عرض مشاركة واحدة
قديم 10-Dec-2007, 12:33 PM   رقم المشاركة : 94
أبو روعة
إغريقي
 
الصورة الرمزية أبو روعة

 




(iconid:15)

قتل الوزير نظام الملك

في الربع الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) بدأت تظهر على السطح قوة عسكرية من المسلمين الأتراك، هي قوة السلاجقة الذين ينتسبون إلى سلجوق بن تقاق، حيث أصبحوا قوة واضحة في خراسان وما وراء النهر التي كانت تتبع للدولة الغزنوية.

لكن بداية الحكم السلجوقي، وتأثيره في الحياة السياسية الإسلامية، لم يبدأ إلاّ في سنة 429هـ (1037م) عندما ورث زعامة هذا البيت أحد أحفاد سلجوق، وهو طغرل بك محمد، حيث تمكن في ذلك العام من الاستيلاء على مرو من الغزنويين، واستطاع أن يوطّد حكمه على كامل خراسان بما فيها عاصمتها نيسابور، وأعلن نفسه سلطاناً فيها، وبعث إلى الخليفة العباسي في بغداد القائم بأمر الله يطلب مباركته، ثم استولى طغرل على المناطق المجاورة وأهمها خوارزم وطبرستان وجرجان والري وبلخ...

وهكذا تمكن طغرل من إقامة دولة واسعة الأرجاء في المشرق الإسلامي على حساب دولة الغزنويين([1]) ودولة بني بويه([2])، مما شجع الخليفة على استدعاء السلطان طغرل بك، والطلب منه لدخول بغداد لمواجهة البويهيين، ومؤامرات العبيديين الفاطميين([3]).

واستطاع طغرل في ظل هذه الظروف أن يدخل بغداد، وينقذ الخليفة ويعيده إلى مقره معززاً مكرّماً، ويقضي على بني بويه سنة 447هـ ثم يقاتل البساسيري، ويقتله سنة 451.

وكانت الصبغة السنية شديدة الوضوح في دولة السلاجقة، إذ كانوا شديدي التمسك بمذهب أهل السنة، وكانوا يعدون أنفسهم جنود الخلافة الأوفياء، وإن كانوا لم يعيدوا للخليفة السلطات الفعلية التي فقدها إبان حكم البويهيين.

وبعد وفاة طغرل سنة 455هـ تسلم زعامة هذه الدولة الفتية ابن أخيه ألب أرسلان بن داود، فوطّد الحكم السلجوقي، واتجه بفتوحاته إلى بلاد الروم، وأوقع بهم هزيمة كبرى في معركة ملاذ كرد ،سنة 463هـ (1060م)، ودخل الإسلام بلاد الأناضول.

وكان السلطان ألب أرسلان قد اتخذ سنة 456هـ، أي بعد عام من تقلده زعامة دولة السلاجقة،من علي حسن بن علي بن إسحاق الطوسي المعروف بنظام الملك وزيراً له، بعد أن كان قد عمل مع داود بن ميكال، والد ألب أرسلان عندما كان يحكم خراسان، وقد علم ذكاءه وفطنته، وقدرته على تصريف الأمور، فما كان من داود إلاّ أن ألحق نظام الملك بحاشية ابنه طالباً منه أن يستفيد من قدرات نظام الملك، ويعرف له حقّه قائلاً له: "اتخذه والداً، ولا تخالفه فيما يشير به".

وظل نظام الملك وزيراً ومساعداً لألب أرسلان أكثر من 9 سنوات فازدهرت الدولة في أثنائها وتوطدت دعائمها، وارتفع شأنها، واتسعت حدودها، وتوجت جهود ألب أرسلان والوزير نظام الملك بالانتصار على الروم البيزنطيين في معركة ملاذ كرد الخالدة.

وتوفي ألب أرسلان سنة 465هـ (1072م)، ودّب الصراع فيمن يخلفه، إلى أن وضع نظام الملك نفوذه وقوته إلى جوار ملكشاه أكبر أبناء ألب أرسلان، ليصبح ثالث سلاطين السلاجقة.

كان السلطان الجديد في العشرين من عمره،والوزير نظام الملك في الخامسة والخمسين، عالماً ناضجاً، ووزيراً محنّكاً صهرته التجارب والأيام. وأسند ملكشاه الوزارة لنظام الملك حتى تستقر الأوضاع في الدولة التي كان يضعفها صراع الأمراء على السلطة، وقد ألقى إليه بمقاليد الأمور، ووضع فيه ثقته.

