صواعق الفتنة جاهزة لتفجير لبنان
العرب |
مرة أخرى تخيم ظلال الفتنة الطائفية على لبنان، ورغم أن الجميع يضعون أيديهم على قلوبهم خشية أن ينحدر هذا البلد الملغوم سياسيا واجتماعيا إلى مربع الفلتان الأمني، فإن صواعق الفتنة الموجودة بأيدي أطراف إقليمية ودولية يبدو أنها جاهزة للتفجير، بعدما أصبح أكثر من طرف، مثلما كان الحال في السابق، يبني مصالحه الضيقة وحساباته السياسية، على حساب الشعب اللبناني، الذي شأنه شأن أي شعب في الدنيا يريد أن يعيش على قدر حاله وليس بناء على ما يقدّره عليه المتصارعون على أرضه.
فمنذ أيام طفت إلى السطح من جديد قضية جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، إثر تقارير عن اقتراب إصدار المحكمة الدولية لائحة اتهام ظنية بعناصر من حزب الله للاشتباه بمسؤوليتهم عن الجريمة، وهذه الخطوة تصدى لها الحزب بشراسة واعتبرها مؤامرة جديدة على سلاح المقاومة، في حين عادت أصوات داخلية تطالب بأن تأخذ "العدالة" مجراها ولو أدى الأمر إلى إشعال حرب، لأن ذلك باعتقادهم سيرفع الحصانة عن الاغتيال السياسي الذي أصبح عرفا جاريا في لبنان منذ تأسيسه.
وسط هذا الحماس المسعور يبدو أن أصوات الحكمة والعقل تراجعت وتركت المجال لأصوات التصعيد والتأليب استعدادا للسيناريو الأسوأ، حيث بدأ الفرز والتجييش داخل لبنان يتضح، كما بدأت الأطراف الإقليمية والدولية تصب الزيت على النار، ففي حين أصدر القضاء السوري 33 مذكرة اعتقال بحق شخصيات لبنانية وأجنبية على علاقة بقضية الحريري، وقفت في الجانب الآخر مصر والسعودية على النقيض وطالبتا بضرورة أن تأخذ العدالة مجراها وأن تصدر المحكمة الدولية قرارها الظني، وبين هذا وذاك ينتظر أن يصل هذا الشهر الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان، حيث ينتظر أن يدلي بتصريحات "كراكوزية" من شأنها أن تلهب الوضع وتزيد في تجييش المناوئين للتدخل الايراني، وهو أمر لا يثير حفيظة بعض اللبنانيين فقط بل الغالبية العظمى من العرب، لمسؤولية طهران المباشرة عن كثير من ذيول الفتنة في أكثر من بلد بدءا من العراق وصولا إلى لبنان مرورا باليمن والبحرين والكويت وحتى المغرب الأقصى.
بكل أسف، نرى في كل هذه التقاطعات خطرا يحيق بلبنان ونرى أيضا أن احتدام المنافسة بين الأطراف الإقليميين لن يجلب أي خير أو عدالة أو يزيد في قوة المقاومة أو يحفظ سلاحها وكرامتها، فمذكرات التوقيف السورية جاءت لتزيد من حدة الاحتقان ولتضع خاتمة مرة لشهر العسل الذي لم يستمر طويلا بين حكومة السيد سعد الحريري ودمشق، كما أن الاندفاع المصري ليلعب دورا على الساحة اللبنانية وسط الجفاء المتصاعد بين القاهرة من جهة ودمشق وطهران من الجهة المقابلة لن يلقي بظلال السلم الأهلي على بيروت.
زيارة نجاد هذه لا مهمة لها غير شحن الاحتقان الطائفي واستفزاز أحزاب وشخصيات لبنانية ما زالت تتوجس من التحركات الايرانية، بل إن هذه الأحزاب والشخصيات ستزداد تمسكا بمطالبها، وستصبح تتحدث لاحقا عن ضرورة تجريد حزب الله من سلاحه، باعتباره يشكل خطرا على الدولة اللبنانية وليس على إسرائيل كما يفترض أن يكون، بشرط أن يخرج من إطار التوازن الداخلي.
الأسبوع الماضي قال النائب اللبناني وزعيم الحزب الاشتراكي التقدمي وليد جنبلاط إنه لا يريد أن يفكر في المستقبل لأنه يخشى من سيء أكثر شرا من الحرب الأهلية التي عاشها لبنان خمسة عشر عاما خلال القرن الماضي.
جنبلاط وهو السياسي المحنك والأكثر شطارة من غيره من السياسيين اللبنانيين أكد أن أكثر ما يخشاه هو أن يحدث تصادم مصري سوري في نقطة ما وفي لحظة وهذا التصادم ستكون له تداعيات وخيمة على لبنان وسيكون لصالح مشاريع القضم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والهدف ربما سيكون تسويق كارثة جديدة ستشتعل نارها في لبنان ولكن دخانها سينبعث من منطقة أخرى، وهي بالتأكيد منطقة عربية ولن تكون في أمّة أخرى.
المخلصون الصادقون من العرب قلوبهم الآن على لبنان، تماما كما هي على كل شبر من بلاد العرب، فلبنان الذي لم يعرف الاستقرار تقريبا منذ نصف قرن وعانى طويلا من جرائم الاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية والتدخلات، لا نريده أن يسقط مجددا في مربع الفتنة ولا أن تظهر فوق أراضيه ميليشيات تقاتل لا من أجل لبنان وإنما تقاتل بالوكالة لحساب أطراف لا ترى في العشرة آلاف كيلومتر مربعة من مساحة لبنان إلا رقعة للشطرنج السياسي تغيّرها وتفصلها على أهوائها كما تشاء.
لبنان الآن بحاجة إلى أصوات الحكمة والتعقل ولا التجييش وتحشيد السلاح والمناصرين والممولين والحلفاء، فتلك التجربة المريرة عشناها، ومازالت مظلة رعب من يسعى إلى فتحها سيكون هو العدو الأول للبنان وخادما ضد مصالح الأمة وقضاياها.
Alarab Online. © All rights reserved.