عرض مشاركة واحدة
قديم 26-Sep-2010, 11:51 AM   رقم المشاركة : 9
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: قضية التخلف في العالم العربي

لماذا تأخر العرب و تقدم غيرهم؟ !





د. عبـد اللطيـف الحناشـي


يُذكَرُ أن الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار،قد تلقى رسالة من أحد قراء مجلته من سكان اندونيسيا يدعى محمد عمران،نشرتها له المجلة في مجلدها رقم 30 الجزء الأول الصادر في 1348هـ، الموافق جانفي 1929 يطلب فيها القارئ من صاحب المجلة الإجابة على بعض الأسئلة منها "ما أسباب ما صار إليه المسلمون من الضعف والانحطاط في الأمور الدنيوية والدينية معاً، ولماذا صرنا أذلاء لا حول لنا ولا قوة، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" فأين عزة المؤمنين الآن؟ وهل يصحّ لمؤمن أن يدّعي انه عزيز إن كان ذليلاً مهاناً ليس عنده شيء من أسباب العزة؟وما الأسباب التي ارتقى بها الأوروبيون و الأميركانيون واليابانيون ارتقاء هائلاً؟ وهل يمكن أن يصير المسلمون أمثالهم في هذا الارتقاء إذا اتبعوهم في أسبابه مع المحافظة على دينهم "الإسلام". أم لا "؟.

وجّه الشيخ رضا بدوره هذه الرسالة إلى الأمير شكيب ارسلان لكتابة ردّ على أسئلة القارئ الاندونيسي و عوض أن يرد الأمير على تلك الأسئلة وينشرها في الجريدة وضع كتابا نشره تحت عنوان إشكالي هو : "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ؟". لا شك أن توجه مواطن مسلم من أقاصي آسيا إلى مجلة عربية يشي بثقة هؤلاء بالمجلة وبأصحابها وبالعرب و بإمكانياتهم الذهنية وبقدراتهم على معالجة المشاكل وإيجاد الحلول العملية لها استناد لتاريخهم المجيد و احترامهم لهم أيضا.

ويثير مضمون رسالة القارئ الاندونيسي كما عنوان كتاب الأمير ارسلان ،دون الحديث عن محتواه، الكثير من القضايا على أننا سنكتفي بمقاربة قضيتين أساسيتين تبدوان،حسب رأينا على غاية من الأهمية:

تتعلق القضية الأولى ببعض الألفاظ الواردة في نص الرسالة من ناحية وبعنوان كتاب ارسلان في حد ذاته من ناحية أخرى. إذ نلاحظ أن كاتب الرسالة استخدم لفظ "الارتقاء" و"الرقي" لوصف الحالة التي وصل إليها الأوروبيون و الأمريكيون واليابانيون،مقابل الضعف والانحطاط لتوصيف الوضعية التي عليها المسلمون ايّ انه لم يستخدم مصطلح التخلف الذي دأب على استعماله العرب لوصف حالتهم كما استخدم لفظ الرقي وليس مصطلح النهضة.

أما ارسلان فاستخدم لفظا علميا دقيقا هو التأخر لوصف حالة المسلمين عوض مصطلح التخلف كما استخدم لفظ التقدم لوصف الحالة التي انتهى إليها غيرهم.ويشي استخدام هذه الألفاظ"المصطلحات" بأنها كثيرة التداول في الساحة الثقافية و تحمل دلالات معينة في سياقها التاريخي .وذلك عكس ما يتردد في الأدبيات الفكرية والثقافية العربية المتزامنة مع تاريخ تلك الرسالة وذاك الكتاب.

و يلاحظ الدارس للكتابات العربية التي تؤرخ للفكر العربي،في العصر الحديث، تواتر نزعة تعمد المزاوجة بين المفاهيم والنظريات الغربية ومماثلتها وقياسها على الواقع العربي كما تتعمد أحيانا لإسقاطها على ذاك الواقع دون إدراك للسياق التاريخي الذي تشكلت فيه تلك المفاهيم والنظريات. ومن بين أكثر تلك المفاهيم تداولا واستخداما نذكر مصطلح "النهضة".إذ جرت "العادة" أن يستخدم الكتاب العرب"مفكرون و مثقفون.."مصطلح "النهضة" لتوصيف المرحلة التاريخية العربية التي انطلقت منذ أواسط القرن التاسع عشر وهي التي تميزت ببروز اتجاهات فكرية تشكلت في إطارها بذور الفكر القومي والسياسي العربي الحديث كرد فعل على الطورانية التركية السياسية والثقافية وتجسدت ثقافيا في إحياء الثقافة العربية و خاصة اللغة وسياسيا المطالبة بالإصلاح.

