مجريات الانتصار الكبير بفتح مكة
بقرائح الشعراء
التزم المسلمون ببنود الهدنة التي أبرمت في صلح الحديبية وعادوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدراجهم إلى المدينة ولم يحجوا البيت الحرام على إن يعودوا للحج في العام التالي وان يلتزم كلا الفريقين بعدم التعرض للآخر وكذلك لحلفاء الطرفين وقد جرت عدة أحداث لكنها لم تكن هامة لحد إمكانية إحداث صراع وخرق هدنة وكانت تعالج وتبقى تحت السيطرة ريثما تقوت شجرة دولة الإسلام ومدت عروقها بالأرض حتى حصلت حادثة الاعتداء من قبل قريش وبني بكر المتحالفين ضد خزاعة التي كانت حليفة للمسلمين وجرى ما جرى من حيثيات ذلك الاعتداء حتى أسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل عليه وانشد قائلا/-
يا رب أني ناشد محمدا ***حلف أبينا وأبيه الأتلـــدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا***ثم أسلمنا فلم ننزع يـــدا
فأنصر هداك الله نصرا أعتدا***وادع عباد الله يأتوا مـددا
فيهم رسول الله قد تجردا ***ابيضا مثل البدر يسموا صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا***في فيلق كالبحر يجري مُزبدا
إن قريشا اخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكــدا
وجعلوا لي في كداء رصدا***وزعموا ان لست ادعوا أحدا
وهم أذل واقل عــددا***هم بيتونا بالوتير هجـــدا
وقتلونا ركعا سجدا
(الروض الأنف)(زاد المعاد)لابن القيم (ابن هشام)(مغزي الواقدي)
فقال له رسول الله نُصِرتَ يا عمرو بن سالم وسرعان ما أحست قريش بالخطر لفعلتها المشينة بالغدر ونقض العهد والصلح وخافوا من عواقب ذلك الأمر فبعثوا بقائدهم وكبيرهم أبو سفيان صخر بن حرب في محاولة لتدارك الأمر فأسرع وخرج من فوره وجدّ إلى المدينة المنورة ولما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة فلم تجلسه على فراش النبي فقال لها أهذا بسبب الفراش أم بسببي قالت لا بل انك نجس ولايجوز أن تجلس على فراش الرسول فخرج إلى الرسول فكلمه فلم يرد عليه واعرض عنه ثم ذهب إلى أبى بكر رضي الله عنه فلم يكلمه أو يرد عليه أيضا أما عمر رضي الله عنه فقد هاجمه وقال لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به وهنا ذهب فدخل على علي وفاطمة وكان الحسن عندهم غلاما صغيرا رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين فقال يا علي انك أمسّ القوم بي رحِما واني جئت في حاجة فلا ارجعن كما جئت خائبا اشفع لي عند محمدا فقال ويحك أبو سفيان لقد عزم النبي على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة فقال هل لك أن تاجري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر قالت والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على رسول الله , فقال يا علي انصحني قال والله ما اعلم لك شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فاجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال أوَترى ذلك مغنيا عني شيئا قال لا والله ما أظنه ولكني لم أجد لك غير ذلك الأمر فقام أبو سفيان إلى المسجد فقال أيها الناس اني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وقفل راجعا إلى مكة ولما قدم مكة سأله قومه فاخبرهم بالخبر وانه قد عمل بنصيحة علي بن أبي طالب قالوا وما أمرك قال امرني ان أجير بين الناس ففعلت قالوا وهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ويلك ان زاد الرجل على ان لعب بك قال والله ما وجدت غير ذلك وغرق الجميع بهمهم وخوفهم .
