لا يستطيع أحد إنكار حق الآخرين، ولا يمكن الوقوف بوجه أي جهة أو دولة أو مؤسسة تعترف بضرر لحق بالآخر، وتعمل على تعويضه، إلا أن هذا المنطق لا يستطيع أي طرف أو مؤسسة قانونية أو إدارية أن تتعامل معه وفق المقاسات السليمة، عندما تحكم على إقرار الحكومة العراقية بحقوق أمريكيين يقولون إنهم تعرضوا "لأضرار" نفسية قبل عشرين عاماً، وإن المحاكم الأمريكية أصدرت أحكاماً تلزم العراق بدفع مبلغ كبير جداً مقداره "أربعمائة مليون دولار" لهذه العوائل أو الأشخاص.
بدأت القصة عندما فوجئ الملايين من العراقيين الذين يطحنهم الجوع وتطاردهم الفاقة والعوز في يقظتهم وفي منامهم، وهم يستمعون إلى إعلان الحكومة العراقية، التي قررت تعويض بعض الأمريكيين بمبلغ الأربعمائة مليون دولار، وفي واقع الحال فإن العراقيين لم يسمعوا عن حقوق لهؤلاء الأمريكيين، ووقع الخبر مثل الصاعقة على رؤوس ونفوس العراقيين الذين تطحنهم آلة القتل الأمريكية بصورة وحشية منذ فجر التاسع عشر من مارس عام 2003 وحتى لحظة سماعهم هذه الإعلانات الحكومية، التي سارعت بزف البشرى للحكومة الأمريكية، وللكثير من العوائل التي لم تتردد في إرسال أبنائها لممارسة القتل والإهانة والتعذيب بحق الملايين من العراقيين.
أما القصة برمتها فتعود الى عقدين من الزمن، وتحديداً صيف عام 1990، وأثناء أزمة الكويت، عندما أعلنت الحكومة العراقية حالة من الطوارئ، وكان في العراق عدد من الأمريكيين، ولم يغادروا، حالهم حال الكثيرين من الأجانب، بسبب دخول العراق أجواء حرب، إلا أن جميع العوائل والأفراد الأجانب، بمن فيهم الأمريكيون غادروا العراق، ولم يتعرض أحد منهم إلى أي نوع من الأذى أو المضايقة.
وحدثتني شخصية عراقية قبل عام عن أن طفلة أمريكية كانت ضمن عائلتها التي كانت تعمل في العراق في تلك الأثناء، وبعد عودة العائلة إلى الولايات المتحدة، رفعت دعوى قضائية تطالب فيها بتعويض الطفلة لأنها حسب ما تقول العائلة عاشت لحظات خوف وهلع، وأن العائلة غير مطمئنة على مستقبل هذه الطفلة، إذ ربما يلازمها شبح العراق بعد عشرات السنين، ومن المحتمل أن تصاب بالعوق النفسي، وقد يؤثر ذلك بالانتقال الوراثي إلى الأجيال القادمة من سلالة الطفلة التي أصابها الخوف والهلع، علماً أن الطفلة وعائلتها عادوا إلى بلدهم خلال فترة وجيزة، ولم يتعرضوا إلى أي شيء.
بعد فترة، وحسب ما تناقلت ذلك وسائل الإعلام، أصدرت المحكمة الأمريكية قرارها الذي يتضمن حق الطفلة بالتعويض من العراق، وحكمت لها بمبلغ ضخم جداً قدره ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار.
وبالتأكيد لا نحتاج إلى مقارنات كبيرة وكثيرة، بين ما تعرض له أطفال العراق ورجاله ونساؤه وشيوخه وعجائزه وبنيته التحتية!! والسؤال، ماهي المبالغ التي يفترض أن تدفعها أمريكا لملايين العراقيين الذين قتلوا أو عذبوا وأهينوا، والأطفال الذين يعيشون الكوابيس الأمريكية في كل لحظة؟!.
Alarab Online. © All rights reserved.