مندوحة لنا من أن نستهل به مقالنا، لارتباطه به من حيث المغزى ولاستقاء فوائده والعبرة منه، يقول المثل "لا أرحمك ولا أخلي الله يرحمك". ليس المراد بالمقطع الثاني أن بإمكانية البشر الوقوف موقف التحدي أمام الله، جل جلاله، ورحمته الواسعة؛ ولكن المراد عندما يرحم الله أحد عباده وينزلها عليه يهب عليها أصحاب النفوس الضعيفة كالذئاب الجائعة فينهشونها ويقطعونها إربا إربا ويحولونها إلى عظام هشة. وهذا موقف عدائي على المستوى الشخصي والوطني والدولي، غالبا ما تصحبه ردة فعل عنيفة ربما تدفع الطرف المتضرر لارتكاب فعل غير محسوب العواقب والنتائج. يذكرنا هذا الحال بمبدأ شمشون الفتاك "عليّ وعلى أعدائي". وفي ذاكرتنا طبعت الكثير من الشواهد التأريخية والحاضرة.
شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية حدثين مهمين لهما علاقة بالعراق، وبالتحديد بحرب الخليج الثانية، حيث خرج العراق منهكا من حرب الثماني سنوات بعد أن أجبر آية الله الخميني على شرب كأس السمّ الزعاف الذي لم يمهله سوى سنة واحدة ليودع الحياة بيدين ملوثتين، إحداهما بدماء الإيرانيين، والأخرى بدماء العراقيين؛ وليودع من قبل الأحياء من الشعبين بلعنات بعدد ذرات الرمل لا تعد ولا تحصى.
لا أحد يمكن أن ينكر أن المتمرد على إرادة الله الخميني هو المسؤول الأول والأخير عن إطالة الحرب لمدة ثماني سنوات، برفضه كل الوساطات العربية والدولية والإسلامية لوقفها، في حين وافق العراق على إيقافها منذ الأسبوع الأول من اندلاعها.
- الحدث الأول كان موت الشيخ سعود ناصر الصباح- السفير الكويتي السابق في واشنطن ووزير الإعلام لاحقا، وهو مؤلف مسرحية "الحاضنات" الشهيرة- مات مودعا بدعاء العراقيين بأن لا يحرم الله جل جلاله لا المقبور ولا ابنته من نار جهنم خالدين فيها مخلدين. وكانت ابنته نيرة بطلة مسرحيته- لم يكشف في حينها عن هويتها الشخصية إلا بعد انتهاء كل الفصول وخروج الجمهور من المسرح السياسي- والأسباب معروفة لا تحتاج الى شروح.
قام الأب العقور بدفع ابنته، وهي شبيهة بالوالد خلقة وخلقا، كشاهدة عيان لتسرد مشاهداتها المثيرة على منبر الأمم المتحدة وتبكي أمينها العام وأعضاء مجلس الأمن، وتنتزع دموع التماسيح من عيون الرئس بوش وحاشيته المغفلين. وقد أجادت الصبية دورها التمثيلي على أكمل وجه. رغم أنها كانت في واشنطن، وليس الكويت، لتدعي بأنها رأت الجنود العراقيين يقتلون أطفال الحاضنات!
لم لا؟ فتأريخ عائلة الصبية نيرة أشهر من نار على علم.
الوالد المقبور عرف بكذبه ودجله في فبركة مسألة الحاضنات وغيرها، ويكيفه عارا دنيا وآخرة أن يدفع ابنته للكذب والدجل بلا غيرة ولا حياء. وعمها الشيخ طلال محكوم بالإعدام بجريمة المتاجرة بالمخدرات. وهذ العم العريق النسب عرف بقضية قطعه ذكر المطرب الشعبي المصري أحمد عدوية، الذي لا يزال يطالب عائلة نيرة بملكه المنتزع والمسلوب! فما لعدوية لعدوية ولا يحق لعائلة نيرة الاحتفاظ بعضو أجنبي ضمن ممتلكات العائلة. ولمصر دين في ذمة الكويت، ولا يضيع حق وراءه عدوية!
العم الآخر هو الشيخ جابر وعمله هو الآخر لا يجبر الخواطر. فقد صور الشيخ الخليع زوجته وهو يمارس الجنس معها بفليم فديو! مبينا الرسم البياني لفحولته ومفاتن حرمه بالصورة والصوت. وقد نافس الشيخ بذلك أشهر ممثلي الأفلام الجنسية. كما أن الحرم "المصون" بفنونها وأوضاعها السريرية المختلفة بددت الشكوك عند الجميع بأن الشيخة لا تقل عن المرأة الأوروبية معرفة في فنون الجماع وإثارة غرائز الرجال. علاوة على رغبتها الجامحة بتوثيق وأرشفة تأريخها الجنسي، كي يستفيد الأبناء من دروس فحولة الآباء. لكن والحق يقال فإن الشيخ قد خصص الفيلم للاستخدام البيتي وليس التجاري. رغم أنه لم يحذر استخدامه بعلامة تجارية واضحة كما جرت العادة عند الشركات المنتجة للأفلام. ليحفظ بذلك حقوقه القانونية الثابتة. لقد غفل الشيخ عن ذلك، والقانون لا يحمي المغفلين!
ولأن الشيوخ لا تنام على ضيم كما هو معروف، فقد انتفض الشيخ لكرامته المهانة بعد أن تلطخت صورة حرمه بماء المراهقين الدبق. فمفاتن الشيخة لا تفارق مخيلتهم المتعطشة للجنس. ثأر الشيخ من غريمه الطيار الكويتي الذي استولى على الشريط بعد أن هرب الشيخ للسعودية تاركا خلفه أرشيفه الجنسي بأيادي العابثين. فقد أحرق الشيخ الطيار بالنار مثلما أحرق قلوب الآلاف من المراهقين.
الشيوخ الكويتيون ينفذون عادة العرف المشايخي وليس القانون الكويتي، فهذا يخص الشعب وليس المشايخ. وللمزيد من الفضائح فقد نجى الطيار من حروقه بعد أن أرسلته أمه الإنكليزية إلى لندن حيث عولج منها. ولم تكتف الأم بسلامة ابنها فحسب، بل رفعت دعوى قضائية في المحاكم الإنكليزية ضد الشيخ الثائر وكسبتها. في حين لم يكسب الشيخ من انتقامه سوى أن الفضيحة تحولت من خاصة إلى عامة وعلى كل لسان!
في هذا الوسط الموبوء عاشت نيرة واكتسبت من الوالد والأعمام ثقافتها ومهاراتها الواسعة، فلا عجب مما ادعته من كذب وافتراء. ولو كانت في العراق حكومة لديها ذرة من الشرف والغيرة والكرامة لأقامت دعوى قضائية على الرئيس بوش والممثلة الكويتية نيرة لفبركتهم قضية الحاضنات والتي كانت وراء قرار مجلس الأمن باستخدام القوة ضد العراق.
الطامة الكبرى أن عددا قليلا من أطفال الكويت زعم كذبا بقتلهم قد أثاروا الدنيا ولم يقعدوها! لكن قتل نصف مليون طفل في العراق بسسب الحصار الاقتصادي وصفته الأفعى الأمريكية مادلين أولبرايت بـ"أن الثمن يستأهل"! بالطبع لم ينتزع أطفال العراق دموع الأمين العام للأمم المتحدة ولا الشرعية الدولية ولا الرأي العام الدولي ولا الشعب الامريكي. ما أرخص دماء شعبنا وما أغلى دماء بقية الشعوب!