في حين يشير استخدام المصطلح أوروبيا للإشارة إلى الفترة الممتدة من القرن 14 إلى أواخر القرن 16 تمييزا له عن العصر الوسيط.ومثّل عصر النهضة الأوروبي هذا اتجاها جديدا في الفكر والتفكير وطرق تناول القضايا.. و تبلور هذا الاتجاه مع بروز الحركة الإنسانية التي أكدت على قدرة الإنسان المتناهية على الخلق والإبداع والتجأ رواد النهضة الأوروبية"في ايطاليا خاصة"إلى التراث القديم الوثني الإغريقي والروماني وعملوا على بعثه وإحيائه وتطويره في مواجهة طغيان الكنيسة وتزامن كل ذلك مع الحركة العلمية النقدية و الاكتشافات الجغرافية والحركة الاستعمارية القديمة و مراكمة للثروة من خارج الحدود الأوروبية مما ساعد لاحقا على إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة ستمهد إلى الثورات الزراعية والصناعية والسياسية التي ستتوج بعصر الأنوار بقيمه وأفكاره الثورية الجديدة.

لذلك يبدو استخدام هذا المصطلح وإسقاطه لتوصيف مظاهر النشاط الأدبي والفكري والسياسي العربي خلال تلك الفترة غير دقيق على واقع مختلف تماما عن الواقع العربي آنذاك ففي تلك المرحلة تأثر المثقفون العرب بفكر التنوير الأوروبي ومبادئه وليس بفكر النهضة وكان هاجسهم الارتقاء بوضع العرب و إثبات هويتهم القومية في عصر تميز بنضال القوميات من اجل التحرر من سلطة الإمبراطوريات وتشكيل الدولة الأمة فانحصر نشاطهم على الصعيد الثقافي بإحياء لغتهم و وآدابهم وثقافتهم وكانوا يتوقون إلى نظام اقل استبدادا يسمح لهم بلعب دور يتماشى و تاريخهم وقدراتهم وموقعهم في الإمبراطورية..

وبالعودة إلى الإنتاج الفكري للمرحلة التاريخية العربية الحديثة التي توصف بعصر "النهضة" نلاحظ أن المفكرين العرب لم يستخدموا مصطلح "النهضة"هذا في كتاباتهم إلا في ما ندر وفي مرحلة متقدمة أي بداية القرن العشرين في حين ترددت وتواترت بشكل كبير مفردات دالة مثل "اليقظة العربية" و"الارتقاء" و"الإصلاح" ويظهر أن تداول مصطلح النهضة لم يبرز إلا في بداية القرن العشرين..وهو امر يثير التساؤل والاستغراب في الوقت ذاته..

أما القضية الثانية فتتعلق بقدرة الكثير من الدول الآسيوية الإسلامية على الارتقاء إلى وضعية أفضل مما كان عليه أمرها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي اذ تمكنت من تجاوز تأخرها ومعالجة مشاكلها الاقتصادية في حين ظل العرب يبحثون ويجربون دون أن يصلوا إلى برّ الأمان، في حين أن الدول الاسياوية تلك قد خضعت بدورها للاستعمار كما العرب، وتخلصت منه في تاريخ متزامن تقريبا مع استقلال الدول العربية،كما كانت تعيش نفس المشاكل التي كان يعيشها العرب وربما اعقد بكثير نظرا لكثرة السكان لديهم ولضعف الإمكانيات والموارد الطبيعية عندهم،غير أن العرب لم يتمكنوا من تحقيق التنمية الشاملة وفشلت جميع تجاربهم التنموية أكانت رأسمالية أم اشتراكية أو غيرها، في حين استطاعت الكثير من الدول الاسياوية، سواء الإسلامية منها أو غير الإسلامية"الهند أو الصين أو ماليزيا واقل من ذلك اندونيسيا أي دول عدم الانحياز- دول مؤتمر باندونغ" وذلك بفضل نخبتها الحاكمة التي اختارت تجارب تنموية "نوعية" حققت من خلالها تقدما كبيرا في اغلب المجالات.