أما المسلمون فقد خرجوا لفتح مكة لعشر خلون من رمضان المبارك من السنة الثامنة للهجرة وهم نحو عشرة آلاف مقاتل من الصحابة الكرام وقد استخلف النبي على المدينة أبى رهم الغفاري وفي الطريق إلى مكة لقاهم العباس بن عبد المطلب عم الرسول وأبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد الله بن أمية فقال لهم النبي لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين فانشده أبو سفيان بن الحارث أبياتا منها/-
لعمرك اني حين احمل راية***لتغلب خيل اللات خيل محمدِ
لكالمدلج الحيران اظلم ليله***فهذا أواني حين أهدى فاهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني***على الله من طردته كل مطردِ
فضرب الرسول صدره وقال أنت طردتني كل مطرد (زاد المعاد2/162/163)فواصل الرسول سيره بجيشه وهو صائم والناس صيام حتى بلغ الكديد وهو ماء بعسفان فافطر مع الناس ثم واصلوا السير حتى نزلوا بمر الظهران بوادي فاطمة فنزله عشاءً وأمر الجيش ان يوقدوا نارا على قدر عديدهم فأوقدوا عشرة آلاف موضع نار وجعل على الحرس عمر بن الخطاب وركب العباس بغلة الرسول البيضاء وخرج يلتمس بعض الحطابة أو أحدا يخبر قريش ليخرجوا ويستأمنوا الرسول قبل ان يدخل وكان الله قد عمّى الأخبار عن قريش تماما إلا ان أبى سفيان كان قد خرج مع حكيم بن حزام في تلك الليلة لتقصي الأخبار فشاهدوا النيران الكثيفة فارتعبوا ووافق خروجهم جولة العباس في تلك الليلة فلقاهم العباس رضي الله عنه فقال أبى حنظلة قال الآخر أبا الفضل فعرف كل منهم صاحبه فقال العباس والله لان ظفر بك ليضربن عنقك فاركب معي على عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستأمن لك فركب خلفه فدخل العباس على رسول الله فلحقهم عمر رضي الله عنه فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان فدعني اضرب عنقه لكن العباس رضي الله عنه قال لقد أجرته فدار بينهم الحديث حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فاتني به فلما حان الصباح ورآه الرسول قال له ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك ان تعلم ان لا اله إلا الله قال بابي أنت وامي ما أحكمك وأكرمك فقال العباس يا رسول الله ان أبى سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا فقال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن اغلق عليه باب داره فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن فلما أمر الرسول لأبى سفيان ذلك قال له العباس النجاء إلى قومك فأسرع إلى مكة يخبرهم بما اخبره الرسول فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الاخمش الساقين قبح من طليعة القوم فقال أبو سفيان ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فانه قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به فقام بعض المشركين وعسكروا بالخندمة فلقيهم خالد بن الوليد وصحبه وكان الجيش الإسلامي قد تقدم إلى مكة فاتحا بأبهى واجمل فتح ميسر من عند الله فقد انقسموا إلى فيالق تتقدم متزامنة إلى أبواب مكة فتناوش بالنبل أولئك المشركين مع المسلمين من رجال خالد بالخندمة فأصيب منهم على الفور اثنا عشر مشركا فانهزم الباقون إلى ديارهم واقفلوا عليهم الأبواب وكان منهم عماس بن قيس الذي كان يتوعد بالمسلمين من قبل ويعد سلاحه لقتالهم فلما هرب ودخل إلى بيته واغلق بابه قالت له زوجته أين ما كنت تتوعد به فانشد/-
انك لو شهدت يوم الخندمة*** اذفر صفوان وفر عكرمـة
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة*** يقطعن كل ساعد وجمجمة
ضربا فلا يسمع إلا غمغمة*** لهم تهيب خلفنا وهمهمـة
ودخلت الجموع والقادة خالد والزبير كل من بابه ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم فأتى الحجر الأسود فاستلمه وطاف بالبيت وفي يده قوس وجعل يطعن الأصنام بالقوس ويقول جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وكان طوافه على راحلته واخذ مفتاح الكعبة وأمر بالصور فمحيت وكسر الحمامة من عيدان وتطهرت الكعبة المشرفة من الأوثان والأصنام ولما آن وقت الصلاة أمر النبي بلال ان يصعد على ظهر الكعبة ويأذن للصلاة فكان ذلك اليوم يوما تاريخيا مشهودا.
مبايعة المشركين وإسلامهم
حين فتح الله مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين تبين لأهل مكة من المشركين الحق من الباطل وأرادوا الدخول بالإسلام واجتمعوا للبيعة فجلس النبي على الصفا يبايع الناس وعمر بن الخطاب اسفل منه يأخذ على الناس فبايعه على السمع والطاعة فيما استطاعوا .
مبايعة النساء وإسلامهن
وحوار النبي مع هند بنت عتبة
ولما فرغ النبي من بيعة الرجال اخذ في بيعة النساء في نفس الموضع وعمر جالس اسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه( تدارك التنزيل للنسفي) .
فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة خوفا من رسول الله ان يعرفها لما صنعت من فعل قبيح بالتمثيل بالجسد الطاهر الشريف لحمزة رضي الله عنه وأرضاه وجزاه الجنة, فقال الرسول أبايعكن على ان لا تشركن بالله شيئا فبايع عمر النساء على ان لا يشركن بالله شيئا فقال الرسول ولا تسرقن فقالت هند وهي تعتبر كبيرة قومها من النساء بان أبا سفيان رجل شحيح فان أنا أصبت من ماله هنات فكيف فقال أبو سفيان وما أصبت فهو لك حلال فضحك الرسول وعرفها فقال وانك لهند قالت نعم فأعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك , فقال ولا يزنين فقالت هند باستغراب عبارتها الشهيرة أوَتَزني الحُرّة !!! وهذا دليل على قيمة وقدر وكرامة المرأة عند العرب واعتزازها بكيانها وثقتها بنفسها ومكانتها حتى في ذلك المجتمع القبلي البدائي , وقال الرسول ولا يقتلن أولادهن فقالت هند ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فانتم وهم أعلم وكانت تقصد ابنها حنظلة ابن أبي سفيان الذي قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى فقال رسول الله ولا يأتين ببهتان فقالت هند والله ان البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق فقال ولا يعصينني في معروف فقالت له هند والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا ان نعصيك.
ولما رجعت جعلت تكسر أصنامها وتقول كنا منك في غرور....