- الحدث الثاني هو ما جاء عن لسان الأستاذ القدير محمد حسنين هيكل في حديث له لصحيفة الأهرام بحصول حكومة مبارك على هبات بقيمة "100" مليار دولار لدورها المشين ضد شقيقها العراق. من خلال موقف الرئيس مبارك المخزي عندما كبر وأذن في محراب الجامعة العربية للحرب على العراق! توزع المبلغ كالتالي: "30" مليارا إعفاء لديون مستحقة على مصر لصالح دول أوروبا، و"25" مليارا من الكويت، و"10" مليارات من السعودية و"10" مليارات من الإمارات العربية، والباقي من دول أخرى.
لكن أين ذهب مليارات الدور المخزي لمبارك؟ بالطبع ليس للشعب المصري! ونحمد الله أنها لم تكن كذلك. فالشعب المصري يدرك جيدا أن هذه المليارات ملطخة بدماء العراقيين وهي ثمن خيانة شعب شقيق مسلم هو الأقرب لقلوب المصريين. حيث الملايين منهم شربوا من ماء الرافدين وأكلوا من خيرات أرضه وعاشوا مع أشقائهم العراقيين أصعب الظروف.
يذكر هيكل في كتابه الجديد "مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان" بأن سرب الجراد المحيط بالرئيس مبارك هجم على مليارات ضحايا العراق وإلتهمها عن بكرة أبيها، بعد أن تحرر الجراد الرئاسي من ضوابط الدين والأخلاق والضمير!
لقد كان الرئيس مبارك عراب معركة الخليج الثانية، وقد أفصح عن حجم دوره فيها لهيكل بقوله "أنا من كان على اتصال مع الجميع، من أول لحظة لآخر لحظة"؛ يقصد مع الرئيس بوش ومارغريت تاتشر وغيرهما من الملوك والرؤساء.
عندما ظهر كتاب هيكل "أوهام القوة" أثار الدنيا بما تضمنه من معلومات وفضائح. فقد كشف أن القوات الأمريكية حطت في السعودية قبل انعقاد مؤتمر القمة العربية وبعلم وتنسيق مع الرئيس مبارك، إي أن الطبخة معدة للعراق قبل غزو الكويت.
لو وضعنا كل الأفكار والتحليلات السياسية والعسكرية حول غزو الكويت جانبا، وفكرنا فقط بمبلغ الـ"100" مليار دولار الذي منح لحكومة مبارك؛ أليس منح هذا المبلغ الكبير للعراق وهو خارج من حرب طويلة ومثقل بالديون من شأنه أن ينعش اقتصاده، وما كان لغزو الكويت أن يحدث؟
لقد كان العراق صريحا في مؤتمر القمة للجامعة العربية حين أوضح لأشقائه العرب ظروفه الاقتصادية الصعبة وطلب منهم مراعاتها، سواء بإلغاء الديون أو تخفيضها. لكن الجميع رفضوا بلا استثناء لأنهم كانوا مساهمين في المؤامرة عليه!
بدلا من مساعدة العراق في محنته أو الوقوف على خط الحياد على أقل تقدير، تمادى الأشقاء في غييهم حيث أغرقو السوق العالمية بالنفط! فقط لغرض خنق العراق ليس أكثر، وإلا فإن انخفاض سعر النفط بشكل كبير وسريع له مضار خطيرة على اقتصاديات الدول المصدرة حيث تنخفض عوائدها، وهي ذات اقتصاد أحادي الجانب! لكن كما قالت أولبرايت "إن الثمن يستأهل"!.
كانت النتيجة غزو الكويت، وهو ما أشرنا إليه بردة فعل شديدة غير محسوبة. لقد دفع الشعب الكويتي ثمن تهور أمرائه ومشايخه وسياستهم الرعناء. والأولى بهم أن يلوموا قياداتهم التي مهدت لغزو بلدهم قبل أن يلوموا غيرهم ويحملوهم مسؤولية نكبتهم ونكبة الشعب العراقي معا.
لو تنازلت الكويت ودول الخليج عن جزء من ديون العراق، أو قدمت له مساعدة بحجم مساعدة مصر "100" مليار دولار؛ ولو التزمت بأسعار النفط السائدة آنذاك دون إغراق السوق العالمية به، هل كان لغزو الكويت أن يحدث؟ إذن لا تحمّلوا العراق وشعبه عبث وجنون مشايخكم ومؤامراتهم ضد العراق. فهم من أشعل نيران الحرب التي طال لظاها فأحرق آبار النفط الكويتي.
الآن، والآن فقط، أدركت الدول العربية وتحديدا دول الخليج خطأها القاتل في التآمر على العراق وتدميره. فوجود عراق ضعيف وممزق هو سبب انطلاق المارد الإيراني من قمقمه، ليتجاسر ويستهتر بدول الخليج تارة، وبتهديدهم تارة أخرى. ولا أحد يجرؤ على كبح جماحه وغطرسته. فهل كان نظام الملالي ليجرؤ على ذلك في ظل النظام الوطني السابق في العراق؟
لقد فات الأوان على دول الخليج!! فعراق اليوم ليس عراق الأمس ولا يمت له بصلة بتاتا، عراق اليوم هو عراق الضعف والانحلال والتبعية والفساد السياسي، إنه عراق المرضى والمعوقين والعجزة، إنه عراق الأرامل والأيتام، عراق المهجرين في أرض الله، عراق الميليشيات والعصابات، عراق المخدرات والأيدز، عراق المتعة والزينبيات، عراق الأمية والتخلف، عراق الفساد المالي والإداري والاخلاقي، عراق الرشاوي والشهادات المزورة، عراق العملاء والخونة واللصوص، عراق السجون السرية والمخبر السري، عراق السيستاني والخامنئي والصدر والحكيم، عراق المذهبية والعنصرية.. إنه باختصار عراق الجنرال قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني الذي صرح بكل وقاحة بأن النظام الإيراني يسيطر على العراق وجنوب لبنان. ودعم كلامه "حسن سلامي" نائب القائد العام للحرس الثوري بقوله "اليوم يحكم العراق المتدربون في مدرسة الثورة الإيرانية. لقد زرعت أمريكا الشجرة وجنت إيران ثمارها".
لكن هذه ليست الحقيقة الكاملة؛ فالدول العربية "دول الخليج بشكل خاص" هي من حفرت الأرض وسمدتها ورعت البذرة حتى أصبحت شجرة مثمرة وليس أمريكا وحدها.
هذا هو العراق الجديد الذي شارك الحكام العرب بصنعه! لقد كان كبش الفداء لسياساتهم الهوجاء! طبخوه على نار هادئة دون أن يدركوا أن مذاقه مر كالعلقم. لم يعوا لضحالة تفكيرهم بأن إغلاق أبواب العراق والميامين ستشجع الآخرين على فتح أبواب الشياطين.
رحم الله شاعرنا المعري عندما قال "هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد".. إنها لعنة العراق التي ستشع على دول الجوار والمنطقة وليس شعاع الديمقراطية الذي استغفلهم به الرئيس بوش.
