لم يعد بامكان الأمريكيين كما اعتاد مسؤوليهم، القاء اللوم على عناصر خارجية تهدد الأمن الأمريكي الداخلي، وهم ان فعلوا، فانما يفعلون ذلك على استحياء وبصوت خافت، تماما كما حدث في الذكرى التاسعة لاحداث 11 ديسمبر، حيث علت الاصوات التي تحدثت عن الارهاب الداخلي على الاصوات التي تعودت ان توجه اتهاماتها للخارج كلما وقع حادث أمني داخل الولايات المتحدة، تماما كما جاء في تقرير استخباراتي جديد نشر في الولايات المتحدة يوم الجمعة 10 سبتمبر/أيلول، أي قبل احياء ذكرى التفجيرات بيوم واحد، والذي أشار الى تنامي خطر ما وصفه بـ"الارهاب الداخلي". مع الاشارة كما أشرنا باستحياء الى ان السلطات الأمريكية لم تأخذ بجدية توسع الدور الذي يلعبه مواطنون أمريكيون داخل منظمات تابعة للقاعدة أو حليفة لها.
التقرير، الذي أعدته لجنة تضم كبار الخبراء القوميين الأمريكيين الذين شاركوا في لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر، أشار أيضا الى ان الولايات المتحدة تواجه تهديدا مستمرا يحمل في طياته مجموعة من الاعتداءات مرورا بتفجير السيارات والهجمات الانتحارية وصولاً إلى محاولات تفجير طائرات ركاب.
الاشارة الى خطورة الارهاب الداخلي، ترافق مع اعلان كنسية "دوف التبشيرية" في ولاية فلوريدا الأمريكية أنّ منظمة نصرانية مسلحة ستقوم على حماية مقرّها أثناء حملتها لـ"حرق القرآن" التي كانت مقررة في الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، مشيرة الى ان "جناح اليمين المتطرف"، وهي منظمة نصرانية مسلحة، ستقوم بحماية الحملة التي قالت: "إنها تستضيفها لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات، واتخاذ موقف معادٍ للإسلام" حيث سيقوم ما بين 500 إلى ألفين من عناصر المليشيا المدنية المسلحة، بحماية المقرّ في 11 سبتمبر".بحسب شبكة "سي إن إن"، مما أثار مجددا الجدل القديم – الجديد حول الارهاب الداخلي والمنظمات الأمريكية المسلحة الراعية لهذا الارهاب.
تاريخ طويل واتجاهات متعددة
لم تخضع عملية تشكيل المنظمات المسلحة والمتطرفة في الولايات المتحدة الى مؤثرات خارجية بالأساس، بل كانت نتاجا طبيعيا للثقافة العنصرية، وثقافة القتل التي بنيت عليها مداميك الدولة الأولى، حيث كانت عمليات التطهير العرقي، سمة من سمات شروط التأسيس، وعليه، انغرست الثقافة التي نادت بابادة الهنود الحمر، ومن ثم السود في وجدان وثقافة الأمريكيين، وأصبحت ملازمة لهم، سرعان ما تستثار عبر أي استفزاز حتى ولو كان عاديا.
واذا كان العديد من المنظمات المسلحة قد تشكل على أساس عرقي، فان منظمات أخرى تشكلت على أساس رد فعل على ظلم المؤسسات ، وعلى أساس التفرقة العنصرية، ورغم مضي أكثر من خمس قرون على تأسيس الدولة، والقول بأن مظاهر العنصرية خاصة ضد العرق الأسود قد بدأت بالتلاشي، الا أن الداخل الأمريكي لا يزال يعاني من هذه العنصرية التي لم يوقفها وصول رئيس أسود الى البيت الابيض.
المنظمات المسلحة التي تتشكل على أساس ردود الفعل التي تقوم بها مؤسسات الدولة، ليس بالضرورة أن تكون مبنية على أساس العرق أو الدين، فالفقر أيضا يلعب دورا مهما في دفع الفقراء لمحاولة التمرد، وهذا ليس استنتاجا، بل هو حقيقة ميدانية، ففي دراسة حديثة تتناول الحاضر الأمريكي للباحث الإجتماعي الأمريكي " لويل فاكنت" يقول: " وواقع الأمر أن الولايات المتحدة قد اختارت أن تبني لفقرائها بيوت اعتقال وعقاب بدل المستوصفات ودور الحضانة والمدارس.
