عرض مشاركة واحدة
قديم 14-Sep-2010, 08:43 AM   رقم المشاركة : 515
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة )

اقتباس:
انسحب الجيش الأمريكي من العراق؟!





ثابت العمور:



بعد سبع سنوات على احتلالها للعراق شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في إنهاء المهام القتالية لقواتها الذي أذاقت العراقيين الويلات في أبشع احتلال يمكن أن يشهده العالم في القرن الواحد والعشرين، وقد رصدت وسائل الإعلام انسحاب القوات الأمريكية وهي تخرج من العراق لتدخل "بلدا عربيا" آخر مجاورا، ولا يعلم إن كانت هذه القوات ستبقى مطولا في ضيافة هذا البلد أم ستعود للديار الأمريكية، وهو الأمر لم يعلن عنه بعد ولم يشرع في ترحيل القوات المنتهية مهامها في العراق، وبالتالي قد يكون إنهاء المهام في العراق إعلانا ببدء المهمة "القذرة" في مكان آخر.

المشهد بدا وكأنه انسحاب أو خروج ولكن مع وقف التنفيذ، فلا زال 50 ألف جندي أمريكي يربضون في العراق، بذريعة إعداد وتدريب قوات الأمن والجيش العراقي، والسؤال ألا تكفي سبع سنوات من الاحتلال لتدريب هذه القوات؟ وهل يحتاج بلد كالعراق إلى وجود هذا العدد من الجنود ليقوموا بتدريب جنوده؟ وعلى ماذا يدرب الجيش العراقي؟.

الحقيقة أن هذه القوات ليست تدريبية أو استشارية بل هي قوات كوماندوز تتبع لشركات خاصة تحترف القتل والخراب والتدمير ومدربة على تنفيذ عمليات الاغتيال وتنفيذ العمليات العسكرية الهجومية.. علّ الصورة تكون اتضحت وانقشع الغبار عن الخديعة.

توقيت الخروج الأمريكي مدروس بعناية فائقة، لأنه جاء والمشهد العراقي يعيش على حدود الكارثة بالمعنى الكامل، فهناك تناحر سياسي قد يتطور ليصبح عسكريا، أو العكس، وهو قابل لكل الاحتمالات بعد ميراث سبع سنوات من الاحتلال، أدت لشحن الأجواء والبغضاء والافتراق بين مكونات العراق الاجتماعية، السنة والشيعة والأكراد، ويأتي بعد مضي ستة شهور على الانتخابات العراقية، ورغم ذلك لم ينجح العراقيون في تشكيل الحكومة والاتفاق عليها.

بعض الدول العربية تعيش أجواء الاحتقان رغم وجود الحكومة فكيف ببلد لا توجد به حكومة، ويفتقر لأدنى متطلبات الحياة من ماء وكهرباء، حتى وإن شكلت الحكومة العراقية فإن الإرث الذي تركه الاحتلال الأمريكي كفيل بتفجير المجتمع وليس الحكومة فقط، ولا نغفل هنا موضوع النفط الذي حرمت عائداته على الشعب العراقي.

الخروج الأمريكي من العراق مطلب لكل الأحرار والثوار في العالم ولكل العراقيين، لكنه خروج مشبوه يستهدف شحن التوتر وفي هذا الوقت تحديدا بين الأكراد والعرب حول منطقة كركوك، وإحداث حالة من الاشتباك بين قوات البشمركة والقوات العراقية قد يتطور بانضمام السنة والشيعة للمواجهة وينتقل إلى إقليم كردستان وتصبح حربا عرقية وربما دينية مذهبية، وهو ما يذكر بأحداث عامي 2006 و2007. وبالتالي فإن أحد أهم الأهداف الأمريكية هو إشعال برميل البارود بين العراقيين وترقب مزيد من الانفجارات، ولكن يبقى هذا الهدف رهنا بقدرة العراقيين على ضبط خلافاتهم والقدرة على امتصاص المحاولات الأمريكية الهادفة لضرب الاستقرار الشعبي والاجتماعي والسياسي والعرقي والمذهبي للعراقيين.