بقراءة واقعية لتحولات الأحداث الجارية في الساحة العراقية وخاصة بعد انسحاب قوات الاحتلال يتضح بأن الاستفراد بالسلطة من قبل رئيس الوزراء والحلقة الضيقة المحيطة به من حزبه وأعوانه أصبحت أكبر بكثير من ذي قبل، استناداً إلى حجم ونوعية الإجراءات التي اتخذها الرئيس المالكي في حربه ضد الخصوم السياسيين واستخدامه لأدوات السلطة التي يتمتع بها، الشرعية منها وغير الشرعية، بهدف إقصاء وتهميش كل من في نفسه هدف الوصول للسلطة ومزاحمته في صناعة القرار، أو حتى المشاركة فيه وفق الاستحقاق الانتخابي، بالرغم من أن هذه الإجراءات وفق الميزان السياسي والقانوني تعتبر قفزا على الدستور ومصادرة لحقوق الناخب العراقي وتعطيلا، إن لم نقل إلغاء لمبدأ الاستحقاق الانتخابي وما يترتب عليه قانونا وفق الدستور الذي ساهم السيد المالكي بنفسه في صياغة عدد من بنوده وتمريره داخل البرلمان.
في هذه المرحلة من مراحل الصراع من أجل البقاء والهيمنة على مقاليد الحكم يتضح للعراقيين والعالم بأن الدكتاتورية، ممارسة وسلوكا، داخل السلطة أصبحت أمرا واقعا لا محالة في النظام السياسي الجديد.
"هل شارف الرجل الهرم على نهايته الحتمية؟!"، من معطيات ما يجري أن العملية السياسية قد وصلت مرحلة اللاعودة، ليس من حيث الخلافات والتجاذبات بين أقطابها الرئيسية، هذا الحال قائم منذ بداياتها بين كافة الأطراف، تتأزم العلاقات وتعود لطبيعتها في كل مرة على مدى سنوات وذلك لطبيعة وقواعد اللعبة السياسية التي أوجدها الاحتلال المركب الأمريكي الإيراني ومواصفات أطراف وأركان العملية السياسية، إذ وصف البعض أن ديمومة هذه العملية والاستمرارية فيها لا يتحقق إلا من خلال خلق الأزمات وتعقيدها لاستمرار سيطرة حالة الضعف والانقسام في الخارطة السياسية وانعكاساتها على المجتمع، لتغييب دور الدولة العراقية من ميزان المعادلة الاستراتيجية للمنطقة.
وصلت العملية السياسية مرحلة اللاعودة باتجاه إقامة سلطة دكتاتورية غير عادلة تقودها قلة فاسدة، تحتكم في اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية لمصالح أجنبيه وشخصية ضيقة.
اتضحت المعالم الكبرى للسلطة الدكتاتورية بعد انسحاب قوات الاحتلال وقيام المالكي بحملة تصفيات سياسية للعديد من الساسة، كنائب الرئيس طارق الهاشمي، والمطلك وعدد آخر من قيادات القائمة العراقية.. ولن تقف عند هذا الحد وإنما ستطال شخصيات أخرى من داخل العراقية وخارجها، بأساليب ووسائل متعددة سياسياً وقضائياً وإعلامياً، وحملات أخرى تقوم بها المجاميع الخاصة المدعومة إيرانياً من داخل المؤسسة الحكومية وخارجها بالتصفيات الجسدية لعدد آخر من الشخصيات السياسية، العشائرية، الأكاديمية.. الخ.
إصرار المالكي على استلامه المهام والمسؤوليات الأمنية والعسكرية قبل الانسحاب الأمريكي لم يكن صدفه أو حرصاً منه على التوافقات السياسية، ويفسر الأمر بأن هناك خطة درست بإحكام ودخلت حيز التنفيذ الفعلي بعد انسحاب القوات الأمريكية.
أخذت الشخصية المتسلطة للمالكي أطرا أوسع من السابق، وقد ينجح في إزاحة الكثيرين من خصومه وتحجيمهم سياسيا واستقطاب البعض الآخر لجانبه وإرضاخ الآخرين لسلطته، وتدوم تلك الحالة لمستوى تحدده طبيعة الظروف المتغيرة والتغيرات على الصعيد المحلي والإقليمي.
متطلبات إرادة اللاعبين الرئيسيين الأمريكي والإيراني في الوقت الراهن تعتبر في الغالبية منها عوامل وظروف مُساعدة وخادمة لظاهرة المالكي في السلطة، ومن المؤكد أن هذه الظاهرة ستأخذ حجماً ومجالاً واسعا في الهيمنة وفرض الأمر الواقع بالقوة.
ومؤكد أيضا، وفق الحسابات الاستراتيجية، أن الظروف والعوامل التي ساعدت في إيجاد ظاهرة المالكي بالسلطة لن تكون دائمة أو تبقى طويلا؛ فهي عوامل وظروف مرحلية متغيرة، محددة بعوامل، منها ما هو ظاهر لدى الساسة والمراقبين للشأن السياسي العراقي والإقليمي، ومنها ما هو خفي وغير ظاهر في الوقت الراهن.
سواء انعقدت قمة بغداد العربية أم لم تنعقد، فإن كل المقدمات والمؤشرات والدلائل تؤكد أنها ستكون محطة فاصلة في تعميق الاستقطاب والانقسام العربي الذي استفحل بتداعيات الأزمة السورية.
ومن الواضح أن الأسباب التي سيقت لتأجيل عقد القمة في بغداد عام 2010 ونقل مكان انعقادها آنذاك إلى سرت الليبية، وبخاصة الوضع الأمني غير الملائم في العراق ذاته في ظل قوات الاحتلال الأمريكي وتطورات ما سمي بـ"الربيع العربي" في عدد من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، ثم تأجيل استضافة العاصمة العراقية لها في السنة التالية قبل انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي وترحيلها إلى عام 2012 الجاري بعد هذا الانسحاب، لا تزال هي الأسباب ذاتها، لا بل إن الأزمة السورية قد ضاعفت هذه الأسباب وأضافت إليها.
إن أربعة من دول مجلس التعاون الخليجي العربية، وهي السعودية وقطر والكويت والإمارات، تدفع "80 بالمئة" من إجمالي الميزانية السنوية لجامعة الدول العربية التي تتجاوز المليار دولار أمريكي، وفي الأوضاع العربية الراهنة لم يعد يوجد شك في إنها تمسك بمفتاح تفعيل الجامعة أو شل عملها أو تحريك قرارها في الاتجاه الذي تريده، ويشمل ذلك قرار عقد أو عدم القمة العربية، في بغداد أو في غيرها.
ومشروع القرار المقدم من العربية السعودية المقرر أن تناقشه الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم، الاثنين، "لإنهاء" الأزمة السورية، والقرار الأخير لدول المجلس الست بسحب سفرائها من دمشق وطرد السفراء السوريين من عواصمها، هما مؤشران لا يتركان مجالا للشك في أن لدى هذه الدول قرارا مسبقا غير قابل للتفاوض بشأن الأزمة السورية، وبالتالي فإن وجود أو عدم وجود هذه الأزمة على جدول أعمال قمة بغداد لا ينفي أن هذه الأزمة سوف تكون في رأس جدول أعمال القمة، بل ربما تقرر عقدها أو عدم عقدها، وأن دول مجلس التعاون تفرض مسبقا ولا تتوافق على أي جدول أعمال للقمة، المفترض أن تكون الملتقى الأرفع مستوى للتوافق عل حد أدنى للتضامن العربي، وبذلك يصبح أي تضامن عربي منشود مشروطا بالموافقة المسبقة على جدول الأعمال الخليجي.
ولا شك أن مجلس التعاون الذي طلب عدم انعقاد القمة في بغداد عام 2010 لأسباب عراقية- إيرانية آنذاك يجد اليوم فرصة لمساومة العراق على موقفه من الأزمة السورية مقابل انعقاد قمة عربية في بغداد تشير كل الدلائل إلى تصميم المجلس على تحويلها إلى قمة لعزل سوريا في سياق سعيه المعلن إلى تغيير النظام السياسي فيها.