وتجمع الكتابات الأكاديمية وتحليلات الخبراء أن تجربة التنمية في دول أسيا الإسلامية وغيرها، التي كانت في أوضاع شبيهة بالدول العربية بعد استقلالها، قد تبنت فكرا تنمويا يقوم على الانفتاح الحذر والمشروط على السوق العالمية، تماما كما فعلت النمور الآسيوية الأربعة من قبلها، وذلك باعتماد إستراتيجية الإنتاج الوطني لتحل محل الواردات، ثم الانتقال إلى إستراتيجية التصدير المكثف للتنمية الصناعية من خلال تشجيع الصناعات التصديرية خلال حقبة السبعينات، في حين تم التركيز في النصف الأول من الثمانينات على التطوير والتحديث التقني من جهة، وتنمية رأس المال البشري من خلال تحسين المهارات لدى القوى العاملة وتحفيز القطاع الخاص لكي يلعب دوراً اكبر في عملية التصنيع والتصدير.

و تعتبر تجربة ماليزيا التي توصف "بالمعجزة" من إحدى أهم التجارب التنموية الناجحة في العالم الإسلامي إذ استطاع الاتحاد الماليزي خلال فترة زمنية وجيزة أي نحو عقدين من الانتقال من بلد مفتت إلى وطن موحد تحت سيادة نظام حكم ملكي غير وراثي يتناوب فيه سلاطين الولايات المكونة للاتحاد على اعتلاء العرش و التحول من بلد يعتمد بشكل أساسي على تصدير بعض المواد الأولية الزراعية إلى بلد مصدر للسلع الصناعية، في قطاع المعدات والآلات الكهربائية والإلكترونيات.. كما تميزت التجربة باحتفاظها بهامش كبير من الوطنيةالاقتصادية .

ويشير تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2001م رصد أهم 30 دولة مصدرة للتقنية العالية، كانت ماليزيا في المرتبة التاسعة متقدمة بذلك عن كل من ايطاليا والسويد والصين، كما كانت تجربتها متميزة في مواجهة أزمة جنوب شرق آسيا الشهيرة التي شهدها العام وهذا كما تبرز دولة الباكستان الإسلامية التي انفصلت عن الهند وتحولت إلى قوة نووية وعسكرية عملاقة برغم المشاكل السياسية و الاقتصادية والاجتماعية الحادة..

لقد اتجهت آسيا للعرب حتى قبل مجيء الراحل جمال عبد الناصر ثم تفاعلت مع التجربة الناصرية السياسية والتنموية غير أن هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر المبكر وما تلا ذلك من أحداث واحباطات ،إضافة إلى عوامل أخرى، قد دفعت الدول الإسلامية الصديقة والحليفة للعرب للبحث عن بدائل تنموية أخرى وفي الوقت الذي نجحت تلك الدول في تجاوز مشاكلها غرقت الدول العربية في مشاكل تبدو أكثر تعقيدا مما كان عليه الحال في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.أن البحث في الأسباب التي عرقلت العرب في تحقيق مشروع تنموي ناجح ومتكامل يتطلب مقالا على حدا.

ومن الثابت أن من أهم العوامل التي تقف وراء ذلك هي النخبة السياسية الحاكمة فالنظام السياسي العربي بجميع أشكاله وأنواعه يتحمل المسؤولية الأولى فرغم الإمكانيات الطبيعية والبشرية والإستراتيجية التي تتمتع بها الدول العربية غير أن النخبة الحاكمة أهدرت كل شيء ولم تكن في مستوى المسؤولية الحضارية التي تحملتها غصبا على المجتمع الذي همّشته وأهدرت طاقات أفراده...وعمقّت تأخره مقارنة بالشعوب القريبة منه لذلك علينا في القرن الواحد والعشرين أن نستبدل الاشكالية لم طرحها رجال اليقظة العربية من لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم إلى لماذا تأخر العرب و تقدم غيرهم من الأقوام.



Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً رد مع اقتباس