تحقيق: توافق حماس وفتح مدخل رئيسي لانجاح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية
رام الله، منتصر حمدان:
مع ازدياد الحديث والتصريحات بشأن اهمية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية باعتباره بات امرا ملحا لانهاء حالة التأزم السياسي الداخلي والخارجي في الساحة الفلسطينية، يثار في اوساط النخبة والقادة السياسيين التساؤل بشأن نجاعة هذه الخطوة في انهاء الحصار السياسي والمالي المفروضين على السلطة الوطنية اضافة الى قضية وجود ضمانات اوروبية واميركية للتعامل مع مثل هذه الخطوة السياسية التي تعتبر هي الاولى من نوعها من حيث تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها غالبية الفصائل والاحزاب السياسية المشكلة للنظام السياسي الفلسطيني.
وتعتبر مسألة الحصول على ضمانات اوروبية واميركية امرا ضروريا لانجاح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وحتى لا تتحول كأنها قفزة في الهواء دون طائل، وحول هذا الموضوع قالت مصادر رسمية للحياة الجديدة ان هناك اتصالات ولقاءات عقدت خلال الايام القليلة الماضية مع عدد من المسؤولين الغربيين بما في ذلك لقاءات مع شخصيات اوروبية بهدف جس النبض الاوروبي والاميركي حول امكانية تعاملهم مع الحكومة الجديدة في حال تشكيلها.
ووفقا لتلك المصادر فان النتائج الاولية تشير الى مواقف سلبية تجاه امكانية التعامل مع حكومة وحدة وطنية خاصة من قبل الادارة الاميركية. وقالت تلك المصادر: جرى لقاء امس الاول في رام الله جمع بين رئيسة لجنة التطوير في البرلمان الأوروبي، والنائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي د.حسن خريشي، بمشاركة د.محمود الرمحي قبيل اعتقاله بساعات، وجرى محاولة استكشاف امكانية التعامل الاوروبي والاميركي مع مثل هذه الخطوة حيث كان الرد بان تشكيل حكومة وحدة وطنية قد يلقى بعض القبول الحذر من اوروبا في حين لا امكانية للتعامل الاميركي مع مثل هذه الحكومة. واكد خريشي تلك المعلومات بشأن عقد اللقاء وطبيعة الرد الاوروبي بشأن امكانية التعامل مع مثل هذا الخيار. وقال: في ظل غياب الضمانات الحقيقية بشأن ضمان التعامل الدولي مع حكومة الوحدة الوطنية التي يكثر الحديث عن تشكيلها، فانني لا ارى ان تشكيل حكومة وحدة وطنية تشكل مخرجا للازمة التي نعيشها.
ومن اللافت للانتباه بأن هناك تركيزا كبيرا من قبل كبار المسؤولين الفلسطينيين سواء من مؤسسة الرئاسة او من الحكومة يتمحور حول ضرورة الاسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، في حين يغيب الحديث الجدي عن اهمية انجاز التوافق ما بين حماس وفتح باعتبارهما الفصيلين الكبيرين على الساحة الفلسطينية. وقال خريشي: التوافق بين حماس وفتح اهم بكثير من تشكيل حكومة وحدة وطنية لا تحظى بقبول المجتمع الدولي، مشددا على انه لا امكانية للخروج من المأزق السياسي الراهن دون وقوف كل من حماس وفتح عند مسؤولياتهما والوصول الى اتفاق فيما بينهما حول مجمل القضايا الخلافية والتفاهم على طبيعة الادوار لهما لمعالجة الاوضاع السياسية والاقتصادية للشعب الفلسطيني.
ويرى المحلل السياسي د.جورج جقمان ان التعويل على امكانية ان يساهم تشكيل حكومة وحدة وطنية في انهاء المأزق السياسي الفلسطيني يتوقف بالاساس على تشكيل مجلس الوزراء الجديد وطبيعة الشخصية التي سوف ترئس منصب رئيس الوزراء. وكان اسماعيل هنية اعلن صراحة بأن حماس لن تقبل ان يكون رئيس الوزراء من خارج حماس، ورغم موقف هنية هذا الا ان مراقبين ومحللين يرون ان موضوع تكليف رئيس الوزراء بهذه المهمة يحدده صاحب الصلاحية حسب القانون الاساسي وهو الرئيس عباس.
وقال جقمان: اعتقد ان تكليف شخصية مستقلة غير محسوبة على أي من فتح وحماس لتولي مهام رئاسة الوزراء سوف يساعد في تجنيد الدعم الدولي للحكومة الجديدة اذا ما جرى التوافق بشأن تشكيلها. واشار جقمان الى امكانية الاستفادة من تجربة حزب الله في موضوع المشاركة في الحكومة اللبنانية حيث ان لحزب الله وزراء في الحكومة الا ان رئاسة الحكومة يتولاها قيادات تحظى بقبول عربي ودولي مؤكدا ان هذا الموقف يعكس المنظور الدولي. وقال جقمان: من المنظور الفلسطيني يجب علينا ان نتمسك بالشرعية الفلسطينية ولكن في نفس الوقت ولاعتبارات اقليمية ودولية يجب علينا بذل المزيد من الجهود لايجاد حلول لانهاء الحصار السياسي والاقتصادي عن السلطة الوطنية.
وتابع: نحن مع الشرعية الفلسطينية التي افرزتها صناديق الاقتراع ولكن لا يجب علينا اهمال مسألة التوازن ما بين ما نريده وما يريده المجتمع الدولي منا، مشيرا الى ضرورة المباشرة بعمل دبلوماسي حذر لجس نبض الاطراف المختلفة للوصول الى نقطة توازن تساعد في الوصول الى القواسم المشتركة.
ويؤيد جقمان بشدة ما جاء على لسان خريشي بشأن اهمية تحقيق التوافق بين حماس وفتح وقال: رغم اختلاف وتباين مواقف الفصيلين الكبيرين الا ان هناك مساحة واسعة للتوافق، مشيرا الى مواقف حماس المعلنة تجاه عدم معارضتها لمساعي الرئيس عباس بالدخول في مفاوضات سياسية مع اسرائيل لتحصيل اية حقوق وطنية للشعب الفلسطيني بمعنى استعداد حماس للقبول بالتقاسم الوظيفي.
وعلى الرغم من ازدياد الحديث عن اهمية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لانهاء المعاناة الناتجة عن الحصار السياسي والاقتصادي للسلطة والشعب الفلسطيني، الا ان مصادر رسمية رأت ان الحلقة الرئيسية التي لا يجب اغفالها هي اهمية ان تباشر قمة الهرم القيادي في حماس وفتح بالدخول في حوار مباشر بعيدا عن الانظار للتوصل الى توافق بينهما بشأن التعامل مع مجمل التحديات وعلى اعتبار انهما والشعب الفلسطيني يعيشون في قارب واحد.
الخيارات الفلسطينية الصعبة: حكومة للوحدة الوطنية أو حل السلطة الآن
بقلم : د. سمير غطاس
... كان الفلسطينيون قد استهلكوا حتي الآن عشر حكومات متعاقبة بدءا من الحكومة الأولي التي تشكلت في1994/5/20 وصولا الحكومة العاشرة التي شكلتها حماس في فبراير2006, وما بين هذه وتلك, كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد ترأس بنفسه الحكومات الخمس الأولي, قبل أن يضطر تحت الضغط الأمريكي ــ الإسرائيلي للفصل ما بين رئاسة السلطة والمنصب الجديد الذي استحدث لرئيس الوزراء أو رئيس الحكومة.
وكان محمود عباس ــ أبو مازن هو أول من تقلد منصب رئيس الوزراء في فترة قصيرة من4/29 ــ2003/9/4 وكان عرفات قد تمكن من قصف عمر هذه التجربة مبكرا بعد أن استخدم كل ما في جعبته من حيل وأحاييل لحمل أبو مازن علي الاستقالة.
وربما كان من الإنصاف الإشادة بالشجاعة السياسية التي اتصف بها قرار ابو مازن هذا بالتنحي عن كرسيه عندما استحال عليه تأدية مهامه, علي الأقل مقارنة بهؤلاء الذين كأنهم ولدوا بمؤخرات لا تنفصل أبدأ عن كراسي السلطة.
وبعد استقالة أبو مازن تولي أحمد قريع ــ ابو علاء رئاسة ثلاث حكومات متعاقبة إلي أن اضطر بعدها إلي تسليم مقاليد الحكومة لحركة حماس بعد فوزها في الانتخابات العامة التي اجريت في2006/1/26. ورغم ان البرلمان ــ أو المجلس التشريعي الذي تشكل بعد هذه الانتخابات يضم6 كتل نيابية, فقد تشكلت الحكومة الفلسطينية العاشرة من حركة حماس بمفردها.
بعد ان عجزت عن استحالة أي كتلة برلمانية أخري لاشراكها في الحكومة, وذلك نظرا لتمسك حماس بعدم الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد فضلا عن نقاط أخري خلافية أدت بالنتيجة الي انفراد حماس بتشكيل الحكومة الحالية.
كانت الانتخابات الاخيرة, رغم اقرار الجميع بنزاهتها العالية قد افرزت جملة من المعضلات السياسية التي علقت في حلق الوضع الفلسطيني. فقد بتنا إزاء وضع سياسي مأزوم بسبب وجود سلطة واحدة لها رأسان: الرئيس ابو مازن المنتخب كرئيس للسلطة علي قاعدة برنامج سياسي. والسيد إسماعيل هنية رئيس حكومة حماس التي نجحت أيضا في انتخابات ديموقراطية ومباشرة.
وكانت هذه الأزمة نفسها تفاقمت بعد التجاذبات التي شهدتها الساحة الفلسطينية بعدما بدأ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس المتمسك للآن بالجنسية الاردنية والمقيم في دمشق, في التصرف, من دون أي سند, كزعيم مقرر للسياسة الفلسطينية الداخلية متجاوزا رئيس السلطة ورئيس الحكومة المنتخبين من الشعب. وهكذا بدأ الوضع الفلسطيني ككائن سياسي خرافي يعمل علي كاهله ثلاثة رؤوس وربما حتي أكثر.
ولم تقتصر صعوبة هذا الوضع علي هذه المعضلة فحسب, إذ لابد من الاعتراف ايضا بأن الانتخابات خلفت وضعا من الانقسام في الشارع الفلسطيني ذاته.
إذ رغم فوز حماس المستحق عن جدارة بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي(74 مقعدا) بأن هذه النسبة العالية لا تعكس في الحقيقة موازين القوي السياسية بين حماس وفتح بالذات في الشارع الفلسطيني, فمن الثابت في المحاضر الموثقة للجنة المركزية المستقلة للانتخابات ان فتح حصلت علي عدد اكبر من حماس من اصوات الناخبين لكنها حصلت مع ذلك علي مقاعد اقل بكثير من حركة حماس. ومع ذلك سلم الجميع بفوز حماس المستحق في هذه الانتخابات وفقا لقواعد اللعبة الديموقراطية ونظامها. لكن ذلك لا يعني اغفال حالة الانقسام التي خلفتها الانتخابات في الشارع, والتي لاتزال تداعياتها وتوابعها تنعكس علي الوضع هناك. ومن دون التورط في اعادة وصف تفاصيل التطورات المعروفة للجميع فإنه يمكن التعبير عن الأزمة الراهنة بمعادلة صعبة طرفها الأول هو محاولة حماس ان تحكم بمفردها ولم تنجح, في مقابل الطرف الثاني الذي يتمثل في محاولة فتح في ان تعود للحكم وحدها ولم تنجح.
وفي مواجهة هذا الوضع الشاذ والمأزوم انطرحت عدة بدائل يمكن عرضها في النحو التالي.
1 ـ تشكيل حكومة طواريء أو حكومة إنقاذ وطني, ويسمح النظام السياسي لأبو مازن بتشكيل مثل هذه الحكومة لكن النظام نفسه يقيده بضرورة العودة بعد شهر للمجلس التشريعي لطرح الثقة في هذه الحكومة.
وبما أن حماس تمتلك الأغلبية فإنها ستسقط مثل هذه الحكومة وهذا الخيار.
2ـ تشكيل حكومة تكنوقراط من المستقلين أو حكومة مختلطة مع السياسيين, وهذا الخيار أيضا غير ممكن من دون موافقة حماس والتوافق عليه.
3ـ أو اللجوء الي انتخابات عامة مبكرة حيث يحتكر أبومازن وحماس وكل الفصائل أصوات الشعب. وكانت حماس قد هددت باستخدام القوة المسلحة لمنع هذا الخيار حتي لو أدي الأمر الي توريط الفلسطينيين في حرب أهلية لاتبقي ولاتذر.
4ـ أو التوافق علي تشكيل حكومة وحدة وطنية, وهو مطلب قديم وشبه دائم, لكنه تحول الي مجرد شعار يتعذر علي الدوام تحقيقه.
كان التوافق علي برنامج سياسي مشترك هو المعضلة التي حالت دائما دون تشكيل مثل هذه الحكومة العتيدة. وكانت قيادات الحركة الأسيرة في السجون الاسرائيلية: مروان البرغوثي من فتح, وعبدالخالق النتشة من حماس, عبدالرحيم ملوح من الشعبية, بسام السعدي من الجهاد ومصطفي بدارنة من الديموقراطية, قد نجحوا في صياغة وثيقة تضم18 بندا, وطرحتها كأساس لبرنامج سياسي تنهض علي بنوده حكومة الوحدة الوطنية المنتظرة.