وهذا الموقف الخليجي يهدد بعزل قطرين عربيين مؤسسين لجامعة الدول العربية، هما العراق وسوريا وليس سوريا فقط، وفي ضوء الأوضاع الراهنة التي تمر بها عدة دول عربية أخرى كمصر وليبيا واليمن تبدو الجامعة على شفا انفراط عقدها، ومن المؤكد أن الاقتراح السعودي بتحويل مجلس التعاون إلى "اتحاد" عربي لن يخلق بديلا للجامعة العربية حتى لو تغلبت دول المجلس على ترددها بشأن ضم الأردن والمغرب إلى المجلس أو إلى الاتحاد المقترح، ومن المؤكد أيضا أن انفراط عقد الجامعة سوف يفسح المجال لظهور منظمات إقليمية بديلة تكون دولة الاحتلال الإسرائيلي عضوا فيها إن لم تكن العضو الوازن فيها.
ومع أن العراق قد أعلن رسميا أن توجيه الدعوة إلى سوريا للمشاركة في القمة في التاسع والعشرين من آذار/ مارس المقبل متروك لقرار جامعة الدول العربية التي علقت عضوية سوريا فيها، فإن هذا الإعلان كما يبدو حتى الآن لم يخفف من الأسباب "العراقية- الإيرانية" التي جعلت العربية السعودية تقاوم الضغوط الأمريكية لفتح سفارتها في بغداد وتطبيع علاقاتها مع العراق منذ الغزو فالاحتلال الأمريكي عام 2003، فهذه الأسباب في حد ذاتها لا تزال قوية لتحفظ السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي الخمس الأخرى على استضافة بغداد للقمة العربية، في معزل عن الموقف العراقي المتصادم مع الموقف السعودي- الخليجي من الأزمة السورية.
وتتضح قوة هذه الأسباب "العراقية- الإيرانية" في استبعاد وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، لحضور البحرين القمة المرتقبة، أو المؤمل عراقيا انعقادها، "في بلد تأتينا منه المشاكل كل يوم"، كما قال. ويبدو تلهف الحكومة العراقية المنبثقة عن الاحتلال الأمريكي في العراق على انعقاد القمة حرصا على منحها شرعية عربية توحي بتعزيز سيادة العراق واستقلاله، خصوصا بعد انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي، أمرا متناقضا مع حضور الكويت لهذه القمة وهي التي ما زالت تحاصر سيادة العراق واستقلاله بوصاية الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة...
في الرابع من الشهر الجاري، كتبت صحيفة "ذى سعودي غازيت" الرسمية باللغة الانكليزية في افتتاحية لها أنه "من المستحيل عقد قمة في بغداد". وحسب البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي سربها موقع ويكيليكس نسب إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز القول إن الولايات المتحدة قدمت العراق إلى إيران "على طبق من ذهب" ووصفه رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي بأنه "إيراني 100 بالمئة" ودعا إلى "قطع رأس الأفعى" في إيران. وهذه التصريحات، إن صدقت، إنما تؤكد فقط السياسات الممارسة فعليا للعربية السعودية وشقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي، وهي سياسات تتمحور حول ترتيب للأولويات الإقليمية يكمن في صلب الاستقطاب والانقسام العربي الراهن، وبخاصة حول الأزمة السورية التي يتحمل المجلس ودوله مسؤولية رئيسية عن استفحال الأسباب الداخلية المشروعة لها حد تعريبها في الظاهر كمخرج عربي محتمل لتدويلها يلتف على تكرار استخدام "الفيتو" المزدوج الروسي- الصيني مرتين لمنع تدويلها عبر مجلس الأمن الدولي. وفي هذا الترتيب للأولويات الإقليمية يكمن الاستقطاب العربي الراهن الذي يهدد بانقسام يطول أمده يعطل أي عمل عربي مشترك في المدى المنظور.
وإذا انعقدت قمة بغداد الشهر المقبل ونجحت دول مجلس التعاون في استصدار قرار منها بالاستمرار في تعليق عضوية سوريا في الجامعة، فإنها ستكون مفارقة تاريخية حقا، تذكر بأن الأولوية العربية في عزل دولة الاحتلال الإسرائيلي التي جعلت الجامعة تعلق عضوية مصر فيها إثر توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد في قمة بغداد عام 1978 قد انقلبت الآن على تلك الأولوية لتمنح الأولوية لعزل إيران وتعلق عضوية سوريا في الجامعة بسبب تحالفها معها في مواجهة دولة الاحتلال الإسرائيلي.
فالاستقطاب العربي الراهن ينقسم بين المجموعة العربية التي تقودها العربية السعودية برأس رمح قطري وتعتبر أن الأولوية العربية يجب أن تمنح لـ"قطع رأس الأفعى" الإيرانية، وبين مجموعة أخرى تقودها سوريا تعتبر أن الأولوية العربية يجب أن تمنح لتحرير الأراضي العربية التي تحتلها دولة الاحتلال الإسرائيلي في سوريا وفلسطين ولبنان، ومن الواضح أن الأولوية الأولى تسالم دولة الاحتلال الإسرائيلي حد التنسيق المعلن أو المستتر معها بحكم الأمر الواقع ضد إيران، وأن الأولوية الثانية تكاد تتحالف مع إيران حتى ضد المجموعة العربية الأخرى، وليس ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي فحسب، طالما لم تجد حلا عادلا سلميا لتحرير أراضيها المحتلة.
إن الصراع العربي- العربي بين الأولويتين كما يبدو يسوغ لمجلس التعاون الخليجي تحويل سوريا إلى ساحة حرب إقليمية ودولية بالوكالة العربية أو المحلية تنطوي على خطر ملموس يتفاقم على الدولة السورية ووحدة أراضيها الإقليمية، ولا يسع المراقب إلا أن يتساءل عما إذا كان هذا الصراع ذاته يسوغ لسوريا أيضا أن تقوم بدور مماثل في أي من دول مجلس التعاون الخليجي!
وإذا كانت المخاوف العربية الخليجية من خطر إيراني هي مخاوف مشروعة في ضوء وراثة إيران الإسلامية للهيمنة الأمريكية في العراق ووراثتها لاحتلال نظام الشاه للجزر العربية الإماراتية في الخليج العربي، ناهيك عن احتمال لم يتأكد حتى الآن من تحول إيران إلى قوة عسكرية نووية، فإن المخاوف الأمنية الإيرانية، وبخاصة السورية، من مخاطر وجود نظام سياسي في بغداد موال للولايات المتحدة، الراعي الاستراتيجي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، هي أيضا مخاوف مشروعة كذلك، والاصطفاف الخليجي إلى جانب الولايات المتحدة إقليميا لن يخفف من المخاطر الإيرانية التي تستشعرها دول الخليج العربية ولا من المخاطر الأمريكية- الإسرائيلية التي تكتوي سوريا بنارها منذ سنين ولا تستشعرها فقط، وهذا الاصطفاف الخليجي يقود المنطقة إلى حافة الحرب، ويوسع فجوة الخلاف العربي- العربي بحيث يتحول الحد الأدنى لأي تضامن عربي ضحية له، واصطفاف العراق الحالي ضد الموقف الخليجي من الأزمة السورية بدافع علاقاته الإيرانية الوثيقة هو دليل دامغ على النتائج العكسية لموقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الأزمة السورية، التي ربما ما كانت لتتحول إلى أزمة محلية وإقليمية ودولية لو كان هذا الموقف مختلفا.
