بقلم الدكتور محمد موسى الشريف
ذكرت في الحلقة الماضية تاريخ التتار في روسيا حتى ظهور الثورة البلشفية الشيوعية الملعونة سنة 1336هـ/ 1917م، وقد ابتدأت هذه الثورة الملحدة باستمالة الشعوب الروسية ومنها المسلمون الذين وُعدوا وعوداً معسولة مالبثت أن ذهبت أدراج الرياح، فقد وعدوا بالحريات، ونادى فيهم لينين بالتحرر من القهر، وسلمهم مصحف عثمان رضي الله عنه المحفوظ في طشقند اليوم ومنّاهم ووعدهم لكن {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}، وأدت الثورة إلى قمع المسلمين وتهجير كثير منهم؛ وقتل أكثر قادتهم وزعمائهم حتى الذين انخدعوا بالشيوعيين وتعاملوا معهم، وفعل الروس الشيوعيون بالمسلمين الأفاعيل الهمجية المتوحشة، وكان نصيب التتار من ذلك وافراً.
وفي سنة 1339/ 27مايو-أيار 1920 أعلنت منطقة تتار الفولجا "جمهوريةَ تترستان الاشتراكية السوفييتية" وعاصمتها قازان، وفعل الشيوعيون بالبلد الأفاعيل، فدمروا المساجد، ونشروا الإلحاد والفساد، واشتريت الذمم، وصار الرجل يخاف من زوجه وأبيه وابنه وأخيه، ومنع تعليم العربية والإسلام، وعوقب على ذلك بالإعدام، وفي سنة 1939 بلغ عدد المساجد التي أغلقت في تترستان 574 مسجداً، وفي سنة 1941 لم يبق إلا 120 مسجداً فقط، وخاف الناس من دخول المساجد فصارت فارغة، وفي سنة 1990 كان في قازان مسجد واحد فقط، أما المدارس فحدث عن تخريبها ولا حرج؛ فقد بلغ عدد مدارس منطقة قازان قبيل الثورة الشيوعية الملعونة 967 مدرسة، وعدد طلابها 79496 طالباً وذلك سنة 1913، لكن بعد الثورة أغلقت جميع المدارس الدينية ولم يبق لها وجود، والكلام فيما فعله الشيوعيون في تترستان يطول لكن حسبي ما أوردته.
وأذن الله تعالى بالفرج لمسلمي تترستان يوم أن أوشك الاتحاد السوفييتي الهالك على السقوط فاجتمع مجلس السوفييت التتري في 20 أغسطس/ آب سنة 1990 ليعلن سيادة الدولة الإقليمية فيما فسر بأنه إعلان استقلال، ولم يكن الروس وقتها قادرين على فعل شيء، وفي ديسمبر 1991 انهار الاتحاد السوفييتي الهالك -ولله الحمد والمنة- وفي 21مارس سنة 1992 جرى استفتاء في تترستان حول سيادة الدولة على إقليمها فاختار 62.4% من المشاركين في الاستفتاء السيادة، وفي 12 ديسمبر سنة 1993 رفضت تترستان تنظيم انتخابات برلمانية على أرضها حول معاهدة الدستور والاتحاد مع روسيا التي أصبحت تعرف بـ "الاتحاد الروسي" بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن أكثر قادة التتار رأوا أنه من غير الممكن الاستقلال الكامل عن روسيا لأسباب منها: عدم وجود منفذ بحري، ولأن هناك سبع جمهوريات ووحدات إدارية روسية تحيط بها من كل جانب فوقعت مع موسكو معاهدة في فبراير سنة 1994 تعترف بموجبها تتارستان بأنها جزء من الاتحاد الروسي لكنها جمهورية فيدرالية لها حكم ذاتي، ومنذ ذلك الوقت أقبل التتار على بناء المساجد فبعد أن كان في قازان مسجد واحد صار فيها اليوم عشرات المساجد، وبلغ عدد مساجد تترستان اليوم 1300 مسجد ولله الحمد والمنة، ورمم التتار مساجدهم القديمة وعلى رأسها مسجد "قُل شريف" الذي زرته وصليت فيه الجمعة، وسأذكر هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى، وهو مسجد قديم أنشىء قبل احتلال إيفان الرابع -الرهيب- لقازان سنة 1552، وقد استغرق ترميمه تسع سنوات تقريباً من سنة 1996-2005، ومن أشهر مساجد قازان جامع شهاب الدين المرجاني الذي أسس عام 1770 ولم يكن اسمه جامع المرجاني وإنما سمي بذلك لأن أشهر علماء التتار شهاب الدين المرجاني صار إماماً له سنة 1850 فسمي بعد ذلك باسمه، وفي قازان اليوم عشر مدارس إسلامية رسمية مرخص لها لكنها غير معترف بشهادتها سوى المدرسة العثمانية، ومنها "المدرسة المحمدية" وقد زرتها واجتمعت ببعض طلابها وأساتذتها، وفيها موجه مصري نابه يسمى محمد محمود عبدالله، وهو أستاذ في جامعة قازان الحكومية، ومعهد اللغات الشرقية، وهو موجه في المدرسة المحمدية، ومشرف في المركز الثقافي العربي، وقد احتفلت المدرسة سنة 2007 بمرور 125 عاماً على إنشائها، وقد أسسها العالم التتري المفتي عالم جان بن محمد جان بارودي في قازان، وقد أغلقت المدرسة بعد الثورة الشيوعية بسنة واحدة سنة 1918، وكان عدد من تخرج فيها من الطلاب إلى ذلك الوقت ألف طالب بل يزيدون وبعد مصادرة الشيوعيين للمدرسة حولت إلى مدرسة صناعية، ثم أعيد افتتاحها سنة 1993 في أكتوبر، في غرفتين مستأجرتين في قصر لينين للثقافة لأن المدرسة لم تكن قد استردت بعد، فقد اكتمل استردادها سنة 1997، وفي سنة 1994 استقبلت المدرسة الطالبات في قسم منفصل عن الطلاب بلباسهن الشرعي فكان ذلك بدءاً لظهور الحجاب في قازان ولله الحمد والمنة، وأشرفت على المدرسة مؤسسات عديدة كان آخرها مؤسسة طيبة من سنة 1995-1997 ثم جمعية الإصلاح الاجتماعي الكويتية من سنة 1998-2003.
