[blink]معضلات عصرية
الهوية الفلسطينية.. والأمن الإسرائيلي
بقلم: محمد سيد أحمد
[/blink]
سقطت ـ أو علي أقل تقدير, وارد أن تسقط ـ الحجج التي بررت بها اسرائيل وقف عملية التفاوض حول القضية الفلسطينية.. لقد تذرع شارون طويلا بأن الفلسطينيين يفتقرون إلي شخصية كفيلة بتمثيلهم.. وبعد رحيل عرفات, لم يجد شارون مناصا من الاعتراف بأن هناك بديلا فلسطينيا متمثلا في أبو مازن وقريع.. ثم هناك مروان البرغوثي وماجري من حديث عن تخليه عن الترشيح.. المؤكد, علي أي الأحوال, أن شارون لن يتردد في محاولة استخدام البرغوثي كورقة لزيادة الصراعات حدة في صفوف الفلسطينيين, بما في ذلك ورقة إطلاق سراح البرغوثي لو أفاد ذلك مخططاته..الآن وقد أحيي الحديث عن استئناف التفاوض, وبات من واجب كل طرف أن يأخذ بعين الاعتبار مطالب الطرف الخصم, ولم يعد ممكنا قصر التصريحات الرسمية علي مطالب معروف سلفا أن الوضع لايحتمل قبولها.. كيف تبدو الصورة؟.. إن شارون, من جانب, يتذرع بالقضايا المتعلقة بـ أمن اسرائيل, ويتحجج بضرورة عدم التفريط فيها علي وجه الاطلاق.. والفلسطينيون يشهرون ورقة الهوية الفلسطينية, وإصرارهم علي أن هذه الهوية لاتحتمل أقل من إعتراف اسرائيل بدولة فلسطينية مكتملة الأركان..
الأمن في نظر شارون إنما يعني في المقام الأول استكمال مشروع الجدار العازل الذي يفصل الفلسطينيين عن الاسرائيليين فصلا محكما صارما.. ثم يعني في المقام الثاني اقتطاع أجزاء من الضفة الغربية تنتهي بحرمان الفلسطينيين من قطاعات مهمة من أراضيهم المحتلة.. ثم لابد من إدراك أن إضفاء صفة الإنسحاب علي جزء ـ كبر أم صغر ـ من غزة إنما هو خدعة, ذلك أن مشروع شارون الخاص بالانسحاب من غزة هو نقيض المشروع الفلسطيني في هذا الصدد, فكيف الحديث عن انسحاب يلبي تطلعات الطرفين معا.. إن شارون يعني بإنسحابه من غزة آخر عملية انسحاب تقدم عليها اسرائيل, لتبريرها العدول نهائيا عن إجراء انسحابات تالية.. في أحسن الفروض, سوف يعلق المفاوض الاسرائيلي أي إنسحاب لاحق علي مزيد من التنازلات الفلسطينية, في هذا المجال أو غيره..
ثم إن أمن إسرائيل إنما يقتضي في نظر شارون تخلي الفلسطينيين كلية عن اللجوء إلي العنف, بما في ذلك العنف ضد أهداف عسكرية لقوات الاحتلال.. إن إسرائيل لاتميز بين العنف غير المشروع والعنف المشروع, المعترف به دوليا بمقتضي ميثاق الامم المتحدة.. ومن هذا المنطلق, كان في الإمكان أن يمتد الاحتلال الاسرائيلي إلي أجل غير مسمي, ذلك أن موقف اسرائيل هو تنكر للقاعدة التي أكد عليها عبدالناصر, والقائلة بأن مايؤخذ بالقوة, لايسترد إلا بالقوة.. وإسقاطا لأي عنف علي وجه الإطلاق, أصبح كل عنف, وكل أشكال المقاومة أيا كانت, في نظر شارون, إرهابا..
دائرة الأمن.. ودائرة الهوية
نحن إذن بصدد دائرتين لاتتقاطعان.. مايمكن وصفه بـ دائرة الأمن الإسرائيلي من جانب, ومايمكن وصفه بمقتضيات الهوية الفلسطينية من الجانب الآخر.. كيف يمكن إجراء تسوية تلبي احتياجات هاتين الدائرتين المتنافرتين؟..
إن الصعوبة الرئيسية تتمثل في تحويل عملية غزة كما يقترحها شارون من عملية تثبت الاحتلال الاسرائيلي, إلي عملية يجري تنفيذها في تعاون مع الفلسطينيين, لا بمعزل عنهم تماما.. ولا ـ من باب أولي ـ ضدهم.. وهذا يقودنا إلي السؤال: هل من الممكن جعل التخلي عن الاحتلال عامل تقوية للأمن, بدلا من العكس؟.. إن هذا لن يقتضي الامتناع عن أعمال هدامة وحسب, بل مباشرة أعمال بناءة يكون لها دور في تعزيز وترسيخ الثقة المتبادلة.. بل إزالة آثار الكراهية المتبادلة بأفعال ومبادرات إيجابية ومرسومة..