وفي هذا السياق يلفت النظر تصريح للمعارض السوري هيثم مناع قال فيه: "في الخليج توجد حملة ضد الإيرانيين. وهذا قد يعني أن بلدان الخليج سوف تحاول تحويل سوريا إلى ساحة معركة ضد إيران. لكننا نرفض أن نصبح ضحايا لحرب بالوكالة".
لقد حان الوقت لتدخل الحكماء العرب والدوليين لوقف عملية الانتحار العربي الجماعية الجارية هذه، فهي إن استمرت لن تبقي للأمة وشعوبها لا دولا مستبدة ولا ديمقراطية، ولا ملكية ولا جمهورية، وجدير بالحراك الشعبي العربي الذي يجري حرفه عن مساراته المتوقعة المشروعة وزجه في هذا الصراع الذي لا مصلحة له فيه أن يستثمر قوة زخمه لوقف تدمير البيت العربي على كل من فيه، فهذه مهمة تتعلق بوجود الأمة نفسها لا بنوعية أنظمة الحكم في دول تجزئتها.
لقد فوت قطبا الاستقطاب العربي الراهن فرصة تاريخية للبناء على الأرضية المشتركة لاعتبار الاحتلال الأمريكي للعراق "احتلالا أجنبيا غير مشروع" كما صرح العاهل السعودي الملك عبد الله عام 2007، يعزز الاحتلال الآخر الإسرائيلي غير المشروع غربي المشرق العربي، لكن الصراع بين الأولويتين السعودية والسورية فوتت فرصة التضامن العربي على ترتيب موحد للأولويات العربية.
إن تصريح سفير الولايات المتحدة في بغداد، جيمس جيفري، أواخر الشهر الماضي بأن العراق "يظل البلد الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط"!! وهذا وصف أمريكي كان دائما حكرا على دولة الاحتلال الإسرائيلي، يتناقض تماما مع التقويم السعودي للوضع في العراق، هو تصريح يجب أن يذكر كل أطراف الاستقطاب العربي الراهن بأن التحريض الأمريكي على تأليف جبهة أمريكية- إسرائيلية- عربية ضد إيران يظل في صلب الانقسام العربي الذي يتفاقم عشية قمة عربية مقررة قد تنعقد وقد لا تنعقد في بغداد، فأولوية "قطع رأس الأفعى" الإيرانية هي أولوية أمريكية- إسرائيلية قبل أن تكون أولوية لبعض العرب، وتقاطع المصالح الخليجية مع هذه الأولوية ليس مسوغا كافيا لإقناع الرأي العام العربي بتحويله إلى حرب عربية- عربية تستهدف إضعاف إيران عبر سوريا بانتظار حرب أمريكية- إسرائيلية على إيران تشير كل المعطيات إلى أن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي ليستا على استعداد لخوضها في المدى المنظور.
لقد نشرت صحف بريطانية مؤخرا أجزاء من تقرير طبي عن بكتيريا فتاكة جديدة آكلة للحوم البشر تنتقل بالعدوى حيث يزدحم البشر، وهي آخذة في الانتشار، وكون الاسم الذي يطلق على هذه البكتيريا هو "يو اس ايه - 300"، وهذه ذاتها هي الأحرف الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، لافت للنظر، ويذكر العرب بأن جرثومة فتنة سياسية تحمل الاسم ذاته قد استفحل انتشارها بينهم وهي تنخر في أجسامهم حتى العظم حتى تكاد تقضي عليهم إن لم يتداركوا أمرهم قبل فوات الأوان.
إذا تجاوز الصبر الحدود، عاد بمردود يعتبر الموت جودا من الموجود، ينتحرون، يتهتكون، يهربون لعالم مسكون بالمطلقات الطوطمية، يحجبون أنفاسهم عن ملامسة واقع "فاطس" لا يبعث إلا على الغثيان المميت، يتدروشون، يتخدرون، يتفجرون، يترنحون ويتقلبون ويتلوون حتى يجدوا أنفسهم مجترين لدورة الحياة الميتة ذاتها!
تحترق أجسادهم وهي تتنفس هواء منتهي الصلاحية، تتزوهر أكبادهم من بثول ماء وغذاء ودواء لا يصلح إلا لتسميم الزواحف السامة، صارت أجسادهم عوامل تساعد على كل أنواع الاشتعال لما تحمله من وقود إشعاعي، يهاجرون زرافات زرافات، مشيا ولطما وعبثا بالجسد الفاني، وطمعا بحشر ينفلت من عقال هذا الوجود القاتل، يفصلون بين أرواحهم وأجسادهم بغريزة صعود الأرواح إلى رحمة باريها ويدعون أجساهم تلاقي ما تلاقي في عالمهم السفلي هذا!
تتعملق مقبرة السلام في النجف الأشرف، والتي هي أكبر مدفن في العالم المعلوم، ويتقزم أمامها العمران الحي في كل أحياء العراق الغائصة بأجواء الموت، مدينة المدافن تلك أصبحت قبلة للتنفيس، فالاحتباس الحي يدفع باتجاه الهواء الطلق، حيث الراحة الأبدية!
لا يمر يوم أو ساعة دون أن يهرب للموت أو يهرب إليه العشرات من العراقيين، ليس الموت "موت الله " وإنما موت بحيلة "الجني" الذي ركب العراق منذ أن حوصر واحتل وتفصفص!
في السليمانية ودهوك اعتاد الناس هذه الأيام على سماع أخبار النسوة اللواتي ينتحرن بحرق أنفسهن، أما الشباب فبشنق النفس أو بإطلاق الرصاص عليها!
لا تمر جمعة دون حفلات الإعدام، والتي يسجل بعضها في سجل وزارة العدل ولا يسجل أغلبها لأن المنفذ بهم الإعدام معتقلون أو مخطوفون غير مسجلين! فالسجون والمعتقلات السرية هي ساحات للتعذيب حتى الموت، والهرب منها هو الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة حتى لو كان ثمن الهروب هو الموت نفسه، الموت هربا أقل قساوة من الموت تحت التعذيب!
أهل الفاو لا يملكون إلا أن يشربوا من الماء الماج بملوحة الخليج، وأطفال الفلاحين في البصرة والناصرية والمثنى والقادسية لا يملكون إلا أن يلعبوا ببقايا ما دمر من دروع عراقية صهرتها قذائف الأمريكان المشبعة باليورانيوم المنضب!
الحصة التموينية على تدوّدها تنقرض شيئا فشيئا، هذه الحصة الوحيدة التي كان قد خرج بها المواطن لنفسه كمواطن بلا هويات أخرى من بين كل حصص المتغانمين، يراد لها الإعدام بحسب توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الذي تقترض منه حكومة المحاصصات عندما لا تجد في حسابها الجاري نقدا سائلا يسد عطشها الفاسد.
البنك والصندوق الدوليان يمليان شروطهما بديباجة النصح والإرشاد، وليس على الحكومة غير السمع والطاعة، فلا زيادة في سلم الرواتب الخاصة بالموظفين والعمال الذين تصر الحكومة على تسميتهم موظفين، ولا دعم لأسعار المحروقات، ولا إعادة لتأهيل القطاع العام بل الدفع باتجاه خصخصته، كل هذا مع الانفتاح الكامل على سوق الاستثمارات النفطية العالمية وبلا قيود، البنك والصندوق يتدخلان حتى في رسم ملامح الميزانيات الهزيلة للحكومة، من منطلق أن كل واردات العراق النقدية ما زالت خاضعة لوصاية البند السابع وتلك الواردات توضع ببنك تنمية العراق الأمريكي، فالعراق ليس سيدا على وارداته لأن أذونات الصرف تقدم من البنك المركزي العراقي لبنك تنمية العراق هذا!
