مرة أخرى تسيطر الشكوك على المفاوضات المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والتي بدأت في واشنطن ثم استؤنفت في شرم الشيخ، والباعث على ذلك هو الرفض الإسرائيلي لتمديد مهلة تجميد الاستيطان التي تنتهي في 26 سبتمبر الجاري وإصرار المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل على سرية المفاوضات رغم الهالة الإعلامية التي تحيط بها.
قضية الاستيطان ليست المشكلة الوحيدة التي تعيق أي تقدم في العملية التفاوضية، بل هناك قضايا خلافية متعددة، ففي حين نجد أن الوفد الفلسطيني يبدي تمسكا بضرورة مناقشة مسألة ترسيم الحدود والالتزامات الإسرائيلية المتعلقة بها، تطالب إسرائيل بمناقشة الضمانات الأمنية التي تقدمها السلطة الفلسطينية لتل أبيب.
والحقيقة أن الخلافات في المطالب بين الجانبين ليست وليدة هذه الجولة من المفاوضات، بل هي حاضرة في كل تفاوض سابق ولم تعرف طريقها إلى الحل نتيجة لتلكؤ إسرائيلي لا يعير الحقوق الفلسطينية أي اهتمام مدعوما من سياسة أمريكية تنتصر لإسرائيل ظالمة أو مظلومة، ونتيجة أيضا لغياب ميثاق وطني فلسطيني مبني على مقاربة موحدة تضع الأولويات الفلسطينية في المقام الأول.
إن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي المستمر منذ سنوات طويلة لا يمكن له أن يعرف طريقه للحلحلة ما دامت إسرائيل متمسكة برؤيتها الاحادية وعدم اعترافها بشرعية المطالب الفلسطينية، فقضية القدس وقضية اللاجئين وقضية الأسرى وقضية الاستيطان كلها مسائل لا يمكن لأي وطني فلسطيني التنازل عنها أو المساومة عليها، ذلك أنها قضايا جوهرية تمس الوجود الفلسطيني أصلا.
إن مفاوضات السلام التي قالت حماس بأنها غير شرعية ولا تمثل الشعب الفلسطيني يجب أن تخرج من دائرة التجاذبات السياسية المصلحية، فإن كان البعض يرى فيها أنها لا تمثل سوى سلطة عباس وهرولته نحو تسوية نهائية مدفوعا برغبة أمريكية حتى وإن كانت على حساب الحق الفلسطيني، فإن البعض الآخر يذهب إلى وصفها بالعملية العبثية التي لا طائل من ورائها ما دامت الحكومة العبرية متمسكة بموقفها الرافض لأي تنازل برغم الضغوطات الأمريكية وتنقلات جورج ميتشل من مكان إلى آخر.
التجربة الفلسطينية في التفاوض تجربة غنية بالمآثر والحكم والنتائج التي لا تفهم إلا في سياق واحد هو سياق التعنت الإسرائيلي والرفض الدائم للمطالب الفلسطينية. تلك الحكم يجب أن يستفيد منها الفلسطينيون ويوظفوها في كل تفاوض جديد. أما الذهاب إلى مفاوضات نتائجها معروفة سلفا فذلك لم يعد مقبولا من طرف الشعب الفلسطيني. فكيف تقنع جانبا هام من الشعب الفلسطيني بجدوى العملية التفاوضية وهو يرى أشقاءه في غزة محاصرين ومحرومين من أبسط مقومات الحياة، ويمني النفس بإطلا ق سراح شقيق له أو أخ أو أب أو ابن عم من الأسر، كما يمني النفس بعودة الأهل المشردين في الشتات منذ سنين؟!
المفاوضات الأخيرة لن تخرج نتائجها عن مثيلاتها نظرا للعديد من المعطيات، منها: الاستيطان السرطاني المستمر ليل نهار؛ والفرقة الفلسطينية في الرؤية للمشهد السياسي الحالي، تلك الفرقة التي لن تمكن الشعب الفلسطيني من الوصول إلى نتائج تذكر، وذهاب سلطة عباس إلى المفاوضات بدون مقاربة فلسطينية موحدة سبب كاف لفشلها..
Alarab Online. © All rights reserved.