هكذا ومنذ عام 1994 تخطت الموازنة السنوية لدائرة السجون في كاليفورنيا "المسؤولة عن مراكز الإعتقال للمحكومين الذين تتجاوز عقوبتهم السنة الواحدة" الموازنة المخصصة لمختلف فروع جامعة الولاية فقد تقدم الحاكم "بيت ويلسون" عام 1995 بمشروع موازنة يلحظ فيه إلغاء ألف وظيفة في التعليم العالي من أجل تحويلها الى ثلاثة آلاف وظيفة حارس سجن جديدة ، والسبب واضح فمثلا في 22/8/1999 أعلنت وزارة العدل الأمريكية " أن عدد البالغين المسجونين أو الذين خارج القضبان بكفالة بلغ عام 1998 خمسة ملايين و900 ألف شخص، وتعني هذه الأرقام أن 3 في المائة من الأمريكيين مع نهاية عام 1998 إما يكونوا داخل السجن وإما خارج القضبان بكفالة.
وأيضا.. يكتب أحد كبار صحافيي نيويورك متعجبا : " هناك حرب حقيقية في شوارع الولايات المتحدة. ويسقط قتلى بالرصاص ما يقارب 45 ألف شخص كل تسعة عشر شهرا، وهو العدد نفسه الذي سقط خلال تسعة أعوام من حرب فيتنام ، هذا يكشف أمراض المجتمع الأمريكي المستعصية، و العنصرية المتفشية في داخله، والتباينات الإجتماعية الواضحة، إن دل هذا على شيء فانه يدل على تفجر اللحمة الأسرية، وإفلاس النظام التربوي، واستشراء المخدرات، وعن عدم فاعلية النظام القضائي، وعن قوة اللوبيات المدمرة داخل المجتمعات الأمريكيه، وهذا يدل ايضاعلى الإرهاب الدموي الذي يطال مختلف الشرائح والطبقات، فمثلا في سنة 1991 قتل الإرهاب الداخلي الأمريكي 38317 شخص وجرح 175 ألف شخص، هذا يعني حصول 105 قتيلا في اليوم الواحد ، اما عن حال المجرمين، فتقول دراسة أجريت على مستوى الولايات كلها، هناك 108 ألف مجرم تم إيقافهم حوالي 109 مليون مرة، هذه الشرائح جميعها، تكون سهلة الانقياد لتشكيلات المنظمات المسلحة بغض النظر عن اتجاهاتها.
العصابات المسلحة
لا تقتصر التشكيلات المسلحة عل المنظمات أصحاب الرؤى الأيديولوجية، وانما هنالك العصابات المنظمة المستعدة لفعل أي شئ مقابل المال، وأحيانا هنالك التشكيلات المشتركة التي تجمع ما بين الأيديولوجيا والجريمة المنظمة بهدف الكسب، وبحسب تقرير رسمي صدر حديثا بعنوان "ضحايا العنف في القوانين الأمريكية" تحدث الكاتب "ليونارد جيفري" عن أن في أمريكا 5500 عصابة مسلحة معروفة تنتشر اليوم ،وبعضها منظم وله أفرع في كل الولايات المتحدة، وتقوم هذه العصابات أو الميليشيات بـ 25 ألف عملية قتل في السنة، والقتلى غالبيتهم من السود، ومؤخرا ..أخذت هذه الميليشيات تبني دولها و قوانينها الخاصة بها داخل الولايات المتحدة ، وهي محمية بكميات كبيرة من الأسلحة المتطورة ، كما ان لهذه الميليشيات نفوذها الانتخابي والاجتماعي، و هي تمارس العنف الهستيري، وتطمع إلى تجهيز جيش للزحف على البيت الأبيض وتدمير الحكومة الفيدرالية فيه واحتلال البلاد.