قررت الحكومة وبعد احتجاجات شعبية واسعة على تدهور الخدمات العامة، والحضيض الذي وصلت إليه نتيجة الهدم والإهدار وانعدام الكفاءة والنزاهة وتفشي الفساد وانتشار حكايات العقود الوهمية والمشاريع الوهمية والوعود الوهمية، أن تنفذ برنامجا انفجاريا لتلبية مطالب المحتجين خلال مئة يوم..
مرت المائة يوم ومرت المئات من الأيام، ولم يتحقق شيء يذكر، سوى النجاح في شنق حركة الاحتجاج ذاتها وحتى الموت!
الصبر لا يجدي نفعا مع من يجعل القبر مفتاحا للتفريج عن كربة الوطن والمواطن، لا يجدي نفعا غير إرسال حكومة المحاصصات الغنائمية وعمليتها السياسية ذاتها إلى القبر الذي لا يزار، لتستعيد الحياة روحها في العراق.
تلتقي تجارب الحكم في مشتركات كثيرة، أهمها قابليتها لإعادة النظر والمراجعة، إلا تجربة الملالي في حكم إيران، من منظور رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، الذي لا يعجز عن المزاوجة، بين الحديث حول الديمقراطية في بلاده، والإشادة بثيوقراطية الولي الفقيه.
يرى المالكي في الثورة التي أكلت أبناءها، وتقمع شعبها، وتحول استقرار دول ومجتمعات ونظم سياسية إلى رهائن، مصدر إلهام للشعوب العربية والإسلامية، وصاحبة فضل على جميع الثورات الشعبية!!
لم يثر انتباهه، وهو يصف ثورة الملالي، في ذكراها الـ34 بالنموذج والقدوة، تظاهرات الإيرانيين ضد تزوير إرادتهم، وانتشار الملايين منهم خارج بلادهم، هربا من نمط الحياة، في ظل حكم لا مثيل له، إلا في كتب الأساطير والنوادر. كما يتجاهل رئيس الحكومة الذي اغتصب السلطة في بلاده، مصادرة النظام الإيراني لإرادة العراقيين، وتباهي المسؤولين الإيرانيين، بإخضاع العراق لنفوذهم.
غياب الحمية الوطنية لدى المالكي، وهو يتغنى بعظمة النظام الإيراني وثورته، لا تترك مجالا للحديث، عن ممارسات نظام الولي الفقيه وأجهزته في لبنان الذي يدفع شعبه يوميا فواتير التوتر وغياب الاستقرار، وفلسطين حيث وضعت العصي في دواليب المصالحة الوطنية، ودول الخليج التي تتعرض لتهديدات وتدخلات يومية، تعزز حالة من القلق وغياب الاستقرار.
ولا يعطي رئيس الحكومة اعتبارا للاصطفافات الدولية المتزايدة ضد ملالي إيران وخطرهم على السلم العالمي. الواضح أن همه الأكبر وهو يتحدث عن الثورة الإيرانية في ذكراها الـ34 كان تجسيد مقولة نائب قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي في أحد المؤتمرات بأن الذين يحكمون العراق الآن تخرجوا من مدرسة الثورة الإيرانية.
فهو يدين ببقائه على رأس الحكومة لتوازنات المحاصصة الطائفية التي يحرص عليها الملالي لكي يبقى العراق حديقة خلفية لإيران، أو ساحة لتصفية الحسابات مع المجتمع الدولي في أحسن الأحوال.
في ضوء الأزمة السياسية والتدهور الأمني يصر المالكي على عقد القمة العربية في العراق نهاية شهر آذار المقبل، على الرغم من أن وضع العراق من جوانب كثيرة غير مؤهل تماما لاستضافة هذه القمة في ظل ظروف سياسية وأمنية عصبية تمر بها الكثير من البلدان العربية، فلماذا إذن هذا الإصرار من جانب المالكي على عقد القمة في العراق؟ الباحث والمحلل السياسي العراق مثنى الطبقجلي قال: مما لاشك فيه أن انعقاد القمة العربية في بغداد هي استحقاق دوري للعراق أكدته القمم العربية السابقة وآخرها قمة قطر، وكان مقدرا لها أن تنعقد في بغداد في آذار من عام 2011، غير أن الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق مع ما رافقها من تصاعد في وتيرة الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية قد ألقى بظلاله على إمكانية انعقادها في بغداد، مما تطلب تأجيلها. أنا لا أنظر إلى مسألة انعقاد القمة على أنها سعي من المالكي لانعقادها في بغداد من زاوية الحصول على الدعم والتأييد المعنوي له فقط في مواجهة الخصوم داخليا وخارجيا، فهو يطمح بقوة إلى أن تنعقد القمة في العراق في مرحلة تتطلب أن يحصل على دعم عربي يضعه بموقع رجل الدولة على حساب كل خصومه، حتى أولئك الموجودين داخل التحالف نفسه من الذين يهيمنون على القرار السياسي في العراق, وهو يأمل بذلك من العرب أن يساعدوه لكي يحل المشاكل القائمة، وتحديدا الاقتصادية منها، وإعادة بناء القوات المسلحة وتجهيزها بالسلاح والمعدات والصنوف، وإخراج العراق من تبعات البند السابع.. ولهذا يبحث رئيس الوزراء العراقي عن معين قوي يعيد التوازن في حرب الأجندات الإقليمية الإيرانية التركية الدائرة على الساحة العراقية، لكي يعود العراق فاعلا إلى محيطه العربي، لأنه -أي المالكي- يدرك تماما أن العراق بات دولة مستضعفة ينخر فيها الفساد المالي والإداري المتخندق مع قوى طائفية سياسية بعينها، والتي تهيمن بدورها على القرار السياسي. وقد أدرك المالكي وهو في مواجهة متغيرات عربية ودولية وصعود حكومات ولدت مع الربيع العربي أن مناصرة سوريا هي سياسة يجب أن يتخذها، شاء أم أبى، تحت ضغط إيراني داعم له في مواجهة القائمة العراقية , لأن سوريا إن سقطت بيد القوى الإسلامية وسقط نظامها العلوي , فإن إيران ستصاب بنكسة قد تضطرها لرفع يدها عن العراق وحزب الله في الجنوب اللبناني , ولأن أوضاع العراق الداخلية الأمنية والاقتصادية أصبحت مكشوفة جراء تسلل المليشيات إلى القوات المسلحة واستفحال الفساد المالي , فسفينة النجاة عنده هي أن يدير دفتها عبر بوابة القمة العربية ببغداد.. ولكن السؤال هو: من سيكون الرئيس للقمة العربية في حال انعقادها ببغداد.. هل يكون هو العربي نوري المالكي أم الكردي رئيس الدولة الطالباني كما يقتضي البرتوكول؟ هذه إحراجات كبيرة ستشعر القادة العرب بالضيق إن ترأسها الرئيس العراقي جلال الطالباني.. وإذا صارت للمالكي فهل سيظفر بعدها ببيعة العرب له في القمة بمنصب الزعيم العراقي إن لم يطرأ ما يعرقلها..؟ وما هي إمكانات نجاح المالكي بالإمساك بعصا الزعامة التي استقتل عليها وقدم في سبيلها الكثير من التنازلات، وخاض لأجلها أعتى التحديات حتى مع شركائه في العملية السياسية؟.. الجواب: أنه طالما أن الأمور قد ازدادت تعقيدا بعدما تورط المالكي أو من ورطه من قيادات حزبه في صراع غير محمود النتائج مع العراقية فإنه ليس أمام المالكي إلا خوض حوارات صعبه تتخللها تنازلات للخروج من هذا المأزق الذي وضع فيه للنيل من خصم لدود هو طارق الهاشمي، بات الكثيرون متأكدين أن ما دبر له كان قضية سياسية استهدف بها، وهي تندرج تحت أسباب غير أخلاقية لا تجيزها علاقات الشراكة والمصير الواحد. وأُسقط في يد الجميع بحثا عن مخرج يحفظ ماء وجه رئيس الحكومة وكرامة نائب الرئيس العراقي الذي هو بالتأكيد لن ينسى ما حدث له.. تداعيات ذلك كله ألقت على الوضع السياسي حاليا أكثر من علامة استفهام تتربع عليه وفي مقدمتها كيفية إعادة اللحمة لحكومته رغم عودة وزراء العراقية إليها..؟ لكن ثمة تساؤل كبير يطرح نفسه بقوة وهو أن من يريد عقد القمة كان عليه على الأقل تهدئة الأوضاع والانتظار وإجراء مصالحة مع السياسيين وإجراء إصلاحات، وعدم تعميق الهوة، وهو ما أدى إلى تدهور الوضع الأمني قبيل انعقاد القمة , وتلك إن استمرت ولم تحل بالمؤتمر الوطني المؤمل انعقاده فإنها ستترك ظلالا قاتمة على إمكانية انعقاد المؤتمر وحتى ترتيب أولويات جدول أعماله. ولكن هل ستكون القمة المقبلة ناجحة ويحضرها عدد مميز من القادة العرب؟ عن ذلك قال الأستاذ مثنى الطبقجلي: بالتأكيد أن الدعوة للقمة في بغداد من المنظور الوطني دعوة لابد منها أن تنعقد بدون تأجيل، ولتكن بمن يحضرها، لأنها قمة ستؤكد على الهوية العربية للعراق الذي تجري محاولات طمسه بكل الوسائل , وستمنح العراق دعما معنويا وماديا هائلا، بغض النظر عمن يكون رئيساً , لأن العراق يبقى كبيرا وأكبر من الجميع، وأن تركه ومحاولة استهدافه وعرقلة انعقاد القمة في بغداد إنما هي محاولات مكشوفة تستهدف تدمير العراق ومرتكزاته الوطنية وتوزيعه أشلاءً على دول الجوار.. وبلا شك أن الأوضاع في العراق الآن تمر بمرحلة حرجة، وأن العودة للمؤتمر الوطني العراقي هي محاولة للخروج من الأزمة، وإن لم يتدارك المالكي الأمر ويعيد الثقة المتبادلة لما يسمى بأركان العملية السياسية فإن ذلك سيمنح الكثير من الدول العربية أسبابها الموجبة لرفض حضورها، ومن هنا جاءت المناورة بالمواقف والحجج وعقد المؤتمر الوطني والمصالحة مع القائمة العراقية كي لا ينفرط العقد الوطني وتتحول الساحة إلى ساحة تصفيات، وهو ما يستدعي أيضا على عجالة أن يصار إلى إعلان أسماء الوزارات المسئولة عن الملف الأمني والدفاعي، وإلا فبأي حال سيأتي القادة العرب إلى بغداد والبلاد تعيش حالة من الفراغ الأمني، ولو استمر الحال على ما هو عليه الآن فإن إمكانية انعقاد القمة ستكون قليلة , وإن انعقدت فلن تكون إلا كإسقاط فرض، وستكون قمة بمن يحضرها، ولن تكون صاحبة قرارات مؤثرة، لكونها قمة لن يحضرها الجميع، وتحديدا قادة الخليج العربي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي تشوب علاقاتها مع المالكي أجواء من التوتر وعدم الثقة. والسؤال هنا: هل ستكون قرارات القمة العربية مجدية أم ستكون كسابقاتها مجرد حبر على ورق؟ أجابنا الأستاذ الطبقجلي: النجاح الوحيد فيها أن العراق سيعيد نفسه قبلة للعرب، وسيتأكد الجميع أنه فعلا البوابة الشرقية للوطن العربي، ولن يترك شعب العراق تتلاعب به أهواء حكام يميلون به حيثما ترتفع صفيرها ونذيرها، لأن العراق متى ضعف أو انتهكت حرماته فإن عليهم أن يحذروا لأن الأعداء سينفذون عبر بوابته إلى الجسد العربي، كما نفذ منها الفتح الإسلامي إلى آسيا , ومن هنا نعتبر أن الوقوف مع شعب العراق وتأمين احتياجاته ووقف حلب أمواله تأييد لشعب العراق في إعادته لحاضنته العربية، ويعد أحد أكبر علامات النجاح لقمة بغداد، وما عداها فهي قراءة لبيانات سابقة قد لا تبدو للمتابعين ولا تعدو إلا حبرا على ورق مستهلك. ومع ذلك فإن الوضع غير مطمئن، لأن القوى السياسية العراقية الحالية قد استهلكت نفسها، ولا تربطها ببعضها أية ثقة متبادلة، ولم تزل إشكالية الحكومة العراقية قائمة، رغم كل ملامح الحل المرتقب وضبابية مواقف نوري المالكي، ولكن قطعا كما يفهم في الساحة العراقية التي تتقلب على مواجع كثيرة أن كل شيء جائز ليعود الجميع إلى المربع الأول أمنيا، وتنهار أي إمكانية لعقد القمة مجددا، وإذا لم تكن هناك مراجعة للاستحقاقات الدستورية والانتخابية وإطلاق سراح السجناء عبر قانون العفو العام الذي يفترض أن يسبق انعقاد القمة، أي أنها صفحة جديدة يجب أن تفتح وتطوى معها صفحات الماضي بمحاكاتها وإغلاق ملف المحاكمات لضباط المؤسسة العسكرية.. ومع ذلك لما يزل هناك خلف الكواليس مفاجآت مقلقة للمالكي، وهي سيناريوهات انقلاب عسكري مدعوم أمريكيا. لذلك فإن الخوف كل الخوف أن تشهد البلاد انتكاسة أمنية معدًّا لها إقليميا وداخليا، وهي ما تستدعي وضع الأمور في نصابها لطمأنة القادة العرب بالإعلان عن استيزار الوزراء الأمنيين بأقرب فرصة لكي تخيم أجواء من الأمن والأمان على بغداد على أقل تقدير، لكي تنعقد القمة في ظروف مناسبة، وأن لا يترك ذلك لحسابات زمن قادم قد يفجر الأوضاع ويلغي القمة مثل سابقتها.. فهل أدرك المالكي جيدا أن الضغوط الإيرانية وتدخلات السفير دنائي وتصريحات سليماني لم تأت من فراغ؟، وأنه متى استطاع لملمة الصفوف المتقاتلة على المواقع والمصالح مع بعضها فيما يعرف بشركاء العملية السياسية وتهادن معها كلما منع أن تطفو إلى السطح رؤى جديدة لا تفكر بالغلبة لمن تكون وإنما بالغلبة للمشروع الوطني الحقيقي الذي يضع العراق في إحداق عيون عراقية تتطلع للتغيير الجذري بعيدا عن أي أجندات إقليمية وتأثيرات دولية. بلا شك أن هناك توجهات غير معلنة تدعو لتأجيل القمة أو تغيير مكانها، باعتبار أن العراق الآن يخضع للنفوذ الإيراني بعدما كان يخضع للنفوذ الأمريكي قبل أن يرحل الاحتلال، وكلا التصورين خاطئ، فلا هذا مسيطر كل السيطرة على مفاصل الدولة ولا ذاك انسحب كاملا وترك مصالحه تتلاعب بها إيران أو عبر رموزها في السلطة.. إن التشكيك بانعقادها هو دعوة ظالمة مشكوك في أسبابها ودواعيها.. لأن الظرف العربي اليوم في أمس الحاجة إليها، وبخاصة ما يعانيه شعب سوريا من قتل وتصفيات يومية لم يرتكبها حاكم من قبله. إن دعم شعب العراق الموحد بعربه وكرده وتركمانه وقومياته المتآخية لا يتأتى من استبعاد انعقاد القمة العربية على أرضه، فهي رغبة الخصوم والأعداء.. من هنا علينا أن ننظر للعراق العربي بصيغة المستقبل، ومن يخدم العراق ويوحده ويعيد له قوته وجيشه، ويعيد اللحمة للشعب العراقي، فهو ذاك الوطني وابن الشعب البار المنتظر , لكنه أبدا لن يكون إلا لافتة تحمل عناوينها في مسيرة وطن كبرى، فعلينا أن نندفع جميعا مرحبين مستبشرين بعقد قمة بغداد وبمن يأتي..؟
تنفس الصعداء العديد من المسؤولين والشخصيات العالمية والكثير غيرهم في العراق وخارجه من المتابعين لموضوع مأساة مدينة أشرف، التي تقع في قضاء الخالص التابعة لمحافظة ديالى والتي يقطنها حوالي 3400 عنصر من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة للنظام القائم في طهران، بعد أن تم توقيع اتفاق نهاية العام المنصرم بين الأمم المتحدة والحكومة العراقية بإنهاء هذا الموضوع بترحيلهم خارج العراق طوعا واتخاذ معسكر ليبرتي مكانا مؤقتا ولحين إنجاز إجراءات ترحيلهم خارج العراق وبشكل سلمي.
