المقال الثاني والثلاثون
بعد عام من حرب العراق
كتب : جميل عفيفي
هل تحمى الحصون القوات الامريكية من الثورة ؟
بعد مرور عام كامل علي احتلال القوات الأمريكية والبريطانية لدولة العراق, ومع هذه الذكري, بدأت مواجهات عنيفة بين المقاومة العراقية, والقوات المحتلة, وكانت الذروة مع اغلاق صحيفة الحوزة العراقية, باعتبارها تحرض علي المقاومة, واتهام مقتدي الصدر بأنه المخطط لاغتيال عبدالمجيد الخوئي المرجع الشيعي داخل ضريح الإمام علي في مدينة النجف العام الماضي, مما ترتب عليه استثارة مشاعر العراقيين الشيعة بأكملها, ورفضهم لجميع قرارات الحاكم المدني للعراق بول بريمر, ودخولهم في صراع مسلح دموي مع القوات الأمريكية, مما يفتح المجال أمام المزيد من حمامات الدماء داخل الأراضي العراقية.
واذا عدنا للخلف قليلا, وبالتحديد قبل بدء أعمال القتال علي العراق في العام الماضي, فسنجد أن القيادة العسكرية الأمريكية, كانت تتعامل مع الشيعة علي أنهم الحليف الاستراتيجي داخل دولة العراق, بعد أن أيقن الشيعة أن الخلاص من صدام حسين وبطشه لن يتم إلا علي أيدي التدخل العسكري الأمريكي والبريطاني, وأكدت التصريحات الأمريكية ذلك بأن الشعب العراقي خاصة الجنوب الشيعي, سيستقبل القوات الأمريكية بالورد والقبلات, وبالفعل تم ما كان متوقعا, فمدن الجنوب الشيعية لم تقاوم القوات الأمريكية, بل فتح أهالي هذه المدن أبوابها أمام القوات الأمريكية في فرحة لم يسبق لها مثيل, فهذه المدن قد ذاقت العذاب والهوان علي يد النظام السابق, مع منعهم من أداء طقوسهم الدينية, كذلك كانت الفرحة كبيرة بالنسبة للقوات الأمريكية والبريطانية لأنهم لم يدخلوا في حرب مدن, واعتبرت هذه المناطق آمنة, وتم الاتفاق بين القوات المحتلة والمراجع الشيعية, بألا يدخل جندي في دائرة قطرها3 كيلومترات من المناطق المقدسة, وانه لن يتم أي هجوم علي قوات الاحتلال, وسيعيش الطرفان في أمان.
ومع هذا الاتفاق, تعاملت قوات الاحتلال بمنتهي الثقة, فتم تقليل عدد القوات في المناطق الشيعية في الجنوب العراقي, واخلت اغلب المدن المقدسة من القوات, مع اعادة انتشار قواتها في مواقع أخري, مع الوضع في الاعتبار أن هناك عددا ضخما من الاسلحة والمعدات العسكرية استحوذ عليها أبناء الجنوب من المعسكرات العراقية, التي هرب منها الجنود وتركوها مكتظة بالأسلحة, والتي اصبحت مشاعا للمدنيين, بجانب الجنود العراقيين الذين هربوا من ساحة القتال وبحوزتهم أسلحتهم ومعداتهم, ولم تعبأ القوات المحتلة بذلك, معتقدة أن الشيعة هم حلفاؤهم في العراق, ومع اعطائهم الحرية في أداء طقوسهم الدينية لن يقدم أي شيعي علي تنفيذ أعمال مقاومة ضد قوات الاحتلال.