لكن حماس بادرت من جهتها برفض الوثيقة وشككت فيها بل ومارست ضغوطا علي حملتها في السجون لسحب توقيعه عليها, وفي مواجهة هذه المنادرة أصدر أبومازن مرسوما رئاسيا بدعوة المواطنين الفلسطينيين للاستفتاء علي وثيقة الأسري.
وأمام هذا الحسم, وتحسبا لنتائج الاستفتاء راجعت حماس موقفها الرافض لوثيقة الأسري, وبعد مداولات شاقة تم التوصل في6/27 الماضي الي التوقيع بالأحرف الأولي علي هذه الوثيقة من كل الأطراف بما في ذلك حركة حماس نفسها.
وتنص بنود هذه الوثيقة علي مجموعة من الخطوات الاجرائية فالبند السادس ينص علي تشكيل حكومة وحدة وطنية من جميع الفصائل خصوصا حماس وفتح. والبند العاشر ينص علي تشكيل قيادة موحدة للمقاومة. ورغم التوقيع الجماعي علي الوثيقة فقد تعطل العمل بها فعليا بسبب العدوان الواسع والمستمر الذي تشنه اسرائيل عقب عملية أسر الجندي جلعاد شليت في6/25 الماضي. وقد أثار هذا الأمر لغطا واسعا, حيث يعتقد البعض أن توقيت هذه العملية كان مقصودا لعرقلة وتعطيل المضي قدما في تطبيق بنود وثيقة الوفاق الوطني, ويعزز هذا التيار رأيه بالقول بأن حماس كانت وماتزال أكثر الفصائل الفلسطينية التزاما يوقف كل عملياتها العسكرية بما في ذلك أطلاق الصواريخ منذ شهر مارس2005 وحتي الآن, وأن هذه العملية كانت استثناء من هذا الالتزام.
وأيا كانت صحة أو خطأ هذا الإدعاء, فإن النتيجة واحدة فقط تعطل فعلا العمل بهذه الوثيقة, وفي اعقاب صدور القرار1701 أعيد الزخم من جديد لمشروع حكومة الوحدة الوطنية الذي نصت عليه بنود وثيقة الأسري, ومن جهتها قررت مركزية حركة فتح في اجتماعها في عمان في8/23 تعزيز الدعوة لمشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية, وقابل ذلك تصريحات إيجابية مماثلة صدرت عن رئيس حكومة حماس السيد اسماعيل هنية.
لكن يبدو أن هذه الحكومة لن تري النور قبل أن تقوم جهة ما بانتزاع حقول الألغام التي تسد الطريق علي تشكيلها وإقامتها.
فلم تكن التصريحات الإيجابية سوي ستار لعمليات المساومة والمزايدات التي تعالت أصواتها في الساحة الفلسطينية.
فقد طرحت حماس شروطا تنسف من الأساس أي محاولة لاقامة هذه الحكومة, كاشتراط ضرورة الافراج أولا عن الوزراء والنواب الذين اختطفتهم إسرائيل, وقد تكون حماس محقة في المطالبة بتحرير هؤلاء النواب المنتخبين ديمقراطيا لكنها مع ذلك تعطي لاسرائيل مجانا القدرة علي منع تشكيل هذه الحكومة حتي تفرج حماس عن جلعاد شاليت.
وبالمقابل سمعت أصوات من فتح والفصائل الأخري ترفع شروطا حول نسب المحاصصة في الحكومة, وتصرعلي حقائب وزارية بعينها, وهذا الوضع لايحمل أي بشري لاحتمال قيام مثل هذه الحكومة العتيدة.
وقد لايختلف أحد علي الساحة الفلسطينية أو خارجها علي أهمية وضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة للخروج من مأزق وأزمة حكومة حماس الحالية.
ومع ذلك فانه ينبغي لنا اعادة النظر في موضوعية بقاء السلطة كلها وخيار حل هذه السلطة التي ستبقي ايا كان نوعها وطبيعتها, منتهكة ومرتهنة للضغوط والشروط الخارجية.
كان مشروع اقامة سلطة للحكم الذاتي امرا مفهوما في اطار الاستعداد الفلسطيني لبناء مقومات الدولة المستقلة, التي كان من المفترض اقامتها في نهاية عام1999 طبقا لاتفاقات أوسلو.
ولما كنا وصلنا إلي هذا التاريخ ليس بأكثر من خفي حنين فقد كان لزاما علي عرفات في حينه أن يعلن اما عن اقامة الدولة الفلسطينية أوعن حل السلطة ودعوة المجتمع الدولي لتحمل مسئولياته عن الشعب والاراضي المحتلة, لكن عرفات لم يقرر لا هذه ولا تلك.
ثم عادت وواتته نفس الفرصة مرة ثانية عقب فشل المفاوضات في قمة كامب ديفيد في يناير2001 وايضا لم يفعلها عرفات.
ويجب الآن أن نصارح أنفسنا بانه لامبرر ولا جدوي من أي سلطة أو حكومة فلسطينية مالم يكن ذلك مرتبطا بمشروع منضبط زمنيا لاقامة الدولة الفلسطينية, لانه من ذلك فان هذه السلطة وحكومتها ستبقي منتهكة وعاجزة ومتسولة وخاضعة للشروط الخارجية, سواء كانت هذه السلطة بأمرة أبومازن أو هنية وسواء كانت حكومة لفتح أو حماس أو حكومة وحدة وطنية.
كانت حماس التي نددت بفتح وهي في المعارضة بسبب مهزلة اقتحام إسرائيل سجن اريحا قد وقعت وهي في الحكم في المأزق ذاته, وهي تقف الآن عاجزة ومن دون أي رد علي مهزلة اختطاف وزرائها ونوابها المنتخبين, وهذا الامر لايخص لافتح ولاحماس, وانما يخص طبيعة السلطة ذاتها.
وليس معروفا مثلا كيف سترد حكومة الوحدة الوطنية, اذا ما حدثت معجزة وقامت هذه الحكومة, علي أي مهزلة أخري جديدة علي الاشتراطات الدولية ـ الأمريكية والإسرائيلية الثلاثة: الاعتراف بالقرارات الدولية والاتفاقات السابقة ووقف المقاومة العنف المسلح والاعتراف باسرائيل. لقد بدأت أوساط عديدة في فتح وغيرها في مراجعة موقفها من موضوع السلطة, كما أظهر استطلاع للرأي اجرته احدي وكالات الانباء المستقلة أن اكثر من58% من المواطنين يؤيدون حل السلطة.
والغريب في الامر أن تبدي حماس كل هذا التعلق بأهداب هذه السلطة المهانة والمستباحة, ومن دون أن تطرح أي مشروع سياسي بديل يعوض قرارها بتجميد خيار المقاومة.
إن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية, اذا صدقت النيات, ووافقت الافعال الاقوال, سيكون بكل التأكيد هو الخيار الافضل من مأزق الوضع الراهن للحكومة والسلطة لكنه بكل التأكيد ايضا لن يحل لا أزمة هذه السلطة ولا أزمة التسوية أو انعتاق الشعب من اسر الاحتلال وكل ذلك يدعونا للبحث عن خيار آخر جذري واستراتيجي, يضع قرار حل السلطة في القلب من مشروع سياسي جديد تتوافق عليه الفصائل ويدعمه الشعب, ويضع حدا لتنصل إسرائيل من مسئولياتها كدولة محتلة, تعمل هذه السلطة وكيلا عنها وليس بديلا لها.
أن نقرر الآن حل السلطة في اطار مشروع سياسي جديد أفضل بما لايقاس من أن ننتظر انهيارها علي رؤوسنا.
كان عرفات قد اضاع من قبل فرصتين والتاريخ لن يرحم من يضيع الآن الفرصة الثالثة.. وربما الاخيرة.
قطر ومصر والسعودية شاركت في التوصل إلى عقد صفقة للإفراج عن اسرى وأموال السلطة مقابل شليط خلال 48 ساعة
بيت لحم- معا- كشفت مصادر سياسية عن وجود صفقة اسرائيلية- فلسطينية يتم بمقتضاها الافراج عن 1400 أسير فلسطينى وأموال السلطة ووقف الاغتيالات مقابل الافراج عن الجندى جلعاد شليط ووقف الهجمات الصاروخية.
وقالت المصادر إن قطر ومصر والسعودية اضافة الى تركيا شاركت فى التوصل الى تلك الصفقة التي تعيد قاطرة السلطة الفلسطينية إلى سكة التسوية في غضون الثماني والأربعين ساعة القادمة.
حيث تم التوصل إليها جراء جهود شاركت فيها الإدارة الأمريكية وفرنسا وروسيا وتركيا وإيران والأردن وسوريا والسعودية وقطر ومصر، وفقا لتقرير سري للغاية تلقته قيادات فصائل فلسطينية في دمشق، من ممثليها في رام الله، وحصلت صحيفة "الشرق" على نسخة منه والذي يتضمن تفاصيل وتسلسل تطبيق الصفقة في عشرة بنود، يقول التقرير، "إن محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية حذر من انهيار الموقف، وبأنه لن يقبل بنتائج العدوان الإسرائيلي,على غزة واستمرار المجازر ضد شعبه، وانه هدد باتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة الموقف، ومنها الاستقالة وسحب اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل".
وحسب صحيفة الشرق القطرية البنود العشرة للصفقة تبدأ بفك الحصار المفروض على قطاع غزة، وسحب إسرائيل لقواتها ووقف عدوانها، وتنتهي بالنص على أن تضمن مصر وتركيا وروسيا وفرنسا تنفيذ هذه البنود.
وبينها توجد بنود تتعلق بفتح المعابر، والإفراج عن الأموال الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، واطلاق سراح الوزراء والنواب ورؤساء البلديات، ووقف الاغتيالات واطلاق سراح 1400 أسير فلسطيني على دفعات، واطلاق الأسير الإسرائيلي جلعاد شليط، ووقف اطلاق الصواريخ الفلسطينية على اهداف إسرائيلية، وكذلك وقف العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل، وعدم فرض حلول سياسية من جانب إسرائيل..
وكشفت مصادر سياسية أن مسؤولا عربيا رفيع المستوى أجرى اتصالا هاتفيا فجر الأحد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت، وأن هذا المسؤول اجرى اتصالا هاتفيا مع كل من عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل.
وقالت المصادر إن الإدارة الأمريكية وفرنسا وروسيا وتركيا وإيران والأردن وسوريا والسعودية وقطر ومصر شاركت في الجهود التي اسفرت عن التوصل إلى صفقة ستنفذ بنودها خلال الثماني والأربعين ساعة القادمة.
وأكدت المصادر أن إسرائيل بدأت بإعداد جداول الأسرى الذين سيطلق سراحهم، وأن تأخير الإعلان عن الصفقة يعود إلى ايجاد الصيغ والمواعيد الملائمة التي تخرج إسرائيل وحركة "حماس" من دائرة الحرج، وذلك لأسباب داخلية، وحفاظا على المواقع السياسية.
وستوقع على الصفقة عدة دول عربية واوروبية اضافة إلى تركيا وروسيا ضامنة لتنفيذ البنود الواردة.
المصدر : وكالة معا الأخبارية
[light=996633]الحراك والسكون في الموقف الفلسطيني
بقلم : د. محمد السيد سعيد[/light]
انقلب العالم رأسا علي عقب بسبب اختطاف جندي إسرائيلي واحد من جانب مناضلين فلسطينيين الأغلب أنهم لا ينتمون لفصائل بعينها, وانقلب العالم رأسا علي عقب بسبب اختطاف جنديين إسرائيليين, وتكفلت الولايات المتحدة بالتغطية علي ارتكاب إسرائيل جريمة إبادة معالم الحضارة في لبنان بنسب مسئولية هذا التدمير إلي حزب الله! وكأن من المنطقي أو الطبيعي أن تقوم الدول بشن حروب بهذا الحجم المروع ردا علي حدث بهذه التفاهة. وكان العالم ـ ولايزال ـ يشهد بالفعل عملية متواصلة لتعقب وقتل وتدمير منازل عشرات من المناضلين الفلسطينيين,
ثم اختطاف نصف المجلس التشريعي ورئيس هذا المجلس من جانب قوات الاحتلال دون أن يحرك ولو اصبعه أو شفتيه للاعتراض, ولو أن الفلسطينيين عادوا للنضال المسلح ردا علي أي من الجرائم اليومية التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي بما في ذلك جرائم الاختطاف والقتل, فلن تجد الولايات المتحدة في ذلك دفاعا عن النفس كما فعلت مع الحرب الإسرائيلية ضد لبنان, بل ستعده إرهابا! وبينما نعلم أن هذه العمليات تثير استياء قوي كبري وشعوبا كثيرة في أنحاء العالم, فإن أحدا لا يجرؤ علي مجرد التصريح بهذا الاستياء, بما في ذلك الدول العربية.
