نجح السيد محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، في انتزاع تعهد بالالتزام مجددا بالتهدئة من فصائل المقاومة الاسلامية اثناء لقائه مع ممثليها قبل يومين في قطاع غزة، ولكن دون ان يقدم اي شيء في المقابل علي صعيد الافراج عن الاسري، ووقف بناء الجدار، ومصادرة الاراضي الفلسطينية، لانه، وببساطة شديدة، لا يملك في جعبته ما يمكن ان يقدمه، فارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي شريكه في العملية السلمية لم يعطه اي تنازل حقيقي مقابل نجاحه في تحقيق التهدئة لاكثر من ثلاثة اشهر، بل استغلها لاغتيال بعض نشطاء حركتي حماس والجهاد الاسلامي في قطاع غزة ومدينة جنين.
كان الانطباع السائد في الاوساط الفلسطينية يتلخص في ان زيارة السيد عباس الي واشنطن، ولقاءه مع الرئيس بوش ستتمخض عنهما نتائج كبري علي صعيد تسريع الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة ومدن الضفة الغربية، وتفكيك مستوطنات رئيسية، واحياء عملية السلام، ولكن الشيء الوحيد الذي عاد به السيد عباس من واشنطن ومارس تنفيذه فورا هو توجيه بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وارجاء عقد المؤتمر العام لحركة فتح الحزب الحاكم. اي ان ربيع الديمقراطية الفلسطينية كان اقصر مما توقعه الكثيرون!
الادارة الامريكية لا تريد ديمقراطية فلسطينية حقيقية تقود الي مجلس تشريعي قوي يضم اغلبية من نواب حركة حماس ووطنيي حركة فتح وبعض المستقلين، يتمسك بالثوابت الفلسطينية ويراقب عمل السلطة ومؤسساتها، ويشرف بشكل مباشر علي المفاوضات، السرية منها والعلنية.
والشيء نفسه يقال ايضا عن مؤتمر حركة فتح الحزب الحاكم، فعقد المؤتمر العام للحركة يعني انتخاب لجنة مركزية، ومجلسا ثوريا جديدين، من الدماء الشابة النظيفة المخلصة، وهذا يعني، وببساطة شديدة ابعاد كل الوجوه الحالية في السلطة تقريبا، وربما محاسبتهم، او معظمهم بتهم الفساد والتفريط والتعاون مع جهات خارجية.
فمعظم اعضاء اللجنة المركزية في الحركة تجاوزوا الخامسة والستين، وكذلك اعضاء المجلس الثوري، الامر الذي يذكر بالمؤسسات المماثلة للاتحاد السوفييتي قبيل انهياره، او بالاحري التي ادت الي انهياره بجمودها وفسادها وتكلسها!
الوضع الفلسطيني الراهن مُضلِل ومخادع، لان الانطباع السائد في اوساط الرأي العام العربي والعالمي يقول بان الفلسطينيين تحرروا واقاموا دولتهم المستقلة، وهذا ما دفع احدي الفتيات المغربيات الي الذهاب الي سفارة فلسطين في الرباط طالبة تأشيرة دخول لزيارة فلسطين والتعرف علي اهلها. فطالما هناك سفارات وسفراء وقناصل وسكرتير اول وثاني وعاشر، ورئيس وزراء، ووزير خارجية وداخلية، فلماذا لا تصدق هذه الفتاة الطيبة، التي تنتمي الي شعب طيب كريم، ان الدولة قامت فعلا، وتريد الذهاب الي غزة لتهنئة اهلها والاحتفال معهم بقيامها؟
الاخبار القادمة من الارض المحتلة لا تتحدث عن انجازات عسكرية او سياسية، وانما خلافات حادة بين السيدين محمود عباس، رئيس السلطة، والسيد فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية، حول من يسيطر علي الحركة الدبلوماسية.
السيد عباس يقول ان السلطة تعني السفراء، لان الاعتراف الدولي بات محصورا بها فقط، بينما يقول السيد قدومي ان مرجعية اوسلو لا تسمح بتمثيل دبلوماسي، وحتي وان سمحت بقرار امريكي ـ اسرائيلي، فان منظمة التحرير ما زالت هي المرجعية، والارض الفلسطينية ما زالت تحت الاحتلال، وفلسطينيو الشتات ضعفا فلسطينيي الداخل. والقدومي محق في موقفه المبدئي هذا وان كان غير محق في الابقاء علي بعض السفراء الفاسدين المعاقين في السفارات الفلسطينية التي يزيد تعدادها عن ثمانين سفارة اي اكثر من سفارات الولايات المتحدة نفسها!
وجاءت تصريحات اللواء نصر يوسف وزير الداخلية الفلسطيني امام المجلس التشريعي يوم امس الاول لتكشف عورة السلطة واجهزتها الامنية امام الملأ. فقد كان الرجل شجاعا عندما قال ان هناك عصابات وعمليات بلطجة داخل اجهزة الامن، وذهب الي ما هو ابعد من ذلك عندما قال ان بعض قادة هذه الاجهزة يتعاملون مع اجهزة مخابرات اجنبية.
اللواء يوسف لم يحدد هذه الاجهزة الاجنبية التي يعمل بعض هؤلاء جواسيس لها، ونأمل ان لا تكون الاجهزة الاسرائيلية احداها، وان كنا لا نشك ابدا في وجود من يتعاون مع اجهزة المخابرات الامريكية، وعلي اعلي مستوي، فهي وبعض الاجهزة الامنية الاوروبية اشرفت علي تدريب قادة الامن الفلسطيني البارزين وهي التي تدفع الرواتب الشهرية.
ولعل الطامة الكبري هي المجلس التشريعي الذي يتحدث امامه ويستنجد به اللواء يوسف، فهؤلاء ضمنوا لانفسهم رواتب تقاعدية مدي الحياة، وسيارات مجانية وجوازات سفر دبلوماسية لهم وزوجاتهم ونسلهم المبارك حتي بعد خروجهم من المجلس، هذا اذا خرجوا، وهؤلاء من المفروض انهم يدافعون عن شعب يعيش سبعون في المئة منه تحت خط الفقر، وعلي اقل من دولارين في اليوم الواحد. فكيف يمكن والحال كذلك ان يقف هؤلاء ضد الفساد، ويطالبوا باصلاح الاجهزة الامنية طالما انهم باتوا بحاجة الي اصلاح؟!
انها سلطة فاسدة مستعصية علي الاصلاح، فعندما يفسد الامن، وتُرتشي المؤسسة التشريعية، ويغيب القضاء العادل المستقل، وتسود عصابات البلطجة داخل الاجهزة الامنية الرسمية، فان هذا اخطر علي المواطن الفلسطيني وقضيته من الاحتلال نفسه.
الشعب الفلسطيني بحاجة الي وقفة مع النفس تؤدي الي وقفة مراجعة مع هذه السلطة وكل رموزها، لانه من المعيب ان يقدم هذا الشعب كل هذه التضحيات، ويتحمل كل انواع المعاناة، وهناك من يسيء اليه وتاريخه ويتلاعب بمصيره.
[blink]سيأتي من يقول لنا ما هي بدائلكم، وما هي الحلول التي تقترحونها ؟ نرد بكل بساطة ونقول: ان بديلنا هو بديل كل الشعوب التي مرت بالتجربة نفسها، وهي المقاومة حتي انتهاء الاحتلال.[/blink]
[blink]قمة القدس وإرادة السلام الغائبة لدي إسرائيل..!
بقلم : مـحــمــــد بــاشـــــــا[/blink]
لا أحد يستغرب أبدا مواصلة إسرائيل تصعيد ممارستها ضد الفلسطينيين, سواء قبل أو بعد ساعات فقط من قمة أبو مازن وشارون أو حتي التهديد بالغاء تفاهمات شرم الشيخ كما حدث أول أمس, ممايعكس غياب إرادتها السياسية تجاه السلام, وهو الأمر الذي كشفته بوضوح نتائج هذه القمة التي أصابت الفلسطينيين بخيبة أمل, حيث لم تكن بحجم التوقعات ولم تسفر عن اتفاق حول القضايا التي تم طرحها, وعلي حد ما قال أحمد قريع أبو علاء رئيس الوزراء الفلسطيني لم تكن هناك ردود إيجابية من الطرف الإسرائيلي, ولم يخرج التقييم الإسرائيلي عن ذلك كثيرا, حيث بدت إسرائيل غير عابئة بخيبة أمل الفلسطينيين, ووفقا لمصادر قريبة من شارون أرجعت هذه الخيبة إلي توقعات كبيرة توقعها الفلسطينيون وهو مالم يحدث, حيث خفضت تل أبيب سقف توقعاتها وحصرت نجاحها أو عدمه في مدي تجاوب أبو مازن مع قاموس شارون بنزع السلاح من الفصائل ومحاربة الإرهاب فهو المفتاح لأي تقدم في العملية السلمية..!.
{ وما بين توقعات الفلسطينيين والإسرائيليين من نتائج هذه القمة, كيف إذن سارت أعمالها التي استمرت ثلاث ساعات كاملة..؟ وكيف يمكن دفع كل الجهود الدولية في تحقيق السلام الشامل والعادل, واقامة الدولةالفلسطينية المستقلة وفقا لخريطة الطريق ومبادرة السلام العربية..؟.
.. وقبل أن نرصد ملامح لما عرضه شارون علي الفلسطينيين, نسجل هنا أنه لم يدع أي وزير من حكومته لحضور اللقاء, واكتفي بمساعديه المقربين, بينما حضر مع أبو مازن رئيس وزرائه وعدد من الوزراء, ورغم أن اللقاء كان مغلقا أمام الصحفيين, وانتهي دون صدور بيان مشترك أو عقد مؤتمر صحفي إلا أن مصادر قريبة من شارون سربت نصا واحدا أذاعته وسائل الإعلام العبرية عن كواليس اللقاء, في خطوة غير معتادة, سمح فيها المسئولون الإسرائيليون بنشر مقاطع من تسجيل فيديو خاص باللقاء, أحسب أنه متعمد إذاعته في محاولة لكسب الرأي العام الإسرائيلي إلي جانب خطة شارون للانسحاب من غزة أمام التهديدات والتحريض الذي يمارسه نشطاء اليمين المتطرف ضدها وضد شارون, إلا أن ما احتوته نراه صفاقة غير مقبولة, حيث ظهر شارون يوبخ أبو مازن بقسوة قائلا: عندما كنت في شرم الشيخ قلت إنك ستبذل جهدك لوقف الإرهاب ولكن ذلك لم يحدث علي الإطلاق, كما واصل حديثه عن خرق الفلسطينيين الاتفاقات والتفاهمات فيما يتعلق بإطلاق قذائف الهاون وصواريخ القسام علي البلدات والمستوطنات الإسرائيلية في الجنوب.
وعندما رد أبومازن في غضب بأنه قام بكل ما في وسعه لوقف الهجمات ضد الإسرائيليين, وبحسب ما جاء في شريط الفيديو أكد أنه تعامل مع كل رصاصة أو صاروخ موجه ضد الإسرائيليين وكأنه موجه ضد الفلسطينيين, مشيرا الي انه خلال الخمسة أشهر الماضية كان هناك تراجع واضح في وتيرة العمليات وليس لديه عصا سحرية في هذا الشأن, ونفي أبو مازن ما قاله شارون أن يكون قد التزم بنزع سلاح حركة حماس, وأكد أنه لن يستطيع مواجهة الفصائل المسلحة مالم تقدم له إسرائيل شيئا ملموسا لمساعدة المواطنين, كما لم تغير سياستها ولا تتجاوب مع التغيرات الجذرية التي أقدم عليها الفلسطينيون مؤكدا ان وزارة الداخلية تضع خطة لاعادة بناء الاجهزة الأمنية للسيطرة علي الأوضاع, مؤكدا المضي قدما في فرض سلطة القانون..!
وقالت الصحف الاسرائيلية ان ابو مازن قال في حدة أنتم قادرون علي مساعدتي ومنحي الفرصة لأستمر, وأشارت الي ان الرجلين تبادلا الكلمات اللاذعة, فخيمت اجواء متوترة علي اللقاء الذي كتب المعلق السياسي لصحيفة هاآرتس آلوف ين: يقول: لقد جسد الاجتماع بدقة وضع العلاقات الحالي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية, والطرفان محكومان بادعاءات البيضة والدجاجة, من يأتي اولا الحرب الفلسطينية علي الارهاب او تقوية مكانة ابو مازن بلفتات طيبة..؟
.. ورغم أن الجانب الفلسطيني يري انه لم تكن هناك ردود ايجابية من اسرائيل علي ما طرحه ابو مازن خلال اللقاء عن الافراج عن الأسري والقادة منهم وقضايا الاستيطان والمؤسسات الفلسطينية في القدس المحتلة والجدار الفاصل وتفاهمات شرم الشيخ والانسحاب من غزة وشمال الضفة وتشغيل المطار وغيرها من الأمور التي لم يكن ما قدمه شارون مرضيا بحيث نقول إن هناك اتفاقا بينما نجد ان الجانب الاسرائيلي يري فيما قدمه شارون تطبيق لتفاهمات شرم الشيخ وتخفيف معاناة الفلسطينيين وهو كالتالي:
تسليم مدينتي قلقيلية وبيت لحم بالضفة الغربية خلال أسبوعين, ونقل السيطرة الأمنية عليهما للفلسطينيين والانسحاب من غزة في15 أغسطس المقبل.
السماح لأبو مازن بالبدء في التحضير لإعادة فتح مطار غزة لبحث استخدامه للأغراض المدنية, والسماح ببدء العمل في بناء الميناء البحري بها.
عودة بعض المبعدين الي الضفة والنظر في اطلاق سراح مزيد من الاسري مقابل كبح جماح الفصائل.
السماح لعدد26 ألف عامل فلسطيني و13 ألف تاجر بالدخول إلي إسرائيل للعمل يوميا, فضلا عن ترك المعابر بين إسرائيل وغزة مفتوحة لساعات أطول.
.. وإذا كانت اذاعة الجيش الاسرائيلي قد قالت تعقيبا علي قمة القدس, ان اسرائيل رفضت عمليا كل المطالب الفلسطينية, كما أشارت صحيفة لوس أنجلوس تايمز ان تراجع اسرائيل عن تفاهمات شرم الشيخ نسف القمة, وهو ما نراه يعكس بوضوح غياب ارادة اسرائيل السياسية لإقرار السلام, ولعل في دعوة الرئيس مبارك الصريحة للشعب الاسرائيلي بضرورة الانحياز لخيارات السلام ومساندة قرار الانسحاب من غزة وشمال الضفة باعتباره بداية طيبة جدا وقرارا شجاعا يجب أن تتبعه انسحابات اخري, وهو ما يترجم حرص مصر علي مواصلة جهودها من أجل ترسيخ وتكريس ارادة السلام وصولا الي اقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنبا الي جنب في سلام مع دولة اسرائيل.
وحسنا أن تصدر اللجنة الرباعية الدولية بيانا إثر اجتماعها علي المستوي الوزاري دعت فيه اسرائيل السماح للفلسطينيين بالتحرك بقدر أكبر من الحرية في الأراضي المحتلة, والسماح بتدفق السلع والناس.