إلا أنني والكثير غيري لم نطمئن إلى أي اتفاق مع هذه الحكومة المزدوجة العمالة، حيث إن صفتهم الغدر والكذب هم وأسيادهم، فالأمريكان احتلوا العراق وقلبوا عاليه سافله وسلموه إلى عملاء النظام الإيراني من الطائفيين وشذاذ الآفاق ليعيثوا في الأرض فسادا، ودمروا كل ما سلم من التدمير على أيدي الغزاة المحتلين، ونشروا القتل والإرهاب في عموم العراق، مما تسبب في هجرة الملايين وقتل أمثالهم لأسباب طائفية، ووصلت أعداد الأرامل والأيتام إلى ملايين عديدة، ونصبت آلاف السجون السرية منها والعلنية، وأصبحت مراكز للتعذيب والقتل بلا رحمة أو شفقه، وقد خلا العراق من كل كفاءاته وعلمائه في جميع اختصاصاتهم والذين صرف العراق أموالا طائلة لتأهيلهم لهذه المستويات العلمية المرموقة وحصل هذا تحت نظر وسمع المحتل الغازي.. ولم نعجب من تصرفات هذا المحتل.. أليس هو من غزا العراق تحت حجة الأكاذيب المفتعلة والتي ثبت عدم صحتها جميعا وسوقوها أمام العالم كله حتى يعطي تبريرا لغزوه بلدا عريقا وغنيا مثل العراق؟؟ وأليس هو من قام على إعداد عملائه في دهاليز الخارجية الأمريكية وأروقة البنتاغون وتدريبهم على الكذب وكيفية تسويقه، لينصبوهم حكاما على عرش العراق؟!
نعم هذا كله واضح لدى الجميع، فلا عهد لمن كان الكذب منهجه، وهذا يعطينا الحق بعدم الوثوق بعهود هذه الحكومة ولا العهود التي قطها المحتل لسكان أشرف والتي كانت تنص على حمايتهم وسلامتهم، وقد أخلت بعهدها فورا بعد أن سلمت مسؤولية مدينة أشرف لقوات الأمن العراقية والتي أوغلت بجرائمها المتعددة بحق سكان المدينة منذ مطلع عام 2009 ولحد الآن.. لذلك لا ثقة لنا بعهود هذه الحكومة، وعلى دوائر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي المعنية بهذا الموضوع والمهتمة به أن لا تثق كثيرا بتعهدات الحكومة معها وأن تتصرف بهذا الاتجاه في أي قرار قد تتخذه الحكومة لكونها لعوبا ولا تجعل الصدق وحسن النية سبيلا لإنهاء مشاكلها أو التعامل مع شعبها..
من حقنا أن نشك، وبالرغم من ذلك فقد وضعنا فسحة من الأمل على أن تتعامل الحكومة المحكومة هذه المرة بصدق وحسن نية بمعزل عن ضغوطات وحكم الآخرين عليها.. إلا أننا وبالرغم من موافقة سكان المدينة الانتقال إلى مكان آخر كمرحلة انتقاليه للخروج من العراق وبشكل يحفظ كرامتهم وأمنهم وبرعاية دولية وتحت إشراف دولي.. لاحظنا الحكومة العراقية وضعت العراقيل لإفشال إنهاء هذا الموضوع سلميا، ومن أهم هذه العراقيل هو جعل معسكر ليبرتي سجنا كبيرا يحاولون ضم هذا العدد الكبير من سكان أشرف فيه، وبالرغم من ضيق مساحته فإنه يفتقر إلى أبسط المستلزمات التي تتوفر لأبعد لاجئ في أبعد نقطة بالعالم وقد صمم على شكل سجن كبير محاط بالأسوار العالية ومنع عنهم الحركة والتزاور والتنقل فيه.
وعليه فإننا نحمل دوائر الأمم المتحدة ذات الشأن المسؤولية الكاملة عن أمن وسلامة سكان أشرف، وعليها أن تعمل بما يمليه عليها القانون الدولي واتفاقياته من أجل إنهاء مأساة أكثر من 3400 شخص، كما أننا والعالم بأسره نحمل الحكومة الأمريكية الكاذبة والمتنصلة عن عهودها السابقة، وهي كثيرة منها تطبيق النظام الديمقراطي في العراق وحفظ الأمن والسلام فيه ورعاية ثرواته ومصالحه وهربت وتركته على ما هو عليه، وكذبتها في حماية أشرف، نحملها المسؤولية الكاملة عن أي ضرر يصيب سكان أشرف الذين ينتمون إلى منظمة مجاهدي خلق، وكان عليها لو كانت جادة في هذا الموضوع أن ترفع أولا اسم المنظمة من قائمة الإرهاب الأمريكية أسوة بالكثير من الدول الأوربية..
اعملوا شيئا لأشرف وخاصة أن المدة المتفق عليها بين الحكومة العراقية بدأت تنفد، وسوف تمنحون الحكومة حجة بتنفيذ رغبتها وإرادتها وإرادة نظام طهران بارتكاب مجزرة جديدة وعندها لا ينفع الندم.
العراق جمجمة جسد هذه الامة
اسفا والله على هذه الذلة ,,, مؤتمر قمة لقادة العرب,,, ينعقد تحت حراب الاحتلال والاذلال,,,في عاصمة تستصرخ وتأن من جراحها ,,,,الا بئسا لمن يقبل بوصاية اعداء امته ,,,يسوقونه ليمرر اذاهم ,,,على جنح عداء عرقي وطائفي
لاوفقكم الله وابدل امتنا غيارى خيرا منكم بغد قريب بثورات لاتستكين
التوقيع
نعتزّ بهذا التوقيع وبمناسبة اهدائه في منتدى التاريخ
العراق جمجمة العرب وسنام الاسلام أياأمة تتداعى عليها الأمم متى النهضة قبل الندم