ما تقوم به إسرائيل خلال الأشهر الستة الأخيرة, ويوما بيوم يمكن تفسيره بأربعة دوافع رئيسية, الدافع الأول هو تصفية الكوادر الوسيطة والنشيطة في الحركة الوطنية الفلسطينية تصفية بدنية واحدا تلو الآخر, بما في ذلك كوادر فتح. أما الدافع الثاني فهو إسقاط حكومة حماس من خلال مضاعفة شدة الحصار السياسي والمالي, وتعميقه من خلال الحصار المدني والاجتماعي, ومن خلال شل فاعلية الكتلة القيادية في حركة حماس, وينتسب هذان الدافعان لألعاب السياسة المفهومة في معظم المواقف الصراعية في مختلف بلاد العالم.
أما الدافعان الآخران فهما يخصان إسرائيل والدول التي تشابهها من حيث البنية العقيدية العنصرية, فقتل الكوادر الوسيطة والقيادية وعمليات الاختطاف الكبيرة وغيرها من أعمال إرهاب الدولة في حالة إسرائيل تنطلق أيضا من دافع الانتقام وملاحقة من ينسب إليه قتل أو إيذاء يهودي, وهو ما يبطن الاعتقاد بتفوقه لأن قتل الفلسطينيين لا يعاقب عليه, بل وتضاعف التقاليد الإسرائيلية حدة هذا الامتياز العنصري باتباع سياسة تقول إن إيذاء يهودي يرتب حقا في إيذاء عشرات أو مئات أو آلاف العرب في المقابل, أو شن حروب شاملة ضد دول ومجتمعات بكاملها, وإن لم يكن لها أدني علاقة بالمسئولية الفردية عن الحدث.
لكن ملاحقة الكوادر الفلسطينية بالاغتيال والاختطاف بهدف الانتقام الثقيل يتسق مع دافع رابع يتجاوز بكثير مبدأ الردع الاعتيادي في التقاليد السياسية والاستراتيجية علي المستوي العالمي, وهو تركيع الشعب الفلسطيني ـ بعد توقف الانتفاضة ـ وتجهيزه للقبول بأي أمر واقع يفرض عليه, من خلال خطة الانطواء التي وقع تجميدها منذ أسبوعين, أو من خلال ما تبقي من خريطة الطريق أو من خلال أي تحرك دولي مقبل. إن المطلوب هو أن يري الشعب الفلسطيني أي خطة سياسية لحل القضية الفلسطينية نقلة نوعية بالمقارنة بالظروف المريعة التي يعيشها في الوقت الراهن تحت الاحتلال.
ومع ذلك فلم تعد هناك أي خطة سياسية, وليس هناك ما يضمن انسياب أو نجاح أي تحرك مهما كان جزئيا في سياق ما يسمي التسوية الدبلوماسية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي, أو العربي ـ الإسرائيلي, وهو ما يهدد بعودة السكون إلي القضية الفلسطينية, وعندئذ سيكون التنكيل اليومي بالشعب الفلسطيني جزءا من أسلوب الحياة الاعتيادي الذي يريد الاحتلال أن يفرضه, ووسيلة لتثبيت الأمر الواقع بكل جوانبه وأبعاده ومستوياته الحالية, وكأن الاحتلال الإسرائيلي بكل منظومته بما فيها منظومة الحماية والدعم الأمريكي يريد أن يحقق ما يستحيل تحقيقه مع أي شعب كان, وهو إجباره علي الحياة في ظل الظروف المروعة الراهنة بما فيها اعتياد القتل اليومي دون أن يثور أو ينتفض أو يمسك بالسلاح! ودون أن يلجأ أي طرف في العالم لمجرد الاحتجاج أو الاعتراض علي المعاملة الوحشية والإجرامية التي يمارسها الاحتلال ضد شعب عربي صغير وأعزل!
لقد وصلت الأوضاع الفلسطينية إلي هذه الحالة المزرية بسبب سكون أو توقف المحركات الأساسية للموقف الصراعي بما ترك الشعب الفلسطيني أمام واقع السكون والقمع الدائم.
يشكل توقف عوامل الحراك في المجال الدولي أمرا مفهوما علي ضوء السياسة الراهنة للإدارة الأمريكية, فهي لا تكتفي بالتغطية والدعم المطلق لنظام الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه, بل هي تريد تحقيق انقلاب كامل في شروط التسوية السياسية من خلال شل النظم العربية المهمة وتعجيزها عن القيام بأي إسناد جاد للنضال الفلسطيني, واجتذاب وتعجيز أوروبا وروسيا وغيرها من الدول الكبري, ودفع الشعب الفلسطيني إلي اليأس الشامل.
وخلال السنوات الست الماضية كان النضال الوطني الفلسطيني هو عنصر التحريك الوحيد للوضع, غير أن هذا العامل خمد لأسباب عديدة, أول هذه الأسباب وأهمها أن الشعب الفلسطيني دفع ضريبة غالية للغاية في سياق الانتفاضة دون أن يحصل علي شيء ودون أن يقرب المسافة إلي حقوقه التاريخية, ولا يبدو أن اختيار العودة إلي الكفاح المسلح أو حتي الانتفاضة المدنية أمر مفضل, في غياب إسناد سياسي عربي ودولي حقيقي وجاد.ويتركنا ذلك أمام عوامل تحريك وحيدة للوضع الفلسطيني وهي الإرادات الإقليمية. والواقع أن فشل الانتفاضة يعود قبل أي شيء إلي فشل النظام العربي في إسناد النضال الفلسطيني سياسيا وماديا.
وبذلك تمثلت عوامل التحريك الوحيدة في المجال الإقليمي خلال السنوات الست الماضية في التوازن النسبي والمعقد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية, وتحالف إيران وسوريا وحزب الله من ناحية أخري, غير أن هذا التوازن النسبي والجزئي للغاية نشط في مجال آخر تماما وهو الحالة اللبنانية, وكان من الممكن نظريا أن تقود المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله إلي تحريك ناجح للقضية الفلسطينية لو أن النظام العربي أو كتلا كبيرة من السياسة الشعبية العربية لحقت بها وصارت جزءا من حساباتها.
وبينما لم يحدث ذلك انتبهت النظم العربية إلي ظاهرة جانبية لنتائج هذه المواجهة, وهي أنها تقدم إيران بالذات باعتبارها بديلا للنظام العربي فيما يتعلق بقضية وحقوق الشعب الفلسطيني, وهو ما دعاها للتحرك للتأثير علي القرار السياسي الخاص بلبنان( القرار1701) وربما يدعوها للتحرك فيما يخص الشأن الفلسطيني.
ويتم تأطير عملية التحرك في المجال الفلسطيني حاليا في مشروع لايزال غامضا لإصدار قرار جديد من الأمم المتحدة لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي, غير أن أبسط الحسابات تقود إلي نتيجة واضحة تماما, وهي أن أمريكا ستفشل هذا التحرك فيما لو تم في غياب آلية ضاغطة بقوة علي الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا يبدو أن ثمة أملا علي الإطلاق لنجاح أي تحرك عربي دون توافر الاستعداد لخوض معركة سياسية مع الإدارة الأمريكية الحالية, وهي معركة يجب أن تتوافر لها آفاق استراتيجية, بمعني أن تنطوي علي الاستعداد للأخذ بخيارات القطيعة مع الولايات المتحدة أو تخفيض مستويات العلاقة معها علي المدي المباشر والوسيط, وباختصار فإن لم تمتلك القوي العربية الرئيسية الإرادة الكافية لخوض معركة سياسية لتغيير طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة من الهامشية إلي توازن المصالح, فمن المحتم أن تعود القضية الفلسطينية إلي السكون, وأن تحبط الإدارة الأمريكية أي تحرك دبلوماسي عربي لتحريكها إلي مرفأ سلام حقيقي وعادل.
دعك من التصريحات الدبلوماسية التي تأتي في سياق التوضيح من هذا القائد أو ذاك في حركة فتح، فقد أثبتت الوقائع المختلفة أن الحركة، أو قيادة السلطة بتعبير أدق، لم تغير برنامجها حيال حركة حماس الذي تبلور منذ ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، والقائم على معادلة التشويه كمقدمة للإقصاء، ومن ثم العودة المظفرة إلى موقع الغالبية النيابية، ولا أقول السلطة، لأن هذه الأخيرة لا تزال على حالها بيد فتح، من الإعلام إلى الأمن إلى المعابر والسفارات.
يخطئ البعض في حماس إذا اعتقد أن أية تنازلات مهما كانت طبيعتها يمكن أن تدفع قادة السلطة إلى تغيير برنامجهم المشار إليه، فلا الاعتراف بالدولة العبرية، ولا حكومة التكنوقراط، ولا حكومة الوحدة الوطنية يمكنها أن تفعل ذلك. في هذه المرحلة يبدو واضحاً أن مطاردة حكومة حماس ستأخذ مسارين: يتمثل الأول في الضغط على أعصابها في موضوع الرواتب من خلال نقابة ليس لها مثيل في العالم (نقابة الموظفين العموميين)، وبالطبع في ظل فشل حماس في حل المعضلة. وفي هذا السياق ثمة مضحك مبكْ يتمثل في قيام الرئيس الفلسطيني باقتطاع 32 مليون دولار من الأموال التي جمعتها الحكومة، وذلك لتأمين مصاريف أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والتلفزيون الفلسطيني، الأمر الذي حال دون صرف راتب شهر للموظفين.
والحال أن حكومة حماس قد أخطأت منذ البداية حين قبلت بفكرة التسول من أجل تأمين الرواتب، وكان أولى بها أن تحيل الأمر إلى الرئيس ، فإما أن يتدبر الأمر بطريقته الخاصة، وإما أن يفكر الفلسطينيون جميعاً في وسيلة للخروج من حالة الارتهان للخارج، إذ ليس ثمة شعب يريد التحرر من أسر الاحتلال ثم يعتمد عليه وعلى حلفائه في تدبير رواتب موظفيه، أكان مباشرة (أموال الجمارك)، أم بطريقة غير مباشرة من خلال المانحين الذين لا يقدمون المساعدات إلا مقابل أثمان سياسية.
المسار الثاني في الضغط على حماس هو تجاوز ما عرف بوثيقة الأسرى والشروع في محاولة لدفع الحركة نحو تنازل جديد ينسجم بحسب محمد دحلان مع الشرعية الدولية والمبادرة العربية، وبالطبع على خلفية الفقرات التي أضيفت إلى تلك الوثيقة ومنحت حماس فرصة القول إنها لم تتنازل عن ثوابتها، مع العلم أن الوثيقة تمنح الرئيس حق التفاوض، كما تشير في فقرة واضحة إلى التحرك على أساس الشرعية الدولية والعربية.
ما قيل على هامش اجتماع مركزية فتح وأي إجراء جديد هو محض تكتيك في اتجاه الهدف الأساسي، أي الإقصاء بعد ما تيسر من التشويه، وحين يتحدثون عن حكومة وحدة وطنية ببرنامج سياسي منسجم مع الشرعية الدولية والعربية فهي لعبة استدراج جديدة قد يسندها الإسرائيليون بالإفراج عن الوزراء وبعض النواب. هكذا يبدو الطريق مسدوداً أمام حكومة حماس، فالحصار لا يشمل فتح، وإنما يضم الوضع العربي المؤثر، وكذلك الوضع الدولي، فضلاً عن الاحتلال، وليس صحيحاً أن المحتلين غير معنيين باعتراف حماس بدولتهم، بل هم كذلك بالفعل. صحيح أن ذلك لن يغير في حقيقة تفضيلهم لفريق السلطة المعروف، والذي يثقون بحسن نواياه حتى لو لم يكن لديهم ما يمنحونه إياه، لكنهم معنيون باستدراج حماس من أجل دفع الفلسطينيين نحو الإحباط، ومن ورائهم الشارع العربي والإسلامي الذي يثق بحركات المقاومة الإسلامية وقدرتها على تحدي الاحتلال والغطرسة الأمريكية.
ليس لدى حماس والحالة هذه سوى تبني مسار حل السلطة وتوريط الاحتلال بوصفه الرد الحقيقي على معادلة تعمل لصالح الاحتلال، ومعه بعض القوم، أما الموظفون فقد كانوا يحصلون على رواتبهم من الاحتلال بموجب المواثيق الدولية، ويبقى من أضيفوا بعد أوسلو من عناصر فتح، وهؤلاء لهم ميزانيتهم المعروفة كما كان الحال طوال عقود. وإلا فأين ذهبت أموال المنظمة بعد عرفات؟، قد يردون على ذلك بالانقلاب على نتائج التشريعي، نعم، لكن حماس ستخرج نظيفة، وتعود إلى مهمتها الأساسية في المقاومة من أجل تحرير حقيقي، وليس المساهمة في تثبيت معادلة تريح الاحتلال.
عــودة إلي قضـية حـــق العـــودة!
بقلم : مـرسي عطـا اللـه
عادت قضية حق العودة للاجئين الفلسطينيين لتفرض نفسها بقوة هذه الأيام في إطار الجهود والضغوط الدولية, التي تستهدف استثمار أجواء مابعد الحرب الإسرائيلية ضد لبنان لتمهيد الطريق نحو إبرام اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل, حيث اكتشف الجميع ان القضية الأساسية التي تحول دون ذلك تتمثل في الإجماع اللبناني علي رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين الموجودين علي أرض لبنان, وبالتالي فإن علي الذين يطالبون لبنان بمصافحة اليد الإسرائيلية الممدودة للسلام أن يجدوا حلا لهذه المعضلة التي تربط الدخول في عملية السلام بالحل الجذري والشامل للصراع العربي الإسرائيلي بحيث تكون لبنان هي آخر دولة عربية تتحرك علي هذا الطريق!