وحسنا أيضا ان يؤكد وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في مؤتمر صحفي مشترك مع جيمس ولفنسون مبعوث اللجنة الدولية الرباعية لشئون الشرق الأوسط ان الاسرة الدولية تعمل حاليا علي ضمان ان يكون الانسحاب من غزة هو اول مرحلة في بناء الدولة الفلسطينية.
.. وحسنا ثالثا ان تعلن كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة ضم مصر والسعودية الي اللجنة الرباعية الدولية فالمؤكد ان في ذلك دعما للقضية وللسلام في المنطقة.
.. ولا يبقي إلا ان تمارس واشنطن ضغوطها علي إسرائيل لتنفيذ تفاهمات شرم الشيخ, والالتزام بخريطة الطريق بعد خطوة الانسحاب من غزة وشمال الضفة التي أكد شارون تنفيذها في موعدها, وبعد تأكيد القيادة الفلسطينية استمرار الاتصالات مع اسرائيل والتنسيق مع الجهات الأمنية للانسحاب من غزة رغم ان القمة لم تحقق النتائج المرجوة, وكذلك دعوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير جميع القوي والفصائل الي ضبط النفس والالتزام بالإجماع الوطني وبقرارات حوار القاهرة, بما يفوت الفرصة علي إسرائيل التي تعمل علي التهرب من عملية السلام..!
العنوان الأصلي: Abu Mazen's Presidency: An Interim Assessment
الكاتب: س. جاكوب C. Jacob
المصدر: مركز الشرق الأوسط للأبحاث الإعلاميةMiddle East Media Research Institute - سلسلة التحقيقات والتحليلات رقم 233
التاريخ: 24 مايو/ أيار 2005
عرض: الزيتونة
* * *
منذ استلامه للسلطة، وضع الرئيس الفلسطيني الجديد محمود عباس تحت المجهر، من قبل الطرف الإسرائيلي، الذي لا يفتأ يطالبه بتنفيذ ما تعهد به، والأطراف الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي منحته مباركتها، واعتبرته شريكا مناسباً للسلام، وحتى الشعب الفلسطيني الذي يتوقع منه إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، والإيفاء بالتزامه بإجراء إصلاحات شاملة على كافة الأصعدة. وفي هذا المقال، تقويم لأداء الرئيس الفلسطيني، وتحليل لمواطن النجاح والفشل فيما قام به حتى الآن على صعيد التزاماته، سواء تجاه الشعب الفلسطيني، أو تجاه الطرف الإسرائيلي.
أعلن محمود عباس (أبو مازن) حين انتخب لرئاسة السلطة الفلسطينية، أنه سوف يعمل على وقف "عسكرة الانتفاضة"، وأنه ملتزم بفرض القانون والنظام في السلطة الفلسطينية من أجل ضمان أمن السكان، وغيره من مصالح الشعب الفلسطيني؛ ولكن حتى هذا اليوم لم يستطع محمود عباس أن يحقق سوى نجاح جزئي، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى رغبته في تجنب حصول صراع داخلي عنيف. هذه الورقة تقيم التطورات التي حصلت منذ انتخاب أبو مازن، فيما يتعلق ب: وقف عسكرة الانتفاضة، فرض القانون والنظام، توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ومعالجة موضوع التحريض في الإعلام، والوصول إلى التهدئة كما تم الاتفاق عليها في محادثات القاهرة.
1- ما زال المسلحون يحملون أسلحة غير مرخصة منتهكين قرار السلطة الفلسطينية:
بعد الانتخابات، قرر مجلس وزراء السلطة الفلسطينية حظر حمل السلاح غير المرخص في العلن، وأصدر توجيهات في هذا الخصوص. ولكن مع ذلك، شهدت الساحة الفلسطينية الكثير من التظاهرات التي شارك فيها رجال مسلحون، كما وقعت أيضاً الكثير من حوادث العنف وإطلاق النار، مثل إطلاق النار على مكتب أبو مازن، وإطلاق النار على مبعوث وزير داخلية السلطة الفلسطينية ناصر يوسف خلال زيارته لجنين، بالإضافة إلى الاشتباكات المسلحة العنيفة بين مسلحي حركة فتح والشرطة الفلسطينية، كما لم يأمن الصحفيون من شر المسلحين حيث اعتدى ثلاثة مسلحين ينتمون إلى أحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية على ثلاثة من الصحفيين في غزة بالضرب المبرح، نقل على أثره الصحفيون إلى المستشفى وتلقوا علاجاً، هذا بالإضافة ما حصل مؤخراً من اقتحام مؤتمر حركة فتح وإطلاق النار في القاعة، ولك هذه الأحداث تدل على أنه لم يتم تعزيز التوجيهات التي صدرت عن مجلس الوزراء الفلسطيني بخصوص حمل السلاح.
2- تجنيد المطلوبين في الأجهزة الأمنية:
بعد الانسحاب الإسرائيلي من أريحا وطولكرم، نشرت صحيفة القدس العربي خبراً مفاده أن مائتي مطلوب فلسطيني سلّموا أسلحتهم وانضموا إلى أجهزة الأمن الفلسطينية في المنطقتين المذكورتين؛ وقد علّق رئيس اللجنة المكلفة بمتابعة ملف الفلسطينيين المطلوبين والمرحّلين، بأن السلطة الفلسطينية ستقوم بنفس الخطوات في المناطق الأخرى التي ستنسحب منها إسرائيل. وتتضارب التقارير حول موضوع تنفيذ التزام السلطة الفلسطينية تجاه الإسرائيليين بخصوص جمع السلاح الذي يملكه الفلسطينيون المطلوبون، حيث يبدو أن السلطة الفلسطينية تقوم بتجنيد هؤلاء في صفوف الأجهزة الأمنية معتبرة أنها بهذه الخطوة تفي بالتزاماتها تجاه الإسرائيليين.
3- وقف جزئي لعسكرة الانتفاضة:
بذلت السلطة الفلسطينية جهوداً حثيثة من أجل تهدئة الأوضاع، ففي إطار سعيه لمنع الهجومات على المستوطنات الإسرائيلية، أمر أبو مازن بنشر القوات الأمنية الفلسطينية، وهي خطوة لاقت ترحيباً من السكان الفلسطينيين، إلا أنه لم يمض وقت طويل حتى أمطرت المستوطنات بأعداد كبيرة من المدافع؛ فقام أبو مازن بإقالة مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى، إلا أن الهجومات أثبتت أن موضوع الهدنة ما زال هشاً جداً. فالأجهزة الأمنية الفلسطينية حيث لم تنجح بوقف الهجومات داخل إسرائيل بشكل كامل. وإبان انعقاد مؤتمر الإصلاح الفلسطيني في لندن في بداية آذار مارس، صرح أبو مازن قائلاً: "أنا أستثمر جهودي بنسبة مائة بالمائة من أجل وقف العنف ضد إسرائيل، ولن أسمح بأي اعتداءات كتلك التي وقعت في تل أبيت (في إشارة إلى العملية التي نفذت على نادي المسرح في تل أبيب) ولكن لا يمكن التوصل إلى وقف كامل ونهائي للعنف والجيش الإسرائيلي يقتل الفلسطينيين يومياً". ولكن على الرغم من كل الخروقات، لا يمكن إنكار أن السلطة بخطوات إيجابية باتجاه وقف عسكرة الانتفاضة، ومن هذه الخطوات اكتشاف أجهزة مكافحة الإرهاب الفلسطينية وجود أسلحة في قرية الدورة في الخليل، وقد صرح أحد المسؤولين الأمنيين قائلاً: "للمرة الأولى منذ أربع سنوات استطاعت الشرطة الفلسطينية أن تصادر أسلحة وقنابل يدوية من الضفة الغربية خلال عملية تمت بإمر من محمود عباس ووزير الداخلية ناصر يوسف".
4- توحيد الأجهزة الأمنية ما زال في طور التقدم:
يعتبر الإصلاح البنيوي لأجهزة الدفاع الفلسطينية من أهم الإنجازات التي قام بها رئيس السلطة الفلسطينية، ففي مؤتمر لندن للإصلاح الفلسطيني الذي عقد في أول مارس/ آذار 2005، صرح أبو مازن قائلاً: "لقد نشرنا قواتنا على الأرض، واتخذنا قراراً نهائياً بتوحيد الأجهزة الأمنية، وسوف نستمر في تطبيق هذا القرار رغم الصعوبات". وفي منتصف أبريل/نيسان الماضي، أصدر أبو مازن قراراً فيما يتعلق بتوحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية اشتمل على التالي: أولاً، يضم الأمن الوطني كل الفروع التابعة له (قوى الأمن الوطني، استخبارات الجيش، الشرطة البحرية، القوة 17والقوات الخاصة)، فيما تضم وزارة الداخلية: الشرطة، الأمن الوقائي، والحرس المدني؛ في حين بقيت الاستخبارات العامة غير مشمولة في أي من التشكيلات. ثانياً: يطلب أجهزة الأمن الوطني والأمن العام أن تقدم قوائم مفصلة بأسماء أعضائها، وأعدادهم وطبيعة أدوارهم في الخدمة. ثالثاً: يتم تنظيم الاتصال بالجهات الأجنبية، بحيث تتم هذه الاتصالات فقط عبر وزارة الداخلية والأمن الوطني، فيمنع على رؤساء الأجهزة الأمنية ورجالهم القيام بأي اتصالات مع جهات أمنية لأي سبب كان. رابعاً: يتوجب على الرئيس أن يحدد طبيعة مهمة القوة 17، المكلفة بالأمن الرئاسي، بحيث تبقى هذه الطبيعة ثابته بالنسبة لجميع الوحدات التابعة لهذه القوة، ما عدا تلك التابعة للأمن الوطني في غزة.
5- الحوار من أجل الهدنة تحول إلى تهدئة:
تأخر الحوار بين الفصائل الفلسطينية عدة مرات، ليبدأ في الخامس عشر من مارس/آذار في القاهرة، وانتهى إلى ما سمي بتهدئة الأوضاع، وقد أعلنت حماس حينها أنه لن يكون هناك هدنة إذا لم تقبل إسرائيل بالشروط الفلسطينية، فيما حذر القيادي في حماس محمود الزهار من أن أي محاولة للمراوغة أو الالتفاف على هذه الشروط يعني العودة عن وقف إطلاق النار من أجل إجبار الإسرائيليين على الرضوخ ، كما شدد الزهار على أن كتائب عز الدين القسام لن تضع سلاحها قبل تحرير فلسطين. وقد اشتمل البيان الختامي على توافق بين الأطراف على الاستمرار بالتهدئة مقابل التزام إسرائيل بوقف كل أنواع العنف ضد الفلسطينيين، وبإطلاق الأسرى الفلسطينيين في سجونها. إلا أن البيان نفسه شدد على حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة حتى تحقيق أهدافه، بما فيها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم، كما أن البيان شدد على أن استمرار إسرائيل في التوسع الاستيطاني وبناء الجدار العازل وتهويد القدس الشرقية تشكل عوامل قد تؤدي إلى الانفجار. وعلى الرغم مما تم التوصل إليه من تفاهم، لم يتم الالتزام بالتهدئة في الأشهر الأخيرة، حيث شهدت عمليات مختلفة، وقصفاً بالصواريخ على المستعمرات الإسرائلية، وقد حاولت قوات الأمن الفسلطينية الحؤول دون إطلاق قذائف على المستعمرات الإسرائيلية في خان يونس، كما أعلن مسؤول كبير في السلطة الفلسطينية أن ضباط القوى الأمنية الفلسطينية قد تصولوا إلى اتفاق مع ناشطي الفصائل يقضي بوقف قصف المستعمرات في محاولة لإنقاذ ما يسمى بالهدنة، وقد أعلنت حماس حينها أنها ملتزمة بالتهدئة حيث أن عملياتها ليست سوى رد على العنف الإسرائيلي. من جهته، قال وزير داخلية السلطة الفسلطينية لرؤساء الأجهزة الأمنية الفلسطينية في غزة أنه يجب دعم التهدئة باعتبارها تحظى بتوافق وطني فلسطيني، وذلك من أجل اجتناب الوقوع في الفخ الإسرائيلي الذي يحاول جرنا إلى مواجهة عسكرية فلسطينية فلسطينية.
6- وقف التحريض في وسائل إعلام السلطة الفلسطينية:
على الرغم من تراجع التحريض في وسائل الإعلام والصحافة الفلسطينية وخطب المساجد، بشكل ملحوظ، الإ أن هذا التحريض لم يتوقف بالكامل، فما زالت عبارات تمجيد الشهادة والشهداء تسمع من المسؤولين، بمن فيهم أبو مازن وأيضاً من خطباء المساجد، الذين ما زالوا يحرضون الناس ضد إسرائيل، والصهيونية، والشعب الإسرائيلي.
7- ما زال الفلسطينيون يحتجون على غياب القانون:
من أجل التأكيد على تعزيز القانون تقوم السلطة الفلسطينية بجهود كبيرة من أجل حل الجرائم، وتعقب عصابات سرقة السيارات، وقد أصدرت صحيفة الحياة اللندنية تقريراً قالت فيه إن الشرطة الفلسطينية قد قامت بخطوات كبيرة في هذا المجال، منذ منتصف شهر فبراير/شباط 2005 حين عيّن العقيد حمدي الريفي مديراً للمباحث العامة، وذكر التقرير أن عمل المديرية ارتقى من التحرك ما بعد الجريمة إلى الحؤول دون وقوع الجرائم، وأن من ضمن المحتجزين مؤخراً فتيات صغيرات يشتبه بقيامهن بالسرقة، ونساء يشتبه بإدراتهن لبيوت دعارة، ومجموعة يشبته أنها عصابة سطو. وعلى الرغم من ذلك، شهدت رام الله في أعقاب مقتل أحد الصرافين تظاهرة فلسطينية أمام مبنى المجلس التشريعي دعا فيها المتظاهرون الحكومة الفلسطينية وأجهزة الأمن إلى العمل فوراً على وضع حد لانعدام الأمن ولإعادة مأسسة القانون، مما يؤكد أن الفلسطينيين يعتبرون أن الحماية الأمنية بصيغتها الحالية غير كافية.
سموم محمود عباس الجزء الأول: حق العودة ومحاولات الإلتفاف عليه
د. إبراهيم حمامي
تتوالى التصريحات واللقاءات والمؤتمرات الصحفية لرئيس سلطة أوسلو محمود عبّاس، وبوتيرة تصاعدية ملحوظة حول اللاجئين وقضيتهم التي تشكل المحور الأساس في الصراع الدائر على أرض فلسطين، وبشكل تفوح منه رائحة مساومات من وراء الكواليس لإسقاط حق العودة والتحايل عليه و/أو على تطبيقاته، وهو ما بدأ فعلياً مباشرة عقب ظهور عبّاس عشية تسفير عرفات إلى باريس أبان مرضه ومن ثم وفاته في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2004.