وأدت هذه العلاقة الوثيقة بين السلطان السلجوقي ملكشاه ووزيره الفذ نظام الملك إلى ازدهار الدولة وبلوغها ذروة المجد، فاتسعت حدودها، حتى شمل سلطانها بلاد الشام، وأجزاء من بلاد الروم، ومدت نفوذها إلى كرمان وآسيا الصغرى وأصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من الصين والهند شرقاً، إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً.. بل صارت أكبر قوة في العالم آنذاك.

المدارس النظامية
لم يكن نظام الملك وزيراً لامعاً ، ـ أو رئيس وزراء كما يعرف هذه الأيام ـ وحسب بل كان راعياً للعلم والأدب، ويحفل مجلسه بالعلماء والفقهاء والأدباء، بل كان هو أحد هؤلاء العلماء والفقهاء، وكان حريصاً على نشر العلم ومذهب أهل السنة الذي حاربه وحاول طمسه البويهيون والعبيديون الشيعة، فأسس نظام الملك المدارس لتلك الغاية، وعرفت بـ "المدارس النظامية".

وقد تأسس ما يمكن اعتباره "الفرع الأول" من هذه المدارس في بغداد سنة 457هـ على نهر دجلة، وانفق نظام الملك على بنائها 200 ألف دينار، وبنى حولها أوقافاً تكون وقفاً عليها، وأقام بها العديد من المرافق والخدمات لتشجيع الطلاب على الدراسة فيها.

وبعد بغداد، انتشرت هذه المدارس في نيسابور وبلخ وهراة وأصبهان والبصرة ومرو وطبرستان والموصل... وتخرج من المدارس النظامية عدد من العلماء الذين كان لهم شأن كبير بعد ذلك منهم:ابن عساكر، والعز بن عبد السلام،وابن رافع الأسدي المعروف بابن شداد.

وممن درّس في هذه المدارس أبو حامد الغزالي، والجويني المعروف بإمام الحرمين، وقطب الدين الشيرازي، وابن شداد، وابن الجوزي، والسهروردي...

وألحق نظام الملك بالمدرسة بناء خاصاً بالمكتبة،التي كانت تضم أكثر من عشرة آلاف مجلد في شتى الفنون وأبواب العلم، وشغل منصب "أمين المكتبة" فيها علماء ذوو شأن منهم أبو يوسف الإسفراييني، وأبو مظفر الإبيوردي، والخطيب التبريزي..

وفي كتاب لها عن الجويني الذي عيّنه نظام الملك مدرساً في "النظامية" تقول د. فوقية حسين محمود أن نظام الملك بفتحه هذه المدارس، والإنفاق عليها بسخاء، لم يكن يرمي إلى نشر العلوم الدينية فحسب، وإنما كان يهدف في قرارة نفسه، إلى تحقيق إصلاح جذري لأحوال البلاد المضطربة بجمع القلوب حول أمراء الدولة السلجوقية، وطبعها على الإخلاص لمذهب أهل السنة والجماعة، بعد أن كانت هذه القلوب متفرقة مزعزعة بسبب فعل الأيادي الأثيمة التي كانت ترمي إلى تحقيق مآربها الشخصية، معرّضة مصالح الناس وعقائدهم، بل وحياتهم للدمار والهلاك، فنظام الملك لم يكن سياسيّاً محنكاً فحسب، بل كان مصلحاً اجتماعيّاً أيضاً.

وإزاء ما كان يحدق بالإسلام من جميع الجوانب: الحشاشون الذين كان يزداد خطرهم، وتنتشر جرائمهم، والدولة البيزنطية التي كانت تتربص بالمسلمين الدوائر، وتؤازر الفاطميين في مصر للانقضاض على الخلافة، كان للحركة الفكرية التي قادها نظام الملك بالتوازي مع الحركة السياسية والعسكرية الدور الكبير في القضاء على الفتن، وفي استقرار الأوضاع في أنحاء العالم الإسلامي.



كتاب السياسة
وكان للوزير نظام الملك رحمه الله كتاب عظيم في السياسة وأصول الحكم، هو "سياست نامة" أي كتاب السياسة، ألفه باللغة الفارسية، وترجم إلى اللغة العربية، وطبع عدة مرات.