وإذا كانت قضية اللاجئين الفلسطينيين تمثل تحديا لكل الحكومات اللبنانية تحت مظلة توافق عام يرفض فكرة التوطين, فإن المسألة بالنسبة للفلسطينيين هي صلب وجوهر النزاع وانه بدون التوصل الي حل عادل وشامل لمشكلة هؤلاء اللاجئين فإن كل الاتفاقيات والمعاهدات تظل مجرد حلول مؤقتة وليست دائمة!
ومعني ذلك أن قضية اللاجئين هي القنبلة الموقوتة لنسف أي حلول أو ترتيبات يتوهم الذين يضعونها لإلزام دول المنطقة بها ـ كرها أو طواعية ـ أنها ستوفر للشرق الأوسط أمنا وسلاما واستقرارا.
أريد أن أقول بوضوح: إن أية محاولات لاستمرار التشكيك في صحة وجدوي تمسك الفلسطينيين بحق عودة اللاجئين لن يكتب لها النجاح!
والحقيقة أن بعض الذين يشككون في صحة وجدوي تمسك الفلسطينيين بحق العودة لمن جري إخراجهم من فلسطين عام1948 طبقا لقرارات الأمم المتحدة يتجاهلون ـ عمدا ـ جملة حقائق في مقدمتها أنه عندما وقعت النكبة وجري اغتصاب فلسطين بتزاوج بين المؤامرة السياسية الممثلة في قرار التقسيم عام1947 القوة العسكرية ممثلة في نتائج حرب عام1948 لم يكن مايملكه اليهود كأفراد ومؤسسات علي أرض فلسطين يتجاوز8% فقط من مساحتها الكلية, حيث كان مايربو علي92% ملكا للشعب الفلسطيني وللأوقاف الإسلامية من عهد الخلافة العثمانية.
ويخطئ من يظن أن الذعر الإسرائيلي من حق العودة يتعلق فقط بما يمكن أن يترتب علي استعادة اللاجئين الفلسطينيين لمنازلهم وممتلكاتهم المغتصبة, ولكن مبعث الذعر هو أن حق العودة يمثل ضربة في الصميم للفكر الصهيوني الذي قامت إسرائيل علي أساسه.
لقدكان الترحيل والتوطين خارج فلسطين أحد أهم أعمدة الفكر الصهيوني التي روج لها تيودر هيرتزل منذ أكثر من مائة عام عندما كتب في12 يونيو عام1895 قائلا: سنحاول طرد المعدمين خارج الحدود بتدبير عمل لهم هناك, وفي نفس الوقت سنمنعهم من العمل في بلدنا.
وعلي ذات الدرب الذي سار عليه هيرتزل كتب الصهيوني المتعصب زائجويل في أبريل عام1905 يقول: يجب ان نستعد لطرد هذه القبائل العربية بالسيف مثلما فعل أجدادنا.
***
وربما يكون ضروريا ومفيدا أن نتذكر انه عندما بدأت موجات الهجرة الصهيونية الأولي من روسيا للبدء في إنشاء المستعمرات الصهيونية الكيوبيتزات, كانت هناك مجموعة من الثوابت التي تحكم عمل هؤلاء المهاجرين اليهود وهي:
ان الأرض التي يحصلون عليها في فلسطين ـ طوعا أو كرها ـ لاتعود ملكيتها للعرب بأية حالة وتبقي ملكا للشعب اليهودي في كل مكان.
الالتزام بمنع العمال العرب من العمل علي هذه الأراضي المستولي عليها. وقف كل أشكال التعامل والتعاون الاقتصادي مع العرب في فلسطين.
ومن الضروري أيضا ان نتذكر أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي تقدم الزعيم الصهيوني وايزمان باقتراح إلي مؤتمر السلام, طالبا تحويل فلسطين إلي دولة يهودية وتضمن اقتراحه نصا مباشرا يدعو الي طرد العرب من فلسطين بالقوة وإسكانهم علي ضفاف دجلة والفرات الخصبة.
وخلال سنوات الانتداب البريطاني علي فلسطين منذ انتهاء الحرب العالمية الأولي كان صوت العجوز الصهيوني جابو تنسكي هو المعبر الحقيقي عن الأفكار الصهيونية الخاصة بترحيل الفلسطينيين وكانت له مقولة وقحة ومشهورة في نوفمبر عام1939: ليس هناك خيار.. يجب أن يخلي العرب المكان لليهود في أرض إسرائيل.. شكرا لله فنحن اليهود لاننتمي الي الشرق لذلك يجب أن نكنس الروح الإسلامية من أرض إسرائيل!
***
ومن العجيب والغريب معا أن غالبية العالم المتحضر في أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفيتي سايروا إسرائيل في ادعاءاتها الكاذبة بأن هؤلاء اللاجئين مشكلة عربية, لأن العرب ـ علي حد زعمهم ـ هم الذين أعلنوا الحرب علي إسرائيل, وأن هؤلاء اللاجئين خرجوا بإرادتهم تنفيذا لأوامر عربية, ومن ثم مسئوليةإيوائهم وتوطينهم تقع علي عاتق الدول العربية.
والأعجب والأغرب أنه بعد أن وقعت النكبة بدأت المحاولات الصهيونية بدعم من القوي المؤيدة لإسرائيل في أمريكا وأوروبا بالسعي لإضفاء العقلانية علي جريمة تهجير الفلسطينيين وطردهم من أرضهم بدعوي ان ذلك بات أمرا واقعا يجب التسليم به والتفكير في وضع الحلول الإنسانية له.
وعلي مدي يقرب من20 عاما, منذ قرار التقسيم, وحتي نكسة يونيو1967, صدر العديد من الدراسات الأمريكية والبريطانية المماثلة بهدف الترويج لتصفية قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة من خلال مشروعات للتوطين في الدول العربية, كان أبرزها مشروع جونسون لتوزيع المياه العربية الذي جري طرحه عام1954 وظل الإلحاح مستمرا بشأنه حتي عام1967 باسم امكان تسوية القضية من خلال تخصيص جزء من مياه نهر اليرموك والأردن لتوطين الفلسطينيين في الضفة الشرقية للأردن.
***
ورغم أن ما يقرب من مائة ألف فلسطيني استطاعوا البقاء ومقاومة خطط الطرد والترحيل خلال الفترة ما بين عام1948 و1966, فإن إسرائيل لم تفقد الأمل في دفعهم للنزوح بشتي الوسائل, خصوصا بعد أن وضعتهم تحت الحكم العسكري, وصادرت أغلب ممتلكاتهم, ولكن الوضع تغير بعد حرب يونيو1967, حيث ازدادت مشكلة اللاجئين تفاقما.
ومع أن المجتمع الدولي مازال متمسكا بصحة القرار رقم194 الخاص بحق العودة, حيث تتكرر الإشارة إليه علي مدي يزيد علي نصف قرن في جميع القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة, إلا أن إسرائيل بدأت في ظل أوضاع القوة الجديدة التي توفرها لها الهيمنة الأمريكية بالدق علي وتر التشكيك في إلزامية قرار العودة والادعاء بأنه قرار غير ملزم, وأنه مجرد توصية لها طابع إنساني فقط, فضلا عن الترويج أيضا إلي أن معظم اللاجئين لا يرغبون في العودة, وأنهم لو جري تعويضهم تعويضا مناسبا فسيتنازلون تلقائيا عن هذا الحق!.
وفي اعتقادي أن الاستسلام لمخططات التشكيك الإسرائيلية المدعومة أمريكيا يمثل الخطر الأكبر علي قضية اللاجئين, لأن حق العودة هو الشيء الوحيد الذي لا تملك أي سلطة فلسطينية حق التنازل عنه, لأنه حق يمتلكه أناس لم يفوضوا أحدا بالتنازل عنه بالنيابة عنهم, ثم إن العودة حق مؤبد وليس مجرد رخصة تفقد مفعولها بمرور الزمن, وبالتالي فهذا الحق لا يسقط بالتقادم!.
والحقيقة أن التشكيك الإسرائيلي لا يستند إلي أي أساس لأنه يمكن عودة اللاجئين إلي ديارهم دون أدني تأثير علي السكان اليهود في إسرائيل, بل إن العكس هو الصحيح, حيث يمكن أن تسهم العودة في إثراء الجانب الزراعي من الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني نقصا حادا في العمالة.
وإذا كانت إسرائيل تزعم أن عودة اللاجئين ستؤدي إلي تعكير النقاوة اليهودية للدولة العبرية فإن ذلك يمثل سيف اتهام لها بالعنصرية في عصر العولمة الذي يتبني تبادل الأفكار ويرتكز إلي احترام حقوق الإنسان!.
ورأيي أنه لن يكون هناك حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية إذا بقي حق العودة معطلا!.
تلك هي الحقيقة التي فشلت كل محاولات طمسها تحت مظلة الاستخدام الفج للقوة المفرطة علي محوري الترغيب والترهيب بهدف إقناع العرب والفلسطينيين بالاستسلام للأمر الواقع ونسيان حق العودة والقبول بمنهج التوطين!.
الجمعيات الفلسطينية ضحية تداعيات أحداث 11 سبتمبر
الفلسطينيون يدفعون ثمن أحداث 11 سبتمبر إضافة لعبء الاحتلال(الفرنسية-أرشيف)
عوض الرجوب-الضفة الغربية
العمل الخيري والأهلي بالأراضي الفلسطينية بشكل كبير بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، خاصة بعد تضييق الخناق على الجمعيات الخيرية وخاصة الإسلامية منها داخل الولايات المتحدة وباقي أنحاء العالم.
وبشكل غير مسبوق تعرضت الجمعيات الخيرية بالأراضي الفلسطينية المحتلة لضغط كبير وهجوم غير مسبوق. وتحت ضغط الاحتلال جُرد العديد منها من الصبغة القانونية رغم الدور الإنساني الذي تقوم به، وتم قطع علاقتها مع نظيراتها العربية والأوروبية.
وتجاوزت الحملة على الجمعيات بالأراضي الفلسطينية مسألة تجفيف مصادر الدعم إلى اقتحام مكاتبها من قبل قوات الاحتلال، ومصادرة محتوياتها وممتلكاتها وإغلاق مكاتبها.
كما تعرض القائمون عليها للاعتقال والمحاكمة مما تسبب في خسائر كبيرة لها، وتضررت معها فئة كبيرة من الفقراء بالمجتمع الفلسطيني لا علاقة لهم بأحداث 11 سبتمبر.ولم تسلم أية جمعية فلسطينية مهما كان دورها الإنساني من تبعات تلك الأحداث فقد استهدفت جمعيات رعاية المعاقين وجمعيات رعاية الأيتام والمستشفيات، وتم تقليص مصادر دعمها.
ويؤكد القائمون عليها أن أبرز انعكاسات أحداث 11 سبتمبر تتمثل في تراجع نسبة التبرعات الواردة من الخارج ومحاكمة وتوقيف عدد منها، وزيادة الأعباء على الجمعيات المحلية وتراجع ميزانياتها.
الاحتلال يضيق على عمل الجمعيات الخيرية ويضر بأحوال الفلسطينيين (الفرنسية-أرشيف)
حصار مشدّد
ويقول رئيس جمعية الإحسان لرعاية المعاقين د. عاصم التميمي إن حصارا مشددا فرض على الجمعيات الخيرية ومصادر دعمها والمحسنين والمتبرعين بأنحاء العالم مما تسبب في تراجع ميزانيات هذه الجمعيات ومشاريعها.
وأضاف أن الحصار تسبب في أعباء كبيرة على إدارات الجمعيات ومحاولاتها لتسيير أعمالها وتغطية التزاماتها، موضحا أن نسبة الدعم الخارجي للجمعية التي يرأسها تراجعت بنسبة 60% وأصبح الاعتماد في تمويل مصاريفها يتركز بشكل كبير على المحسنين الفلسطينيين.
ومن جهته أكد مدير جمعية دورا الإسلامية لرعاية الأيتام أن منع تحويل الأموال من الخارج تسبب في أعباء كبيرة على الجمعيات الفلسطينية، خاصة توفير المواد الغذائية والعينية والمستلزمات الطبية.
وأضاف هاشم الرجوب أن الكثير من الجمعيات الداعمة للجمعيات الفلسطينية بأوروبا وأميركا وعدد من الدول العربية تم إغلاقها، أو أجبرت على قطع علاقاتها بالجمعيات الفلسطينية.
ومقابل القيود التي وضعت على الجمعيات الإسلامية الفلسطينية ومصادر تمويلها، كشف الرجوب عن إطلاق يد الجمعيات المسيحية والتبشيرية بكثير من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
القطاع الصحي بفلسطين يتضرر من التضييق على الجمعيات الخيرية (الفرنسية-أرشيف)
القطاع الصحي
ولم تكن المؤسسات الصحية بمنأى عن تأثيرات ما اتخذ من إجراءات بعد أحداث 11 سبتمبر. فقد أكد مدير قسم العلاقات العامة بالمستشفى الأهلي بالخليل أن الحملة الغربية على ما يسمى الإرهاب تسببت بإغلاق عشرات المؤسسات الخيرية بأميركا، وإرهاب مؤسسات أخرى بالعالم وخاصة دول الخليج العربي مما أثر سلبا على القطاع الصحي بالأراضي الفلسطينية.