الطريقة التي اختارها عبّاس في التدرج بطرح مشاريعه التي لا أتردد بوصفها بالتصفوية لحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وقراهم ومدنهم الأصلية التي هجّروا وطردوا منها، تشبه طريقة التداوي بالسموم أو الأمصال المعروفة باسم Homeopathy، والتي تعتمد على تناول جرعات مخففة وبكميات قليلة من الأمصال أو السموم لمعالجة الجسم من السموم ذاتها، أو من أمراض أخرى، حتى يعتاد الجسم عليها، فإن تناول الشخص السم الزعاف بعدها كان دون تأثير يذكر، وهو تماماً ما يحاول عبّاس الوصول إليه عبر جرعات مخففة تزداد كل فترة وفترة، حتى تعتاد الأذن، ويعتاد العقل والفكر عليها فيصبح من السهل تمريرها.
الجرعة الأخيرة من سموم محمود عبّاس التدريجية حول قضية اللاجئين الفلسطينيين كانت مختلفة عن سابقاتها، واحتوت على أمور خطيرة فيها من التلفيق والتجاوز ما يجب التوقف عنده، وهو ما سيحتاج لأجزاء ستأتي تباعاً لتوضيح تلك الخطورة، لكن سأبدأ بسرد الجرعات التي نفثها عبّاس وأركان سلطته حتى اللحظة:
كان من أوائل من إجتمع معهم عباس بعد تعيينه رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، مبادرو وثيقة جنيف التي يجمع الشعب بأكمله تقريبا على إنحطاط مستوى الموقعين عليها وعلى حجم التنازلات الهائلة فيها عن الثوابت والمباديء، وقام بتقريب ياسر عبد ربه.
في لقاء مع صحيفة المصور المصرية بتاريخ 03/12/2004 قال عبّاس: انني لا اريد ان اغير ديموغرافيا الدولة الاسرائيلية ولكننا نطلب التوصل الى حل لمشكلة اللاجئين، وتحقيق حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وفق القرار 194 وعلى أساس قرارات قمة بيروت عام 2002.
في شهر كانون الثاني 2005 أعلن عبّاس أنه على استعداد لتقديم تنازلات مؤلمة بالنسبة لموضوع اللاجئين!
في حديث نشرته صحيفة دير شبيغل الألمانية يوم الإثنين 21/02/2005 قال عبّاس فيما قال: إنه مستعد للتفاوض بشأن المكان الذي سيعود إليه اللاجئون، مضيفاً: هناك 5 ملايين لاجئ نعرف أنهم لن يعودوا جميعاً، مشيرًا إلى أن كثيرين منهم لا يريدون العودة لأنهم يعيشون حياة كريمة في الولايات المتحدة أو سعداء في الأردن ولكن يجب تعويضهم ، على حد وصفه، وأضاف : إننا واقعيون وقد تعلمنا من تجربة قمة كامب ديفيد الفاشلة بأنه لا يمكن حل مشكلة كهذه ، عمرها قرن خلال 16 يوما ، فقد يحتاج الأمر سبعة إلى ثمانية أشهر وربما سنة كاملة للوصول إلى حل شامل.
وقد كتبت في حينها تحت عنوان حقنا مقدس رغم أنف سيادتكم بتاريخ 22/02/2005 متسائلاً:
- كيف توصل عبّاس لهذه النتيجة الخطيرة؟ وعلى أي أساس قال ما قال؟
- كم إستطلاع للرأي أو استبيان أجرته سلطته الموقرة للاجئين في أماكن تواجدهم؟
- بل هل يعلم أرقامهم الدقيقة وأماكن تواجدهم؟
- هل يستطيع سيادته أن يخبرنا عن التركيبة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية لثلثي الشعب الفلسطيني في الشتات والمهجر؟
- هل وصل لمسامع سموه أن أياً من سفرائه الدائمين مدى الحياة قد زار عائلة فلسطينية واحدة معزياً في فقيد أو مشاركاً في فرح؟
- هل قرأ القرار 194، وهل يعرف المقصود من التعويض والفرق بين و و أو؟
- ألم يتناهى لسمعه الكريم أن حق العودة مقدس قانوني وممكن؟
- ألم يسمع بالعجوز الفلسطيني الشريف العفيف الذي رفض بيع بيته في القدس رغم الملايين المعروضة؟
- بأي صفة يتكلم سيادته بعد أن همّش وعن عمد الملايين الستة من اللاجئين؟
- ما الذي يعطيه الحق أن يعيش داخل فلسطين وهو اللاجيء في سوريا، بينما يقرر أن غيره لا يمكن عودتهم؟
- هل العيش الكريم والسعادة والراحة كما يدعي بديل عن الوطن؟
- إن كان الأمر كذلك فهل يقبل هو ومن معه من أصحاب القصور والفنادق والكازينوهات والحسابات البنكية المنتفخة والتي جمعت بكل الطرق والوسائل أن يبعوا وطنهم وأن يغادروه مقابل التعويض؟
- أم أن ما يحق لهم لا يحق لغيرهم؟
- الواقعية التي تحدث عنها ألا تنطبق على الديمغرافية الإسرائيلية؟ أم أنه يرى بعين واحدة؟
- ألا يعلم سيادة الرئيس أنه كلما ابتعدنا عن فلسطين ازددنا تمسكاً وتعلقاً بها؟
- في زيارته الأخيرة للبنان وفي تصريح نشر في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 09/07/2005 قال عبّاس : أنا امثل الشعب الفلسطيني وأنا منتخب في الداخل من الشعب الفلسطيني، لكنني رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ايضاً. وعندما أتكلم، فإن ذلك يكون باسم جميع الفلسطينيين، مطالباً بفتح سفارة تكون مرجعية للفلسطينيين في لبنان، وهو ما سيتم الرد عليه بالتفصيل في جزء لاحق، ليبرر قوله لاحقاً بأن اللاجئين الفلسطينيين ضيوف مؤقتون والقانون يطبق عليهم، ليضيف انه في حال قررت الدولة اللبنانية سحب سلاح المخيمات فان حركة فتح وكل الفصائل الفلسطينية ستلتزم، متجاهلاً حقيقة أن سلاح المخيمات هو جزء من معادلة اقليمية أكبر تشمل تطبيقات وتداعيات القرار 1559، ليقدم تنازلاً مجانياً آخر دون مقابل، وفي اطار محاولات التوطين الحثيثة التي تجري الآن.
- نسي، أو بالأحرى تناسى، محمود عبّاس تصريحه السابق بأن اللاجئين في لبنان ضيوف مؤقتون ليطالب الدول العربية بتجنيس الفلسطينيين المقيمين على أراضيها قائلاً : إنه يوافق على منح الدول العربية جنسيات للاجئين الفلسطينيين اذا احبت، معتبرا ان ذلك لا يعني التوطين، كما جاء في حديث لقناة دبي الفضائية بثته الأحد10/07/2005 وقال عباس : أرجو أي دولة عربية تريد أن تعطي الجنسية للفلسطينيين ان تعطيهم، فما الذي يمنع ؟ واضاف هذا لا يعني التوطين. وعندما تتاح للفلسطيني العودة الى وطنه، سيعود سواء اكان يحمل جنسية عربية او اجنبية. وقال : إن فلسطينيا من الجيل الخامس يعيش في تشيلي يحب ان يعود عندما يسمح له … انها مسألة عاطفية لا علاقة لها بالجنسية، محولاً الحق المقدس المشروع إلى موضوع عاطفي عندما يسمح له!
هذه وباختصار مراحل نفث السموم التدريجية، والتي بالتأكيد ستتواصل وتستمر، ليبقى السؤال : ما الذي يعطي عباس - وهو لاجيء سابق في سوريا - الحق في أن يعيش داخل فلسطين ليتمتع بأكثر من فيلا وفي أكثر من مدينة وليصبح رئيساً لسلطة أوسلو، وليصبح أحد أبناؤه مالكاً لشركة سكاي ( طارق) والآخر صاحب وكالات السجائر في فلسطين ( ياسر )، بينما يحرم 500 ألف لاجيء في سوريا وأضعافهم في باقي أنحاء العالم من أي حق لهم في فلسطين؟
ما ورد في تلك المراحل وكما أسلفت خطير للغاية، وفيه الكثير مما يجب التوقف عنده وبالتفصيل، كالإدعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني، والتصريحات المغلوطة حول الشتات، والحلول التلفيقية لحق العودة، وغيرها من باقي الأمور الخطيرة، والتي بعونه تعالى سأتناولها في الأجزاء القادمة.
المهاجرون لا يؤمنون بالصهيونية أو بأية عقيدة أخرى، كما لا توجد عندهم هوية يهودية واضحة, فهم جماعة بشرية فقدت الهوية والقيم،وأصبح هدفها الأساسي هو البحث عن المنفعة واللذة في الحياة بشكل إجرائي كفء. ولا يحملون أية أعباء أيديولوجية أو أخلاقية، فالمعايير التي يستخدمونها معايير مادية تهدف إلى تعظيم المنفعة المادية الكمية. وذلك بسبب غياب أية مثل عليا. وهم يتسمون بحركية غير عادية ورغبة عارمة في تحقيق الحراك الاجتماعي وتحسين المستوى المعيشي دون اكتراث بأية قيم ثقافية أو دينية أو خصوصية حضارية أو أيّ مطلقات معرفية أو أخلاقية تسبب الصداع للرؤوس المادية النفعية الاستهلاكية.
وقد حاول الكثير منهم الهجرة إلى الولايات المتحدة لتحقيق طموحاته المادية الاستهلاكية، ولكن إسرائيل واللوبي الصهيوني نجحا في إقناع الولايات المتحدة بأن توصد أبوابها دونهم. ومن ثم أصبحت إسرائيل بالنسبة لهم هي السبيل الوحيد للخروج من الاتحاد السوفيتي. ولذا، فإن كثيراً من هؤلاء المهاجرين ذهبوا صاغرين إلى أرض الميعاد لا يحملون في قلوبهم أيَّ تطلُّع لصهيون أو أيَّ حب لها. فهم لا يريدون سماع أي شيء عنها، على حد قول يوري جوردون رئيس قسم الاستيعاب في الوكالة اليهودية الذي كان مسؤولا عن توطين اليهود السوفييت.
وقد لخص أحد المهاجرين المرتزقة الموقف بقوله: لم يكن أمامي خيار سـوى أن أذهـب إلى إسـرائيل بعد أن قضينا سـبعة شـهور في روما. ولكنه أعلن عن تصميمه على عدم البقاء. وقد بدأت الصحف الصادرة بالروسية في إسرائيل بتخصيص مساحة كبيرة يحتلها معلنون يعرضون تزويد القراء بالسلعة التي تطمح لها غالبية المهاجرين الجدد: تأشيرات دخول إلى كندا.
وقد وصف أرييه ديري، وزير الداخلية، المهاجرين المرتزقة وصفاً دقيقاً حين قال: إنهم بعد وصولهم ستجدهم جالسين على حقائب السفر.
وقال مسؤول إسرائيلي آخر: بعض ممن لا يمكنهم الذهاب إلى الولايات المتحدة سيأتون إلى إسرائيل بهدف استخدامها كمحطة على الطريق، وسيقومون باستغلالنا أيضاً، وسيأخذون أية خبرات قد نقدمها لهم، وقد ينتهي بنا الأمر إلى أن يتجمع عندنا عدد كبير من الناس الذين يشعرون بالبؤس والذين ينتظرون أول فرصة لينزحوا عن إسرائيل، فهم يعرفون تماماً أن إسرائيل بلد صعب وأن الولايات المتحدة بلد سهل بالمقارنة. والسهولة قيمة أساسية بالنسـبة لهؤلاء البـاحثين عن الراحة والترف.
وقد وصف أحد الكُتَّاب الإسرائيليين المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق بأنهم مهاجرون اقتصاديون، كما وصفهم آخر بأنهم هاربون من الاتحاد السوفيتي وليسوا مهاجرين إلى إسرائيل. أما جوليا ميرسكي، عالمة نفس في الجامعة العبرية، فقد وصفتهم بأنهم لاجئون وليسوا مهاجرين. ووصفهم كارل شراج في الجيروزاليم بوست بأنهم مستوطنون بالإكراه أو رغم أنفهم.
والمهاجرون السوفييت ليسوا وحدهم من الصهاينة النفعيين الباحثين عن فوائد الاستيطان في أرض الميعاد، والذين يريدون توظيفها لا لتحقيق الآمال القومية وإنما لتحقيق مصالحهم الشخصية. خذ على سبيل المثال اليهود المسنين الأميركيين الذين يقررون الهجرة إلى إسرائيل والاستيطان فيها حينما يصلون إلى سن التقاعد لأنهم يمكنهم أن يعيشوا حياة مترفة على معاشاتهم الصغيرة، فكأن إسرائيل هي بيت المسنين أو فلوريدا الصهيونية. وهناك، كذلك، اليهود الذين يرسلون جثمانهم ليُدفن في إسرائيل: فهم يرفضون العيش في إسرائيل، ولكنهم لا يرفضون الموت فيها. وعلى حد قول أحد الكُتَّاب الإسرائيليين، فإنهم يعهدون بالجانب التاريخي في حياتهم إلى أوطانهم، أما الجانب الكوني الذي يتعلق بالموت فهم يعهدون به لإسرائيل! والوكالة اليهودية تسبح مع التيار ولذا فهي تقوم بمحاولة جذب أعضاء الجماعات اليهودية للاستيطان في إسرائيل على أسس نفعية محضة فلا تهيب الإعلانات بحسهم الديني أو بارتباطهم بالأسلاف، وإنما تتحدث بشكل صريح عن البيت المريح، أو الإمكانيات الاستثمارية للمستثمرين وإمكانيات البحث العلمي للعلماء.
أبدى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال دان حلوتس، في مقابلة مع صحيفة هآرتس، قلقه من السيرورات التي يمرّ بها المجتمع الإسرائيلي. وقال إنه يلحظ في هذه السيرورات نوعاً من الصراع على سلطة القانون التي تجعل من دعوات الجنود إلى رفض تنفيذ أوامر متعلقة بخطة الفصل عملاً محزناً. وفي نظره فإن هذه الدعوات تكشف عن عدد من الأعصاب الأشد حساسية في المجتمع الإسرائيلي وتضعها على الطاولة. وأعلن أننا في النهاية سوف نُضطر، كمجتمع وجيش، إلى إجراء حساب مع النفس. ففي دولة تريد أن تعيش بشكل صالح، يستحيل قبول أن يكون القانون بضاعة على الرفّ، يمكنك إن شئت شراؤها وإن لم تعجبك لا تقترب منها.
وهناك من يعتقد بأن أرييل شارون في سعيه لتنفيذ خطة الفصل، عمد إلى تغليب المصلحة العليا لإسرائيل على المصالح الصغيرة، وأنه في هذا التغليب استخدم كل الوسائل التي وضعها القانون تحت تصرفه. غير أن آخرين يؤمنون بأن العكس هو الصحيح وأن دوافع شارون للفصل لم تكن وطنية خالصة وإنما تأثرت بأشكال مختلفة بمصالحه الخاصة.
وصدرت حتى الآن كتب عديدة في إسرائيل لدعم وجهتي النظر المتناقضتين. وبدا جلياً على وجه العموم أن وجهتي النظر هاتين تعبران عن قطبين متباعدين أحدهما يمثل الوسط واليسار والثاني يمثل اليمين. وهناك من يلحظ أن التقسيم يتلخص في وقوف غالبية اليمين الديني والقومي ضد الوسط العلماني واليسار.