وقد وضع نظام الملك في كتابه هذا أفضل النظم لحكم الولايات التي تتكون منها الدولة، وتصريف الأمور، وسجل فيه أصول الحكم التي تؤدي إلى استقرار البلاد، كما ضمّنه نصائح إلى السلطان للسير بالعدل، وبين أنه لا يمكن الحفاظ على المملكة إلاّ بالعدل.

لم يكن الوزير نظام الملك شخصاً عابراً في مسيرة دولة السلاجقة، ذلك أنه رسخ أركان الدولة، وكان من عوامل الاستقرار فيها، وكانت له الجهود الكبيرة في نشر مذهب أهل السنة، ومحاربة المذاهب المنحرفة والأفكار الباطلة، لذلك فإن رجلاً فذّا مثل نظام الملك لا بد أن تتوجه إليه سهام الغدر والمؤامرات.

وهذا ما كان على يد الشيعة الإسماعيليين من فرقة الحشاشين([4])، الذين ساءتهم سيرة نظام الملك، ومحاربته لمذهبهم المنحرف، وتسييره الجند لاقتحام القلاع التي استولوا عليها، فأخذ ابن الصباح يعدّ بعض أتباعه لقتل نظام الملك، ونجحت مؤامرتهم في العاشر من رمضان سنة 485هـ (1092م)، حيث كان نظام الملك في أصبهان، وبينما هو في ركب السلطان، تقدم إليه غلام من الحشاشين في صورة سائل أو مستعطٍ، فلما اقترب هذا الغلام من الوزير أخرج سكيناً كان يخفيها، وطعنه طعنات قاتلة، فقتل رحمه الله على الفور، وكان حينها في السابعة والسبعين من عمره. وأدرك أصحاب نظام الملك ذلك الصبي فقتلوه.

لقد كانت تلك الجريمة، هي أول اغتيال "سياسي" يمارسه الحشاشون ضد أهل السنة من المسلمين، لتتوالى جرائمهم بعد ذلك، وقد جاوزت المائة، من بينها محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بعد قتلهم نظام الملك بحوالي 90 عاماً([5]).

ولكثرة ما قام به الحشاشون من اغتيالات وجرائم، أصبحت كلمة حشاش "assassin" اسماً شائعاً في معظم اللغات الأوربية، وتعني القاتل، أو بالتحديد "الذي يقتل خلسة أو غدراً، وغالباً ما تكون ضحيته شخصية عامة، وهدفه التعصب أو الجشع".

حققت جريمة اغتيال نظام الملك للحشاشين والفرق الباطنية مكاسب كبيرة، فهي أولاً خففت الوطأة عن الحشاشين، وجعلت عساكر السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك تنصرف عن القلاع التي كانوا يستولون عليها، والأهم من ذلك أن هذه الجريمة شكلت بداية النهاية لدولة السلاجقة التي بدأت بالانهيار مع مقتل نظام الملك، خاصة وأن السلطان ملكشاه توفي بعد شهر من مقتل وزيره (أي في شوال سنة 485هـ)، ولم يستطع خلفاؤه الحفاظ على ما بناه وحققه ملكشاه ونظام الملك، وقبلهما طغرل وألب أرسلان، لتبدأ دولة السلاجقة بالانهيار.



للاستزادة:

1ـ التاريخ الإسلامي (الدولة العباسية) الجزء السادس ص 231 ـ محمود شاكر.

2ـ الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية ص 323 ـ د. محمد عمارة.

3ـ موسوعة الأديان الميسرة ص 302 ـ إصدار دار النفائس.

4ـ أطلس تاريخ الإسلام ص 237 ـ د. حسين مؤنس.

5ـ تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة ص 47 ـ د. محمد عبدالله عنان.

6ـ خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية ص 115 ـ د.عماد عبد السميع.

7ـ إيران في ظل الإسلام ص 45 ـ د.عبد النعيم حسنين.

8ـ مواقع: إسلام أون لاين، إيلاف، الإسلام، ملتقى أهل الحديث، البوابة.


أخوكم أبو روعة
المصدر: الراصد نت












التوقيع


يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "في القلب شعث - أي تمزق وتفرق - لا يلمهُ إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً"
 أبو روعة غير متواجد حالياً رد مع اقتباس