وأضاف باسم النتشة أن تحويل الأموال للمستشفى الأهلي تراجع بشكل كبير مما انعكس سلبا على دخل المستشفى وكميات الأدوية الواجب توفرها، موضحا أن المستشفى يعاني الآن من عجز بالرواتب يصل إلى ثلاثة شهور وعجز شهري يصل إلى 70 ألف دولار.
وقال إن تقليص مصادر الدعم أدى إلى تعطيل العديد من المشاريع التطويرية، وأجل افتتاح وتطوير عدد من الأقسام بالمستشفى مثل أقسام القسطرة والباطني والكلى والمسالك البولية وغيرها.
_______________
مراسل الجزيرة نت
بحث يهودي: المناهج الدراسية الإسرائيلية سعت لشيطنة العرب
الكتاب كشف عن دور المناهج الإسرائيلية في تبرير استخدام القوة ضد العرب (الجزيرة نت)
وديع عواودة-حيفا
في شهادة على الدور السلبي الكبير لمناهج ومضامين التعليم العبرية في إذكاء وتكريس حالة العداء والصراع مع العرب منذ بدايته, أكد بحث يهودي أن تلك الرؤية "المنحرفة" ساهمت في منع السلام مع العرب.
وقال الباحث اليهودي إيلي بوديه في كتابه "الصراع الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية الإسرائيلية" إن المشهد الذي تراءى له من خلال مراجعة كتب التاريخ والكتب المدرسية طيلة نصف قرن (1948-2000) لا يبعث على السرور.
وعلل الباحث ذلك بكون أن الصور السلبية ونطاق التضليل حيال العرب, مثلت رؤية طاغية في كتب التدريس الإسرائيلية التي وصفها بـ"المنحرفة".
كتاب بوديه -الذي يتسم بالموضوعية والشجاعة قياسا بأبحاث إسرائيلية سابقة- قسم كتب التدريس إلى ثلاثة أجيال منذ العام 1920 حتى العام 2000. وأشار إلى أن الكتب الإسرائيلية سيما في الفترتين الأوليين, انشغلت بتعميق القيم الصهيونية ورعاية الأساطير والتمجيد بأبطالها ضمن صهر المهاجرين في بوتقة وذاكرة جماعية واحدة."
المناهج الإسرائيلية سعت لتجريد العرب من إنسانيتهم ورسخت صورة نمطية لدى الإسرائيليين عنهم باعتبارهم عدوانيين متخلفين
"
ولفت إلى أن تلك الكتب وصفت الصراع بطريقة تبسيطية أحادية الأبعاد ومشبعة بعدم الدقة إلى حد التشويه. وأوضح الكاتب أن هذه الكتب سعت لشيطنة العرب وتجريدهم من إنسانيتهم, ما أدى إلى ترسيخ صورة نمطية لدى الإسرائيليين الذين ظهروا دائما بصورة الغربيين المتحضرين صانعي السلام مقابل صورة العرب "الخونة العدوانيين المتخلفين والمجرمين والخاطفين القذرين والمبادرين دوما نحو التدمير".
وأشار بوديه إلى أنه رغم زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات -بل بسببها- دعا بعض المسؤولين وعملوا من أجل تعميق القيم الصهيونية على حساب ثقافة السلام. واقتبس من كلام لوزير التعليم السابق زبولون هامر قوله إن "السلام مع العرب يهدد إسرائيل المهزوزة ويستلزم تحصين الناشئة بتقوية الوعي الصهيوني".
الباحث أضاف أن الإسرائيليين كانوا يعرفون عن الإسكندينافيين أكثر مما يعرفونه عن جيرانهم العرب, وهو ما ساهم في تعقيد الصراع كما ساعد في خلق أرضية بررت استخدام القوة ضد العرب.
ونوه إلى أن 1.4% فقط من الوقت المحدد للتاريخ في المدرسة الإسرائيلية قد خصص للتاريخ العربي, لافتا إلى موافقته على رأي باحثين أجانب بأن اليهود نقلوا صورة الأغيار من الشتات إلى إسرائيل وسلطوها على العرب بشكل خاطئ.
ونوه الكاتب -وبحق- إلى أن إسرائيل أفرطت في استخدام تدريس التاريخ لتشكيل ذاكرة الأمة الجمعية ودعمها, وأضاف "وقد تمت تعبئة جهاز التعليم وشحنه بمهمة تحديد المعلومات التي يجب على التلميذ أن يتذكرها وتنقيتها, وليس أقل أهمية، ما يتوجب أن ينساها كذلك".
صور نمطية
مضامين كتب التاريخ المعمول بها في إسرائيل تشكل برهانا آخر بأن الصراع حول الرواية التاريخية داخل المجتمع الإسرائيلي لم ينته بعد
"
غير أن الباحث أشار إلى "تحسن ملحوظ" كان قد طرأ على كتب التاريخ التعليمية كنتيجة لإرهاصات حربي 1967 و1973 واتفاقية السلام مع مصر وازدياد ثقة إسرائيل بذاتها وبأمنها وانفتاحها, إضافة إلى رواج توجهات أكثر ليبرالية في أوساط الأكاديميين والمثقفين.
ومع ذلك فقد شدد على أن "التغييرات الإيجابية" ظلت تنطوي على تصريحات متحاملة وأوصاف نمطية وانحياز وإن كانت بحلة أكثر تهذيبا. وأضاف أن "الرسائل السلبية الضمنية على أية حال قد تكون أخطر من الرسائل العلنية, إلى جانب استمرار محاولات إسكات الماضي وتصويره بانتقائية كبيرة".
وكان مؤلف مقدمة الكتاب الناقد أنطوان شلحت محرر الشؤون الإسرائيلية أشار إلى أن السنوات التي تلت العام 2000 قد شهدت انكفاء في التطور الإيجابي وصعودا يمينيا متطرفا إلى رأس هرم جهاز التعليم في إسرائيل, بعد تسلم ليمور لفنات من حزب الليكود حقيبة التعليم.
وتنبه الباحث إلى أن مضامين كتب التاريخ المعمول بها في إسرائيل, رغم التغييرات, تشكل برهانا آخر بأن الصراع حول الرواية التاريخية داخل المجتمع الإسرائيلي لم ينته بعد. واقتبس الباحث آراء باحثي تربية بارزين أكدوا الدور البارز لكتب تعليم الإسرائيليين في تصعيد الصراع وإعاقة أي تغير جذري في وجهة نظرهم عن العرب.
وأشار بوديه إلى أن تصحيح الأخطاء غير كاف, منوها إلى أهمية توسيع دراسة تاريخ العرب وثقافتهم ولغتهم بدقة وموضوعية. وانتهى بوديه بالتأكيد على أن فرصة المصالحة الصادقة والدائمة بين الشعبين ستبقى بعيدة المنال, حتى لو شهدت كتب التدريس الإسرائيلية التغيير المرجو, إذا قرر الفلسطينيون تكرار التجربة الإسرائيلية من هذه الناحية في بناء دولتهم.
______
المصدر : الجزيرة نت
السفيرة الإسرائيلية تنتقد الأسرة الحاكمة في النرويج
بقلم : نضال حمد*
تسببت تصريحات أطلقتها السفيرة الإسرائيلية في النرويج مريام شومراط في عاصفة غضب وردود فعل في النرويج. حيث أنها تدخلت في ما لا يعنيها متجاوزة بذلك صلاحياتها وكل الخطوط الحمر. إذ ظهرت بمظهر الجاهلة التي تنقصها المعرفة بطبيعة البلد الذي تمثل بلادها فيه كسفيرة. ففي مقابلة تلفزيونية انتقدت شومراط الأسرة الحاكمة النرويجية (التي تحتل منصبا رمزيا لا يخولها القيام بمهام الحكم لأن الحكم في النرويج برلماني). مما اعتبر تجاوزا منها لعملها. وقد قالت اثناء المقابلة المذكورة : " إنني أعتقد أن هناك مكان للفتة طيبة من الأسرة المالكة اتجاه الجالية اليهودية عشية رأس السنة العبرية، بتأكيد التضامن بعد إطلاق النار على كنيس.....، أعذروني لأنني أقولها بهذا الوضوح ولكنني أعتقد أنه يجب القيام بهذه المبادرة الهامة جدا".
اعتبر يوناس غاهر ستوري وزير الخارجية النرويجي أقوال شومراط بأنها غير مناسبة.وأضاف ستوري انه يتوجب على سفير دولة أجنبية أن يعرف أن العائلة المالكة لا يمكنها الرد على ادعاءات من هذا النوع، و عليها أن تعرف أن الحكومة هي من يجب أن يعبر عن موقف السلطات النرويجية. وأعتقد أنها أقوال غير ملائمة من سفير دولة أجنبية في النرويج.
كما انتقدت متحدثة باسم الجالية اليهودية النرويجية تصريحات السفيرة الإسرائيلية التي تحدثت باسم اليهود النرويجيين وطالبتها بالاعتذار من العائلة الحاكمة. وقالت ان السفيرة تصرفت بشكل طائش جدا وغير حكيم. ومعروف ان للأسرة الحاكمة مكانة كبيرة في النرويج ولدى المواطن النرويجي الذي لم يعتد على مثل تلك التصريحات التي تنتقد الأسرة الحاكمة. فهذا شيء جديد على النرويجيين خاصة انه يأتي من سفيرة دولة أجنبية كان ينبغي عليها معرفة الأصول والتقاليد وطبيعة الحياة السياسية ودور العائلة الحاكمة في النظام الديمقراطي البرلماني النرويجي
ليست هي المرة الأولى التي تتدخل فيها السفارة الإسرائيلية في النرويج في الحياة العامة النرويجية فقد فعلت ذلك سابقاً وهاجمت مثقفين وصحف ونقابات وفنانين ورسامين وحتى سياسيين اتخذوا مواقف قوية من الإرهاب اليومي الذي يمارسه الاحتلال في فلسطين ومارسه مؤخراً كذلك في عدوانه على لبنان. كما تقوم السفيرة أيضا بالكتابة في بعض الصحف النرويجية وتخوض جدل ونقاش مع الإعلاميين والقراء النرويجيين في حملة مضادة للموقف الشعبي النرويجي المعارض بغالبيته لأعمال العدوان والإرهاب التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي
في فترة سابقة أثناء العدوان على لبنان نشرت إحدى الصحف رسما كرتونيا يصور رئيس الوزراء اولمرت كصائد للبشر يصطاد الفلسطينيين ببندقيته.مما أثار شومراط وسفارتها حيث قاموا بتوجيه حملة ضد الصحيفة اليومية النرويجية وضد الرسام الذي رسم الكاريكاتور المذكور. ولا نريد هنا العودة أيضا إلى موضوع الأديب النرويجي الكبير يوستن غاردر الذي كتب خلال العدوان على لبنان وبعد مذابح غزة المتكررة مقالته المدوية " لم اعد اعترف بإسرائيل" ليتهم فورا بأكبر نرويجي معادي للسامية وبأنه يكره اليهود واليهودية ويعادي شعب الله المختار. وقد قامت السفيرة في حديثها لوسائل الإعلام بذكر اسمه على أساس انه عامل مشجع ومساعد على تنامي العداء للسامية واليهودية.
كما ان الحملة الإسرائيلية المنظمة ضد الشخصيات والمؤسسات النرويجية التي تطالب بمحاسبة او مقاطعة إسرائيل وفرض حصار عليها مستمرة وطالت أيضا شخصيات نرويجية كبيرة وهامة جداً مثل رئيس الوزراء الأسبق كوري فيلوخ الذي لا يخفي انتقاداته اللاذعة والشديدة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وقد ذكرت شومراط ايضاً اسمه مع اسم الأديب غاردر كمثال في مقابلتها مع الصحافة ، حيث قالت أنهما احد أسباب تنامي العداء لليهود بسبب ما يقولانه عن إسرائيل
كما كان أصدقاء إسرائيل ومعهم السفارة الإسرائيلية وجهوا في السابق الاتهامات لزعيمة حزب اليسار الاشتراكي، وزيرة المال في الحكومة الحالية كرستن هلفرشون المعروفة بتأييدها ومناصرتها للقضية الفلسطينية، والتي كانت دعت الشعب النرويجي بداية هذا العام لمقاطعة البضائع الإسرائيلية. ومعروف ان حزب اليسار الاشتراكي الذي تتزعمه نضم حملة كبيرة في النرويج تهدف لمقاطعة إسرائيل وتبنى الحزب قضية المقاطعة. كما وجهت نفس الاتهامات للسيدة غريد ليف فالا رئيسة نقابات عمال النرويج بسبب موقفها الثابت في دعم الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال والارهاب والعدوان وخرق القوانين الدولية. اتهمت فالا بمعاداة إسرائيل واليهود لأنها تريد أيضا فرض عقوبات على كيان الاحتلال الإسرائيلي وتقف مع مقاطعته.وهناك شخصيات نرويجية كثيرة تعرضت للهجوم والتشهير بسبب موقفها من أعمال إسرائيل العدوانية.