غير أن نظرة أخرى تبين أن الأمور ليست على هذا النحو من الجلاء. فالأمور تختلط ليس فقط تجاه الموقف من خطة الفصل وإنما كذلك تجاه الأساليب التي انتهجها شارون لتمرير الخطة. وبخلاف القلق الذي أبداه رئيس الأركان وهو يشرح الصراع على سلطة القانون حيث أوحى بأن الوقوف إلى جانب الحكومة هو الأمر المشروع، يرى زعيم حزب العمل سابقاً أبراهام بورغ أن شارون في الجانب الخاطئ.
ويقول بورغ في مقالة نشرها في هآرتس إنه لا يؤمن بخطة الفصل هذه ولا بمن يريدون تنفيذها. فسيرورة إقرار الخطة هشمت وفرّقت، شذراً مذراً، القليل المتبقي من الثقافة السياسية التي كانت لدينا وحكمت علينا بسنوات طويلة مقبلة من الديموقراطية المعاقة والعرجاء، التي تدار في ظل فوضى هذه الأيام. لقد رفس رئيس الحكومة كل مواضع الإجماع السياسي، وسرق، بكل معنى الكلمة، رأي الخلائق. ومثلما لا وجود لأسواق رأس المال من دون بورصة، ولا وجود لعائلة من دون تزاوج، فإنه لا ديموقراطية وسياسة من دون أحزاب. واستخفاف رئيس الحكومة وشركاؤه بكرامة قرارات حزبه، والاحتقار والتجاهل، حطمت جميعاً الفكرة الأساسية للحياة السياسية.
والأمر ليس قصراً على بورغ في صفوف اليسار في نظرتهم إلى الجوانب الإجرائية لإقرار خطة الفصل. فهناك من ينظرون كذلك إلى الجوانب الجوهرية وراء هذه الخطة ولا يسيرون وراء اعتقاد شمعون بيريز ويوسي بيلين وأنصارهما بأن الخطة سوف تقود في النهاية إلى عكس ما يريد شارون. ويؤمن هؤلاء بأن خطة الفصل نشأت أصلاً على قاعدة افتراض مزوّر يقول بأنه لا شريك لإسرائيل في العملية السلمية. وأسس هذه الفرضية في الجانب الإسرائيلي الأعداء الحقيقيون للعملية السياسية.
وفي تشرين الأول من العام الفائت أعرب مستشار شارون المحامي دوف فايسغلاس عن اعتقاده بأن الإدارة الصائبة للأمور جعلتنا ننجح في إبعاد العملية السياسية عن جدول الأعمال. وعلّمنا العالم بأسره أنه ليس هناك مَن نتحادث معه وحصلنا على شهادات تقول أولاً: ليس هناك مَن نتحادث معه. وثانياً: طالما ليس هناك من نتحادث معه، فإن الوضع القائم الجغرافي سيبقى على ما هو عليه. وثالثاً: تُلغى هذه الشهادة فقط بعد حدوث كذا وكذا، وتغدو فلسطين فنلندا.
وهذه الفرضية، بحسب مقالة لزعيمة حركة ميرتس السابقة شولاميت ألوني، تجدّد نفسها اليوم في خطة الفصل حيث تتجنّب إسرائيل التنسيق مع الفلسطينيين وتفسح المجال واسعاً للمستوطنين للاعتراض. وتقول ألوني إنه لو كانت حكومة شارون تريد السلام لتعاملت بشكل مختلف مع المستوطنين ولامتنعت عن إظهار الفلسطينيين دوماً كإرهابيين ولساعدت الرئيس محمود عباس. وتقوم الفرضية الجديدة على إغراء العالم على الاعتقاد بأن إسرائيل تريد السلام لأنها مستعدة لإخلاء المستوطنات في قطاع غزة.
والواقع إن قسماً صغيراً من اليسار الإسرائيلي بات يفهم أصول اللعبة التي بُنيت عليها السياسة الصهيونية سواء الليكودية منها أو العمالية. فحزب العمل ظل طوال عقود يؤمن بالتبرير الذي قدّمته رئيسة الحكومة السابقة غولدا مئير للشدة في التعامل مع العرب. ويذكر الجميع قولها حول العمليات الانتقامية والتصفيات التي أمرت بتنفيذها ضد من شاركوا في عملية ميونيخ: بعد كل ما فعلوه بنا، مسموح لنا فعل كل شيء ولا حق لأحد في توجيه الانتقادات لنا.
وشكّل هذا التبرير أرضية للغارات الوحشية التي شنّها الطيران الإسرائيلي على العاصمة اللبنانية في غزو العام 1982 والغارات التي شهدتها المدن والقرى الفلسطينية في انتفاضة الأقصى.
وهنا ثمّة أهمية لاستذكار ما كتبه أرييل شارون في معاريف في العام 1992: تجارب الماضي لا تثبت فقط أن بالوسع القضاء على الإرهاب، بل تثبت أيضاً جوهر السبيل إلى ذلك! لا يجوز الهرب من الإرهاب، الذي يمكن ضربه فقط إن سيطرنا على قواعده وحاربنا عصاباته في منطقته. وغزة هي المثل! ... إذا ما تركنا غزة فسوف تسيطر عليها منظمات المخرّبين. وما الذي سيفعله الجيش الإسرائيلي آنذاك؟ أيعود ويحتل القطاع؟ كلنا نسعى إلى تسوية سياسية، لكننا سنصل إليها فقط بعد تحطيم الإرهاب، ونستطيع القضاء على الإرهاب فقط إذا ما سيطرنا على قواعده وهناك سنحارب عصاباته للقضاء عليها.
ولكن هذا المنطق يظهر أن الخلاف داخل إسرائيل وإن تمظهر بخلاف بين التيار الديني القومي والتيارات الأخرى، هو في الواقع خلاف أعمق. ولكن ما يبدو منه حتى الآن خلاف بين مؤيدي الاحتلال الكلي والمطلق ومؤيدي الاحتلال الجزئي والمحدود. وهذا ما بات يُسمّى بالخلاف بين أنصار دولة إسرائيل وأنصار أرض إسرائيل.
وثمة مَن يعتقد أن كل الحديث عن صراع بين اليمين واليسار أو العلمانية والدينية أو الصراع على سلطة القانون، هو في الحقيقة حديث عن صراع بين المقوّمات الدينية للدولة اليهودية ومقوماتها القانونية. فهناك من ينطلق في موقفه من الحق الإلهي بالأرض ويأخذ الأوامر من الحاخامات الدينيين والزعماء القوميين، ومَن يريد الاكتفاء بالمصلحة الإسرائيلية المحققة عبر واقعية سياسية.
ولهذا السبب رحّب كثيرون في إسرائيل بالصراع الحالي مطالبين الدولة اليهودية باستغلال فرصة نزع القشرة عن الإدعاءات وتحديد الموقف من منتهكي القانون وحق الدولة. وتجاهل هؤلاء أن اليمين القومي الديني يرى أن ما كان يصلح في الماضي لا يزال يصلح حتى اليوم، وأن إقامة الدولة اليهودية تمّت أصلاً وفق مبادئ الاستيطان المرفوضة الآن. ويرون الزيف في رفضها في هذا الوقت من جانب أحد كبار المحرّضين سابقاً عليها، أرييل شارون الذي لا يزال يؤمن أنه لو بلغ عدد المستوطنين مليوناً وليس ربع مليون لتغيرت الوقائع على الأرض.
الانسحاب من غزة إنجاز مسموم, لاتستطيع أن ترفضه, ولا تستطيع أن تقبل بنتائجه, وبالمعيار النسبي هو خطوة إلي الأمام, لكن أخشي ما أخشاه أن تستصحب معها عشر خطوات إلي الوراء, بحيث تتخلص إسرائيل من كابوس غزة, لكي تبتلع الضفة وتجهض الحلم الفلسطيني.
(1) أحذر من الوقوع في الفخ والاستسلام للمبالغة في حجم الانجاز, الذي هو في احسن فروضه خطوة أولي علي طريق استرداد الحق المسلوب, في حين تريده إسرائيل خطوة أخيرة, تمهد لإغلاق ملف القضية, وتفتح الباب لتطبيع العلاقات مع العالم العربي, وليس سرا أن تسويق العملية بدأ بالفعل, وإذا كان وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم قد تحدث عن طفرة في العلاقات العربية الاسرائيلية هذا العام, فإن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس فصلت في الأمر, حين أعلنت في تل أبيب( يوم2005/7/22) أن الإدارة الأمريكية قررت أن تؤدي دورا نشيطا لإعادة العلاقات المقطوعة بين العرب وإسرائيل, بعد الانسحاب من غزة, وقالت إن واشنطن تقترح عقد مؤتمر دولي لهذا الغرض, تشارك فيه عدة دول عربية.
كما رأيت فان التسويق بدأ بالفعل, وهو أمر ينبغي عدم الاستهانة به, إذا وضعنا في الاعتبار أهمية ووزن الطرف الذي يباشر العملية, ذلك أن واشنطن إذا وصفت تحركها بأنه مجرد مقترحات وأفكار, فذلك من قبيل المعالجة الدبلوماسية, لأننا نصبح في حقيقة الأمر بازاء توجهات وضغوط أمريكية علي العواصم العربية, تطالبها برد الجميل لاسرائيل بعد انسحابها من غزة.
ما يثير التوجس ويبعث علي القلق أن تلك الضغوط تمارس في أجواء من عدم الممانعة العربية, يخشي في ظلها أن يقع العرب في الكمين ويبتلعون الطعم المسموم, بحيث ينتهي بهم الأمر إلي الانصياع والاسهام في إغلاق الملف, عبر إدراج تسويغ التطبيع بعد الانسحاب من غزة علي جدول الأعمال العربي.
(2) قبل نحو أسبوعين, في2005/7/28 نشرت صحيفة هاآرتس مقالة مثيرة للانتباه, كتبها المفكر والمؤرخ الصهيوني البارز ميرون بنفنستي, قال فيها إن شارون وأعوانه حين أطلقوا مبادرة الانسحاب من غزة, دون أي اتفاق أو تفاهم مع السلطة الفلسطينية, فانهم من الناحية العملية أجهزوا علي آخر بقايا مرحلة أوسلو, التي قامت علي الاعتراف بالفلسطينيين كطرف شرعي, يمثل مجموعة سكانية تستحق أن تمتلك حق تقرير مصيرها, وقد وصف الخطوة احادية الجانب بانها بمثابة إعادة العجلة إلي الوراء, للفترة التي حاولت فيها إسرائيل استلاب حق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم, مدعية انهم ليسوا كيانا ثقافيا وسياسيا وشرعيا, وانما هم مجموعة من الارهابيين, الذين يتعين عدم إشراكهم في أية مفاوضات, وأبدي الرجل دهشته من أن بعض الأطراف العربية التي تختلف جذريا في هذه النظرة للفلسطينيين, تبدي حماسا لمساعدة شارون علي تنفيذ خطته, التي يرفض فيها أية محاولة لإجراء مفاوضات طبيعية بين طرفي الصراع.
في مقالته اتهم بنفنستي اليسار الصهيوني بالتواطؤ مع شارون, وختم باستنتاج مهم خلاصته أن شارون يمثل أحادية الجانب الكلاسيكي في مسيرة الصهيونية, بقسماتها التي تتسم بالجبروت والطغيان, ولا تردعه أو تخيفه العلاقة المباشرة بين أحادية الجانب ونهج القوة المؤدي إلي العنف, وهو بذلك لم يأت بجديد, كما ذكر المؤرخ موتي جولاني, حيث يسير علي دروب الحرب رافعا رايات السلام, لسبب جوهري, هو أن الخروج للحرب اسهل نسبيا من صعوبات التسويات والحلول البديلة وضرورات الالتزام بضبط النفس.
(3) تغنينا هذه الشهادة في تسليط الضوء علي دوافع القيادة الاسرائيلية في تقريرها لفكرة الانسحاب من غزة, بغير أي تفاهم أو اتفاق مع الفلسطينيين, وكيف أن هذه الخطوة ابعد ما تكون عن البراءة أو حسن النية, كما يتوهم البعض إلا أنني أضيف إليها بعدا آخر يتمثل في أنه ما من اتفاق تم مع اسرائيل, أو مبادرة صدرت عنها, إلا وظفت لتسكين وتخدير الطرف الفلسطيني والعربي, ولإطلاق يد اسرائيل في ممارسة التوسع وتكريس الاحتلال, وفرض وقائع جديدة علي الأرض لاغتيال الحلم الفلسطيني.
يكفي أن تعلم مثلا انه منذ توقيع اتفاق أوسلو عام1995 وحتي الآن, أقامت إسرائيل مائة مستوطنة جديدة في توسع غير مسبوق للاستيطان, ومنذ الاتفاق علي التهدئة مع فصائل المقاومة في شهر فبراير من العالم الحالي, وحتي الآن, ارتكبت إسرائيل6985 انتهاكا, وقامت بأكثر من ثلاثة آلاف حادث إطلاق للنار, وصادرت من الأراضي33803 دونمات ونفذت التزامها بإطلاق900 أسير, لكنها اعتقلت في المقابل1120 فلسطينيا! ـ في الوقت ذاته فإنها شرعت في بناء السور الوحشي الذي طبقت شهرته الافاق, وقامت بخطوة خطيرة أخري, حيث تولت توسيع حدود القدس الكبري, حتي وصلت بعد ضم مستوطنة معالي ادوميم وتوسيعها إلي حدود نهر الأردن, مما أدي إلي قسمة الضفة الغربية إلي شطرين شمالي وجنوبي.. الخ.
لماذا الانسحاب من غزة بالذات؟
في الإجابة علي السؤال ينبغي أن يكون واضحا أن ثمة إجماعا بين المعلقين في الدولة العبرية علي انه حين اقدم علي تقرير تلك الخطوة, التي استخدم في وصفها مصطلح فك الارتباط, فإنه انطلق من منطق إدارة الأزمة وليس حلها, وهؤلاء يؤكدون أن الرجل بات يدرك انه ليس بإمكانه الاحتفاظ بالمشروع الاستيطاني بكامله في الضفة وقطاع غزة وهضبة الجولان, وذلك لسببين جوهريين هما: اندلاع انتفاضة الأقصي التي كانت عالية التكلفة بالنسبة له, لعدم استعداده دفع أي ثمن لقاء أي تسوية سياسية مع الطرف الفلسطيني, لذلك آثر أن يلجأ إلي خطوة الارتباط من جانب واحد, وكانت غزة هي الأكثر ملاءمة لتنفيذ خطته ـ لماذا؟
للتخلص من الثقل السكاني الفلسطيني( يعيش في القطاع مليون ونحو300ألف نسمة), وهو الهاجس الذي يؤرق إسرائيل, إذ بعد الخروج من غزة فان الصراع يحسم ديموجرافيا لصالح الدولة العبرية, وقد عبر شارون عن ذلك صراحة اكثر من مرة.
انعدام الفائدة الاستراتيجية لقطاع غزة, سواء من حيث الموقع, أو الحجم( مساحته365 كيلو مترا مربعا), مثل6% من الأراضي التي احتلت عام67, كما انه اصغر من أي محافظة في الضفة الغربية) ـ والي جانب انعدام الفائدة الاستراتيجية, فان الاستيطان في القطاع لا يوجد له ما يبرره في الأساطير الدينية.