والمدرسة المحمدية هي معهد عالٍ وليست مدرسة، فهي تقبل الطلاب بعد الثانوية ويدرسون فيها خمس سنوات، وفيها دراسات مسائية أيضاً ودراسات بالانتساب، وللمدرسة أثر جيد في المجتمع القازاني بل التتري، فمن مهماتها تخريج الأئمة لمساجد تترستان البالغة ألفاً وثلاثمائة مسجد، وكذلك ملء الفراغ في المؤسسات الدينية المختلفة، والاهتمام بالنساء -وكل الطالبات محجبات- والدعوة إلى الله تعالى في وسائل الإعلام والمدن والقرى، والتصدي للأفكار المنحرفة التي تغزو المنطقة، وترسل المدرسة بعض الطلاب للدراسة في بعض الدول العربية ولأداء الحج، وهي اليوم تعاني من مشكلة مالية فقد تخلت عنها الجمعيات الإسلامية التي منعت من العمل في روسيا، واضطرت المدرسة لإنقاص عدد الطلاب المقبولين كل عام فيالله لِلمسلمين.
وقد زرت الجامعة الإسلامية في قازان وقد أنشئت من قرابة عشر سنوات وفيها اليوم أربعمائة طالب، ومديرها أستاذ لطيف لبق يسمى رفيق محمدشن، وقد مَوّل بناءها البنك الإسلامي للتنمية، وتخرج الجامعة الطلاب الذين يعملون في المؤسسات الدينية المختلفة، وقد اجتمعت بالمدير وسألته أسئلة متنوعة وقد بين لي أن في الجامعة كليتين: كلية للعلوم الإسلامية وكلية للإلهيات، وأهداني كتاباً عن قازان باللغة الإنكليزية استفدت منه كثيراً، وأهداني خمس مجلدات عن بعض أعلام التتار وكانت هدية ثمينة جداً، وذلك لأنني لما عكفت على دراسة تاريخ المنطقة لم أجد من المعلومات عنها وعن أعلامها إلا أقل من القليل، وذلك باللغتين العربية والإنجليزية، وهذه المجلدات الخمس باللغة الروسية لكن سأعمل على ترجمتها إن شاء الله وذلك للاستفادة مما فيها من أخبار أعلام التتار الذين أريد نشر أخبارهم في الحلقات التي أقدمها عن أعلام المسلمين في القنوات الفضائية إن شاء الله تعالى، والجامعة ناشئة وبحاجة إلى منحها منحاً من جامعات الدول العربية والإسلامية ليكمل طلابها مسيرتهم العلمية، وتكمن أهميتها البالغة في أنها جامعة اتحادية لكل روسيا وأنها إسلامية ومعترف بشهادتها فأين أغنياء المسلمين منها؟!
وقد زرت جامعة تترستان الحكومية للعلوم التربوية والإنسانية، وقابلت عميدة كلية اللغات الشرقية وهي رئيسة قسم اللغة الإنجليزية أيضاً!! وكانت تتكلم الإنجليزية بطلاقة وهذا مما أسعدني وأمكنني من الحديث معها مباشرة؛ إذ يقل في التتار من يعرف العربية أو الإنجليزية، وهي امرأة خمسينية شهلة لكنها غير محجبة فنصحتها أن تتحجب فوعدت خيراً، ثم قلت لها كيف يكون 90% من البنات في الجامعة من المسلمات وهن غير متحجبات فقالت لي لأن هذه الجامعة جامعة حضارية!! فقلت لها إن الإسلام هو الحضارة الحقة والحجاب فريضة فأحرجت وتخلصت من النقاش هذا إلى نقاش آخر حول الجامعة وأقسامها، ثم وصفتني بأني رجل جاد جداً!! ولا أدري لماذا مع أني كنت أبتسم بين الفينة والأخرى مع المتحدثين معي ممن كانوا في مكتبها، لكن يبدوا أن للباس أثراً في ذلك، وهذا لأني أحرص على لباسي العربي ولا أغيره في سفري للبلاد الإسلامية مهما رآه الناس هناك غريباً، وذلك لأنني أظن أنه من المهم أن يرى الناس اللباس العربي الذي ربما لم يره أكثر القازانيين في حياتهم، لأنهم لم يخرجوا من بلادهم إلا في النادر وليس عندهم قنوات عربية أو إسلامية فمن أين لهم أن يروه، وأريد من لباسي هذا أن يلفت نظرهم ليأتوا إلي ويناقشوني ويسألوني فيكون هذا مدخلاً لدعوتهم، والله أعلم.