ومع سير الحياة داخل العراق, تناست الحكومة المدنية أن الشيعة يعيشون من أجل الحفاظ علي مذهبهم ويضحون بأرواحهم من أجله, ودفاعا عن مرجعياتهم, وأن الشيعة قاموا بانتفاضة91 في وجه صدام حسين, وكانوا علي وشك الاطاحة به لولا تدخل القوات المسلحة, والطائرات المقاتلة وراح وقتها آلاف الضحايا, ومع الموقف المتشدد ضد مقتدي الصدر خرج الشيعة ثائرين في وجه قوات الاحتلال, الذين لم يتوقعوا ما حدث, وظهرت العديد من النقاط لم يكن يتوقعها أحد وهي:
* الأخطاء الاستراتيجية في توزيع القوات داخل المدن الشيعية جنوب ووسط العراق, مما أثر بالسلب علي تهدئة أعمال المقاومة والمواجهة مع العراقيين.
* ظهور عدد مهول من الأسلحة والمعدات العسكرية بحوزة المدنيين, مما زاد من صعوبة السيطرة علي الموقف, والدخول في مواجهات مسلحة بين الطرفين, مما كبد قوات الاحتلال عددا كبيرا من الخسائر.
* لم يكن يتوقع ان يظهر جيش المهدي, الذي بدأ في التعامل مع قوات الاحتلال, والذي اطلقت عليه الحكومة الأمريكية مسمي الميليشيات الارهابية.
* قوات الأمن العراقية لم تستطع التعامل مع الموقف, بل في بعض الاحيان انضمت هذه القوات لرجال المقاومة, مما أربك قوات الاحتلال كثيرا.
* محاولة انسحاب بعض الدول التي تشارك بعناصر عسكرية من المواقع التي تحت سيطرتها, مثل القوات الأوكرانية, وقد تبعتها القوات اليابانية, مما يجعل الساحة فارغة أمام رجال المقاومة العراقية.
* تناقل وكالات الانباء لصور القتلي الأمريكيين في شوارع العراق, والتمثيل بجثثهم مما قد يؤثر علي الرأي العام الأمريكي داخل الولايات المتحدة الأمريكية, ويعيد للأذهان صورة ما حدث في الصومال.
إن ما سبق كان بمثابة الصدمة لقوات الاحتلال, التي لم تستطع ان تتعامل مع الموقف بصورة ذكية, بل علي العكس فقد استخدمت الطائرات المقاتلة من طراز( اف ـ16) في ضرب بعض المواقع مثل منطقة الفلوجة مما أدي الي مصرع المئات من الأبرياء, كما أنها دمرت أحد المساجد, مما يثير حفيظة جميع الطوائف داخل العراق ضد قوات الاحتلال, كما أنها استخدمت طائرات الهليكوبتر في قصف التجمعات مما قد يشعل الموقف بصورة لا حدود لها بين الشعب العراقي بالكامل, وقوات الاحتلال, وقد ينفلت زمام الأمور داخل العراق في ليلة وضحاها.
إن القوات المحتلة تطالب باعتقال مقتدي الصدر, وفي هذه الحالة, وإن تم ـ رغم صعوبة تحقيقه ـ ستشتعل انتفاضة داخل العراق لن تستطيع قوات الاحتلال أن تتعامل معها, فالعراقيون مسلحون ولديهم عقيدة قوية يدافعون عنها, علي عكس الجندي الأمريكي الذي يحارب بلا أي عقيدة, وستدخل قوات الاحتلال في حرب مدن لن تقوي عليها, لذا فمن الواجب والمنطقي أن تعيد القيادة الأمريكية النظر في التعامل مع هذا الموقف, حيث ان الطائرات الأمريكية والصواريخ التي تصوب علي المدنيين لن تضيف للموقف الا اشتعالا.
ويري البعض أنه, علي رجال الحوزة الدينية في العراق, أن يتسموا بضبط النفس لعدم اراقة المزيد من الدماء, علي أن تتراجع قوات الاحتلال عن قرارها باعتقال مقتدي الصدر, وإلا ستظهر الكثير من الكوارث داخل العراق, مع توقع انسحاب بعض الدول التي تعمل في حفظ الأمن, وستجد الولايات المتحدة الأمريكية أن موقفها أصبح ضعيفا في مواجهة شعب بأكمله.
الأهرام -تقارير المراسلين