بالنسبة لإسرائيل فإنها تريد أن تستغل الانسحاب من غزة, لكي تسوقه بحسبانه تنفيذا إسرائيليا لقرار مجلس الأمن242 في صيغته الإنجليزية, ومن الثابت أن الجهات المختصة في إسرائيل أعدت دراسة ووثائق قانونية في هذا الصدد, للاستناد إليها في تسويق هذه الحجة بالمحافل الدولية.
(4) هل ينتهي احتلال غزة بعد الانسحاب المفترض, وهل خروج الإسرائيليين من القطاع فيما سمي بفك الارتباط يعد انسحابا حقيقيا من وجهة نظر القانون الدولي؟
بين يدي تقرير لمجموعة من القانونيين الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل, ويدركون حقيقة الدوافع والتفكير الإسرائيليين, لا يتسم بأي قدر من التفاؤل, إذ يرون أن الاحتلال سوف يستمر ولكن بصورة أخري مغايرة, وتتلخص وجهة نظرهم فيما يلي:
إسرائيل ستواصل السيطرة علي أجواء القطاع, وفي الوقت نفسه ستحرم الكيان الفلسطيني من استخدام هذه الأجواء بدون اذن الدولة العبرية, وعلي الرغم من أن إسرائيل لم توافق علي إعادة تشغيل مطار غزة الدولي بعد إلا أنها أوضحت بشكل لا يقبل التأويل أنها ستفرض قيودا مشددة علي ظروف تشغيله.
إسرائيل ستواصل السيطرة علي شواطئ القطاع تماما, وستواصل حصارها, بمعني أن الكيان الفلسطيني لن يتمتع بـمياه إقليمية يحق له فيها إقامة ميناء يعمل بشكل حر, وعلي الرغم من أنه حتي الآن لم تتم الموافقة علي تدشين الميناء إلا أن إسرائيل تصر علي أن تشغيله سيخضع لنفس أسلوب تعاملها مع المطار.
حتي هذه اللحظة لم توافق إسرائيل بصورة رسمية علي إخلاء الشريط الحدودي, ورغم تواتر الحديث عن إخضاعه في النهاية للإشراف المصري, فان إسرائيل تؤكد أنها ستواصل فرض قيود علي الحركة عبر الشريط.
لن يتم التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة جغرافية واحدة, لان الدولة العبرية لاتقر بحق الفلسطينيين في وجود رابط بين هاتين المنطقتين, وعلي الرغم من أن تل أبيب لم تعلن موافقتها علي فكرة الممر الآمن بين الضفة الغربية والقطاع, إلا أنها تصر في المقابل علي أن الممر يجب أن يظل تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية, وان الذين يتحركون فيه يتوجب عليهم أن يحصلوا علي موافقتها.
أخطر ما في الأمر: أن إسرائيل تصر علي التعامل مع الكيان الفلسطيني في قطاع غزة مستفيدة من تأويل بعض بنود اتفاقيات أوسلو, فقد أعلنت وزيرة القضاء الإسرائيلي تسيفي ليفني أن وزارتها أعدت وثيقة قانونية تؤكد انه حتي بعد فك الارتباط لا يجوز للسلطة الفلسطينية أن تسمح بمشاركة حركة حماس في الانتخابات التشريعية, وتقول الوثيقة التي تطرقت إليها صحيفة هاآرتس في(2005/7/5) انه حسب أحد ملاحق اتفاقيات أوسلو فان السلطة الفلسطينية التزمت بعدم السماح بمشاركة أي فصيل أو شخص أو تنظيم فلسطيني يدعو لاستخدام العنف والإرهاب في الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني.
الأدهي من كل ذلك هو ما كشفت عنه أيضا هاآرتس في(2005/7/5) وهو انه بخلاف التبريرات التي أعلن عنها لتأجيل الانتخابات التشريعية, والتي ادعي فيها أنها جاءت لصياغة قانون انتخابي جديد, فان الصحيفة نقلت عن مصدر كبير في مكتب شارون قوله ان إسرائيل والادارة الامريكية تلقت تأكيدات من قيادة السلطة بأن تأجيل الانتخابات التشريعية جاء من اجل منع مشاركة حماس فيها.
في الأسبوع القادم لنا كلام آخر في الموضوع.
الأهرام - 43345 السنة 129-العدد 2005 اغسطس 9 4 من رجب 1426 هـ الثلاثاء
بصرف النظر عما يقال ويتردد بأن شارون يريد أن يجعل من مسألة الانسحاب من غزة بمثابة إسدال مفاجيء للستار علي عملية السلام, واعتبار أن هذا الانسحاب هو الفصل الأول والأخير, فإن القضية الفلسطينية علي أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي تحطم أسوار السجن الكبير الذي خنق غزة وشعبها لأكثر من38 عاما متصلة... وبصرف النظر عما تبديه بعض الفصائل الفلسطينية من تحفظات ومخاوف بشأن هذا الانسحاب ـ الذي يعتبرونه فخا ـ فإن تفكيك21 مستوطنة إسرائيلية وتخليص أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني من الإذلال والتنكيل في ظل وجود الاحتلال يمثل حدثا تاريخيا في مسار القضية الفلسطينية.
واذا كان هناك من يقول بأن الانسحاب من غزة سوف يزيح عن كاهل إسرائيل عبئا ثقيلا, بعد أن اكتشفت أن استمرار بقائها سوف يكلفها ثمنا باهظا, فإن المهم في النهاية أن إسرائيل ستنفذ انسحابا كاملا من القطاع وستخلي مستوطناتها وتسحب مستوطنيها بمثل ما تخلي مواقعها العسكرية وتسحب جنودها.
أريد أن أقول انه قد آن الأوان لكي يدرك الفرقاء الفلسطينيون أنهم يواجهون منذ هذه اللحظة تحديا بالغ الدقة والحرج, وأنهم مطالبون ـ أمام المجتمع الدولي كله ـ أن يثبتوا قدرتهم علي ترتيب أوضاعهم الداخلية باتجاه بناء نموذج حضاري مصغر للدولة الفلسطينية المرتقبة, تحت عناوين واضحة تؤكد هيبة السلطة وقوة القانون.
لعلي أقول أكثر من ذلك وأشير ـ دون أدني مواربة ـ الي تهديدات ونيات صريحة أعلنتها إسرائيل علي لسان أكثر من مسئول فيها, بأنها لن تتورع عن القيام بعمليات تأديبية انتقامية غير مسبوقة اذا تعرضت القوات الإسرائيلية وقوافل المستوطنين الي أي هجوم خلال مراحل انسحابها.
ومهما قيل عن أن هذا الانسحاب من غزة يظل انسحابا ناقصا لا يصنع أمنا أو سلاما, طالما بقيت الضفة الغربية والقدس تحت الاحتلال, فإن شيئا أفضل من لا شيء والفرحة التي سيعيشها سكان قطاع غزة تظل مرشحة للتكرار في بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة, طالما أن الانسحاب من غزة وفر سابقتين مهمتين هما الانسحاب من كل شبر من القطاع والتسليم بضرورة إخلاء المستوطنات.
وبرغم أنني واحد من الذين يتشككون في مصداقية التزام إسرائيل بخطة خارطة الطريق, قياسا علي سوابق المماطلة والتسويف التي تمثل عناوين أساسية في منهج التفاوض الاسرائيلي, إلا أنه لا يجب اغفال حقيقة مهمة مفادها أن الانسحاب من غزة يمثل نكسة شديدة للفكر الصهيوني التوراتي, الذي يرتكز الي مبدأ أساسي هو اقامة دولة اسرائيل الكبري, التي لا تقتصر علي أرض فلسطين وحدها وانما تمتد الي ما هو أبعد من دول الجوار المباشر.
واذن فنحن أمام متغير بالغ الأهمية وبالغ الدلالة في السلوك الإسرائيلي... وسواء جري توصيف هذا المتغير بأنه اضطراري تحت وطأة عوامل كثيرة فلسطينية واقليمية ودولية.. أو أنه انعكاس لمراجعة فكرية جديدة في ثوابت النظرية الصهيونية, فإن التسليم بالانسحاب من أرض فلسطينية هو انتصار مرحلي للمشروع الفلسطيني, يتوازي مع تراجع مرحلي للمشروع الصهيوني الكبير.
***
وفي اعتقادي أن الفلسطينيين ـ وليس أحدا غيرهم ـ يمكنهم أن يجعلوا من مسألة الانسحاب من غزة أول بشائر الحرية وأول بشائر الاستقلال علي طريق بناء الدولة الفلسطينية المستقلة, التي تضع اللبنات الحقيقية لسلام عادل وشامل في المنطقة يقوم علي التعايش المتكافيء, ويدفن الي الأبد ذلك الحلم الصهيوني التوسعي الذي لا يخاصم العدل فحسب وانما يخاصم حقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا.
إن الفلسطينيين ـ وليس أحدا سواهم ـ يمكنهم أن يجعلوا من قطاع غزة برغم كثافته السكانية الرهيبة وفقره الشديد في الموارد, نموذجا لقدرة الانسان الفلسطيني علي قهر المستحيل واستحداث أساليب للعمل والبناء, التي تجذب الاستثمارات وتجعل من غزة برغم ضيق مساحتها, أرضا جاذبة للبشر وليست أرضا طاردة لهم.
واذا كان الإسرائيليون ظلوا لأكثر من30 عاما يتباهون بما فعلوه في مستوطنات قطاع غزة, لتكون أحدي أهم مناطق تصدير الخضراوات والفواكه والزهور الي مختلف دول العالم, فإن بإمكان الفلسطينيين أن يفعلوا الشيء ذاته... بل وأن يفعلوا ما هو أفضل منه تحت مظلة الاحساس بأن الأرض أرضهم وانها قد عادت اليهم بعد تضحيات غالية.
ولست أجنح الي الخيال اذا قلت انه اذا نجح الفلسطينيون بوعيهم لكل جوانب الصراع, ولم يمنحوا صقور التشدد في أسرائيل أية ذرائع ومبررات لتعطيل الانسحاب أو الادعاء علي الفلسطينيين, بأن غزة تحولت بعد الانسحاب الي بؤرة تهديد لهم, فإن القضية الفلسطينية سوف تكتسب زخما ـ غير مسبوق ـ من التأييد الدولي وبما يعزز من الموقف التفاوضي الفلسطيني في ترتيبات الحل النهائي.
لنكن صرحاء مع أنفسنا وأمناء علي القضية التي استنزفت الأمة العربية ومواردها علي مدي يزيد علي نصف قرن من الزمان, ونتجه للتعامل مع قضية الانسحاب الإسرائيلي من غزة لإنهاء احتلال بغيض دام38 عاما وتفكيك21 مستوطنة, علي أنه بمثابة تحول تاريخي في مسار هذه القضية, فضلا عن ضرورة قياس المشاعر الحقيقية لسكان هذا القطاع الضيق المساحة والمحدود الموارد والمثقل كاهله بالكثافة السكانية الأعلي في العالم.
وهنا يتحتم القول صراحة, بأن الإرادة الفلسطينية التي صنعت صمودا بالمقاومة والكفاح حظي بإعجاب العالم وتقديره, يتوجب عليها أن تثبت وجود ارادة موازية لضبط النفس واظهار المشهد الفلسطيني كنموذج منضبط قادر علي صيانة استقلال وطني, يستظل بسلطة النظام والقانون وينفي أية ادعاءات ومزاعم بخطر الممارسات غير المسئولة للفصائل الفلسطينية في هذه المرحلة الدقيقة.
***
واذا قيل ـ والقول يمكن وضعه في الاعتبار ـ بأن الانسحاب من غزة ليس بالأمر الجديد في السياسة الإسرائيلية, وأنه سبق لرئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق رابين أن ابتهل الي السماء أن يصحو من النوم ذات يوم فيجد أن البحر قد ابتلع غزة بأكملها, فإن القياس علي معطيات اليوم يعتبر قياسا فاسدا لأن هذا الانسحاب يتم في ظروف اقليمية ودولية جديدة لم يسبق لإسرائيل أن شعرت بمثلها من قبل, خصوصا ما يتعلق بالاختلالات العربية التي رجحت كفة ميزان القوي لصالح إسرائيل ترجيحا مذهلا, وأيضا ما يتعلق بانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام العالمي الجديد وانحيازها اللامحدود لإسرائيل, الذي بلغ ذروته بوعد بوش لشارون حول القدس واللاجئين والتجمعات الاستيطانية الكبري في الضفة الغربية.
أريد أن أقول بوضوح, إن هذا الانسحاب الوشيك يصب في خدمة النضال الفلسطيني بأكثر مما يراد تصويره, علي انه غطاء لمخطط أخطر يستهدف ابتلاع الجزء الأكبر من الضفة الغربية المحتلة, سواء من خلال توسيع المستوطنات القائمة أو اقتطاع المزيد من الأراضي لحساب الجدار العنصري الفاصل, أو عزل القدس عن محيطها العربي... لأن كل هذه الإجراءات تظل إجراءات باطلة وغير معترف بها وتنطبق عليها ذات الشروط التي طبقت علي مستوطنات قطاع غزة, ما لم يقل الفلسطينيون بغير ذلك في اتفاق سلام تعاقدي.
***
وإذن ماذا؟
أعتقد ـ ولست وحدي في هذا الاعتقاد ـ أن من مصلحة عملية السلام, أن تفي إسرائيل بوعدها بالانسحاب الكامل والشامل من قطاع غزة, وأنه حتي لو كانت إسرائيل تريد تجميد عملية السلام عند هذا الانسحاب, فإن ذلك سوف يحسب عليها وبالقطع لن يكون في صالحها, لأنها ستخسر الكثير سياسيا في الساحة الدولية وتبرر عودة الفلسطينيين للاحتكام لسلاح المقاومة مرة أخري.
وقد أجازف في هذا الصدد واقول, إنه برغم كل ما يبدو علي السطح من مظاهر الانحياز الأمريكي لإسرائيل, فإن أوضاع العالم لم تعد تسمح لإسرائيل بمزيد من التجبر الذي يفرز عنفا وارهابا يهدد الأمن الإقليمي والدولي... ومن ثم يستحيل القول بأن غزة يمكن أن تكون نهاية المطاف في عملية السلام, لأن ذلك ضد أمن وسلام الشرق الأوسط وأمن وسلام العالم بأسره.
وليس هناك ما يمكن أن يعزز من انحياز وانتصار المجتمع الدولي للذهاب باتجاه سلام شامل لا يقتصر علي قطاع غزة فقط, سوي قدرة الفلسطينيين علي حماية وحدتهم الوطنية واثبات قدرتهم علي ادارة الأرض المحررة بكفاءة تؤكد جدارة استحقاقاتهم لدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
وأيضا ليس هناك مايمكن أن يعزز الوحدة الوطنية الفلسطينية والصمود الفلسطيني, سوي موقف عربي موحد يصدر عن أقرب قمة طارئة واستثنائية لتأكيد ثوابت القبول العربي بالسلام واستحقاقاته, وبما يغلق الباب أمام أية تكهنات تروج لوجود بوادر رضوخ في الموقف العربي لأية ضغوط دولية تستهدف ارضاء إسرائيل قبل أن تدفع كامل الاستحقاقات الواجب عليها دفعها في فاتورة السلام العادل والشامل!.