تأتي هذه الموجة الجديدة من التصريحات بعد الاعتداء الذي تعرض له كنيس يهودي في اوسلو الأسبوع الماضي حيث قام أربعة أشخاص بإطلاق 11 رصاصة على واجهة وجدار الكنيس . تبين فيما بعد أن الشرطة كانت تراقب هؤلاء الأشخاص وأنها وضعت أجهزة رصد وتنصت في سياراتهم وراقبت هواتفهم. ويقبع هؤلاء الأشخاص الآن في السجن رهن التوقيف ويخضعون للاستجواب وهناك أقوال بان احدهم وهو زعيم المجموعة من أصول باكستانية ومعروف بتاريخه الجنائي، كان قد سافر إلى باكستان ودخل مدرسة إسلامية تعلم فيها الدين، وانه تحدث عن بالغ تأثره بمذبحة عائلة هدى غالية على شاطئ غزة. وقالت وسائل الإعلام النرويجية أنه كان في ألمانيا حيث اعتقل هناك وبحوزته صور لتلك المذبحة التي ارتكبها الإسرائيليون. على كل حال يبقى كل هذا مجرد كلام إلى أن تتضح الحقائق خلال الأيام القادمة. لكن على شومراط شد الأحزمة والرحيل لأنها أحرقت جسور التواصل مع شعب هو بالأصل غير راض عن سياسة كيانها.
* رئيس الجالية الفلسطينية في النرويج ومدير موقع الصفصاف الإخباري
المصدر : موقه الصفصاف
انتفاضة الأقصي.. ودروس السنوات الست(2000 ـ2006)
بقلم: د. أحمد يوسف القرعي
عندما وطئت أقدام أرييل شارون وقواته الهمجية أرض الحرم القدسي في مثل هذا اليوم(28 سبتمبر) عام2000 عبر الشعب الفلسطيني عن غضبه في انتفاضة غير مسبوقة في عنفوانها حفاظا علي الحقوق والمقدسات الفلسطينية ـ العربية ـ الاسلامية. وتوالت موجات الغضب الفلسطيني العارم في انتفاضة مستمرة ـ لا آنية ـ وشكلت طوال ست سنوات(2000 ـ2006) أعلي مراحل المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي منذ عام1948. ويكفي اعتراف اسرائيل التي اعتبرت الانتفاضة حرب استنزاف ضدها عندما سجلت الانتفاضة تصعيدا تكتيكيا أصاب آلة الحرب الشارونية بشرخ دام, كما أحدثت الانتفاضة تغييرا جذريا في كل الموازين والثوابت والنظريات التي استقرت سنوات طويلة في مخيلة العسكر الاسرائيليين منذ أسقطت حرب اكتوبر نظرية الحدود الآمنة الاسرائيلية الي غير رجعة.
وإن كانت تلك النظرية لاتزال تداعب خيالات العسكر في اسرائيل عندما أقدموا خلال سنوات الانتفاضة علي البدء في اقامة الحائط العنصري لترسيم حدود سياسية آمنة لجيتو اسرائيلي اكتوي بنار الانتفاضة.
تلك مقدمة واجبة لإحياء ذكري قيام انتفاضة الأقصي(28 سبتمبر2000) باعتباره يوما من أيام القدس الخالدة التي يجب ان يحتفي بها الجيل العربي ـ الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها ويضاف هذا اليوم(28 سبتمبر) الي أيام أخري يكاد يكون أقربها يوم4 أكتوبر ذكري تحرير صلاح الدين الايوبي المدينة المقدسة في مثل هذا اليوم من عام1187 بعد احتلال صليبي للقدس استمر نحو88 عاما.
وإحياء ذكري قيام انتفاضة الأقصي(28 سبتمبر2000) يعني في المقام الأول الاستفادة من دروس السنوات الست ولعل الدرس الاول هو وحدة الصف الفلسطيني باعتباره العامل الحاسم في نجاح الانتفاضة وهو في الوقت الحالي قد يكون( لاقدر الله) عاملا من عوامل ضعفها وتصفيتها.
ان نجاح الانتفاضة منذ شهورها وسنواتها الأولي يعود الي تقاسم الأدوار بين السلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية, سواء التي تعمل تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية أو خارجها وبذلك تم تدشين معادلة فلسطينية جديدة ومستجدة أفرزتها الانتفاضة وبدت واضحة في وحدة الصف والهدف الفلسطيني معا برغم تعدد الفصائل والمنظمات والاجنحة الفلسطينية.
لقد أفرزت الانتفاضة وحدة الصف والهدف الفلسطيني دون سابق اعلان أو بيان وكانت تلك معادلة أو ظاهرة جديدة في تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية منذ قيامها عام1964.
وأكد مسار أحداث السنوات الست ان عملية توزيع الأدوار هو رهان استمرار الانتفاضة والصخرة التي تحطمت عليها كل الضغوط الاسرائيلية علي الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات..
وبعد الرحيل كان ولايزال الأمل معقودا علي وحدة الصف والهدف الفلسطيني.. ولعل تعثر تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية يشكل تحديا يعكر صفو احتفالنا كأمة عربية ـ اسلامية بذكري قيام الانتفاضة(28 سبتمبر) باعتبارها انتفاضة قائمة ومستمرة ومتواصلة لانها تمثل الارادة السياسية للشعب الفلسطيني.
وأخيرا يبقي علي الأمة العربية ـ الاسلامية احتضان الانتفاضة وشعبها الفلسطيني, فالمخاطر تحوم حولها والتحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الاسرائيلي يشكل تحديا لها والزمن لم يعد في صالح استمرار الخلاف الفلسطيني القائم حول تشكيل حكومة وحدة وطنية وعلي كل الأطراف الفلسطينية الالتزام بالتعهدات التي ارتضتها كل الأطراف من قبل وفي مقدمتها تفاهمات شرم الشيخ التي تعد بمثابة ميثاق شرف يجمع كل الفصائل في السراء والضراء.
حتي وقت قريب كان الدم الفلسطيني خطا أحمر لكافة الفصائل الفلسطينية علي اختلاف توجهاتها وانتماءاتها السياسية, انطلاقا من أن هناك هدفا مشتركا يسعي الجميع لتحقيقه وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, وأن الآليات قد تتعدد في تحقيقه, لكن الحال لم يعد كذلك, فقد حلت ثقافة الصدام والتسلح محل ثقافة الحوار والتفاهم وإدارة الاختلافات بطريقة سلمية, وطغت المصالح الفئوية الخاصة والصراع علي السلطة علي حساب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني. وأصبحنا أمام حالة من الاستقطاب السياسي والأمني, خاصة في قطاع غزة, انعكست مظاهره في التعثر المستمر لتشكيل حكومة وحدة وطنية وفي انتشار مظاهر التسلح العسكري في الشارع الفلسطيني.
لقد عكست الاشتباكات المسلحة أمس الأول, والأسوأ منذ شهور, بين مسلحين تابعين لحركة فتح وآخرين لحركة حماس وأدت لمقتل وجرح العشرات, الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة, ويمثل ضررا بليغا بمصالح الشعب الفلسطيني بالاضافة إلي العدوان والحصار الإسرائيلي, وكلها تصب في نهاية المطاف في تكريس معاناة الشعب الفلسطيني, كما أن هذا الاقتتال الداخلي يؤثر سلبا علي القضية الفلسطينية, ويعطي الذريعة لإسرائيل للزعم بغياب شريك فلسطيني قادر علي صنع السلام.
وإذا كانت الجهود المصرية قد نجحت في تحقيق التهدئة بين الفلسطينيين, فمن الضروري أن يكون الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني خطا أحمر بين جميع الفصائل, خاصة أن المرحلة الحالية والتحديات المتزايدة تفرض أولا الحفاظ علي الوحدة الوطنية الفلسطينية واستمرار الحوار والتفاهم, وثانيا تغليب مصلحة الشعب الفلسطيني علي أي اعتبارات فئوية, فالتحديات والمخاطر مشتركة, ومن الضروري أن يكون الهدف واحدا والتكاتف من أجل استعادة الحقوق المشروعة وإقامة الدولة المستقلة.
يخطىء من يعتقد أن الحرب الدائرة في الأراضي المحتلة بين حركتي فتح وحماس ستضع أوزارها بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وأن الحصار سينتهي وسيكون كل شيء على ما يرام. نقول ذلك لأن مثل هذا الكلام المتفائل يغفل قضيتين أساسيتين تقفان وراء كل ما يجري؛ تتعلق الأولى بعلاقة الوضع الفلسطيني مع الاحتلال، فيما تتعلق الثانية بطبيعة الوضع الفلسطيني الداخلي نفسه ومعادلة الرأسين التي يتميز بها منذ فازت حماس في الانتخابات، وربما قبل ذلك منذ برزت كمعادل موضوعي لنفوذ حركة فتح في الساحة الفلسطينية طوال انتفاضة الأقصى.
في الجانب الأول يمكن القول إن المحتل لم يكن بعيداً عن الصراع الذي دارت فصوله طوال العامين الماضيين، تحديداً من قتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وجرى ترتيب الخلافة لمحمود عباس من بعده، وربما قبل ذلك حين استهدفت حركة حماس بقتل أهم رموزها، وبخاصة الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي.
قامت اللعبة الإسرائيلية التي صاغها شارون على ضرورة ترتيب الوضع الفلسطيني لصالح قيادة ضعيفة لا تؤمن بالمقاومة المسلحة تحت أي ظرف من الظروف، وذلك على أمل أن يصار إلى تمرير خطة شارون للانفصال أحادي الجانب التي بدأت في غزة وكان ينبغي أن تستكمل في الضفة الغربية.
من أجل ذلك كان ينبغي أن تدجن قوى المقاومة الفلسطينية على لغة سياسية جديدة بعيدة كل البعد عن مسار العنف والمقاومة، وبالطبع تحت ضغط من القيادة الفلسطينية الجديدة، وبالتعاون مع الوضع العربي صاحب التأثير في المعادلة الفلسطينية، والذي تمثله مصر بالدرجة الأولى.
على هذه الخلفية جرى ترتيب مسار التهدئة الذي فرض على الفصائل في القاهرة، وعلى هذه الخلفية جرى إقناع حماس بضرورة المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي، وكان المطلوب من تلك المشاركة هو تكريس عملية دمج حماس في اللعبة السياسية وإبعادها عن المقاومة، لاسيما في ضوء قناعتها أو قناعة بعض أركانها بأن واقعاً جديداً قد نشأ في غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي. لم يخطر على البال بالطبع أن تفضي الانتخابات إلى فوز حماس، ففي أحسن الأحوال كان يمكن استيعاب كتلة كبيرة لها، وهي كتلة كان يمكن بعدها ترتيب دمج لها في الحكومة، وأقله إبقاؤها في المعارضة بحيث لا يمكنها تغيير شيء في الواقع العملي، مع بقاء ملف التفاوض وشؤون السلطة بيد حركة فتح، بل بيد المجموعة المتنفذة فيها، والتي سبق أن حاولت الانقلاب على ياسر عرفات.
منذ الخامس والعشرين من شهر فبراير الماضي، أي منذ ظهور نتائج الانتخابات توافق قادة فتح على صيغة للتعامل مع الوضع الجديد، الأمر الذي تبلور أيضاً في الدوائر الإسرائيلية، مع التقاء الطرفين على سياسات معينة في التعامل مع الخصم المشترك رغم تباين الأهداف بينهما.
بالنسبة للدولة العبرية شكل فوز حماس مأزقاً كبيراً، فهنا ثمة حركة لا تعترف بالاحتلال، وهي تعلن أنها لن تتخلى عن المقاومة، ما يعني أن المشروع السياسي الجديد لن يمر بسهولة، كما يعني إعادة الفلسطينيين عقوداً إلى الوراء ودفعهم نحو خطاب اندثر منذ زمن.
لأجل ذلك كان لا بد من ضرب حركة حماس من دون هوادة، ولما كانت معادلة الاستهداف الأمني والعسكري غير كافية، بدليل أن تكريسها طوال عشرين عاماً لم يزد الحركة إلا قوة، فضلاً عن كونه لم يتوقف من الأصل، فقد كان لا بد من مسار جديد يقوم على استدراج الحركة من خلال معادلة الحكم ومستحقاته ومختلف أشكال الضغوط نحو سلوك سياسي مختلف يعترف بالواقع الذي اعترفت به حركة فتح، ليس لأن بالإمكان التفاهم معها على تسوية بعد ذلك، ولكن من أجل دفع جماهيرها نحو الإحباط على اعتبار أن حركتهم قد تخلت عن ثوابتها واستسلمت للواقع الصعب. هكذا التقت حركة فتح مع الاحتلال على معادلة استدراج حماس إلى خطاب مختلف، وإن وقع ذلك لهدفين متباينين، فالاحتلال يريد ذلك من أجل ضرب حماس وإثارة الإحباط في الشارع الفلسطيني، وإقناعه بأن التسوية بحسب الطرح الإسرائيلي أياً كان هي المتاحة، بدليل أن حركته الإسلامية الثورية لم تجد بداً من الاعتراف بصعوبة الواقع، فضلاً عن مطلبه الآخر القائم على وقف المقاومة بشكل كامل ومنح الإسرائيليين قسطاً طويلاً من الهدوء الذي حرموا منه منذ سنوات. أما حركة فتح فتسعى من خلال ذلك إلى تحقيق الهدف الواحد والوحيد في هذه المرحلة، والقائم على استعادة السلطة بالكامل، إذ أن حزباً عربياً حاكما لن يستوعب أن تسرق السلطة من بين يديه، وفتح هي حزب سلطة بكل المقاييس ولا يمكنها تبعاً لذلك تمرير ما جرى لها في الانتخابات بسهولة، بل ستعمل المستحيل من أجل إعادة الوضع إلى ما كان عليه.