في هذا السياق، يلعب الاقتصاد دورا بالغ الاهمية في تجنيد الافراد، خاصة وان هذا الاقتصاد، يعاني من تدهور ربما يتطور الى كارثة مالية جديدة، اذ ان 65 بالمئة من الأمريكيين يعتقدون ان هناك انكماشا جديدا سيحدث، وعلى مدى أبعد، تبدو فكرة أن الولايات المتحدة "في حالة انهيار" راسخة ، فقد أفاد استطلاع لصحيفة وول ستريت جورنال ومحطة ان بي سي قبل أسبوع، ان 65 بالمئة من الأميركيين يؤمنون بذلك، كما أكد كاتب الافتتاحية في صحيفة نيويورك تايمز ديفيد بروكس ذلك حين قال في افتتاحيته "هذا صحيح، المشاكل الاقتصادية الحالية بنيوية ومشاكل السوق عميقة ولا يمكن معالجتها"،مشيرا الى ان الولايات المتحدة تفقد تفوقها كما حدث لبريطانيا قبل قرن واحد، فيما توقع الكاتب في الصحيفة الاقتصادي بول كروغمان حائز جائزة نوبل للاقتصاد في 2008 "اسوأ من ذلك.. اذا اعطى الناخبون أصواتهم الى الجمهوريين"، اذ قال: "لا يمكن ان نقدر الى اي حد ستكون مدمرة اذا طبقت الاقتراحات الاقتصادية التي تقدم بها زعيم المعارضة في مجلس النواب جون بورنر"، موضحا أنها تعني "عددا أقل من الوظائف ومزيدا من العجز وهو مزيج مثالي".
المنظمات الارهابية ذات الرؤية الأيديولوجية
منظمات الإرهاب الأمريكي. لها أيديولوجيتها السياسة الخاصة بها، فهي تعتبر أن الحكومة الأمريكية فاسدة وتتألف من مجموعة من اللصوص، مجموعة خانت أهداف الثورة الأمريكية ،ورهنت الولايات المتحدة للبنوك العالمية، لذلك ينبغي على أفرادها أن يبقوا متأهبين، ومحتفظين بأسلحتهم ، بعض المنظمات مقتنعة بوجود مؤامرة كبيرة مدبرة في واشنطن ، تهدف إلى جلب جحافل من الأمم إلى الأرض الأمريكية ليعملوا أجراء لدى أصحاب رؤوس الأموال خاصة من خارج نطاق العنصر الأبيض، وهذا ما يؤدي بدوره إلى اضطهاد اليد العاملة الأمريكية الأصلية ، وهناك منظمات تدعي أنها المدافعة الأخيرة عن العنصر الأبيض، ومنظمات تؤمن بخرافة عودة المسيح المنتظر، ومنظمات لا تستطيع معرفة أيديولوجيتها للتداخل في أفكارها وغموض هذه الأفكار.
في 30/1/1995 نشر تقرير في "USA ToDay"يقول: في عام 1994 ظهرت ميليشيات في أكثر من 24 ولاية اجتذبـت 50 ألف عضو، محذرا من هذه الميليشيات "العسكرية المحترفة" والتي تناهض الحكومة الفيدرالية العداء، وتفسر الدستور الأمريكي بالمعنى الحرفي، كما اكد تقرير صدر عام 1998 عن مركز "ساوترن بوفرتي لوسانتر" المتخصص في مراقبة التحركات المعادية للحكومة الفيدرالية، أن المجموعات التي تحرض على الحقد هي "المنظمات الصهيونية، ومنظمة فروة الرأس، والمدافعون عن تفوق العرق الأبيض، ومنظمة الهوية المسيحية" .
بحسب مجلة التايمز ، فإن نسبة الميليشيات ،ارتفعت ما بين 1996و 1997 إلى 20% ، وقد أصدرت المجلة ملفا كاملا عنها ، وأوردت أسماء أخطر عشرين منظمة تنتشر في أنحاء الولايات المتحدة.
يقول ميتشيل هاميرز أحد خبراء الجامعة الأمريكية في واشنطن: " أن الإرهاب الداخلي يشكل تهديدا متزايد وهو أكثر تنظيما في أوساط الميليشيات… أنهم لا يستعملون فقط قنابل بسيطة كتلك التي استخدمت في أوكلاهوما سيتي، ولكن مخازنهم تتضمن أسلحة دمار أكثر تطورا من الأسلحة الكيمياوية أو البيولوجية المعروفة، وفي جلسة خاصة للكونجرس الأمريكي في مايو من عام 1995 حذر ثلاثة من كبار المسؤولين الأمريكيين من تعاظم خطر الإرهاب المحلي مشيرين إلى أن الرعايا الأمريكان أصبحوا يواجهون خطر الإرهاب المحلي أكثر من الإرهاب الخارجي المدعوم خارجيا.