وأي خطأ في الحساب يمكن أن يؤدي لإهدار نتائج الانتفاضة الفلسطينية الباسلة, التي يرجع إليها الفضل في دفع إسرائيل للانسحاب من غزة... لأن إسرائيل لن تتواني لحظة واحدة عن حرمان الفلسطينيين من جني ثمار الانتفاضة بالقوة اذا تمكنت من ذلك.. أو بالخديعة اذا واتتها الفرصة الملائمة لذلك!.
الأهرام - 43347- السنة 129-العدد 2005 اغسطس 11 6 من رجب 1426 هـ الخميس
يجتهد مقال اليوم، من وجهة نظر كاتبه، في تحليل جوانب مهمة في الوضع الراهن للقضية الفلسطينية. وهو يناقش نقاط الاتفاق ونقاط التعارض في الموقفين الأمريكي والإسرائيلي. ويبحث في اتجاهات اللاعبين الأربعة - حسب رأيه - من مستقبل القضية الفلسطينية في إطار التحولات الجارية بالمنطقة.
بعد مرور سنة كاملة من لقائهما السابق في أبريل 2004، ذهب شارون لمقابلة بوش في مزرعته الخاصة بتكساس. بين اللقاءين كانت قد تغيرت أمور كثيرة في الشرق الأوسط وفي العالم. وعلى رأسها إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي لفترة رئاسة ثانية. بالنسبة لبوش كان فوزه بمثابة تفويض جديد له من الشعب الأمريكي بالاستمرار في العمل وفقاً للاستراتيجية التي وضعها بعد أحداث11 سبتمبر وما نتج عنها من حروب ضد أفغانستان والعراق. وقد اعتمد بوش في فوزه الثاني على تأييد اليمين الأمريكي المسيحي المحافظ الموالي لإسرائيل، والذي خرجت أعداد منه أثناء زيارة شارون للتعبير عن حق "إسرائيل" في الاستيطان واتخاذ القدس عاصمة أبدية لها. وبرغم هذه التظاهرات المؤيدة لإسرائيل فقد غلب على الزيارة بعض مظاهر الخلاف العلني بين الإدارة الأمريكية وشارون، فيما يتصل بالمستوطنات ومحاولات توسيعها. وأيضاً بسبب موقف حكومة شارون من محمود عباس (أبو مازن) وإحجامها عن دعمه بتنفيذ تفاهمات شرم الشيخ. وقد طفا على السطح خلافات أخرى حول قيام "إسرائيل" ببيع وتسريب تكنولوجيا عسكرية أمريكية متقدمة إلى الصين وبشكل متكرر أثار القلق الأمريكي.
وتقليدياً يعمل الرئيس الأمريكي خلال فترة رئاسته الأولى للفوز برئاسة ثانية. وعادة ما يكون خلال الأولى أكثر استجابة للضغوط والمطالب الإسرائيلية. أما خلال رئاسته الثانية فتكون عينه على حجز مكان له في التاريخ. وهو أمر يتعدى كثيراً هدف إرضاء "إسرائيل" إلى دعم مكانة الولايات المتحدة في العالم وسيادة قيمها وتحقيق مصالحها الكبرى. وفي هذه الحالة يكون الدور على "إسرائيل" في التكيف مع الأهداف الأمريكية وتقديم الخدمات لتحقيقها وليس العكس. وهو الدور نفسه الذي لعبته "إسرائيل" من قبل مع القوى العظمى مثل بريطانيا وفرنسا في أثناء الحقبة الاستعمارية. وهذا المنطق يفسر الظروف التي أحاطت بموقف أمريكا من حرب السويس، وجهودها من أجل تحقيق السلام بين مصر و"إسرائيل"، والانسحاب الإسرائيلي من سيناء، وموقفها من قضية طابا، ومنحها مصر أكبر معونة عسكرية ومدنية بعد "إسرائيل". وأيضاً في حجبها أثناء رئاسة بوش الأب لضمانات قروض أمريكية كانت "إسرائيل" تستخدمها في بناء المستوطنات. ولعل ما حدث في أثناء زيارة شارون الأخيرة من خلاف يمثل حالة أخرى من أعراض التعارض بين الاستراتيجية الأمريكية على مستوى الشرق الأوسط والعالم، وبين الأهداف الإسرائيلية الذاتية والقائمة في الأساس - وبالتحديد خلال إدارة شارون - على قضم أكبر رقعة من الأرض الفلسطينية.
ومن غير شك كان لأحداث11 سبتمبر دور حاسم في تحديد مهمة الرئيس بوش ودوره (التاريخي) في موضوع واحد محدد وهو القضاء على الإرهاب الدولي الذي تعرضت الولايات المتحدة لهجومه الصاعق مع بداية فترة رئاسته الأولى. وقد ارتبط بهذه المهمة واجب نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وتحقيق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي داخل دوله. كما ارتبط أيضاً بالمهمة نفسها ضرورة حل المشكلة الفلسطينية التي ظلت حاضرة في الوعي العام برغم حدوث حربين متتاليتين في أفغانستان والعراق. ومن أجل ذلك حرص بوش على الإعلان لأول مرة عن التزام إدارته بإقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام جنباً إلى جنب مع "إسرائيل". وكذلك إعلان بلير عن التزام حكومته بالوصول إلى حل لهذه القضية المزمنة. وأيضاً بادر الاتحاد الأوروبي بوضع الصراع العربي - الإسرائيلي على قمة أولوياته المستقبلية. وكذلك روسيا، بل وصار لمعظم الدول الكبرى ممثلون شخصيون على مستوى عال في الشرق الأوسط بما في ذلك الهند والصين.
وبالتوازي مع ذلك كان هناك تغير مهم حدث وتراكم بالنسبة للقضية الفلسطينية خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. وهو بروز نوع من التوازن بين عقدة الذنب الغربية تجاه اليهود وعقدتهم أيضاً تجاه الفلسطينيين. حدث ذلك على مستوى الحكومات وأكثر منه تحقق على مستوى الشعوب خلال السنوات القليلة الماضية. وفي الحالتين اليهودية والفلسطينية تحولت عقدتا الذنب مع مرور الوقت إلى مشروعين كبيرين يعملان من خلال أدوات سياسية ودعائية متنوعة نجحت في بقائهما حيين داخل الضمير العام لأكثر من نصف قرن ودون انحسار. وهذا يفسر في الحقيقة انغماس الإدارات الأمريكية المتلاحقة في محاولات لحل النزاع، وعدد جوائز نوبل التي منحت خلال سعي القادة من الجانبين لتحقيق السلام. وبرغم محاولات الإسرائيليين المستميتة لفك الارتباط بين أسباب الإرهاب والقضية الفلسطينية، إلا أن حصاد السنوات الماضية قد أكد لقطاع واسع من الدول والشعوب الغربية أنه من الصعب محاربة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في المنطقة دون حل القضية الفلسطينية.
عندما سافر شارون إلي الولايات المتحدة كان يعرف أن وقت دفع الاستحقاقات قد حان. فقد مات عرفات، وبفضل الجهود المصرية المدعومة من واشنطن جنحت الفصائل الفلسطينية إلى الهدوء. فضلاً عن أن الرجل قبض مقدماً من بوش خلال زيارته الأولى وعوداً سخية تضمن لإسرائيل عدم الانسحاب إلي حدود 1967. ومن الواضح أن شارون، ومعه سدنة اليمين الإسرائيلي المتطرف، كان يراهن على فرضية أن غزو الولايات المتحدة للعراق سوف يعقبه حروب أخرى في المنطقة ضد إيران وسوريا وربما أيضاً ضد السعودية وليبيا والسودان. وهو ما حرض عليه شارون بإلحاح بعد أسابيع قليلة من الغزو الأمريكي للعراق. وتمثل تلك السياسة امتداداً لسياسته الهادفة إلى تفكيك البنية الأساسية للمقاومة الفلسطينية ولكن على المستوى الإقليمي.
وقد حرص شارون أثناء لقائه الأخير مع بوش على استخدام النظرية نفسها. فعاود تحريضه ضد إيران، وهاجم أبو مازن ونعته بعدم القدرة على تفكيك البنية الأساسية للمقاومة. وفي الحالتين لم يستجب بوش لمراوغات شارون. وقد ساعده على ذلك أن ما تحقق حتى الآن في أفغانستان والعراق ولبنان وليبيا واليمن وفي مصر والسعودية وفي الشمال الإفريقي، يمثل نجاحا مقبولاً للاستراتيجية الأمريكية في تغيير المنطقة على مراحل دون حاجة إلى مزيد من الحروب. ومعظم الدراسات الإسرائيلية التي سبقت الحرب على العراق كانت تتوجس من أن الحرب إذا لم تتطور إلى حروب ضد دول أخرى، سوف تؤدي في النهاية إلى مطالبة "إسرائيل" باستحقاقات تتصل بالأرض، خاصة أن الدور العربي في هذه الحرب من الناحية الفعلية، مقارنة بـ"إسرائيل"، لا يمكن تجاهله. وهو السيناريو نفسه الذي حدث بعد حرب الخليج 1991 حيث تلاها مباشرة مؤتمر مدريد وأوسلو والاعتراف بمنظمة التحرير وعودة عرفات لأول مرة إلى الأرض الفلسطينية وإقامة سلطته عليها.
سوف يتحدد مصير القضية الفلسطينية بعد عودة شارون من أمريكا فوق رقعة شطرنج يجلس حولها أكثر من لاعبين اثنين كما هو معتاد.
اللاعب الأول هو الولايات المتحدة وباقي أطراف المجتمع الدولي المساندين لها والذين يعطون لمشروع التحول والتغيير في الشرق الأوسط أولوية على غيره من الأمور. ويرون في إرساء حل للقضية الفلسطينية ضرورة لتحقيق هذا الهدف ومعه هدف القضاء على الإرهاب.
واللاعب الثاني يتمثل في دول الإقليم وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية ومعها قوى السلطة الفلسطينية المؤمنة بعملية السلام. وهذه الدول تتولى دوراً عملياً على الأرض لإيجاد قوة دفع إلى الأمام من خلال التأثير على الفصائل الفلسطينية وإعادة بناء البنية الأمنية الفلسطينية. مع إعطاء جرعات تطبيع مضبوطة على مقاس الداخل الإسرائيلي وأيضاً الداخل العربي، بما يساعد على إشاعة مناخ من الثقة وجذب مزيد من المؤيدين لخطط الانسحاب من الإسرائيليين. ويتولى هذا الجانب أيضاً مهمة منع الانفجارات الإقليمية الناتجة عن ضغوط الإصلاح. ويمنع تحولها إلى حرائق يصعب إطفاؤها وهو ما حدث مع الشأن السوري واللبناني وأيضا الشأن السوداني. مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الدول نفسها تمر في الوقت نفسه بتحولات مماثلة.
اللاعب الثالث هو اليمين الإسرائيلي الديني المتطرف. وهو يختلف عن اليمين العلماني في أنه نجح في توسيع الاستيطان العشوائي. وفي التأثير على التعليم والخدمة في الجيش. وفي بناء وترسيخ مفهوم معنوي وقيمي يبيح الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية. كما أنه يفتقد أي رؤية إقليمية كالتي دعا إليها من قبل شيمون بيريز. بل يرى في "إسرائيل" جزءاً من الغرب وليس الشرق الأوسط. ويقف هذا اليمين بضراوة ضد خطة شارون للانسحاب من غزة إلى حد التهديد بنشوب حرب أهلية أو حدوث انقلاب عسكري بواسطة الجيش. كما يرى أن مجرد الانسحاب من المستوطنات يسجل سابقة تطيح بالشرعية الدينية والسياسية لفكرة الاستيطان.
أما اللاعب الرابع فهو معسكر التطرف العربي والإسلامي. وتمثل له القضية الفلسطينية بالإضافة إلى جوهرها الديني المقدس زاداً لا ينضب للتعبئة داخل الدول العربية. ويخوض هذا التيار معركته بالسلاح على امتداد مواجهة واسعة وسط مناخ مازال حاضناً له بفضل ما يجري في العراق وفلسطين وبتأثير عوامل اقتصادية واجتماعية متشابكة. وأخطر ما يهدد هذا المعسكر ما يجري من تحولات جنينية داخل التنظيمات الإسلامية في الأرض المحتلة وخارجها، في اتجاه التحول نحو العمل السياسي ونبذ العنف من منطلق براجماتي يقوم على قراءة مختلفة للواقع الجديد. ومن الواضح أن في مقدور اللاعبين الأول والثاني حسم المباراة لصالحهما، إذا أحسنا التنسيق بينهما وأخذ كل طرف ظروف الطرف الآخر ومصالحه في الاعتبار.
(كاتب هذا المقال، المستشار العسكري والتكنولوجي لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام).
إياد اللحام واحد من المواطنين الفلسطينيين الذين عاشوا عمرهم كله يحلمون باستعادة الأرض والتحرر من قيود الأحتلال.. وها هو الحلم يوشك أن يتحقق علي قطعة من أرضه وهو لا يزال يفكر.. تري ماذا يمكن أن يكون عليه الحال بعد استعادة أرضه ؟وما هو شكل الحياة الجديدة ؟بالتأكيد ستكون أجمل بكثير بعد خروج المستعمر منها. فبعد رحلة طويلة من الإحتلال الإسرائيلي لغزة أفني فيها آلاف المواطنين أعمارهم دفاعا عن أراضيهم في وجه المستوطنات الزاحفة, ها هم اليوم يعودون إلي غزه ويحدوهم الأمل في بدء حياة جديدة بنيتها التحتية هي الكرامة والرجوع إلي الحق هو بداية الطريق لحياة تنعم بها أجيال غزة الجديدة.
وما يشغل بال إياد حاليا هو توفير سبل العيش الضرورية لمنطقته السكنية الجديدة وعلي رأسها بناء مسكن لأسرته الصغيرة المكونة من زوجته وإبنه ذي الثلاثة أعوام بعد التأكد من وصول الماء والكهرباء والخدمات الرئيسية لهذه المنطقة التي طالما حرمت سنين طويلة من مظاهر الحياة الإنسانية ويقول إياد مدرس اللغة الإنجليزية الذي قضي33 عاما من عمره في أحد المخيمات الفلسطينية التي بلغ تعداد ساكنيها10 آلاف فلسطيني ويطلق عليه( مواسي) ويعد المخيم الفلسطيني الوحيد وسط مجمع مستعمرات( جوش قطيف) في قطاع غزة المحتلة( سابقا) أنه كان يشعر بالمرار وهو يري أعداد المستوطنات الإسرائيلية تزداد يوما بعد يوم فوق أرضه وقال: بمرور الوقت أصبح المستعمر هو صاحب الأرض ونحن الدخلاء.. بل أن المستعمر أجبر أهل البلد الأصليين علي الرحيل, بعد أن صادر أراضيهم, عبر طرق متفرقة وتم عزلهم تماما عن أي مجتمعات فلسطينية في رفح أوخان يونس طبقا لسياسة فرق تسد اليهودية. وأضاف أنه لم يسمح لهم طوال هذه السنوات بإقامة أي مبان حديثة في هذه المنطقة, فلم يكن بوسع أي فلسطيني أصلا الحصول علي تصريح بناء حيث أن المستعمر الإسرائيلي قد دأب علي رفض كل ما يت
قدم به المواطنون للحصول علي أي حقوق آدمية..وظل منكرا للوجود الفلسطيني في أي من االأراضي الفلسطينية طوال سنوات الاحتلال.
