بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
لطالما قرأنا في أكثر من مقال أو كتاب وصف "معجزة القرون الوسطى" يصفون به نهوض الحضارة الإسلاميه بعد البعثة المحمدية -صلوات الله وسلامه عليه-و انه لمن الغريب حقا عبر التاريخ البشري عموما أن نجد حضارة تقوم لتتسيد الأمم في أقل من مئة عام, و تستمر ما يزيد عن ألف سنة. فالحضارة الرومانيه على سبيل المثال تطورت خلال 400سنه و ذلك منذ انشاء روما و بزوغ الحضارة الرواقية الى عهد يوليوس قيصر و خليفته أغسطس لتتم بذلك سيادة الحضارة الرومانيه في العصور القديمة --و بعض المؤرخين يعتبر أن الحضارة الرومانيه ما هي إلا وريث للحضارة اليونانية و لو أعتبرنا ذلك تكون قد أخذت روما ما يزيد بكثير عن 400سنه لتصل الى مراتب الحضارات العالمية--و هو ما يطلق عليه التراكم الحضاري.
إلا أنني أرى ان الأمة الإسلاميه مرت بمرحله تراكم حضاري لملايين السنين هي عمر البشريه بكامله, فهي بذلك تحمل كما هائلا من التراكم الحضاري الغارس في عمق التاريخ و ان كان هناك ما يدعوا للإستغراب في تاريخ الحضارة الإسلاميه فليس انها تسيدت الحضارات خلال مئه عام , بل ما يدعو للعجب فعلا هوه خبوت نارها السريع فألف عام مدة قصيرة جدا ليخبت خلالها هذا الكم من التراكم الحضاري الضخم.
و إذا أردتم أمثلة لتجلي تلك الحضارة فيما قبل العصر الوسيط
-فاحسن مثال لدول الحضارة الإسلاميه قبل العصر الوسيط دوله داوود و ابنه سليمان عليهما و على نبينا افضل الصلاة و أتم التسليم فكانت دولة للعدل و الإحسان و إرساء المعاني الألاهية في الأرض و لم تكن دولة السلطان و السيطرة,
- و من عظماء قادتنا يوشع بن نون و موسى عليه السلام أخرجوا أمتهم من الرق و الإستعباد, لا لقتل المستعبدين كثورات العبيد الإخرى ولاكن لهدايتهم
- و من عظماء مفكرينا الإقتصاديين يوسف عليه السلام ,إقتصاد لنفع البشرية و المحافظه على الزرع و النسل لا إقتصاد طبقي أو إقتصاد يعيش على دماء شعوب أخرى,
- و من أرق دعاتنا عيسى المسيح عليه السلام , دعوة الى تنقيه النفوس و توجيهها الى الله ليخرج الناس من سلطان كهنه المعبد اليهود الى سلطان رب العباد, نقى النفوس بالوحدانيه لا بالموسيقى و الفنون الماجنة
-و اول بحارينا نوح عليه السلام بنى أسطول إنقاذ لصفوة البشريه لا اساطيل إستعمار و هيمنه .
-و نبينا عليه الصلاة و السلام جامع كل خير سلسله العظام في كل مجال.
و يحضرني هنا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم (مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها وترك فيها موضع لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون لو تم موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة)
هذا و الله لأكبر مثال حي على أن الحضارة الإسلاميه كانت قد أنهت التراكم الحضاري الطويل جدا و كانت بحاجة إلى متم لهذا البناء المبارك و تم بحمد الله و منته ببعثة سيد المرسلين و خاتم النبين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم .
و به تمت الشرارة الأولى لنقل هذه الرساله و الدعوة من سادة البشر و هم أنبياء الله إلى خلفائهم في الأرض و هم مجموع الأمه الإسلاميه و لا يظن إي سامع أنني أقصد بهم العرب بأي حال من الاحوال فهم كانوا بداية الوسيط الأول لنقلها و لهذا أسباب لا مجال لحصرها هنا.
و من هذا السياق إننا لنسنتج أمرين هاميين
الأول
أن معين هذا التراكم الحضاري لا يمكن أن يخبوا نارة في ألف سنه و أن للأمة الإسلاميه مستقبل باهر حتمي تشير إليه كل الحقائق الحضاريه و هنا عرضنا واحد منها فقط و هو حقيقة التراكم الحضاري الطويل.
الثاني
أنك لتكون في ركب هذه الحضارة و ربما أحد أعمدتها ليس مطلوبا منك ان تكون أحد ابناء القبيله الذهبيه كما في دولة المغول أو ان تكون أريا كما في ألمانيا او تكون أحد فرسان الملكة فيكتوريا بل كل ما هو مطلوب منك ان تحمل هذة الرساله و تؤمن بها و أحقيتها بسيادة الحضارات لا سيادة تسلط و تشريف بل سيادة مسؤليه و تكليف ولو كنت على أي لون و هيئة و نسب.
يوسف إبن تاشفين
-----------------------------------------------------------------------------------
إستلزم مني هنا الإشارة الى دولة المغول و كيفيه توسع سلطانها الغريب ايضا خلال فترة وجيزة و ما اردت هنا إلا أن ابين ان دوله المغول ليست إلا دولة حربيه قدرت على إرهاب الناس و السيطرة عليهم و لا تمت الى الحضارة بصله فلم يصل الى علمي انها افرزت اي منتجات حضاريه فنيه او ادبيه او فكرية , أما الدولة المغوليه المسلمه فلا تعدوا ان تكون إستمرارا للحضارة الإسلاميه حيث تكونت لهم مدنيات مغوليه في الهند و أسيا و هو فرق مهم بين المدنيه و الحضارة و هناك مثال واقعي نعيشه و هو المدنيه اليابانيه الحاليه و التي هي مكملة للحضارة الغربيه حيث أننا لا نستطيع أن نسميها حضارة يبانيه.