في 20-4-2005 ، كشفت محطة "إي. بي. سي" التلفزيونية الأمريكية عن مضمون وثيقة سرية أعدها مكتب التحقيقات الفيدرالية، فقد حصرت الوثيقة 22 منظمة إرهابية تهدد الولايات المتحدة داخلياً كلها منظمات أمريكية بالكامل.
منظمات بلا رؤى وهويات واضحةتكشف طبيعة هذه المنظمات الإرهابية الأمريكية عن أن الأخطار الإرهابية التي تواجه الولايات المتحدة ليست مستوردة، إذ أن 21 من هذه المنظمات مسيحية متطرفة أو بلا هوية دينية واضحة.
وقد كشفت دراسة مختصة، عن أن أخطار الإرهاب التي تواجه الولايات المتحدة لا صلة لها بما سمي بـ "صراع الحضارات"، إذ أن المنظمات الأساسية على قائمة المكتب تكشف عن أن مشكلة الولايات المتحدة - على صعيد التهديدات الإرهابية على الأقل - هي بسبب عوامل داخلها تفصح عنها طبيعة المنظمات الأساسية التي تخشاها السلطات الأمنية الأمريكية ، وأول هذه المنظمات هي منظمة "الأمة الآرية" التي تقول الدراسة إنها تمتد بسرعة غير عادية في أنحاء الولايات المتحدة إلى حد أنها توجد الآن "تحت الأرض" في 49 ولاية، يلي ذلك منظمة "التحالف الوطني" وهي أيضاً منظمة سرية تنتشر تحت الأرض لاسيما في الولايات الجنوبية، وتتبنى كل تلك المنظمات مواقف عنصرية ، وبالإضافة للمنظمات الإرهابية السابقة، فإن هناك تقريبا ثلاثمائة ميليشيا بيضاء عنصرية تندد بالحكومة الفدرالية وسياساتها الداخلية والخارجية وتنادي بالانقلاب على هذه السياسات وتحرّض أتباعها على الثورة ضد الحكومة الفدرالية في واشنطن وتحطيم الاتحاد بين الولايات لأنه ـ في رأيها ـ يخدم الطاعون الليبرالي حسب تعبير وليام بيرس المسؤول الكبير في الحزب النازي الأمريكي الذي نشر مذكراته تحت عنوان "يوميات تيرنر". هذه الميليشيات الثلاثمائة مسلحة وتنتشر في الوسط الغربي من الولايات المتحدة حيث المناطق الزراعية والحقول الشاسعة والبراري التي يسهل تخزين السلاح فيها.
تقوم هذه الميليشيات المسلحة بتدريب أعضائها على السلاح بالذخيرة الحية وأحيانا ـ بعلم السلطات المحلية ـ التي تغض الطرف خوفاً من المشاكل مع هذه الميليشيات، لقد حصل تيموثي ماكفيه الذي قام بتفجير المقر الفيدرالي في أوكلاهوما 1995 على كل مواد التفجير من هذه الميليشيات المنثورة في حقول الوسط الغربي فحصد في لحظة واحدة 168 أمريكيا وأمريكية ، فيما وجه الاتهام في حينها للعرب قبل ان تنجلي الحقيقة.
الثقافة الإرهابية التي انغرست في نفوس الامريكيين منذ الميلاد، تحولت الى منهج يستخدم ضد الداخل الامريكي والخارج على حد سواء، لكن يبدو أن الإرهاب الداخلي وباعتراف الكثير من المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة الامريكية، أن الارهاب الداخلي هو أخطر بكثير مما يقال عن الارهاب الخارجي، وانه ما لم ينظر الى هذا الارهاب بجدية، فإن على الولايات المتحدة السلام!! وهذا لن يتأخر كثيرا.
Alarab Online. © All rights reserved.