وكان إياد الذي تخرج منذ6 سنوات في جامعة بمدينة غزة وعمل بالتدريس في إحدي المدارس الفقيرة في المنطقة التي كانت تعتمد علي إعانات ضعيفة جدا من السكان, الذين يحصلون بالكاد علي قوت يومهم, قد إعتاد علي قطع المسافة مشيا علي الأقدام بين مدرسته وبيته الذي يقطن فيه مع زمه وعشرة من أفراد عائلته. ولم يكن بوسع إياد هو أو غيره من الفلسطينيين المقيمين في المخيمات القريبة من جوش قطيف الذهاب إلي أي منطقة تبعد عن المخيم بأكثر من عشرة كيلومترات وهو ما جعله يطلق علي المخيم الذي يعيش فيه أنه بمثابة سجن داخل سجن. وبرغم أن إثنين من إخوانه وثلاثة من أخواته يقطنون في خان يونس علي بعد أربعة أميال فقط من منطقته إلا أن سلطات الإحتلال قد منعته من رؤيتهم خلال السنوات الأربع الماضية!! فلم يكن يسمح للمواطنين الأصليين بالذهاب إلي إسرائيل إلا من أجل العمل فقط, ونسبتهم لا تتعدي10% فقط أما باقي الشعب فهو عاطل عن العمل تماما, كما أنه كان لا بد من عودتهم مباشرة لمنازلهم بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية.
ولكن برغم هذه الذكريات المريرة والالام التراكمية التي خلفها الاستعمار إلا أن زياد يري أن المستقبل سيكون أجمل بكثير ويقول:' فرحتنا اليوم بإنسحاب الإسرائيليين من أراضينا لا توازيها فرحة.. أخيرا خرج المستعمر الإسرائيلي من غزه.. وكما يقولون بداية الغيث قطرة!!'
الأهرام - 43352 السنة 129-العدد 2005 اغسطس 16 11 من رجب 1426 هـ الثلاثاء
لك أن تنقـّط العنوان كيفما شئت ، ثم لاتثريب عليك أن تقرأه : عِزّة في غـَزّة ، أو غَـزّة في عِـزّة ، أو عِـزّة فـي عِـزّة ، أو غـَزّة في غـــَـزّة ، أو غَـزّة في عـرّة ، أو عرّة في غــزّة ، أو حتـّى عَـرّة في عـّـرّة ، والعـَرّة الشدة ، وقيل الشدة في الحــرب !
فكلّ ذلك صحيحٌ ، وواقــع بوجه مـن الوجــوه !
صحيحٌ أننا تعودنا أن كلّ إنسحاب صهيوني إنما هو رسولُ شؤم بنار خطــر قادم ، يشعلــها المكر الصهيوني المتحالف مع الصليبية العالمية ، من قبل وعد بلفور المشؤوم.
فالإنسحاب من سيناء ـ مثلا ـ كان في حقيقته إنسحاب مصر من الصف العربي ، لشقـه ، وتمزيقه ، وقد كانت قلوبهم مهيـّئة ، إذ هـي ممزقة أصـلا بالكفر والنفـاق ، وعداوة الله ورسوله بالفجـور ، والشقاق ، والإنسحاب من لبنان كان تهيئة لإخراج الوجود السوري في لبنان تمهيدا لمـا هو أدهى وأمـر ، فقـد كانت عصابة الأشرار الصهيوصليبية تـعدّ المنطقة برمتها ، لآخـر ما أنتجته شياطينهم في وكريها : البيت الأسود ، وتل أبيــب ، منـذ حرب الخليج 1990 م ، بل قبل ذلك.
وصحيحٌ أن نحـو السبعة آلاف صهيوني الذين سيتم إخراجهم من غزة ، إنما هم أقل من سكان مستوطنة واحدة في الضفة الغربية ، فكأنّهم إنمـا وُضعوا هناك ، كتحريك قطعة الشطرنج طُعْما ، طَمَعا في مكاسب أكبر عند الإنسحاب يوما مـا ، ذلك أن الصهاينة كانوا دائما يلعنون غــزة ومخيماتها ، ذات المليون وثلاثمائة ألف قنبلة بشرية ، على ثلاثمائة وخمسين كم مربع فقط ، وودوا أنها غارت في البــحر وأراحتهــم !
وصحيحٌ أن شارون يريد أن تَفهم البشرية البائسة لأنـّه معدود فيها ، أنّ الإنسحاب مـن غزة ـ بعد إضافة سياجين جديدين موازيين للسور الذي يحيط بها حاليا ، وحوائط خرسانية ارتفاعها سبعة امتار ، أي تحويلها إلى سجـن كبيـر ، ومواصلة المؤامرات لجعل غزّة ساحة قتال بين عصابات دحلان وأضرابه من أمراء الحرب ، وبين الإسلاميين ـ هـي تلك التضحية الكبيرة التي يستحق الصهاينة بعدهـا ، كلّ الدعم من جميع دول العالـم ، وعلى رأسها واشنطن عش الصهيونية ، ومأواها ، وملجؤها وملفاهــا : كلّ الدعـم ، لإبتلاع الضفة الغربية ذات العمق الإستراتيجي للصهاينة ،والتهديد الأكبر لكيانهم ، وتهويد القدس ، وفرض واقع جدار الفصل ، وتطبيع علاقات الصهاينة بالدول العربية ، وإلغاء حق العودة .. إلـخ
كأنّ لسان حالهم يقول : ألا لم يُعـد للقطيعة ـ حتى وهـي شكليّة ـ معنى ، وهاهم الصهاينة يتنازلون عن أرضهم ، ويجبرون مواطنيهم على إخلاء مساكنهم ، ويمدُّون يد السلام ، ببراءة الأطهار الأنقيــاء ، لبني عمومتهم العرب، فلماذا تبقون أيهـا العرب قساة القلب إلى هذه الدرجة ، وإلى متـى كـلّ هذه الأحقـاد على جلادكـم ، ومغتصب أرضكم ، وقاتل أبناءكم ، ونساءكــم ؟!!
ألم يتنازل لكم عن واحـد ونصف بالمائة من كامل الأرض الفلسطينية من النهـر إلى البحـــر ، بعد نحـو 57 عاما من الكفاح الفلسطيني ، وأكثر من مائة ألف شهيد ، وأكثر من أربعة آلاف شهيد في الإنتفاضة الأخيرة فقط !!
ألا يستحق في مقابل هذا التنازل المؤلم ، والسخـاء الهائل ، ومقابل تنازله عن سوق غــزة ـ وهي سوق من الدرجة الثانية لمنتوجات الكيان ـ أن يحصل على أسواق الدول العربية ، لاسيما الخليـج ، الذي ينفق أهله عطاء من لايخشى الفقـر لاسيما بعد ارتفاع أسعار النفط !
وعلى تطبيعها بعد تقطيعهــا !!
صحيح هذا كـلّه !!
غير أن هذا الدجـل اليهودي ، وإن كان ينفق عند خونة القضية الفلسطينية وتُجّارهـا ، فإنه لم ، ولـن ينفق في سوق الجهــاد في فلسطيـن .
ذلك أن صفقة البيع في سوق الجهاد الإسلامي ، لونٌ آخـر ، لايفهمها عبدة الذهب ، وعباد الدنيا ، اللاهثون وراء ما يلقيه عليهم الصهاينة من فتات ما سرقته أمريكا من العراق ، وخزائن النفط العربي ،
إنها صفقـة مع ربّ العالمين ،
وتلكم والله بيعة ، لاتقبل التنازل ، ولا تعرف عن الحق التخاذل .
وليمكروا ما شاءوا أن يمكروا ، وليُعدّوا لمكرهم ما قدروا عليه من الكفر ، والبغي ، والإثم والعدوان ، فسيرجع ذلك كله عليهم ، وسيأتي الجهاد بنيانهم من القواعد ، فيخر عليهم السقف من فوقهم ، وسيتهاوى بنيانهم الصهيوني الذي بنوه ، ولم يزل ريبة في قلوبهم ، سيتهاوى بالله تعالى ، ثم بسواعد المجاهدين ، وإن طال الزمن .
بالله أولا ، ثم بأولئك الأبطال المجهولين لنا ، المعروفين في ملكوت السماء ، المتوجين هناك بتاج العز ، المدثرين برداء المجد ، الذين خطّ لهم الشيخ أحمد ياسين ، والرنتيسي ، وأمثالهم من أسود الإسلام ، منـذ استشهـاد القسـام ، خطـّوا لهم الطريق واضحا بينا ، لالبس فيه ، وصارما لا تهاون فيه ، وحازما لالين فيه ..
تلكـم والله خارطـة الطريق التـي خطّهــا صاحب اللواء المنصور ، الموعود بالنصـر في القرآن ، والتوراة ، والأنجيل ، والزبــور.. محمد صلى الله عليه وسلم : " َوكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " .
وبعــد ،،
فإن غـزّة ستبقى أرض العـزّة ، ( غـَزّة ) في جنب الصهاينة ، وستبقى عَـرّة على أعداء الله..
فهنيئا لأهل غزة إذلالهم الصهاينة وطردهــــــــم ، ومبارك عليهم نصرهــم..
( َولْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ) ،
وليستعدوا لما هو آت ، فإنـّه (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ) .
فإن الصهاينة يعدون لشدّة ، غيـر أن جحافل الجهاد في فلسطين لهم مستعدة ،،
وليبشروا بالنصـر ـ فإن العدو بخلاف ما يحاول إظهاره من التجـلّد ـ مثكـلٌ بالجراح ، مثقـل بالآلام من ضرب السيوف وطعن الرمـاح ، وقريبا سيموت طاغيتهم شارون ، ويموج أمرهم ، وتدنو ثمار الكفاح ، ( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) . http://www.h-alali.net/npage/mqalat_open.php?id=259
يحاول الصهاينة أن يبينوا أن الانتفاضة قد فشلت، ولم تنجز شيئا، ومع الأسف يتبعها في ذلك كثير من الصحف العربية، كما يحاولون أن يصوروا الانسحاب من غزة على أنه مجرد إعادة انتشار، وأنه دليل على القوة العسكرية للكيان الصهيوني أو على رغبة إسرائيل الحقيقية في السلام... الخ، أي أنهم يحاولون إسقاط الرؤية الصهيونية على الواقع حتى يفرضوا عليها المعنى الذي يتفق مع خريطتهم الإدراكية، أي الطريقة التي يتصورون ويدركون بها الواقع.
ومع هذا تخترق الحقيقة سحب الأكاذيب. فمحاولة تصوير الانسحاب من غزة على أنه انتصار إسرائيلي لم تنطلِ على أحد. فقد أفاد استطلاع لكل من الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية برام الله ومعهد ترومان لأبحاث السلام في الجامعة العبرية، أن 45% من الإسرائيليين و72% من الفلسطينيين ينظرون لخطة شارون لإخلاء المستوطنات من قطاع غزة على أنها انتصار للمقاومة الفلسطينية المسلحة ضد إسرائيل. وذلك مقارنة مع 52% من الإسرائيليين و26% من الفلسطينيين الذين لا يرونها كذلك. وأشار الاستطلاع إلى أن 51% من الإسرائيليين و66% من الفلسطينيين يرون أن الانتفاضة والمواجهات المسلحة قد أسهمت في تنفيذ الحقوق الفلسطينية التي فشلت المفاوضات في تحقيقها.
والانسحاب من طرف واحد دون خطة سلام كاملة هو عبث، ما بعده عبث. هذا هو رأي الكثيرين من اليمين ومن اليسار. فقد صرح شلومو بن عامي، وزير الخارجية الأسبق أن انسحاب إسرائيل من طرف واحد، يخلد صورة إسرائيل كدولة تهرب تحت الضغط. وإذا استمرت الخطوات من طرف واحد فسنجد أنفسنا نقيم دولة فلسطينية معادية. حلمى موسى: كاتب إسرائيلي متشائم بشأن خطة الفصل، نقلا عن مجلة السفير البيروتية 8 يوليو 2005.
وقد بين أوريئيل أبولوف في معاريف 27 أبريل 2005 أن الجمهور الإسرائيلي قد سقط في اللامبالاة، فاهتمامه الآن ينحصر في النتائج المباشرة لعملية الانسحاب من غزة. ويضيف كاتب المقال قائلاً: إن استطلاعات الرأي العام مؤخراً تدل على أنه بالرغم من أن أغلبية كبيرة من مواطني الدولة يعبرون عن تأييدهم للخطة، فإن جمهوراً كبيراً جداً يصعب عليه أن يبين ما هي غايتها ولماذا كانت. لا عجب كثيراً في الأمر، فخطة الانفصال لم تُعط الرد على الأسئلة الأساسية لوجودنا هنا. لقد أصبحت الخطة وقد أزيلت من سياقها بلا طعم، جمالي أو أخلاقي معاً. يصحبها فساد عام ولم تعط أي جواب على أسئلة الحق والهدف.
أما يوسي بيلين رئيس حركة ياحد اليسارية، الذي أيد خطة الفصل، فيقول: إذا لم يفض الفصل إلى تسوية دائمة فورية، فإنه كارثة ستقع على الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. ويرى أن من شأن خطة الفصل أن تقود إلى استئناف العنف: وإن اندلعت النار فإن من شأنها أن تقود إلى انهيار السلطة الفلسطينية.
ويشير قائد سلاح البحرية ورئيس الشاباك الأسبق، الجنرال عامي أيالون، إلى أن قائد خطة الفصل يشبه القائد الذي يُخرج السفينة من الميناء نحو بحر عاصف جداً من دون أن يعرف على الإطلاق إلى أين يريد أن يقودها، بل ربما أسوأ من ذلك: فهو يعرف بل ويعرف جداً، ولكنه يخفي ذلك عن الفريق الذي يعاني من عواقب الإبحار. ويشدّد الجنرال على أن الانسحاب من دون مقابل من غزة، قد يفسر في نظر جزء كبير من الفلسطينيين كاستسلام. كما أن الخطة قد تعزز القوى المتطرفة في المجتمع الفلسطيني.
أما قائد سلاح الجو الأسبق الجنرال إبتان بن الياهو، فيؤكد أنه ليس هناك أي احتمال في أن تضمن خطة الفصل استقراراً على مدى طويل. الخطة كما هي لا يمكنها إلا أن تجلب في نهاية المطاف استئناف الإرهاب. حلمى موسى: كاتب إسرائيلي متشائم بشأن خطة الفصل 8 يوليو 2005.
ولعل السبب الأساس الذي حدا بكل هؤلاء الصهاينة أن يحذروا من الانسحاب من طرف واحد دون وضع خطة سلام شاملة، هو الثمن الفادح الذي يدفعه التجمع الصهيوني نتيجة انتفاضة الأقصى. فقد صدر كتاب في إسرائيل بعنوان كلفة الاحتلال للمجتمع الإسرائيلي، لدكتور. شلومو سبيرسكي، وقد نشرت مجلة قضايا إسرائيلية، المركز الفلسطيني الإسرائيلي للدراسات الإسرائيلية مدار عدد مزدوج 17 – 18عرضا لأهم ما جاء فيه..
