انتهت النزهة.. انتهى الدرس!
علي التليلي الخليفي:
يتذكر الجميع ذلك المشهد الاستعراضي الذي اعتلى فيه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن ظهر حاملة الموت ابراهام لنكولن، في شهر فيفري من سنة 2003، معلنا حرب "الحرية الدائمة" ضد العراق، مبشرا العراقيين بالحرية والديمقراطية ووعود أخرى.. حرب ضروس تشنها الولايات المتحدة ومن تحالف معها من قوى الاستعمار الجديد ضد شعب الرافدين وحضارته ومقدراته في أبشع صور القتل والدمار والتخريب، استعمل فيها الجيش الأمريكي أحدث أسلحته وقنابله الذكية والغبية..
جريمة حرب شردت وجوعت وقتلت وهدمت وأعادت العراق مئات السنين إلى الوراء، كما توعد بوش، بدعوى امتلاك العراق أسلحة كيميائية وجرثومية وتهديده أمن المنطقة وتحالفه مع القاعدة وضلوعه في أحداث الحادي عشر من سبتمبر..
حرب العراق لم تكن كما تصورها صقور البيت الأبيض والبنتاغون، فوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، أكثر الصقور مجازفة واندفاعا، وعد عناصر الجيش الأمريكي بنزهة في العراق يستقبلهم خلالها العراقيون بالورود والرياحين، ولكن الجيش العراقي والمقاومة العراقية وأبناء العراق البواسل أعدوا للأمريكان أشواكا وألغاما وكمائن أغرقت إدارة الصقور في مستنقع أربك كل حساباتها وتوقعاتها.
أعلن الجيش الأمريكي انسحابه من العراق مذعورا من هول ما صادف من مقاومة باسلة أنهكته ومزقت أوصاله بعملياتها النوعية الشجاعة، ولقنت النخب العسكرية الأمريكية ما لم تتلقاه من دروس في أكبر الأكاديميات العسكرية.
ويبدو أن إدارة باراك أوباما التي أورثها بوش الابن هموما كثيرة، باتت محرجة أمام الرأي العام الأمريكي من العدد المتزايد من قتلى وجرحى عناصر الجيش الأمريكي في العراق، فلم تجد بدا من إعلان الانسحاب وهي تجر وراءها أذيال الخيبة.
إعلان إدارة أوباما عن الانسحاب لا يعني رفع يد أمريكا عن العراق وعن مصير الشعب العراقي، بل هو نوع من أنواع إعادة الانتشار والتمركز الاستراتيجي بطريقة تبعد وحدات الجيش الأمريكي عن خطوط النار الساخنة وعن مرمى نيران المقاومة مقابل احتفاظ أمريكا بقواعد عسكرية في العراق وزرع مستشارين أمريكيين داخل الوزارات والمؤسسات العراقية، وبذلك فإن الانسحاب الأمريكي الأخير يعني احتلالا غير مباشر وحكم العراق من وراء الكواليس، وأن المصير العراقي يتقرر في البيت الأبيض.
استفهامات كثيرة يطرحها الانسحاب الأمريكي، لعل أكثرها إلحاحا مسألة السيادة العراقية ورسم العراقيين مصيرهم بأنفسهم بعيدا عن اليد الطولى لأمريكا ولقوى إقليمية أخرى معنية بالمصير العراقي.
ومن أهم الدروس التي وجب استخلاصها من تجربة الاحتلال الأمريكي للعراق أن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.. لا تستورد ولا يأتي بها الزعماء على ظهور دبابات المحتل، وليست منّة يجود بها الخيرون، بل إنها درر ولبنات تتوج مسيرة الشعوب الحية من أجل الحرية والانعتاق، وهي مسار لا يتوقف وبناء يبنى حجرا بعد حجر. فعلى أبناء العراق اليوم أن يسارعوا إلى تشكيل حكومة عجزوا عن تشكيلها منذ ستة أشهر من الانتخابات البرلمانية، وقد آن الأوان أن يتواعدوا مع عراقهم بيد ممدودة وقلب مفتوح، وأن يتركوا خلافاتهم جانبا، فالعراق أكبر من كل أسباب الخلاف وانعدام الانسجام، والعراق اليوم في حاجة إلى كل أبنائه وبناته..
ومصيره بيد العراقيين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم بعيدا عن كل أشكال الوصاية، فهم أول من عرف الدولة ومؤسساتها عبر حقب التاريخ الطويل، وهم قادرون اليوم على بناء دولتهم وتشكيل حكومتهم والانصراف نحو المستقبل.. فلا يبني العراق إلا أبناء العراق.
Alarab Online. © All rights reserved.