من هنا لم تتورع حركة فتح عن التحريض على حركة حماس في الداخل والخارج، مع الاحتفاظ بمفاصل السلطة تحسباً لإمكانية أن تبقى حماس في الحكومة حتى نهاية الدورة البرلمانية، ولكي يكون بالإمكان ترتيب انتخابات أخرى تعود من خلال حركة فتح إلى وضعها القديم.
على أن التوجه الذي تبلور، بحسب ما ذكرنا آنفاً، هو ضرورة إقصاء حماس بعد تشويهها، وليس قبل ذلك، ولن يتم ذلك من دون توريطها في خطاب التسوية وممارستها، ودفعها إلى التخلي عن ثوابتها التي منحتها المصداقية في الداخل والخارج.
هكذا لعبت فتح على قيادة حماس التي باتت أسيرة الحكومة ومطالبها، ولم تجد صعوبة في تمرير ما يسمى وثيقة الأسرى، ومن بعدها تمرير برنامج سياسي جديد تحت عنوان حكومة الوحدة الوطنية، وإن لم يحقق المطلوب كاملاً لأن الخروج من مأزق الحصار كان مطلباً لجميع الفرقاء لكي لا تسقط الحكومة ويعود التصعيد إلى الساحة الفلسطينية.
الآن يخطئ قادة حماس إذا اعتقدوا أن اللعبة قد انتهت، وأن كل شيء سيكون على ما يرام، ذلك أن معركة فتح من أجل استعادة سلطتها لن تتوقف، وحتى لو عاشت الحكومة ثلاث سنوات أخرى، فسيكون على حساب المقاومة، كما سيكون على حساب حماس التي لن تتمكن من تقديم شيء للشعب الفلسطيني بسبب تحكم فتح بالسلطة وحرصها على إفشال شريكتها بكل الوسائل.
هكذا تكون حماس قد خسرت في هذه اللعبة، ولن يكون أمامها بعد ذلك سوى العودة إلى جماهيرها بذات الخطاب القديم الذي نالت الثقة على أساسه، والذي ثبت أنه الوحيد القادر على تحقيق الإنجازات للشعب الفلسطيني.
في 17 أغسطس/ آب 2006، أي أثناء الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، وبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تدك المدن والقرى والبنية التحتية اللبنانية وتُسيل دم المدنيين، نشرت صحيفة معاريف مقالا كتبه الصحافي يونتان شيم بعنوان أسست تل أبيب في العام 1909 وفي العام 2009 ستصبح أنقاضا.
جاء في المقال أنه قبل مائة عام أقاموا أولى المدن العبرية، وبعد مائة عام من العزلة قضي أمرها. ما الذي يدعو مثل هذا الكاتب للحديث عن النهاية، نهاية إسرائيل، في وقت بلغت فيه القوة العسكرية الإسرائيلية ذروتها، وتجاوز الدعم الأميركي، السياسي والمالي والعسكري، لها كل الحدود والخطوط الحمراء؟ كيف يمكن تفسير هذا الموقف؟
ابتداء لا بد أن نذكر حقيقة تاهت عن الكثيرين في العالم العربي، وهي أن موضوع نهاية إسرائيل متجذر في الوجدان الصهيوني. فحتى قبل إنشاء الدولة أدرك كثير من الصهاينة أن المشروع الصهيونى مشروع مستحيل وأن الحلم الصهيوني سيتحول إلى كابوس.
وبعد إنشاء الدولة وبعد أن حقق المستوطنون الصهاينة النصر على الجيوش العربية تصاعد هاجس النهاية. ففي العام 1954 قال موشيه ديان وزير الدفاع والخارجية الإسرائيلي، في جنازة صديق له قتله الفدائيون الفلسطينيون : علينا أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يسقط السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة.
النهاية، ماثلة دائما في العقول، فالضحايا الذين طردوا من ديارهم تحولوا هم وأبناؤهم إلى فدائيين يقرعون الأبواب يطالبون بالأرض التي سلبت منهم. ولذا فإن الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري يرى أن كل إسرائيلي يُولَد وفي داخله السكين الذي سيذبحه، فهذا التراب (أي إسرائيل) لا يرتوي، فهو يطالب دائما بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. في الميلاد يوجد الموت وفي البداية توجد النهاية.
وتتناول قصة في مواجهة الغابة التي كتبها الروائي الإسرائيلي أبراهام يهوشوا في النصف الأول من الستينيات الحالة النفسية لطالب إسرائيلي عين حارسا لغابة غرسها الصندوق القومي اليهودي في موقع قرية عربية أزالها الصهاينة مع ما أزالوه من قرى ومدن.
ورغم أن هذا الحارس ينشد الوحدة، فإنه يقابل عربيا عجوزا أبكم من أهل القرية يقوم هو وابنته برعاية الغابة، وتنشأ علاقة حب وكره بين العربي والإسرائيلي، فالإسرائيلي يخشى انتقام العربي الذي أصيب بعاهته أثناء عملية التنظيف العرقي التي قام بها الصهاينة عام 1948. ولكن ورغم هذا يجد نفسه منجذبا إلى العجوز العربي بصورة غير عادية، بل يكتشف أنه يحاول، بلا وعي، مساعدته في إشعال النار في الغابة. وفي النهاية، عندما ينجح العربي في أن يضرم النار في الغابة، يتخلص الحارس من كل مشاعره المكبوتة، ويشعر براحة غريبة بعد احتراق الغابة، أي بعد نهاية إسرائيل!
وفي اجتماع مغلق في مركز الدراسات السياسة والإستراتيجية في الأهرام أخبرنا الجنرال الفرنسي أندريه بوفر، الذي قاد القوات الفرنسية في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بواقعة غريبة، كان هو شاهدها الوحيد. فقد ذهب لزيارة إسحق رابين في منتصف يونيو/ حزيران 1967 أي بعد انتهاء الحرب بعدة أيام، وبينما كانا يحلقان في سماء سيناء والقوات الإسرائيلية المنتصرة في طريق عودتها إلى إسرائيل بعد أن أنجزت مهمتها، قام الجنرال بوفر بتهنئة رابين على نصره العسكري، ففوجئ به يقول : ولكن ماذا سيتبقى من كل هذا؟ what will remain of it? all. في الذروة أدرك الجنرال المنتصر حتمية الهوة والنهاية.
إن موضوع النهاية لا يحب أحد في إسرائيل مناقشته، ولكنه مع هذا يُطل برأسه في الأزمات، فأثناء انتفاضة 1987، حين بدأ الإجماع الصهيوني بخصوص الاستيطان يتساقط، حذر إسرائيل هاريل المتحدث باسم المستوطنين من أنه إذا حدث أي شكل من أشكال الانسحاب والتنازل (أي الانسحاب من طرف واحد). فإن هذا لن يتوقف عند الخط الأخضر (حدود 1948)، إذ سيكون هناك انسحاب روحي يمكن أن يهدد وجود الدولة ذاتها (الجيروزاليم بوست 30 يناير/ كانون الثاني 1988). وأخبر رئيس مجلس السامرة الإقليمي شارون (في مشادة كلامية معه) : إن هذا الطريق الدبلوماسي هو نهاية المستوطنات، إنه نهاية إسرائيل (هآرتس17 يناير/ كانون الثاني 2002). ويردد المستوطنون أن الانسحاب من نابلس يعنى الانسحاب من تل أبيب.
ومع انتفاضة الأقصى تحدثت الصحف الإسرائيلية عدة مرات عن موضوع نهاية إسرائيل، فقد نشرت جريدة يديعوت أحرونوت (27 يناير/ كانون الثاني 2002) مقالا بعنوان يشترون شققا في الخارج تحسبا لليوم الأسود، اليوم الذي لا يحب الإسرائيليون أن يفكروا فيه، أي نهاية إسرائيل!. والموضوع نفسه يظهر في مقال ياعيل باز ميلماد (معاريف 27 ديسمبر/ كانون الأول 2001) الذي يبدأ بالعبارة التالية : أحاول دائما أن أبعد عنى هذه الفكرة المزعجة، ولكنها تطل في كل مرة وتظهر من جديد، هل يمكن أن تكون نهاية الدولة كنهاية الحركة الكيبوتسية؟ ثمة أوجه شبه كثيرة بين المجريات التي مرت على الكيبوتسات قبل أن تحتضر أو تموت، وما يجرى في الآونة الأخيرة مع الدولة.
وقد لخص جدعون عيست الموقف في عبارة درامية ثمة ما يمكن البكاء عليه: إسرائيل (يديعوت أحرونوت 29 يناير/ كانون الثاني 2002). بل إن مجلة نيوزويك (2 أبريل/ نيسان 2002) صدرت وقد حمل غلافها صورة نجمة إسرائيل، وفي داخلها السؤال التالي مستقبل إسرائيل: كيف سيتسنى لها البقاء؟. وقد زادت المجلة الأمور إيضاحا حين قالت: هل ستبقى الدولة اليهودية على قيد الحياة؟ وبأي ثمن؟ وبأية هوية؟. ولكن ما يهمنا في هذا السياق ما قاله الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون: الذي أكد أنه في حالة يأس لأنه يخشى أن يكون الأمر قد فات. ثم أضاف لقد قلت لكم مجرد نصف ما أخشاه (النصف الثاني أن الوقت قد فات بالفعل).
ويتكرر الحديث عن نهاية إسرائيل في مقال إيتان هابر بعنوان ليلة سعيدة أيها اليأس.. والكآبة تكتنف إسرائيل (يديعوت أحرونوت 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2001). يشير الكاتب إلى أن الجيش الأميركي كان مسلحا بأحدث المعدات العسكرية، ومع هذا يتذكر الجميع صورة المروحيات الأميركية تحوم فوق مقر السفارة في سايجون، محاولة إنقاذ الأميركيين وعملائهم المحليين في ظل حالة من الهلع والخوف حتى الموت. إن الطائرة المروحية هي رمز الهزيمة والاستسلام والهروب الجبان في الوقت المناسب.
ثم يستمر الكاتب نفسه في تفصيل الموقف إن جيش الحفاة في فيتنام الشمالية قد هزم المسلحين بأحدث الوسائل القتالية. ويكمن السر في أن الروح هي التي دفعت المقاتلين وقادتهم إلى الانتصار. الروح تعنى المعنويات والتصميم والوعي بعدالة النهج والإحساس بعدم وجود خيار آخر. وهو ما تفتقده إسرائيل التي يكتنفها اليأس. أما أبراهام بورج فيقول في مقال له (يديعوت أحرونوت، 29 أغسطس/ آب 2003) : إن نهاية المشروع الصهيوني على عتبات أبوابنا. وهناك فرصة حقيقية لأن يكون جيلنا آخر جيل صهيوني.قد تظل هناك دولة يهودية، ولكنها ستكون شيئا مختلفا، غريبة وقبيحة.. فدولة تفتقد للعدالة لا يمكن أن يكتب لها البقاء.. إن بنية الصهيونية التحتية آخذة في التداعي.. تماماً مثل دار مناسبات رخيصة في القدس، حيث يستمر بعض المجانين في الرقص في الطابق العلوي بينما تتهاوى الأعمدة في الطابق الأرضي.
ثم، أطل الموضوع برأسه مجددا في مقال ليرون لندن (يديعوت أحرونوت 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003) بعنوان عقارب الساعة تقترب من الصفر لدولة إسرائيل، وجاء فيه في مؤتمر المناعة الاجتماعية الذي عقد هذا الأسبوع، علم أن معدلا كبيرا جدا من الإسرائيليين يشكون فيما إذا كانت الدولة ستبقى بعد 30 سنة. وهذه المعطيات المقلقة تدل على أن عقارب الساعة تقترب من الساعة 12، (أي لحظة النهاية)، وهذا هو السبب في كثرة الخطط السياسية التي تولد خارج الرحم العاقر للسلطة.