يقول المؤلف : إن ثمن احتلال الضفة الغربية كان متدنياً نسبياً، من وجهة النظر الإسرائيلية في السنوات العشرين الأولى أي من 1967 إلى 1987. لكن منذ اندلاع الانتفاضة الأولى في عام 1987، بدأت إسرائيل تدفع ثمن الغطرسة. في الحقيقة، لا يستطيع الفلسطينيون إلحاق الهزيمة بجيش الدفاع الإسرائيلي، وهزموا في ساحة الحرب مرة تلو الأخرى، لكن رغبة الفلسطينيين المتكررة في العودة إلى ساحة القتال، مرة بعد مرة، كي يعبروا عن طموحهم إلى تأسيس حياة قومية مستقلة، أصبحت تشكل منذ عام 1987 تهديداً مزمناً للاستقرار الاقتصادي والسياسي في إسرائيل.
ويضرب المؤلف أمثلة عديدة على هذه التكلفة نذكر منها ما يلي:
1- الجدار الأمني بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية : يهدف هذا الجدار إلى منع المتسللين الفلسطينيين والانتحاريين من دخول إسرائيل. وقد خصصت الحكومة مبلغ 3.5 مليار شيكل لبناء الجدار.
2- القتلى والجرحى والتعويضات: الثمن الأكثر فداحة نتيجة الاحتلال والانتفاضة الفلسطينية يتمثل في أرواح البشر والجرحى. ومنذ سبتمبر عام 1987، حتى ديسمبر عام 2004، تكبدت إسرائيل 1355 قتيلاً و 6709 جرحى من المدنيين ورجال الجيش. وتدفع مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية التعويضات للمدنيين الذين قتلوا أو جرحوا جراء العمليات العدائية. ووصل مبلغ هذه التعويضات في عام 2003 إلى 350 مليون شيكل، نحو 80 مليون دولار. وتدفع وزارة الدفاع التعويضات للجنود القتلى والمصابين، وتفوق هذه المبالغ ما يدفع للمدنيين.
3- تراجع النمو : تشير الأرقام إلى تراجع نمو الناتج القومي الإجمالي السنوي من 6.1% في عام 1987، إلى 3.6% في عام 1988، إلى 1.4% في عام 1989؛ بينما تراجع الناتج القومي للفرد من 4.6% في عام 1987، إلى 1.9% في عام 1988، إلى 0.3% في عام 1989. وارتفعت نسبة البطالة من 6.1% في عام 1987، إلى 8.9 % في عام 1989.
4- تراجع في الخدمات الاجتماعية وتزايد الفقر: تلقت بعض أهم الخدمات الاجتماعية في إسرائيل ضربةً قاضية نتيجة التقليصات في الميزانية، وتزايدت نسبة الإسرائيليين الذين يقبعون تحت خط الفقر.
تتجه عيون الفلسطينيين وعقولهم إلي المشهد المرتقب لانجاز الانسحاب الإسرائيلي من غزة, والأمر لا يقتصر بطبيعة الحال علي العيون والعقول الفلسطينية في غزة وحدها, ولا حتي علي الفلسطينيين وحدهم, فعيون وعقول الإسرائيليين ترقب, وتحلل أيضا, بل وعيون وعقول العالم.
ولعل ذلك المشهد المتوقع يستدعي إلي الذاكرة حقيقة أنه ليس الانسحاب الإسرائيلي الأول من الأراضي العربية المحتلة عام1967. إنه الانسحاب الخامس, ولعل المرء لا يستطيع تجنب المقارنة بين تلك الانسحابات التي سبقت وذلك الانسحاب المتوقع, والمقارنة المقصودة ليست لمجرد الرصد والتسجيل, بل بهدف التوصل إلي توقعات تقوم علي تصنيف ذلك الانسحاب الوشيك وتبين قسماته الرئيسية, ومن ثم توقع مساره ومستقبله, تري هل هو انسحاب مؤقت يسهل التراجع عنه والعودة إلي اجتياح جديد كما حدث بالنسبة للمدن التي شهدت انسحابات واجتياجات متكررة منذ توقيع اتفاقات أوسلو؟ هل هو انسحاب تترتب عليه أوضاع استراتيجية سياسية جديدة شأن الانسحاب من سيناء والأردن؟ أم أنه أشبه بالانسحاب من لبنان الذي تم من طرف واحد ومازالت مترتباته السياسية الاستراتيجية آخذة في التشكل أمام أعيننا حتي اليوم؟
لقد بدأت الانسحابات الإسرائيلية بالانسحاب الأول من الأراضي المصرية إثر انتصار أكتوبر1973 الذي أنهي مرحلة سياسة اللاحرب ـ اللاسلم التي فرضتها القوي الكبري علي أمتناالعربية, وكانت قد توالت تراجعاتنا في ظل السياسة التي قامت علي التسليم بأننا نواجه عدوا لا يقهر, والعربدة الإسرائيلية تمتد من دير ياسين إلي السويس, ومن غزة إلي بحر البقر, ومن خان يونس إلي نجع حمادي, ومادام الأمر كذلك فالحكمة تقتضي أن نلتزم حدود مواقعنا الدفاعية إلي أن يتغير العالم من حولنا, وكان حتما أن تتراجع أعلامنا العربية في ظل تلك السياسة من عكا إلي نابلس إلي الضفة الشرقية للأردن, ومن يافا إلي غزة إلي خليج العقبة إلي الضفة الغربية لقناة السويس, ومن حيفا إلي بيت لحم إلي ما وراء مرتفعات الجولان. وشهد يوم السادس من أكتوبر1973 تحطم الوجه العسكري من وجهي عملة اللاحرب اللاسلم بإقدام القوات العربية علي المبادرة بالحرب, كما شهد اليوم السادس عشر من نفس الشهر بداية تخلخل الوجه السياسي لنفس العملة, حيث أعلن الرئيس الراحل أنور السادات أنه مستعد لحضور مؤتمر سلام دولي تحضره إسرائيل باشراف الأمم المتحدة لضمان سلام دول المنطقة جميعا,
وبدأت رياح تيارالسلاح الهجومي الاكتوبري تحمل الأعلام العربية من جديد عبر سيناء إلي الحدود التاريخية الفلسطينية المصرية في25 أبريل1982 واكتمل بذلك أول الانسحابات الإسرائيلية.
وكانت منظمة التحرير الوطني الفلسطيني أول من التقط خيط سياسة السلام الهجومي وتوالت التعديلات علي ميثاق المنظمة, وقدم الفلسطينيون شهداءهم تكريسا لتلك السياسة الجديدة: عز الدين القلق رئيس بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في باريس في أغسطس1978 الذي اغتيل بتهمة أنه اتصل بالصهاينة واتصف بالملاينة ودافع عن اليمين واحتل مكانا ليس له. وردد كالببغاء رأي السلطة في انها علي استعداد للاعتراف بإسرائيل, وهي نفس الاتهامات التي طالت عصام سرطاوي وسعيد حمامي وقائمة طويلة من شهداء السلام الهجومي, وأسفرت السياسات الفلسطينية الجديدة عن ثاني الانسحابات الإسرائيلية من مدن فلسطينية وفقا لاتفاقيات أوسلو وما تبعها من قيام السلطة الفلسطينية علي الضفة والقطاع.
وفي خضم ما تعرضت له أراضي السلطة الفلسطينية من انتهاكات إسرائيلية واجتياح للمدن الفلسطينية في الضفة والقطاع واستمرار في بناء المستوطنات, تم توقيع اتفاقية السلام الأردنية ـ الإسرائيلية التي ترتب عليهاالانسحاب الإسرائيلي الثالث من الأراضي التي احتلت عشية هزيمة يونيو1967.
وجاء الانسحاب الإسرائيلي الرابع من جنوب لبنان في مايو2000 بقرار إسرائيلي من طرف واحد, ولعل ذلك الانسحاب الوشيك أقرب إلي استدعاء ملابسات الانسحاب الإسرائيلي الرابع أي الانسحاب من الجنوب اللبناني, حيث ثمة أوجه واردة للتشابه بين الانسحابين. لعل أبرزها أن الجانب الإسرائيلي قد حرص علي أن يستخدم في الحالتين تعبيرا فريدا هو أن قرار الانسحاب قرار من طرف واحد ومن ناحية أخري فإن كلا الانسحابين يجري في ظل أوضاع يحكمها توازن دقيق حساس بين مقاومة مسلحة ذات طابع ديني إسلامي تعتبر نفسها جزءا من حركة إسلامية أوسع ذات مرجعية تتجاوز حدود الوطن, وسلطة رسمية ذات طابع وطني تحظي باعتراف دولي وعربي.
غير أن ثمة فروقا بين حالة جنوب لبنان وحالة قطاع غزة ينبغي التنبه لها والإشارة إليها لعل أهمها يتمثل في أن الهدف النهائي المعلن لحزب الله كان يقف عند حدود تحرير أرض لبنان, وكان هو نفس الهدف النهائي المعلن للسلطة الرسمية اللبنانية, فضلا عن إصرار حزب الله دوما علي إعلان عدم منازعته مشروعية السلطة الوطنية الرسمية اللبنانية, وتخطيه التساؤلات المحرجة حول المرجعية الشيعية الإيرانية وتحرير الجولان وفلسطين والعالم الإسلامي. أما في فلسطين فقد كان لكل سلطة سقفها المختلف منذ البداية. فالهدف المعلن لحركة حماس هو إنهاء احتلال الضفة والقطاع وفقا لاتفاقيات أوسلو وخطة الطريق التي تتضمن اعترافا بدولة إسرائيل, وهو الأمر الذي يجعل من تسليم حماس بشرعية السلطة الوطنية الفلسطينية بل وبمنظمة التحرير الوطني الفلسطيني أمرا مثيرا للجدل.
ولقد كان طبيعيا أن تتواري مثل تلك الفروق الجوهرية بين السلطة الوطنية وحماس, في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لاتفاقيات أوسلو التي توافقت مع تبني السلطة الفلسطينية استراتيجية عسكرة الانتفاضة وارتفاع نغمة خيار الكفاح المسلح حتي داخل صفوف فتح, وظهور كتائب الأقصي التي قدمت نفسها في بياناتها العسكرية باعتبارها الجناح العسكري لحركة فتح, كانت حسابات أبوعمار تدور في إطار غض الطرف, بل وتشجيع نشاطات الفصائل الإسلامية بهدف استثمارها كقوي ضغط علي الجانب الإسرائيلي لدفعه للالتزام بالسلام, وذلك باعتبار أنه لا بديل لتلك السلطة إذا ما أطيح بها سوي تلك التيارات الإسلامية الرافضة لعملية السلام الجارية, ومن ثم فإن العمليات المسلحة لتلك القوي الإسلامية يمكن أن تساعد السلطة علي اقامة الدولة التي تسعي إليها, ويكون بعد ذلك لكل حدث حديث, ولم يكن للسلطة أن تتورط علنا في مساندة العمليات المسلحة مما يفقدها أساس وجودها القائم علي اتفاقيات أوسلو. ومن ثم كان شعار الحرص علي وحدة الصف الفلسطيني يمثل المخرج النموذجي للعودة إلي طريق اللاحرب اللاسلم الشهير.
ولم يكن ممكنا أن يستمر الحال علي ما هو عليه بعد أن حسم الشعب الفلسطيني موقفه باختيار أبومازن رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية ولمنظمة التحرير الوطني الفلسطينية, علي أساس برنامج يعلن يه بوضوح قاطع انتهاء حقبة عسكرة الانتفاضة, وبدا آنذاك أن الأطراف الفلسطينية جميعا قد قرأت واحترمت قرار الغالبية الفلسطينية, ولكن بعد إعلان شارون عن عزمه علي الانسحاب من غزة من طرف واحد, بدأت الأوراق الفلسطينية تختلط من جديد مؤذنة بصراع وشيك بين السلطة وحماس. وبدأت تساؤلات شبيهة بتلك التي ترددت في الساحة اللبنانية إثر الانسحاب من الجنوب حول الأحق بجني ثمار الانسحاب, وبدأت تصريحات حماس الملتهبة تعود بنا حتي إلي التشكيك في تمثيل السلطة لكل الفلسطينيين, وإلي قدسية سلاح المقاومة, رافعة شعار تقاسم الحكم في غزة مع السلطة واستمرار الوضع في بقية الأراضي كما كان في البداية, بمعني أن السلطة تحكم وفقا لاتفاقيات السلام والمقاومة تستمر في القتال وإطلاق الصواريخ.
ولم يكن من الصعب إدراك أن تكريس ذلك الموقف, الذي يميز بين غزة والضفة, يحقق هدفا إسرائيليا جوهريا يتمثل في شعار غزة أولا وأخيرا بمعني اعتبار غزة كيانا له خصوصيته المختلفة عن بقية الأراضي المحتلة, ومن هنا كان إصرار السلطة الوطنية علي اعتبار الانسحاب من غزة جزءا من استحقاقات أوسلو وخريطة الطريق.
وإذا كانت العيون ترقب ما يجري والمشاعر تلتهب في متابعته, فإن علي العقول أن تحاول بناء سيناريوهات المستقبل المتوقعة:
1 ـ إن يتم الانسحاب الإسرائيلي وتظل الساحة الفلسطينية علي ماهي عليه من تنازع بين حماس والسلطة الوطنية. بحيث تؤكد حماس قدسية سلاحها واستقلالية قرارها, وتظل السلطة متمسكة بإعلانها أنه لا مجال إلا لسلطة واحدة وسلاح واحد. ويظل حرص الطرفين علي تحريم وتجريم الاقتتال الفلسطيني الداخلي. ومن ثم تتوالي عمليات متفرقة ضد إسرائيل وتتوالي الضربات الإسرائيلية الموجهة أساسا للسلطة الفلسطينية, كما أنها تصل أحيانا إلي بعض رموز حماس.
2 ـ ان يتم الانسحاب الإسرائيلي فيندلع قتال فلسطيني داخلي اختبارا لموازين القوي الحقيقية بين حماس والسلطة. وهو السيناريو الذي حرص الفلسطينيون دائما علي إدانته. برغم أنهم قد مارسوه بالفعل سواء في طرابلس أو بيروت أو غيرهما. وفي هذه الحالة سوف تتوقف النتيجة علي قدرة فتح علي توحيد صفوفها, فضلا عن طبيعة المواقف العملية التي سوف تتخذها الأطراف الإقليمية والدولية وكذلك الموقف الإسرائيلي.
3 ـ ان يتم الانسحاب الإسرائيلي وتتوقف عمليات حماس وتنخفض حدة نبرة خطابها السياسي, متجهة بالتدرج إلي الاندماج في العمل السياسي وفي إطار منظمة التحرير الوطني الفلسطيني.
[كاتب هذا المقال أستاذ علم النفس السياسي في جامعة عين شمس]
الأهرام - 43353 السنة 129-العدد 2005 اغسطس 17 12 من رجب 1426 هـ الأربعاء