بماذا يمكن الرد علي شارون وهو يتقدم بمبادرته, ويصفها بأنها عملية إنسحاب, ومن جانبه هو المعروف بعدائه الجازم طوال حياته السياسية للانسحاب من أي أراض عربية محتلة؟.. هل لدينا أدلة عملية تقطع بأن تفسيرنا لسلوك وأهداف شارون هو الصحيح, في وقت نناقشه وجها لوجه؟.. علينا نحن تقديم الدليل علي أن إدعاءات شارون عن الانسحاب ماهي إلا مغالطات, وأن مايستعد له الآن هو تثبيت للاحتلال, لا العدول عنه.. أو بتعبير أدق, إبداء الاستعداد للانسحاب من جبهة, حتي يكون هذا الانسحاب مبررا لعدم الانسحاب من أية جبهة أخري تماما.. أو لوقت طويل مستقبلا.
من حقنا, مع استئناف التفاوض, أن نطالب شارون بتفسير منطقي لانسحاب اسرائيل من غزة فقط( وليس من كل غزة), ثم عدم الانسحاب من كل الضفة( بل بقاء الاحتلال الاسرائيلي في معظمها).. وفي غياب تفسير مقبول, علينا تقديم مبادرات مقابلة تحقق المخطط الفلسطيني للانسحاب, مع مراعاة ما تراه اسرائيل من مقتضيات أمنها.. علينا سحب المبادرة من شارون, وإثبات أن الأمن لايتعارض بالضرورة مع وضع حد للاحتلال, وأن المسألة متوقفة في النهاية علي مناخ التفاوض, وعلي الرغبة في التوصل إلي نتائج, لا المماطلة بشأنها إلي غير أجل..
موجة واقعية
ثم ليس صحيحا أن النزاع مقصور علي القضية الفلسطينية وحدها.. والجدير بالملاحظة منذ حرب العراق, وربما كذلك بعد التغيير الذي طرأ علي الدبلوماسية الليبية, أن الكثير من القادة العرب, وحتي من الجماهير العربية, بدأوا يتنبهون إلي حكمة التروي والواقعية في التعامل السياسي, وعدم ضياع فرص قد تكون متاحة لانتزاع مكاسب كثيرا ماغض النظر عنها في السابق..
أنا لا أزعم أن تحليل شارون لشخص عرفات هو الصحيح.. وأنا واثق تمام الوثوق أن عرفات لم يكن ممن يحبذ الإرهاب, بل تحمله كأداة تبنتها فصائل شتي من المقاومة الفلسطينية, لعجزها عن الخروج بموقف تفاوضي أكثر فعاليه وإيجابية.. اعتقد أن التمييز الحاد بين عرفات من جانب, واقرب معاونيه من الجانب الآخر, تمييز مفتعل أريد به تحميل عرفات وحده مسئولية الصعاب وأوجه الفشل التي تعرض لها, وتبرئة بقية المسئولين بالسلطة الفلسطينية من هذه الأخطاء للتعامل معهم في جو تحتدم فيه الخلافات الفلسطينية/الفلسطينية, ويكون لإسرائيل دور فعال في تمزيق الصف الفلسطيني, وافشال كل محاولات التصالح والاصلاح.
من الواضح مما تتناقله وكالات الانباء عن المحادثات بين منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل أخري كحماس أو الجهاد الاسلامي, أن الأطراف كلها بسبيلها أن تظهر قدرا ملحوظا من الواقعية, وأن هناك ـ عموما ـ اتجاها للتقارب بين المنظمات.. بين سوريا ومنظمة التحرير.. بل بين سوريا والفلسطينيين عموما.. فليس مقبولا أن يجري حديث بشأن تعاملات محتملة مع إسرائيل, وتستمر أوجه الخلاف بين الاطراف العربية علي أشدها.. ولذلك عملية دس جاسوس إيراني للقيام بعمليات إغتيال في مصر, مع كل ماينبغي أن تثيرة من تحوط ويقظة, مسألة مثيرة للريبة, ولانستبعد في المرحلة الدقيقة القادمة أن أمورا كثيرة في عكس اتجاه التيار العام سوف تفاجئنا بين الحين والحين..
تقارب بين شارون وبيريز؟
وليس بمستبعد أيضا أن نشهد في المرحلة القادمة تغييرات كبيرة داخل سرائيل, وتقاربا بالذات بين شارون وبيريز, أي العودة إلي صيغة الائتلاف القومي الذي يضم حزب العمل مع الليكود كعموده الفقري ضد المتمردين في الليكود علي موقف شارون من غزة, ولإبطال مفعول مجموعة شينوي العلمانية اليمينية في حالة انسحابها من الائتلاف الليكودي الراهن.. ولأن هذا السيناريو وارد, فلا ينبغي التقليل من شأن سيناريو مضاد له بمبادرة من نيتانياهو أو غيره, مفاده نوع من المصالحة داخل الليكود, تجنبه التعرض لتنازلات ثمنا لانضمام حزب العمل إلي الائتلاف الحكومي..
ثم هناك مبادرة بلير, واقتراحه بشأن عقد مؤتمر عن الشرق الأوسط في لندن مع بداية العام القادم.. فإن فكرة هذا المؤتمر التي لم يتحمس لها بوش في البداية, يبدو أنها بصدد أن تكسب تأييده, حتي لو غاب عن المؤتمر إسرائيل.. ذلك أن الأهم في نظر بلير في الوقت الراهن هو تهيئة الساحة العربية لمتطلبات المباحثات الصعبة القادمة, بينما لاحاجة لإشراك اسرائيل( وقد لايكون مفيدا) في هذه العملية..
http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...2.htm&DID=8337