وقد رأيت في مكتبها أستاذاً تتارياً يتكلم العربية بطلاقة، وهو من تتار القرم وليس من تتار الفولجا وهم شعب واحد لكن بعضهم سكن تترستان وبعضهم سكن القرم وهي اليوم تابعة لجمهورية أوكرانيا، واسم هذا الأستاذ القرمي سعيد هبة الله كامل، وهو أستاذ في الحضارة الإسلامية ومهتم باللغة العربية وربطها بالقرآن والإسلام، وهو أيضاً عضو في "الايسيسكو" وهي المنطمة الإسلامية للتربية والثقافية والعلوم ومقرها في الرباط، وقد جود العربية بجولانه في البلاد العربية وحضوره المؤتمرات، وقد بشرني بأن هناك خمسة وعشرين مجلداً ستظهر قريباً عن تاريخ المفكرين والعلماء المسلمين في روسيا باللغة الروسية فسررت وذلك لندرة المصادر والمراجع التي تتحدث عن تاريخ الإسلام والمسلمين في روسيا، وقد زرت فصلاً دراسياً في هذه الجامعة وتحدثت إلى الطلاب والطالبات فيه.
وفي هذه الجامعة مركز ثقافي عربي يقوم عليه الدكتور اليمني محمد العماري، وهو من المقيمين في قازان منذ عشرين سنة وهو من العاملين الناشطين، وقد استقبلني في مطار قازان ثم دار بي على عدد من المراكز والمساجد والمدارس، وتعب كثيراً فجزاه الله تعالى عني خير الجزاء، ومركزه هذا بأمس الحاجة للدعم فهو ذو أثر مهم في تعليم اللغة العربية والدعوة إلى الله تعالى خاصة أنه يقبل الطلاب المسلمين والكفار، والمركز يرسل الطلاب إلى سوريا في دورات بجامعة تشرين باللاذقية، وفي المركز دراسات مسائية للغة العربية لمدة ثلاث سنوات، وقد تأسس سنة 1413/1993.
ثم أخذتني هذه العميدة إلى مدير الجامعة الذي تحدث معي عن طريق مترجم وهو الدكتور محمد العماري -الذي ذكرته آنفاً- عن هموم الجامعة وعن وجوب مساعدتها من قبل الجامعات العربية فوعدته أن أسهل له عقد اتفاق مع جامعة الملك سعود في الرياض -إن شاء الله- لترسيخ الدراسات العربية.
هذا وقد ذهبت بي العميدة إلى المركز الفارسي الإيراني الثقافي في الجامعة وأرتني كتبه فحذرتها من الخطر الشيعي، وبينت لها أن للقوم أهدافاً من وراء ذلك وهو زرع نبتة شيعية في المنطقة حتى تسبب القلاقل والفتن فيما بعد، وضربت لها مثلاً بما يجري في العراق واليمن، وبمحاولات الشيعة زرع نبتة شقاق لهم في مصر وفلسطين والمغرب العربي الكبير فأظهرت الاهتمام، والله أعلم بما تنتهي إليه أحوال هذا المركز الخطير، وأرى أننا مقصرون جداً في دعم مثل هذه الجامعات، ويستغل تقصيرنا هؤلاء الشيعة ويملأون هذا الفراغ بمراكزهم الثقافية التي لها أهداف وغايات خطيرة.
ثم زرت المفتي عثمان بن عمر إسحاق، وهو مفتي جمهورية تترستان ورئيس الإدارة الدينية لمسلميها، والنائب الأول لرئيس مجلس شورى المفتين في روسيا، وقد أهداني كتباً عن تاريخ تترستان وعلمائها، وهي هدية ثمينة، وذلك لأن هذه الكتب حديثة النشر جداً، ولأنها ستكون عاملاً مهماً في سد الثغرة الكبيرة في تاريخ المنطقة، حيث إن هناك قروناً مغلقة بالغموض ولا أكاد أجد مصدراً بالعربية أو الإنجليزية يتحدث عنها، صحيح أن هذه الكتب تنشر بالروسية لكن ترجمتها سهلة إن شاء الله تعالى، وفي الإدارة الدينية شباب متحمسون نشطون أحسبهم على خير إن شاء الله تعالى.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)