وحينما أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها بخصوص الجدار العازل وعدم شرعيته بدأ الحديث على الفور عن أن هذه هي بداية النهاية.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هاجس النهاية الذي يطارد الإسرائيليين؟ سنجد أن الأسباب كثيرة، ولكن أهمها إدراك المستوطنين الصهاينة أن ثمة قانونا يسري على كل الجيوب الاستيطانية، وهو أن الجيوب التي أبادت السكان الأصليين (مثل أميركا الشمالية وأستراليا) كتب لها البقاء، أما تلك التي أخفقت في إبادة السكان الأصليين (مثل ممالك الفرنجة التي يقال لها الصليبية والجزائر وجنوب أفريقيا) فكان مصيرها الزوال. ويدرك المستوطنون الصهاينة جيدا أن جيبهم الاستيطاني ينتمي لهذا النمط الثاني وأنه لا يشكل أي استثناء لهذا القانون، إن الصهاينة يدركون أنهم يعيشون في نفس الأرض التي أقيمت فيها ممالك الفرنجة وتحيط بهم خرائب قلاع الفرنجة، التي تذكرهم بهذه التجربة الاستيطانية التي أخفقت وزالت. ومما يعمق من هاجس النهاية أن الوجدان الغربي والصهيوني يوحد من البداية بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني ويقرن بينهما، فلويد جورج رئيس الوزارة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور، صرح بأن الجنرال اللنبي الذي قاد القوات الإنجليزية التي احتلت فلسطين شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصارا.
ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية المسيحية.
لكل هذا يدرس العلماء الإسرائيليون المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، والعلاقة بين هذا الكيان والوطن الأصلي المساند له. وقد وجه كثير من الباحثين الصهاينة اهتمامهم لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة التي واجهها الكيان الفرنجي ومحاولة فهم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت به.
ولكن الاهتمام لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل إسحق رابين وموشيه ديان يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر/ أيلول 1970 عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية حيث توصل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها.
ويورى أفنيرى، الكاتب الصحفي الإسرائيلي، وعضو الكنيست السابق، كان من المستوطنين الصهاينة الذين أدركوا منذ البداية استحالة تحقيق المشروع أو الحلم الصهيوني. ولذا كان ينشر منذ الخمسينيات مجلة هاعولام هزه (هذا العالم) التي تخصصت في توجيه النقد للسياسات الصهيونية. وكان أفنيرى يحذر الصهاينة من مصير ممالك الفرنجة التي لم يبق منها سوى بعض الخرائب. وقد صدر له كتاب بعنوان إسرائيل بدون صهيونية ( 1968) عقد فيه مقارنة مستفيضة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية، فإسرائيل مثل ممالك الفرنجة محاصرة عسكريا لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين. ثم عاد أفنيري إلى الموضوع عام 1983، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في هاعولام هزه بعنوان ماذا ستكون النهاية، فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، ما يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف المسيحية الشرقية من جهة أخرى، ما أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب.
وفي الوقت نفسه بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقا تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداء من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، ولذا لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم ونهايتهم ونهاية الممالك الصليبية!
لكل هذا عاد هاجس النهاية مرة أخرى بعد الحرب السادسة وبعد الصمود اللبناني العظيم في وجه الهمجية الإسرائيلية، وبعد إبداع المقاومة اللبنانية.
فقد اكتشف الصهاينة حدود القوة ووصلوا إلى مشارف النهاية، وكما قال المثقف الإسرائيلي شلومو رايخ إن إسرائيل تركض من نصر إلى نصر حتى تصل إلى نهايتها المحتومة.
فالانتصارات العسكرية لم تحقق شيئا، لأن المقاومة مستمرة ما يؤدى إلى ما سماه المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون (نقلا عن هيغل) عقم الانتصار. والله أعلم.
تقرير: حكومة الوحدة مغضوب عليها.. ومحاولات فتحاوية للدفع نحو انتخابات لا تأتي بحماس
القدس: نجح، فيما يبدو، التعاون المثمر بين خصوم حركة حماس في الداخل، ممثلين بشكل رئيس بحركة فتح، أو ببعض التيارات في هذه الحركة ممن يوصفون من قبل أعضاء فيها بالتيار الجديد، وأعدائها في الخارج، ممثلين هنا في المجتمع الدولي بما فيها دول عربية، في الوصول إلى ما قد يراه البعض المشهد الأخير من عمر الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس، الحكومة المنتخبة والمختارة ديمقراطياً من قبل الشعب الفلسطيني، بشهادة المراقبين الدوليي.
الضغط على حماس وعزلها سياسياً واقتصادياً، بدأ يثمر عن نتائج في المجتمع الفلسطيني، ومن هنا يجب مواصلة الضغط وعدم مد حبل النجاة لحماس، ولذلك هم غير معنيون بحكومة وحدة؛ موقف صريح وواضح أبلغته الولايات المتحدة ومصر وحتى تل أبيب لمحمود عباس، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة يديعوت أحرونوت؛ يشير بشكل جلي، كما يقول المتابعون، إلى المخطط الدولي الساعي للإطاحة بالحكومة الفلسطينية، وإعادة حركة فتح، ولكن بقيادات شابة إلى سدة الحكم، والتي تعترف أصلاً بدولة الاحتلال. الدعم الدولي، لا سيما الأمريكي والإسرائيلي، التي تحظى به حركة فتح علناً، لا سيما عدد معين من قياداتها من تيار الشباب، يؤكد سعي هذه الدول إلى الإطاحة بالحكومة الفلسطينية. فهذه مصادر سياسية إسرائيلية تؤكد بأن إسرائيل لن تقبل بحكومة وحدة وطنية فلسطينية تضم حماس. وقالت: إن حماس تسعى إلى شرعنة نفسها واحتلال مكانتها دوليا عبر الباب الخلفي علما بأنها منبوذة كونها تنظيما إرهابيا.
ولم تكتف تل أبيب بذلك؛ فقد طالب الوزير في الحكومة الإسرائيلية زئيف بويم لجنة الرباعية الدولية بإضافة مطلب جديد إلى مطالبها بشأن الاعتراف بالحكومة الفلسطينية وهو إلغاء ميثاق حركة حماس، مشيراً إلى أن هذا الميثاق يدعو إلى الجهاد ضد الاحتلال.
وفي إطار هذا العام؛ اجتمع أبو مازن على انفراد بوزيرة الخارجية الأمريكية رايس. وقال مستشار الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي ستيفين هادلي: إن واشنطن تدعم أصوات الاعتدال ولا سيما صوت أبو مازن الملتزم بالسلام، على حد تعبيره، وهو موقف مماثل لموقف تل أبيب الرسمي.
وفي الوقت الذي كانت فيه فتح، التي تعيش أسوأ حالاتها منذ إنشائها بحسب الاستخبارات الإسرائيلية، تتهم الحكومة الفلسطينية الحالية برفض القبول بفكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية، قطع هذه الحكومة الطريق عليها، وقررت الخوض في مشاورات لتشكيل هذه الحكومة مع مختلف الفصائل بما فيها فتح، واتفق مع الجميع على أن تكون وثيقة الأسرى برنامجاً سياسياً لهذه الحكومة.
لكن فتح وجدت نفسها قد وقعت المصيدة التي نصبتها لحماس؛ لكنها تداركت ذلك من خلال الزعم بأن الحكومة الفلسطينية أخلت بالاتفاقات مع رئيس السلطة الفلسطينية، لا سيما فيما يتعلق بالاعتراف بالدولة العبرية، بالرغم من أن وثيقة الأسرى لا تنص على هذا الأمر، وعليه تم تجميد تشكيل حكومة الوحدة حتى إشعار آخر.
وبتسلسل مريب للأحداث، كما يراه بعض المحللين، فإن مطالبة فتح محمود عباس بممارسة حقه الدستوري وصلاحياته بالدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وذلك من أجل إخراج الشعب الفلسطيني من لغط البرامج والصلاحيات، في إشارة إلى انتخابات لا يكون لحماس الغالبية فيها، يؤكد استمرار فتح في مخططها للإطاحة بالحكومة الفلسطينية.
لكن التساؤل الذي يثيره هؤلاء المحللين، الذين التقتهم قدس برس يدور حول ما إذا كان العالم أجمع، الذي وقف في وجه الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس، عقب فوزها بشكل ديمقراطي، سيسمح لحماس بتحقيق نتائج كالساحقة التي حققتها في الانتخابات التي جرت قبل نحو ثمانية أشهر فقط؟. ويشيرون إلى أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الدول العربية قد لا تكون ببعيدة عن الانتخابات القادمة من حيث قلة الديمقراطية والتزوير فيها لإنجاح جهة معينة، ولكن هذه المرة بدعم المجتمع الدولي، الذي يسعى لديمقراطية على مقاسه، كما يقولون.
وتشير فتح في بيان رسمي لها تلقت قدس برس نسخة منه، إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية عليه القيام بإنهاء حالة الضياع المستمر لشعبنا وتوحيد كلمته ومواقفه والعمل على إنهاء عزلته الدولية، لتحقيق الأفضل لشعبنا وقضيتنا من خلال المحافظة على الثوابت الوطنية التي أقرتها الهيئات القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التشريعية والتنفيذية، ولكن ماذا إذا أعاد الشعب الفلسطيني انتخاب حماس مجدداً!. إلا أن ما يثير مخاوف الكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني، هو أن تتولى فتح، بخلافاتها الداخلية وبقيادتها الضعيفة، كما توصف من قبل التيارات المتنازعة في داخل هذه الحركة، قيادة الشعب الفلسطيني، لا سيما في الوقت الذي كشف فيه المدعي العام الفلسطيني النقاب عن العديد من ملفات الفساد المالي، التي كان قادة ووزراء فتح في الحكومات السابقة متورطين فيها، والتي تقدر بمئات ملايين الدولارات.
فقد تفجّرت خلافات فتح بشكل واسع، منذ رحيل ياسر عرفات، والرئيس التاريخي للحركة. وبسبب طبيعة وأسلوب الرئيس الراحل في قيادة دفة الأمور، فإن فراغا قياديا داخل فتح نشب فور وفاته، ما أثار مطامح ومطامع العديد من القوى داخل الحركة، كل يأمل بتزعمها مستعرضا قواه التي في أغلبها يتركز حول المقدرة على التواصل والاتصال مع قوى أجنبية. ويشن تيار الشباب في فتح، عبر عدد من الأذرع الإعلامية التي استحدثها مؤخرا بتمويل مالي كبير، هجوما على القيادة الفلسطينية الحالية بزعامة محمود عباس، ويشكك هذا التيار بمقدرة الرجل على الاستمرار في القيادة، مشيرا إلى حالته الصحية وتردده المستمر على مشافي عمّان للاستشفاء. وقد عمّقت، الخلافات الداخلية في فتح المخاوف في الشارع الفلسطيني، لا سيما ما تضمنه محضر اجتماع اللجنة المركزية لفتح والتي بدا فيها استخدام الحاضرين القادة لألفاظ غير لائقة إضافة إلى إظهار عدم اكتراث قيادة فتح بالحركة أو حتى بذراعها العسكري كتائب شهداء الأقصى، التي لم تذكر في البيان الختامي لها.
حامد جاد غزة - ذكرت وزارة الأسرى، أن قوات الاحتلال ، اعتقلت منذ عام 1967 قرابة (700) ألف مواطن، أي ما يقارب 25% من إجمالي عدد السكان المقيمين في الأراضي الفلسطينية.
وأكدت الوزارة، في تقرير إحصائي أصدرته الثلاثاء أن قرابة 50 ألفاً من الأسرى اعتقلوا خلال انتفاضة الأقصى الحالية، وأن إجمالي عدد الأسرى في سجون الاحتلال الآن 10300 أسير.
وبينت أن عدد الأسرى المعتقلين منذ ما قبل اتفاق أوسلو ولازالوا في الأسر (367) أسيراً، منهم (148) أسيراً من المحافظات الشمالية، أي ما نسبته 40.3% ومنهم (143) أسيراً من المحافظات الجنوبية أي ما نسبته 39% ومنهم 76 أسيراً من القدس ومناطق داخل أراضي عام 48 ما نسبته 20.7%.
وأشارت إلى أن عدد الأسرى قبل انتفاضة الأقصى وما زالوا داخل الأسر (553) أسيراً منهم 277 أسيراً من المحافظات الشمالية أي ما نسبته 50% ومنهم 166 أسيراً من المحافظات الجنوبية، أي ما نسبته 30% ومنهم 110 أسرى من القدس ومناطق داخل أراضي عام 48 ومناطق أخرى أي ما نسبته 20%.
وأكدت الوزارة، أن أكثر من 5000 طفل فلسطيني، اعتقلوا منذ بداية انتفاضة الأقصى حسب ما وثق لدى دائرة الطفولة والشباب، حيث لا زال (391) طفلاً رهن الاعتقال بنسبة 3.8% من إجمالي عدد الأسرى. وبينت أن من الأسرى الأطفال (8) أطفال معتقلين إداريين دون تهمة، و(255) طفلاً موقوفاً بانتظار المحاكمة، و(128) طفلاً محكوماً، و(105) أطفال أسرى مرضى ويحتاجون للعناية الطبية أي ما نسبته 26.8% من الأطفال.
وأوضحت أن أكثر من 500 أسيرة، اعتقلن من بداية انتفاضة الأقصى، منهن (118) لا يزلن رهن الاعتقال (1.1% من إجمالي عدد الأسرى والمعتقلين)، و5 أسيرات لم يتجاوز عمرهن 18 عاماً، و3 أسيرات وضعت كل منهن مولدها الأول داخل الأسر خلال انتفاضة الأقصى.
وأفادت الوزارة في تقريرها، أن (183) أسيراً استشهدوا، نتيجة التعذيب داخل أقبية التحقيق ونتيجة الإهمال الطبي والقتل العمد بعد الاعتقال.