وهذا لا يعني أن الخروج الأمريكي قد يكون مبكرا أو متأخرا، فالأصل ألا يكون موجودا من الأساس، أما وقد حدث ما حدث فإن استقرار العراق الداخلي وخروجه من الكبوة لا يمكن أن يصنعه بقاء قوات الاحتلال الأمريكي، بقدر ما هو صناعة عراقية بحتة أداتها الإرادة الداخلية والإدارة الحقيقية البعيدة عن التدخلات والإملاءات الخارجية.

تلك هي عينة من الأهداف الأمريكية للخروج من العراق، ولكن ما هي الأسباب؟ بمعنى آخر لماذا قررت القوات الأمريكية الخروج؟:

السبب الأول شخصي، متعلق بالإدارة الأمريكية الديمقراطية الحالية، كأنها تريد القول بأن باراك أوباما أوفى بوعوده الانتخابية، رغم أنه وعد أيضا بالخروج من أفغانستان، لكن الوقائع تثبت عكس ذلك، ما يحدث هو فقط إعادة انتشار لا غير، وقد يكون الخروج من العراق توغلا أكثر في أفغانستان.

السبب الآخر التكاليف المالية للاحتلال رغم أنهم سرقوا خيرات العراق ونفطه، إلا أن أوباما على ما يبدو يريد توجيه هذه السرقات للضمان الصحي والرعاية الاجتماعية وتقليل الضرائب وتخفيف الأعباء عن الميزانية الأمريكية.

والسبب الأكثر أهمية للانسحاب هو إحداث نقلة نوعية في السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة بهدف تعزيز الثقة والمصداقية، خاصة بين إدارة أوباما الديمقراطية والرأي العام الأمريكي على نحو قد يساعدها ولصالحها في انتخابات الكونغرس المقبلة، لتعود بعد انتهاء الانتخابات لوضع سيناريو العودة لدخول العراق من جديد. وهذا السيناريو تراه غالبية وجهات النظر العراقية التي وصفت الخروج الأمريكي بأنه مصطنع يهدف لتضليل العراقيين والعرب والعالم.

أنهت القوات الأمريكية مهامها في العراق وانسحبت لكن دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة أو غير المعلنة، ذهبت تباشير بوش الابن مهب الرياح، ولم يحصل الأمريكيون على صك تنازل أو استسلام من العراقيين حتى من الذين قدموا على ظهور الدبابات الأمريكية، وبالتالي لم يتحقق أي نصر ولم يسيطر على العراق أو لم يخضع للاحتلال رغم كل ما تعرض له العراقيون، ولا زالت المقاومة العراقية قوية وتضرب القوات الأمريكية في العمق وتبعث بجثثهم للديار، فكان مشهد خروجهم إعلانا بنصر ثابت وواثق للمقاومة العراقية نتمنى أن يكتمل، وأن تقطع كل الذرائع التي قد تدفع الأمريكيين للعودة مرة أخرى للعراق وأهمها إفشال أي محاولة للحرب الأهلية، حتى لا يعود الاحتلال بذريعة "إنقاذ العراقيين".

ختاما فإن الخروج الأمريكي المصطنع من العراق يذكر بما حدث في كوريا الجنوبية عندما أنهت القوات الأمريكية مهامها هناك منذ ستين عاما، ورغم ذلك لا زالت الولايات المتحدة تحتفظ بما يزيد عن ثلاثين ألف جندي أمريكي على الأرض الكورية، فهل يتكرر المشهد ذاته في العراق؟، هل ستبقى القواعد الأمريكية هناك؟ هل يمكن أن تقبل الولايات المتحدة بعراق قوي وحر ومزدهر ومستقل؟ هل يقبل الكيان الصهيوني بعودة البعبع العراقي من جديد؟ عل إجابة هذه التساؤلات تكون كافية لفهم حقيقة الخروج الأمريكي من العراق.



Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

  النسر متواجد حالياً رد مع اقتباس